من هو أبو علي الحضرمي... رجل الظل الذي أدار المشهد في حضرموت ثم اختفى!

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل شخصيته الغامضة... وكيف أسس لواءً أمنياً خارج الدولة

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)
ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)
TT

من هو أبو علي الحضرمي... رجل الظل الذي أدار المشهد في حضرموت ثم اختفى!

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)
ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)

في حضرموت، لا يُتداول اسم «أبو علي الحضرمي» إلا مقروناً بالغموض والرهبة، يصفه البعض بـ«قاسم سليماني حضرموت»، بينما يفضِّل هو أن يُعرَف باسم «أبو محمد». أما اسمه الحقيقي، صالح بن الشيخ أبو بكر، فلم يكن معروفاً إلا قبل نحو عام واحد، في مؤشر على طبيعة شخصية حرصت على إخفاء هويتها، وبناء حضورها من خلف الستار.

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي، من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة، محاطاً بهالة كثيفة من السرية، لكنه غادرها حتى دون أن يلتفت خلفه أو يودّع زملاءه، على متن طائرة إماراتية غادرت مطار الريان بالمكلا.

في أحد الاجتماعات التي عُقدت داخل مطار الريان، المقر السابق للقوات الإماراتية، قدَّم نفسه - وفق روايات متطابقة - بوصفه «رجل استخبارات من الطراز العالمي»، توصيف لم يكن منفصلاً عن الصورة التي سرعان ما تشكّلت عنه في أذهان مَن تعاملوا معه.

بعد جهود بحث مطوّلة، تمكَّنت «الشرق الأوسط» من الوصول إلى أحد الأشخاص الذين عملوا عن قرب مع «أبو علي الحضرمي»، وكشف للمرة الأولى تفاصيل دقيقة عن شخصية ظل اسمها وحده كافياً لإثارة الرعب داخل حضرموت.

وافق المصدر على الحديث بشرط عدم التصوير أو الإفصاح عن هويته، مؤكداً أن الرجل اعتاد العمل في الظل، ولا يترك خلفه سوى أقل قدر ممكن من الآثار.

يصف المصدر «أبو علي الحضرمي» بأنه «شخصية شديدة الغموض، حادة وعنيفة، لا يمكنك أن تعرف عنها شيئاً تقريباً». ويضيف: «حتى اسمه الكامل لم نعرفه إلا قبل نحو عام، كنا نعرفه باسم أبو محمد، إلى أن وصل أشخاص من الضالع كانوا يعرفونه من السابق، وكان تعامله معهم ودياً بشكل لافت».

بحسب المصدر، كان أبو علي بالغ الحذر في كل تفاصيله، لا يستخدم الهواتف العادية، ولا يسمح بوجود أي شخص بجواره خلال اتصالاته، وإذا اضطر للتواصل عبر الخط الإماراتي، يطلب إخلاء المكان تماماً. ويقول: «حتى أفراد أسرته، كان يمارس معهم الغموض، قال لنا مرة: (حتى أفراد أسرتي لا يعلمون بتحركاتي)».

الظهور في حضرموت

يعود الظهور الأول لـ«أبو علي الحضرمي» في حضرموت - بحسب المصدر - إلى عام 2022، بالتزامن مع تأسيس لواء «الدعم الأمني»، وهو تشكيل عسكري يخضع للقوات الإماراتية المرابطة بمطار الريان الدولي، أُعلن أن مهمته الأساسية «مكافحة الإرهاب».

ووفق المصدر، بلغ قوام اللواء نحو 1200 عنصر، يُشكِّل أبناء حضرموت قرابة 90 في المائة منهم، لكن القوة الضاربة والأكثر تدريباً تنحدر من الضالع والمحافظات المجاورة لها، بحسب تأكيده.

وصف أبو علي نفسه بأنه «رجل استخبارات من الطراز العالمي» (متداولة)

منذ البداية، فرض أبو علي نمطاً صارماً في إدارة اللواء، اتسم بانضباط حاد، وقواعد غير مألوفة في السياق المحلي، أبرز تلك القواعد كان منع مضغ القات بشكل نهائي. ويؤكد المصدر: «أي عنصر يُضبط بحوزته قات، حتى لو ورقة واحدة، يُفصل فوراً ويُسجن قبل تنفيذ قرار الفصل». هذا النهج، بحسب المصدر، أدى إلى مغادرة عدد كبير من العناصر الذين لم يتمكَّنوا من الالتزام بهذه الشروط.

