الهند تستعد لانتخابات تشريعية ماراثونية... ومودي في الصدارة

لافتات دعائية لرئيس الوزراء ناريندرا مودي في شوارع رابيبور (أ.ف.ب)
لافتات دعائية لرئيس الوزراء ناريندرا مودي في شوارع رابيبور (أ.ف.ب)
TT

الهند تستعد لانتخابات تشريعية ماراثونية... ومودي في الصدارة

لافتات دعائية لرئيس الوزراء ناريندرا مودي في شوارع رابيبور (أ.ف.ب)
لافتات دعائية لرئيس الوزراء ناريندرا مودي في شوارع رابيبور (أ.ف.ب)

تبدأ الانتخابات التشريعية في الهند الجمعة، وتستمر 6 أسابيع، بينما يعدّ رئيس الوزراء ناريندرا مودي الأوفر حظاً للبقاء في السلطة على رأس الدولة الديمقراطية الأكثر تعداداً للسكان في العالم.

وما زال مودي يحظى بشعبية كبيرة بعد ولايتين زادت خلالهما الهند من نفوذها الدبلوماسي وثقلها الاقتصادي، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد استطلاع للرأي صادر عن معهد «بيو»، العام الماضي، بأنّ 80 في المائة من الهنود لديهم نظرة إيجابية حيال مودي بعد قرابة عقد في السلطة.

رئيس الوزراء ناريندرا مودي (أ.ف.ب)

وبدأ مودي (73 عاماً) وحزبه «بهاراتيا جاناتا» القومي الهندوسي، حملة غير رسمية الشهر الماضي؛ سعياً إلى تكرار الانتصار الساحق المحقّق عامَي 2014 و2019 من خلال اللعب على الوتر الديني.

هذا العام، دشّن مودي في مدينة أيوديا معبداً كبيراً أُنشئ على موقع مسجد عمره قرون دمّره هندوس متطرّفون. وحظي هذا الحدث بتغطية إعلامية واسعة النطاق، وأُقيمت احتفالات عامة في كل أنحاء الهند.

وقال أمام آلاف الأشخاص، الذين تجمهروا لحضور التدشين، «إن بناء المعبد يعد فجراً لحقبة جديدة في تاريخ الهند».

وعدّ محلّلون أن مودي هو الفائز في الانتخابات بحكم الأمر الواقع، نظراً إلى أن ائتلاف أحزاب المعارضة لم يسمِّ بعد مرشحه لمنصب رئيس الوزراء.

وأثارت تحقيقات جنائية فُتحت ضد معارضي مودي، حفيظة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، ومنظمات حقوقية، لأن ذلك يُعتبر قرينة على أن الانتخابات غير محايدة.

وقال وزير الخارجية س. جايشانكار، خلال مؤتمر صحافي هذا الشهر، «لست في حاجة إلى أن تقول لي الأمم المتحدة إن انتخاباتنا يجب أن تكون حرة ونزيهة»، مضيفاً: «شعب الهند سيحرص على ذلك، لا داعي للقلق».

توقيفات وتجميد حسابات

في مواجهة حزب مودي، تحوّل حزب «المؤتمر»، المعارض الرئيسي، الذي قاد نضال الهند من أجل الاستقلال، ثمّ حكم البلاد لعقود، إلى ظلّ لما كان عليه، ولم يعد يشارك في السلطة سوى في 3 ولايات من أصل 28.

لافتة التصويت الانتخابية المعروضة على طول أحد شوارع فيلور قبل الانتخابات العامة في الهند (أ.ف.ب)

وسعى قادته إلى تشكيل تحالف يضمّ أكثر من 20 حزباً إقليمياً لبلورة جبهة موحدة ضدّ حزب «بهاراتيا جاناتا»، الذي يتمتّع بثقل انتخابي وقدرات مالية.

لكنّ الخلافات داخل التكتّل بشأن تقاسم المقاعد أدّت إلى انشقاق أحد أعضائه وانضمامه إلى الحكومة، وعدم القدرة على الاتفاق على مرشّح لرئاسة الوزراء.

