بإيعاز إيراني، اختار الحوثيون خلال الأيام الماضية، دفع الأزمة اليمنية إلى مزيد من التعقيد على المستوى العسكري، بعدما جمعوا بين استئناف هجماتهم على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وتصعيد عملياتهم الميدانية في جبهات القتال الداخلية، في تطور أثار تحذيرات أممية من اتساع رقعة الصراع، وإدانات عربية وأوروبية، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية إحباط هجوم واسع للجماعة في محافظة الضالع، مؤكدة تكبيدها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تؤدي الهجمات البحرية إلى تقويض الجهود الرامية للحفاظ على التهدئة التي تشهدها الجبهات اليمنية منذ أكثر من عامين، خصوصاً مع تحذير المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، من أن استئناف استهداف السفن التجارية سيدفع اليمن نحو مزيد من المواجهة، ويزيد من انخراطه في الصراعات الإقليمية، بما يفاقم معاناة السكان ويعقّد فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
أحبط أبطال القوات المسلحة، فجر اليوم هجوما لمليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني على مواقع عسكرية في جبهات شمالي غرب محافظة الضالع، بعد معارك عنيفة انتهت بتكبيد المليشيا خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. pic.twitter.com/pC86279lrr
— وزارة الدفاع اليمنية (@YemenMOD) July 23, 2026
وقالت القوات الحكومية اليمنية إنها أحبطت هجوماً شنته الجماعة الحوثية، فجر الخميس، على مواقع عسكرية في جبهات حجر والفاخر شمال غربي محافظة الضالع (جنوب)، بعد معارك عنيفة قالت إنها انتهت بإجبار المهاجمين على التراجع.
وبحسب مصادر عسكرية، أسفرت المواجهات عن مقتل 23 من عناصر الجماعة وإصابة العشرات وأسر 7 آخرين، مقابل مقتل 4 من أفراد القوات الحكومية وإصابة 10.
كما تحدثت مصادر محلية عن وصول عشرات القتلى والجرحى من الحوثيين إلى مستشفيات محافظة إب، بينهم قيادات ميدانية، بعد فشل الهجوم الذي سبقته تعزيزات كبيرة دفعت بها الجماعة إلى الجبهة في محاولة لإحداث اختراق ميداني.

وأشاد رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني، بما وصفها بالبطولات التي حققتها القوات في الضالع، مؤكداً خلال اتصال بمحافظ المحافظة أحمد القبة، أن جاهزية القوات وروحها القتالية أفشلتا محاولات الحوثيين تحقيق أي تقدم، فيما أكد المحافظ استمرار استعداد القوات المشتركة والمقاومة لمواجهة أي هجمات جديدة.
وفي الساحل الغربي، أعلنت قوات خفر السواحل إسقاط طائرة مسيّرة استطلاعية تابعة للحوثيين أثناء تحليقها فوق منطقة أبو زهر جنوب الحديدة، وقال الإعلام العسكري إن الطائرة كانت مخصصة لأغراض التجسس وتعمل بمحرك يعمل بالوقود.
تصعيد بحري وإدانات
جاءت التطورات الميدانية بالتزامن مع موجة إدانات واسعة للهجوم الحوثي على سفينة تجارية سعودية في البحر الأحمر؛ إذ عدّ التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية اليمنية استهداف السفن التجارية يمثل امتداداً لنهج يهدد أمن الملاحة الدولية ويخدم الأجندة الإيرانية في المنطقة.
وأكد التكتل أن استمرار الهجمات على السفن والمنشآت المدنية يلحق أضراراً مباشرة باقتصادات دول البحر الأحمر، وفي مقدمتها اليمن ومصر، مطالباً مجلس الأمن الدولي بتفعيل قراراته الخاصة باليمن، واتخاذ إجراءات توقف ما وصفه بعمليات القرصنة الحوثية، كما دعا إلى تنظيم فعاليات شعبية دعماً لجهود استعادة مؤسسات الدولة.

وفي السياق ذاته، أدان وزير النقل اليمني محسن العمري وسفراء الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، خلال اجتماع عبر الاتصال المرئي، الهجوم على السفينة السعودية، مؤكدين أن استهداف السفن المدنية وإمدادات الطاقة العالمية يعكس استمرار تهديد الحوثيين لأمن الملاحة الدولية، ويزيد من مخاطر جر اليمن إلى صراعات أوسع تخدم الأجندة الإيرانية، وفق ما جاء في الاجتماع.
كما ناقش الاجتماع استمرار التصعيد الحوثي والتدخلات الإيرانية، وشدد على أهمية احترام سيادة اليمن وحماية الملاحة البحرية وفق القانون الدولي، إلى جانب دعم الجهود الرامية لاستمرار الرحلات المدنية عبر مطار صنعاء عندما تتوافر الضمانات اللازمة، والإفراج عن أصول شركة الخطوط الجوية اليمنية المحتجزة لدى الحوثيين.
مخاوف من اتساع الصراع
حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من أن استئناف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، ينذر بدفع اليمن نحو مزيد من المواجهة، ويزيد من ارتباطه بالصراعات الإقليمية، مؤكداً أن الحفاظ على مكتسبات هدنة عام 2022، ومنع العودة إلى حرب واسعة، لا يزالان يمثلان أولوية بالنسبة للأمم المتحدة.
وأوضح غروندبرغ أن الأسابيع الماضية شهدت سلسلة من المشاورات مع الأطراف اليمنية والجهات الإقليمية والدولية، معتبراً أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام العودة إلى مفاوضات تضع مصالح اليمنيين في المقدمة، وأن التوصل إلى تسوية سياسية شاملة سيعزز أيضاً استقرار المنطقة.

في المقابل، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، أن الحوثيين ينفذون أجندة الحرس الثوري الإيراني، معتبراً أن تصعيدهم لا يخدم اليمنيين، وداعياً إلى توحيد الجهود العسكرية والسياسية والإعلامية لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، كما شدد على استمرار دعم اليمن لمحيطه العربي في مواجهة التدخلات الإيرانية.
ويعكس تزامن التصعيد في البحر الأحمر مع الهجمات الحوثية البرية في الضالع، اتجاهاً نحو رفع مستوى المواجهة في أكثر من جبهة في وقت واحد، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من تقويض مسار التهدئة، وفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع اليمني، في ظل استمرار التحذيرات من تداعيات ذلك على الوضعين الإنساني والاقتصادي وأمن الملاحة الدولية.