وفي سؤال عن تسميته بـ«قاسم سليماني حضرموت». أجاب المصدر قائلاً: «نعم، كنا نسمع هذا اللقب يُطلق عليه، وكذلك لقب (أبو علي الحاكم). لم نكن نعرف تاريخه السابق، ولم نكن نعرف حتى إنه حضرمي، كنا نظنه إماراتياً، خصوصاً أنهم يستخدمون الكُنى والألقاب، إضافة إلى أن شكله وطريقة حديثه لا يوحيان بأنه من حضرموت».

قوات الدعم الأمني

الواجهة العلنية لمهام قوات «الدعم الأمني» تتمثل في «مكافحة الإرهاب» بصورة عامة، غير أن سمعة هذه القوات داخل حضرموت سرعان ما تدهورت، وفق ما يؤكده المسؤول المقرّب من «أبو علي الحضرمي».

ويقول المصدر: «إن الصورة الذهنية التي تكوّنت عن قوات الدعم الأمني أصبحت سلبيةً إلى حد كبير»، مضيفاً أن عدداً من العاملين الحضارم الذين كانوا يعملون مع القوات الإماراتية «بدأوا فعلياً التفكير في إنهاء ارتباطهم؛ بسبب ما ارتبط بهذه القوات من سمعة».

ويتابع: «في فترة من الفترات، حاولنا أن نطلب من الإماراتيين تهدئته وتخفيف حدّته في التعامل، لكن هذه الطلبات قوبلت بالتجاهل». ويعكس هذا التجاهل، بحسب وصفه، غطاءً واسعاً مُنح له لإدارة الملف الأمني بأسلوبه الخاص، من دون أي اعتبارات اجتماعية أو محلية.

ويكشف المصدر عن أن الإماراتيين يحرصون على استقطاب عناصر قوات «الدعم الأمني» من فئة عمرية محددة، تتراوح بين 18 و24 عاماً، «لأن تشكيل عقلية الشباب في هذه السن أسهل»، على حد تعبيره.

أحد السجون غير الشرعية التي كانت تديرها قوات إماراتية بميناء ومعسكر الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

ومن بين الشروط الصارمة، بحسب المصدر، رفض قبول أي شخص يعمل هو أو أحد أفراد أسرته في قوات «درع الوطن». كما يؤكد أن «أبو علي الحضرمي» يتولى بنفسه إجراء المقابلات الشخصية، ولا يفوِّض هذه المهمة لأي شخص، مهما بلغت درجة قربه منه. ويقول: «حتى إذا رشّح الإماراتيون شخصاً للتسجيل، فلا بدّ أن يمرَّ عليه شخصياً، إما أن يُعتَمد، أو يُستبعَد بطريقة أو بأخرى، هو لا يثق بأحد على الإطلاق».

وتتخذ عملية الفرز بُعداً أكثر تعقيداً بوجود ضابط إماراتي متخصص، تقتصر مهمته على تحليل الشخصيات من دون أن يتدخل أو يطرح أسئلة، مكتفياً بقراءة ملامح الوجوه وتحليل السلوك والانفعالات النفسية للمتقدمين.

ووفقاً للمصدر، فإن «نسبة القبول لا تتجاوز 7 في المائة فقط من إجمالي المتقدمين»، موضحاً أن نحو 6 آلاف شخص يخضعون للمقابلات، ليتم اختيار نحو 300 عنصر فقط.

مجموعة المشروعات الخارجية

وبحسب المصدر، حرصت القوات الإماراتية في حضرموت على إنشاء إطار موازٍ ضمّ مجموعة من الأكاديميين الحضارم للعمل معها تحت مسمّى «المشروعات الخارجية»، ويقدّر عدد هؤلاء بنحو 19 أكاديمياً، جرى تقديمهم بوصفهم واجهةً مدنيةً لمبادرات تنموية وخدمية يفترض تنفيذها في المحافظة.