ويتّهم التحالف حكومة مودي باستخدام القضاء لإبعاد بعض زعماء المعارضة الذين تستهدفهم تحقيقات جنائية بمّن فيهم رئيس وزراء نيودلهي أرفيند كيجريوال، الذي أُلقي القبض عليه في مارس (آذار) الماضي بعد اتهام حزبه بمزاعم فساد مرتبطة بسياسة المشروبات الكحولية في المدينة.

ويُلاحق راهول غاندي (53 عاماً) الذي يعدّ الشخصية الأبرز في المعارضة، بنحو 10 دعاوى قانونية تمضي إجراءاتها ببطء. ويتهمه المسؤولون في حزب «بهاراتيا جاناتا» بالتشهير.

وعُلّقت عضويته في البرلمان مؤقتاً، العام الماضي، لأسباب متعلّقة بإحدى القضايا. كذلك، أعلن حزبه في فبراير (شباط) أنّ إدارة الضرائب جمّدت حساباته المصرفية، في جزء من تحقيق مستمر في إقراره الضريبي قبل 5 سنوات.

لافتة دعاية لانتخاب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ف.ب)

وصرح غاندي في مارس: «ليست لدينا أموال للقيام بحملتنا الانتخابية، ولا يمكننا دعم مرشحينا. لقد تضررت قدرتنا على خوض المعركة الانتخابية».

970 مليون ناخب

ويتهم غاندي الحكومة بالتسبب في تراجع الديمقراطية، وينتقد تبنيّها المعتقد الديني للغالبية في الهند، البالغ عدد سكانها 1.4مليار على حساب أقليات كبيرة، بمَن فيهم 220 مليون مسلم يشعرون بالقلق على مستقبلهم.

وفي ظل حكم مودي، أصبحت الهند خامس اقتصاد في العالم، متقدّمة على المملكة المتحدة، القوة الاستعمارية السابقة.

ويقول المدافعون عن حقوق الإنسان إن حرية الصحافة تتعرض لقمع متزايد.

ومنذ وصول مودي إلى السلطة عام 2014، تراجعت الهند 21 مركزاً في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تضعه «مراسلون بلا حدود»، لتصبح في المرتبة 161 بين 180 دولة.

لافتات دعائية للانتخابات فى شوارع الهند (أ.ف.ب)

وفي المجموع، سيُدعى 970 مليون هندي لانتخاب الأعضاء الـ543 في البرلمان، أي أكثر من عدد السكان الإجمالي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا معاً، في أوسع ممارسة للديمقراطية في العالم.

واختير تاريخ 19 أبريل (نيسان) للمرحلة الأولى من عملية التصويت التي ستمتدّ لأسابيع عدّة، على أن تكون المرحلة النهائية في الأول من يونيو (حزيران).

وستفرَز الأصوات في كل أنحاء البلاد في الرابع من يونيو. وعادة ما تعلن النتائج في اليوم ذاته.


مقالات ذات صلة

ممداني يقود موجة تطيح بمرشحين ديمقراطيين في انتخابات نيويورك التمهيدية

الولايات المتحدة​ عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)

ممداني يقود موجة تطيح بمرشحين ديمقراطيين في انتخابات نيويورك التمهيدية

حققت قائمة المرشحين التقدميين التي يدعمها عمدة نيويورك زهران ممداني فوزا واسعا على مرشحين ديمقراطيين مدعومين من التيار التقليدي في الانتخابات التمهيدية للكونغرس

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)

تحديات تواجه تنفيذ «خريطة» المنفي وصالح وتكالة في ليبيا

أثار سقف زمني حددته «الخريطة» التي طرحها في ليبيا رؤساء مجالس: النواب عقيلة صالح، والرئاسي محمد المنفي، والأعلى للدولة محمد تكالة، شكوكاً في إمكانية تحقيقها.

جاكلين زاهر (القاهرة)
الولايات المتحدة​ ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا 31 أكتوبر 2924 (أ.ف.ب)

تمرد قومي قد يربك جمهوريي أميركا حتى 2028

قال المعلق المحافظ تاكر كارلسون إنه لن يدعم الجمهوريين بعد الآن، متهماً قيادتهم بتقديم مصالح إسرائيل والمانحين والشركات على مصالح الأميركيين.

