وسط تحديات الحصار الحوثي والصراع المستمر، تسعى محافظة تعز اليمنية (جنوبي غرب) إلى استعادة اهتمامها بإرثها الحضاري، عبر حملة واسعة لترميم معالمها التاريخية وصونها، بالتزامن مع تحركات ميدانية وأمنية لملاحقة عصابات نهب الآثار والتصدي لعمليات العبث بالمواقع الأثرية.
وتعكس هذه الجهود إدراكاً متنامياً أن حماية التراث لا تقتصر على صيانة المباني التاريخية، بل تمثل دفاعاً عن الذاكرة والهوية اليمنيتين في مواجهة سنوات الصراع.
وتتواصل أعمال الترميم والصيانة لتشمل أبرز معالم المدينة القديمة، وفي مقدمتها قلعة القاهرة، وقلعة السراجية، وحمام المظفر البخاري، والمباني التراثية المحيطة، إلى جانب المتحف الوطني. كما يستعد فرع «الهيئة العامة للآثار والمتاحف» لإطلاق مشروع لترميم مسجد المظفر التاريخي، أحد أبرز المعالم الإسلامية في تعز؛ بهدف الحفاظ عليه واستعادة قيمته التاريخية والمعمارية.

وتمتد أعمال الصيانة إلى معظم المباني التاريخية التي تضررت بفعل الحرب والإهمال، في إطار خطة لإحياء الإرث العمراني الذي اشتهرت به تعز، التي كانت عاصمة لـ«الدولة الرسولية» وتركت رصيداً حضارياً وثقافياً متنوعاً.
ويقول مسؤولون في «الهيئة العامة للآثار والمتاحف» اليمنية إن المشروعات الجارية تستهدف الحفاظ على المعالم التاريخية من التدهور، وتأهيلها لتظل شاهدة على تاريخ المدينة، بما يعزز فرص الاستفادة منها ثقافياً وسياحياً مستقبلاً.
ملاحقة لصوص الآثار
بالتوازي مع أعمال الترميم، تقود «الهيئة العامة للآثار والمتاحف» حملة لحماية المواقع الأثرية من التخريب والسرقة؛ إذ نفذ المدير العام لفرع الهيئة في محافظة تعز، محبوب الجرادي، جولة ميدانية شملت المواقع الأثرية في منطقتي السواء والمشاولة بريف المحافظة الجنوبي، لمتابعة أوضاعها وتعزيز إجراءات حمايتها، بعد تعرض بعضها لعمليات نبش عشوائي.
وشملت الجولة حصن القَدَم، ومدينة الظهرة، وموقع دار الكَدَم، حيث اطّلع الجرادي على الأضرار الكبيرة التي خلفتها أعمال النبش غير المشروع في حصن القَدَم. وأكد أن هذه الاعتداءات تمثل جريمة بحق التراث الإنساني؛ «لأنها لا تقتصر على سرقة اللقى الأثرية، بل تؤدي أيضاً إلى تدمير الطبقات التاريخية والأدلة العلمية التي يصعب تعويضها».

وفي تطور ميداني، أعلنت «الهيئة» نجاحها، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، في ضبط المعتدين على موقع دار الكَدَم الأثري، وإلزامهم إعادة الموقع إلى وضعه السابق تحت إشراف مهندسي «الهيئة»، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم لمنع تكرار الاعتداءات.
ويُعد حصن القَدَم من أبرز المواقع الأثرية في مديرية المعافر، ويعود تاريخ إنشائه إلى عصور ما قبل الإسلام، ويتميز بتحصيناته الدفاعية ومنشآته المائية ومخازنه التقليدية، بما يعكس مكانته العسكرية والحضارية عبر التاريخ.
وأطلقت «الهيئة العامة للآثار والمتاحف» في تعز مناشدة إلى السلطات المحلية والأمنية لتوفير حماية مشددة للمواقع الأثرية، وتخصيص الموارد اللازمة لمنع تعرضها للانهيار أو الاندثار، في ظل استمرار المخاطر التي تهددها.
كما دعت مؤسسات المجتمع المدني والمثقفين والناشطين وسكان المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية إلى الإسهام في حمايتها ونشر الوعي بأهميتها، مؤكدة أن الحفاظ على هذه المعالم مسؤولية جماعية تتجاوز المؤسسات الرسمية.