غير أن المصدر يؤكد أن أياً من تلك المشروعات المدنية لم يرَ النور، ويرجّح أن يكون هذا الكيان قد أُنشئ في الأساس بوصفه غطاءً لأنشطة ذات طابع أمني، أكثر من كونه برنامجاً تنموياً فعلياً. ويقول: «برأيي، هذه المجموعة أُنشئت لكسب الوقت، واستخدام أسمائها لإقناع الناس بأن هناك تمثيلاً من مختلف أطياف المجتمع الحضرمي، من دون وجود نتائج حقيقية على الأرض».

هذا التوصيف ينسجم مع مواقف علنية سابقة عبّر عنها الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت وقائد «قوات حماية حضرموت»، الذي أبدى في حديث لـ«الشرق الأوسط» استغرابه من بروز اسم «أبو علي الحضرمي» «بين ليلة وضحاها»، من دون أي صفة رسمية واضحة، وهو يتحدث عن التنمية والاستقرار، ويتصدر مشهداً أمنياً عبر قيادة قوات غير نظامية.

وذهب عمرو بن حبريش أبعد من ذلك، حين فسّر هذه التحركات بأنها تعكس مشروعاً آخر «أكبر من الظاهر»، مؤكداً أنها «لا تصب في مصلحة الجنوبيين، ولا في مشروع الجنوب نفسه».

شبكة علاقات معقدة

بحسب المصدر، كان أبو علي يتمتع بقنوات اتصال مباشر مع لجان إماراتية، إضافة إلى تواصله مع دوائر في المجلس الانتقالي الجنوبي، من بينها شخصيات مقربة من قيادة المجلس، منهم منيف الزبيدي سكرتير عيدروس الزبيدي.

وفي إحدى المناسبات، كما يروي المصدر، أفلتت من الحضرمي عبارة تلخص الصورة التي يسعى إلى ترسيخها عن نفسه، حين قال بوضوح: «أنا رجل مخابرات من الطراز الأول عالمياً». عبارة لم تمرّ، وفق مَن سمعها، بوصفها زلّة لسان، بقدر ما بدت تأكيداً متعمداً لهوية أراد تثبيتها، ورسالة مبطّنة لمَن حوله بأن ما لا يُقال عنه، أخطر مما يُعرَف.

دراجات غريبة

تحدَّث المصدر عن وجود كميات من الدراجات النارية الجديدة ذات مواصفات غريبة كانت مُخزَّنة داخل مطار الريان، المقر السابق للقوات الإماراتية، مشيراً إلى أنَّها «مختلفة تماماً عن الدراجات المُستخدَمة في شوارع المكلا». وتجنّب المصدر الخوض في تفسير دلالات وجودها، مكتفياً بالقول: «ربما جرى جلبها لأغراض خدمية». بينما تقرأ مصادر حضرمية وجود هذه الدراجات بأنها مقدمة لسلسلة اغتيالات مقبلة في المحافظة، بحسب تفسيرها.

ليلة الهروب الكبير

لم تكن ليلة واحدة، بل سلسلة ليالٍ متلاحقة شهدتها مدينة المكلا، مع مغادرة القوات الإماراتية وقوات المجلس الانتقالي، عقب تقدّم قوات الحكومة اليمنية الشرعية، بمساندة الطيران السعودي، باتجاه سيئون ثم المكلا، كما يقول المصدر.

وأضاف: «في الليلة التي نفّذ فيها سلاح الجو الملكي السعودي ضربات استهدفت عربات إماراتية في ميناء المكلا، اختفى أبو علي الحضرمي، ولم يحضر إلى مكتبه في مطار الريان صباح اليوم التالي، لكنه ظهر مساءً. تناول العشاء، ثم غادر».

تتهم جهات حقوقية حضرمية أبو علي الحضرمي وقوات «الدعم الأمني» التي أسسها بارتكاب انتهاكات واسعة بحق الكثيرين (متداولة)

وتابع بقوله: «شاهدناه مرة أخرى وهو يدخل المطار قبيل مغادرته على متن طائرة إماراتية، لم يودّع أحداً، ولم يتحدث معنا، كنا حينها نقوم بعملية جرد. نزل من السيارة ودخل صالة المطار برفقة مجموعة من الأشخاص، كان واضحاً أنه مغادر، يحمل حقيبة على ظهره، ويرتدي ملابس مدنية (كاجوال)».