إيلي يوسف (واشنطن)
أفريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته (وكالة الأنباء الإثيوبية)

إثيوبيا: الحزب الحاكم يرسخ هيمنته داخلياً رغم أزمات الخارج

لم تمنع توترات تواجهها إثيوبيا داخلياً بأمهرة وتيغراي وخارجياً مع مصر وإريتريا من نيل الحزب الحاكم تفويضا شعبياً كبيراً يمكّنه من أغلبية مريحة وتشكيل حكومة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الحملة الانتخابية تجري بالجزائر وسط فتور من الناخبين (إعلام حزبي)

الجزائر: مذكرة لهيئة الانتخابات عن «الملصقات الدعائية» تثير جدلاً واسعاً

أحدثت مذكرة جديدة لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر هزة في مسار الحملة الانتخابية للاقتراع التشريعي المقرر في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

زلزال بقوة 6.9 درجات يضرب شمال اليابان

وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي  (رويترز)
وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي (رويترز)
TT

زلزال بقوة 6.9 درجات يضرب شمال اليابان

وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي  (رويترز)
وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي (رويترز)

أعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليابانية تسجيل زلزال بقوة 6,9 درجات قبالة سواحل شمال اليابان الخميس، مشيرة إلى عدم وجود خطر حدوث موجات تسونامي.

ووقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي في شمال جزيرة هونشو وعلى عمق 50 كيلومتراً بسحب الوكالة.


مضيق هرمز... كيف يمكن تفادي «قنبلة إيران الاقتصادية»؟

سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)
سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)
TT

مضيق هرمز... كيف يمكن تفادي «قنبلة إيران الاقتصادية»؟

سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)
سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)

شبّه المفكّر الاستراتيجيّ البروسي، كارل فون كلوزفيتز، الحرب بـ«الحرباء» (Chameleon). أنت تبدأها، وهي تقودك بعد الطلقة الأولى. ديناميكيّتها أسرع من عملية اتخاذ القرار للقيادتين السياسيّة والعسكريّة. لكن الأكيد، وحسب ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني السابق، فإنه وبمجرّد أن تبدأ الحرب يتحوّل رجال الدولة والساسة من قادة إلى عبيد للأحداث التي تنتجها الحرب، وهي أحداث تكون في أحيان كثيرة غير متوقّعة ولا يمكن السيطرة عليها.

اعتقدت ألمانيا أن الحرب العالمية الأولى ستكون قصيرة، وأن احتلال باريس سيكون أمراً سهلاً. لكن الحرب استمرّت لمدة أربع سنوات و3 أشهر وأسبوع، ودفعت ألمانيا خلالها 2.1 مليون قتيل من الجنود، كما عوقبت بمعاهدة فرساي المُذلّة. اعتقدت روسيا الإمبراطوريّة في عام 1905 أنها قادرة على التوسّع في الشرق للوصول إلى المياه الدافئة، فكانت الحرب البحريّة مع اليابان والتي مُنيت فيها روسيا بهزيمة بحريّة كبيرة، كانت لاحقاً أحد أسباب سقوط نظام القيصر نيكولاي الثاني، آخر قياصرة الإمبراطورية الروسية، أمام المدّ الشيوعي اللينينيّ (الثورة البلشفية عام 1917). وعليه، اعتقدت اليابان؛ كونها أول من حقّق نصراً عسكرياً على قوة غربيّة، أنها قادرة على فرض نفوذها على محيطها، فكانت عملية بيرل هاربور ضد الأميركيين عام 1941؛ ما أدى إلى انخراط أميركا في الحرب العالمية الثانية واستعمالها السلاح النوويّ لإخضاع اليابانيين. وفي أيامنا هذه، اعتقد الرئيس فلاديمير بوتين أن «العملية العسكريّة الخاصة» ضد أوكرانيا في عام 2022، لن تتجاوز الأيام العشرة، وأن الشعب الأوكراني سيستقبل الجيش الروسيّ بالورد. لم تُطابق حسابات الحقل حسابات البيدر. لا تزال الحرب مستمرّة. خسرت روسيا آلتها العسكريّة، كما خسرت ما يُقارب مليون جندي بين قتيل وجريح، هذا عدا عن خسارتها سمعتها وهيبتها. خسرت أيضاً القدرة على الاحتفاظ بالمحيط المباشر (Near Abroad)؛ كونه كان تاريخيّاً منطقة نفوذ روسيّة. لكن الخسارة الأكبر كانت في أنها تحوّلت من قوّة عظمى مستقلّة إلى لاعب «جونيور» (صغير) إلى جانب الصين الصاعدة. ويُقدّر خبراء التكلفة الاقتصاديّة الشاملة لحرب بوتين على أوكرانيا بما بين 2.4 و2.5 تريليون دولار.

اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982. أخرجت منظّمة التحرير الفلسطينيّة ودمّرتها عسكريّاً. لكن إسرائيل عوقبت بلاعب آخر هو «حزب الله». خلقت إيران ما يُسمّى «وحدة الساحات»، من ضمن علاقة المركز بالأطراف (Spoke & Hub) لمحاصرة إسرائيل، وخلق منظومة ردع في مواجهتها، بالإضافة إلى محاولة استنزافها. ومن ضمن هذه المعادلة، جرّ الوكيل في قطاع غزّة الأصيل في طهران إلى حرب بدأت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ولا تزال مستمرة حتى الآن، وقد تتواصل بعد الاتفاق الأميركيّ - الإيرانيّ، ولو بطريقة ووسائل مختلفة.

في فبراير (شباط) الماضي، اعتقدت كل من أميركا وإسرائيل أن ضربة خاطفة على إيران من الجو، ستغيّر معادلة القوة في الداخل الإيراني، كما في الإقليم. عُوقب الاثنان بقانون «العواقب غير المقصودة» في الحروب. كان هدفهما الأساسي القضاء على القنبلة الذريّة التي خشيتا أن طهران تسعى إلى امتلاكها من خلال مخزونها من اليورانيوم المخصّب، فتبيّن أن مضيق هرمز يشكّل أيضاً ما يشبه القنبلة الذريّة الاقتصاديّة لدول العالم كافة.

في المضايق بشكل عام

سفن عالقة بمضيق هرمز (رويترز)

يصل عدد المضايق البحريّة في العالم إلى أكثر من 100، لكن الأهم فيها هي المضايق التالية:

مضيق هرمز: يمر عبره 20 في المائة من نفط العالم (20 مليون برميل يومياً)، عدا عن البتروكيماويات والهيليوم الذي تصدّره دولة قطر والمهم جدّاً في مجال الذكاء الاصطناعي. لا توجد ممرّات مائية بديلة عن هذا المضيق للخروج من الخليج العربي.

مضيق باب المندب: يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويمر عبره نحو ثمانية ملايين برميل نفط يوميّاً. كما يمرّ عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالميّة.

قناة السويس: هي أقصر طريق بحرية بين أوروبا وآسيا، وهي استكمال لباب المندب، فإذا أُغلق تُغلق بدورها. تدرّ هذه القناة سنويّاً على مصر ما يُقارب 4 مليارات دولار. أدّى تأميم القناة من قبل الرئيس المصري الراحل جمال عبد النصر إلى حرب السويس عام 1956.

مضيق ملقا (مالاكا): يمّر عبره أكثر من 60 في المائة من تجارة الصين، كما معظم وارداتها من الطاقة. شكّل هذا المضيق، بسبب سيطرة أميركا عليه، ما سُمّي «معضلة ملقا» للصين. وهو أيضاً ممر مهمّ وحيويّ لليابان الدولة التي تتألّف من مجموعة جزر يُقدّر عددها بأكثر من 14 ألف جزيرة. كما أن هذا المضيق كان من ضمن منطقة النفوذ التي رسمتها اليابان الإمبراطوريّة قبيل الحرب العالمية الثانية.

قناة بنما: تربط القناة المحيط الأطلسي بالهادئ، كما تربط شرق أميركا بغربها. أسهم فكر ألفرد ماهان، وهو مفكّر عسكريّ بحريّ أميركي، في شق القناة أيام الرئيس الأميركي الراحل ثيودور روزفلت، خاصة وأن أميركا تُعدّ بأنها أهم قوّة بحريّة في العالم ومُحاطة بمحيطين (2Ocean Country).

البوسفور والدردنيل: يشكلان المنافذ البحرية الوحيدة إلى البحر الأسود، ويمر عبرهما نحو 5 في المائة من النفط العالميّ. يعدَّان ممراً حيويّاً لكل من روسيا، رومانيا، أوكرانيا، بلغاريا وحتى كازاخستان التي تصدّر نفطها عبر روسيا ومن البحر الأسود.

باختصار، قد يمكن تصنيف هذه المضايق على الشكل التاليّ: هي شرايين التجارة والطاقة للعالم. هي رمز النفوذ البحري لمن يسيطر عليها، حتى دون أن يمتلك قوة بحريّة كبيرة. فمضيق ملقا (مالاكا) هو باب شرق آسيا إلى المحيط الهندي والذي عدَّه المفكر الأميركي روبرت د. كابلان أنه سيكون محور الصراع في القرن الحادي والعشرين. أما باب المندب، فيُعدّ الباب الأقرب والأقل تكلفة لأوروبا إلى المحيط الهندي. فهو يتكامل مع قناة السويس. أما مركز الثقل العالمي، فهو حتماً مضيق هرمز الذي لا بديل له، كممر بحري، حتى الآن.

ولإيضاح أهميّة المضايق بشكل عام، يمكن الارتكاز على الثابت في استراتيجيّة الأمن القومي الفرنسيّ التي تُظهّر أهمية المضايق حول العالم. فماذا عنها؟

ترى فرنسا نفسها قوّة قاريّة - بحريّة. فهي تطّل مباشرة على المحيط الأطلسي، كما على البحر الأبيض المتوسّط. لكنها تطلّ بشكل غير مباشر، وعبر الأراضي الفرنسية خارج فرنسا الأوروبية، على كل محيطات العالم. فهي في المحيط الهادئ عبر بولينيزيا الفرنسيّة وكاليدونيا الجديدة. وهي في المحيط الهندي عبر مايوت وريونيون، وهي أرض فرنسية قرب جزيرة مدغشقر. وتوجد أيضاً في منطقة نفوذ الرئيس ترمب الجديدة - القديمة في البحر الكاريبيّ عبر غوادلوب والمارتينيك. وبهذه الجغرافيا المعقدّة لفرنسا، تتكشف أهميّة المضايق البحريّة. فوجود حاملة الطائرات شارل ديغول مثلاً قرب مضيق هرمز، تحت حجة المساعدة في نزع الألغام في المضيق بعد التوصّل إلى حل للحرب الدائرة، وكذلك الوجود البحري الفرنسيّ في الخليج، يوضح بلا شك استراتيجيّة فرنسا الكبرى في مجال حماية الممرات المائية.

سفن شحن تبحر في الخليج بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في التأقلم - مضيق هرمز نموذجاً

أثبتت الحرب الأخيرة في المنطقة أن مضيق هرمز يُشكّل مركز ثقل أساسيّاً لدول المنطقة. توصف هذه المنطقة، حسب الكاتب الجيوسياسيّ شاوول برنارد كوهين، «حزام التكسّر» الجيوسياسيّ. فهي منطقة جغرافيّة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، بحيث تتنافس عليها باستمرار؛ الأمر الذي يجعل بعض دولها دولاً غير مستقرّة باستمرار. فكم من حرب وقعت فيها منذ نهاية سبعينات القرن الماضي؟ ففي عام 1979 حصلت الثورة الإيرانيّة وأطيح حكم الشاه، ثم استصدر الرئيس جيمي كارتر، عام 1980، ما أُطلق عليه «عقيدة كارتر» التي تنص على أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية، إذا لزم الأمر، للدفاع عن مصالحها الوطنية في منطقة الخليج. ثم جاءت حرب السنوات الثماني العراقيّة - الإيرانيّة (1980 - 1988). وفي عام 1991، قادت الولايات المتحدة تحالفاً لتحرير الكويت بعدما اجتاحتها قوات الرئيس العراقي صدام حسين. وفي عام 2003، أطلقت أميركا حرب إطاحة صدام. وحالياً، تعيش المنطقة تداعيات الحرب التي وقعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة، وإيران، من جهة أخرى. جاءت هذه الحرب في وقت خططت دول المنطقة لكسر «حزام التكسّر» الجيوسياسيّ وجعل أراضيها ومياهها صلة وصل بين الغرب والشرق (The Hub). أضرّت الحرب، بلا شك، بهذه الخطط، ومن هنا يبدو من الضروري العودة إلى مبدأ امتصاص الصدمة وخلق البدائل، خاصة فيما يخصّ مضيق هرمز. فكيف؟

عُدّ مضيق هرمز بمثابة الورقة الأقوى في يد إيران خلال المفاوضات مع الأميركيين. ففيه ومنه ينبع الحلّ. وبالتالي، فإن فتح المضيق شكّل دليلاً مباشراً على انتهاء الحرب. لكن الحرب الأخيرة أظهرت، عمليّاً وفعليّاً، ضرورات تعزيز الأمن القومي في دول المنطقة. كما أظهرت ضرورة أن يتزامن إيجاد البدائل للمضيق، ممرّاً لثروات دول المنطقة، مع صياغة استراتيجيات عسكريّة تحمي هذه الدول، كما تحمي مشروع رفع صفة «حزام التكسّر» الجيوسياسيّ عن منطقة الخليج. وإذا رأى الخبراء أن مضيق هرمز هو أهم ورقة بيد إيران. فالورقة عادة تفقد قيمتها العليا عندما تُستعمل على أرض الميدان لتحسين الموقع على طاولة التفاوض. وعليه، سيُفتح المضيق، وستستعمله دول المنطقة مُجدّداً. لكنها حتماً ستسعى إلى خلق البدائل، خاصة وأن توازنات المنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه من قبل. وعليه، وجب التحضير للسيناريو السيّئ مع الاستمرار بتنفيذ النموذج الجديد للمنطقة من رؤى مستقبليّة وغيرها. فماذا عن بعض البدائل؟

تتصدر مشاريع نقل وإمدادات الطاقة من منطقة الخليج واجهة الاهتمامات الجيواقتصادية العالمية، وسط مساعٍ حثيثة لتنويع مسارات التصدير اللوجستية وتجاوز المضايق البحرية الحرجة، لا سيما مضيق هرمز، من خلال التحول نحو خطوط النقل البري والربط بين البحار المحورية. ويأتي هذا التحول نحو تعزيز خطوط النقل البري والربط بين البحار المحورية ليعكس رغبة إقليمية ودولية في تحصين سلاسل الإمداد؛ حيث تبرز في هذا السياق مساعٍ لإعادة إحياء رؤية «البحار الأربعة» الهادفة إلى ربط الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر الأسود، بالبحر الأبيض المتوسط، عبر شبكة أنابيب برية متكاملة تضمن تدفق الطاقة بأمان نحو الأسواق العالمية، وفي مقدمتها القارة الأوروبية. وفي إطار تنويع منافذ التصدير، يتجه العراق نحو تعزيز مرونته اللوجستية عبر مسارات متعددة وبحث إمكانية إعادة إحياء خط الأنابيب النفطي الاستراتيجي لربط حقول الإنتاج الجنوبية مع شبكة خطوط الأنابيب في السعودية، كما تتضمن الرؤية العراقية خيارات التصدير شمالاً عبر خط «كركوك - بانياس»، إلى جانب استمرار التنسيق لضخ الخام عبر خط أنابيب «كركوك - جيهان» المتجه إلى تركيا؛ ما يمنح عمليات التصدير خيارات جغرافية مرنة ومتعددة. كذلك، تسعى الإمارات إلى رفع نسبة الاستيعاب لأنابيب النفط التي تصّب في الفجيرة بحيث تصل إلى 3 ملايين برميل يومياً. وأخيراً، تسعى كل من السعودية وتركيا إلى إعادة إحياء خطوط سكك الحديد (سكك حديد الحجاز) التي تربط الجزيرة العربية بتركيا، عبر الأردن وسوريا، وصولاً إلى القارة العجوز.

في الختام، يعيش العالم مرحلة تخبطّ خطرة جدّاً. عالم بدأت موازين القوى تختلّ فيه بشكل غير مضبوط؛ الأمر الذي يُهدّد الاستقرار في كثير من الدول. في مثل هذا العالم، يتراجع دور الدولة - الأمة ويتقدّم دور اللاعب اللادولتيّ. عالم أصبح فيه المُعطّل (Disruptor)، حتى ولو كان حجم قوّته صغيراً جدّاً، قادراً على تعطيل استراتيجيّات القوى العظمى. عالم لم يعد فيه السلاح النووي يُشكّل رادعاً للقوى التي لا تملك هذا السلاح. عالم لا ينتظر تشكّل نظام عالميّ جديد، وكيف ستكون فيه موازين القوى.


كوريا الشمالية تدخل مدمرة جديدة الخدمة... وتصفها بأنها «إنجاز نووي وبحري كبير»

من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)
من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)
TT

كوريا الشمالية تدخل مدمرة جديدة الخدمة... وتصفها بأنها «إنجاز نووي وبحري كبير»

من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)
من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)

أعلنت كوريا الشمالية عن إدخال مدمرة جديدة تزن 500 طن الخدمة، ووصفها الزعيم كيم جونغ أون بأنها «رمز لتنامي القدرات البحرية والنووية» للبلاد، وفق ما أفادت به وسائل الإعلام الرسمية، الأربعاء، في إطار سعي بيونغ يانغ لتعزيز قدرتها على بسط نفوذها العسكري في البحر.

وقالت «وكالة الأنباء المركزية الكورية» الرسمية، إن كيم صرّح خلال حفل تدشين أقيم يوم الثلاثاء في ميناء «نامبو الغربي»، بأن السفن الحربية مثل «تشوي هيون» تظهر أن تسليح البحرية بالأسلحة النووية يسير وفق الخطة الموضوعة.

وأضافت الوكالة، أن السفينة «تشوي هيون» دخلت رسمياً الخدمة في البحرية الكورية الشمالية عقب الحفل، وستُكلف بالدفاع عن الساحل الغربي للبلاد.

ومنذ الكشف عن السفينة في أبريل (نيسان) 2025، قدّم كيم «تشوي هيون» باعتبارها «خطوة مهمة نحو توسيع مدى العمليات العسكرية، وتعزيز قدرات الضربة الاستباقية». وذكرت الوكالة أن السفينة مزودة بأنظمة متعددة تشمل أسلحة مضادة للطائرات والسفن، إضافة إلى صواريخ باليستية وصواريخ كروز قادرة على حمل رؤوس نووية.

كيم جونغ أون يتحدث في حفل إطلاق المدمرة (أ.ف.ب)

ويقول مسؤولون وخبراء في كوريا الجنوبية إن السفينة «صنعت على الأرجح بمساعدة روسية، في ظل تعمق التعاون العسكري بين البلدين»، فيما يشكك بعض المحللين في جاهزيتها للدخول في الخدمة الفعلية.

وأجرت كوريا الشمالية خلال الأشهر الماضية سلسلة من الاختبارات على «تشوي هيون» قبل نشرها، بما في ذلك إطلاق ما وصفته بصواريخ كروز قادرة على حمل رؤوس نووية من فوق متنها.

وقال كيم في كلمة خلال مراسم الثلاثاء: «من الواضح أن العهد الذي كان سلاحنا البحري مجرد قوة للدفاع عن البحر قبالة أراضينا، أصبح شيئاً من الماضي. إنه يتطور الآن إلى قوة عسكرية متكاملة مزودة بوسائل استراتيجية؛ حيث إن برنامج تزويد البحرية بالأسلحة النووية يسير وفق النهج المخطط له دون انحراف».

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ يعاين من إحدى القواعد البحرية لبلاده المنطقة الفاصلة مع جارته الشمالية (أ.ب)

وكان كيم قد قال عقب تجربة صاروخية على متن «تشوي هيون» في مارس (آذار) الماضي، إن جهوده لتسليح البحرية بأسلحة نووية سوف «ترقى إلى تغيير جذري في الدفاع عن سيادتنا البحرية، وهو شيء لم نحققه منذ نصف قرن».

ولم تسهب وسائل الإعلام بشأن ما كان يعنيه كيم، ولكن بعض المحللين يقولون إن كوريا الشمالية ربما تجهز للإعلان رسمياً عن حدود بحرية قد تتعدى على المياه التي يُسيطر عليها غريمها الكوري الجنوبي.