وتابع المصدر: «بعد ذلك، رأينا الإماراتيين وهم يفككون الصور من داخل المكاتب. هم أيضاً لم يبلغونا بنيتهم المغادرة، وفي الليلة التالية لمغادرة أبو علي الحضرمي، وصل أبو طاهر الشعيبي، قائد القوات البرية الجنوبية، وقال لنا بوضوح: (أنا القائد الآن)».

جنون قوات الشعيبي

أبدى المسؤول المقرّب من «أبو علي الحضرمي» استغرابه من طريقة تعامل قوات أبو طاهر الشعيبي مع العاملين في مطار الريان قبيل مغادرة القوات الإماراتية، واصفاً المشهد بأنه كان فوضوياً وعشوائياً إلى حدّ كبير.

وقال: «إذا ناقشت أحدهم، يطلق النار فوقك مباشرة بغرض التخويف، وكانوا يعدّون أي شخص لا ينفّذ أوامرهم خائناً».

ويتابع المصدر: «أصبح الجميع يتحرّكون وهم يحملون أسلحتهم، وبعضهم بدا وكأنه تحت تأثير المخدرات، رأيناهم يشحنون أسلحتهم في مواجهة بعضهم بعضاً، وفي تلك اللحظات وقعت عمليات سرقة السيارات من داخل الريان».

بحسب روايته، عكست تلك الساعات حالة انهيار أمني كامل، غابت فيه القيادة الواضحة، وتحولت القوة المسلحة إلى مصدر تهديد مباشر لكل مَن وُجد في المكان، في مشهد وصفه بأنه «الأخطر» منذ بداية الأحداث.

خلاف الـ200 سيارة

بحسب المصدر، ومع مغادرة آخر طائرة إماراتية مطار الريان، شرعت قوات «أبو طاهر الشعيبي» في إغلاق البوابات والبدء بتقاسم السيارات، في مشهد سرعان ما تحوّل إلى خلافات حادة حول آلية التوزيع، مع قيادة «مركز القيادة والسيطرة»، الذي يديره فيصل بادبيس.

قوات «درع الوطن» فرضت الأمن في حضرموت والمهرة (رويترز)

ويفصّل المصدر قائلاً: «أبو طاهر ومجموعته استحوذوا على عدد كبير من السيارات، كان من المقرر توزيع نحو 200 سيارة لهم، و20 سيارة لأشخاص داخل المطار، و47 سيارة لفيصل بادبيس، مسؤول مركز القيادة والسيطرة في المطار». ويضيف: «الخلاف اندلع بينهم؛ بسبب هذا التوزيع، وعلى أثره جرى إغلاق جميع البوابات والمداخل والمخارج».


مقالات ذات صلة

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

العالم العربي ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

تصعّد قوات الطوارئ اليمنية عملياتها ضد تهريب الوقود بضبط عشرات الناقلات وتشديد الرقابة في مسعى إلى حماية الاقتصاد وتقليص السوق السوداء وسط تحديات أمنية كبيرة

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تؤكد في مجلس الأمن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الانقلاب وتحذر من تهديد الحوثيين للإقليم مع الدفع بملف الأسرى نحو حل شامل

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

يستمر تدهور القطاع الصحي في اليمن وعجزه عن مواجهة تفشي الأوبئة والأمراض القاتلة، في ظل تداخل صعوبات تفرضها عوامل الحرب والفقر والنزوح والمناخ وضعف التمويل.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

ازدادت التحذيرات اليمنية من تصاعد دور المراكز الصيفية الحوثية في التعبئة الفكرية للأطفال، وسط استمرار قطع مرتبات المعلمين؛ مما يهدد التعليم والهوية الوطنية...

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

كشف تقرير دولي عن تغذية الحوثيين للنزاعات القبلية في إب بنسبة 40 في المائة من الأحداث، لإحكام السيطرة ومنع أي حراك مجتمعي، وسط تصاعد الانتهاكات والرفض الشعبي.

محمد ناصر (عدن)

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended