اتهامات للقوات الإماراتية بانتهاكات ضد معتقلين في اليمن

معتقل سابق يكشف لـ«الشرق الأوسط» أساليب تعذيب في مطار الريان

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
TT

اتهامات للقوات الإماراتية بانتهاكات ضد معتقلين في اليمن

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)
سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)

في إحدى أكثر شهادات السجون قسوة التي خرجت من حضرموت، تروي قصة علي حسن باقطيان فصلاً معتماً من تاريخ الاعتقالات السرية التي شهدها مطار الريان في المكلا، حين كان تحت إدارة القوات الإماراتية، شهادة تمتد لأكثر من 100 يوم من الاعتقال، تكشف منظومة ممنهجة من التعذيب الجسدي والنفسي، وتعرّي كيف تحوّل المطار المدني إلى فضاء مغلق لانتهاكات لا تخضع لأي قانون أو رقابة، قال عنها معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني: «إن هذه السجون لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة». مبيناً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)

باقطيان، وهو ناشط مدني ومدير مؤسسة تنموية معروفة في المكلا، يقول في حديثه لـ «الشرق الأوسط» إن قصته بدأت عقب تفجيرات شهدتها المدينة في رمضان 2016، في وقت كانت مؤسسته تنفذ مشروعاً مجتمعياً بعنوان «عزة وطن» يهدف إلى تأهيل النقاط الأمنية، وبناء حاضنة شعبية للنخبة الحضرمية، بما في ذلك إفطار عناصر الأمن.

ومع تصاعد التوتر الأمني، تحولت الشائعات إلى مصدر اتهام، وبدأت حملة اعتقالات طالت موظفي المؤسسة دون استدعاءات رسمية؛ إذ وصلت الأطقم العسكرية إلى منازلهم مباشرة.

علي باقطيان ناشط مدني ومدير مؤسسة تنموية معروفة في المكلا (الشرق الأوسط)

يؤكد باقطيان أنه بادر بالتواصل مع قيادة المنطقة كون برنامج (عزة وطن) تحت إشرافهم، معتقداً أنه «يتعامل مع دولة»، لكن ما واجهه كان بداية مسار مختلف تماماً، ففي سجن الاستخبارات، جرى تعصيب عينيه، وتقييد يديه فور وصوله، قبل أن يُرمى في حجز ضيق مع آخرين في أجواء شديدة الحرارة.

ورغم أن التحقيقات الأولى لم تُثبت عليه شيئاً كما يؤكد، فقد أبلغه المحقق لاحقاً بوضوح بقوله: «أمورك طيبة، لكن الجماعة يبغونك بالذات»، في إشارة مباشرة إلى المحققين الإماراتيين.

وفي 29 رمضان 2016، نُقل مع آخرين إلى معتقل مطار الريان، هناك، التقى لأول مرة ضابطاً إماراتياً عُرف باسم «أبو أحمد»، قال له: علي، معك القائد. ثم واجهه بعرض صريح: «غداً عيد... إما أن تقول إن فلان وفلان متورطان في التفجيرات وتعيّد عند أهلك، وإما أن تُحبس».

غرف مظلمة وانتهاكات عديدة تعرض لها العديد من السجناء في حضرموت (الشرق الأوسط)

ويضيف باقطيان أن الأسماء التي طُلب منه اتهامها تنتمي إلى توجهات سياسية متباينة، من «الإصلاح» إلى السلفيين، وبعضهم بلا انتماء سياسي يعملون في منظمات المجتمع المدني. وكان رده حاسماً: «لا يمكن أن أتهم ناساً بلا دليل... إذا كان لديكم معلومات فاقبضوا عليهم». وهو الرد الذي أودى به في السجن لأكثر من 100 يوم.

ومنذ تلك اللحظة، دخل علي باقطيان مرحلة التعذيب المنهجي، حيث يصف سجن الريان بأنه مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار، البعض منها غير معزولة، تتحول إلى أفران نهاراً وصناديق تجميد ليلاً: «كنا ننام متلاصقين على الأرض، الضوء شغال 24 ساعة، والعيون مغطاة حتى داخل الحجز»، يقول باقطيان.

ينام المساجين متلاصقين على الأرض الضوء شغال 24 ساعة والعيون مغطاة حتى داخل الحجز بشكل دائم (الشرق الأوسط)

الجنود، بحسب حديثه، كانوا ملثمين، ويُنادون بأسماء مستعارة، أبرزها «أبو صالح» و«ميحد» لكثرة تشغيله أغاني ميحد حمد، و«الأرجنتيني» – الذي لُقب بذلك لارتدائه قميص منتخب الأرجنتين – و«الدكتور»، وهو الاسم الذي كان مجرد تداوله بين السجناء كفيلاً بإثارة الرعب، بوصفه المسؤول المباشر عن التعذيب.

في أول تحقيق داخل الريان، يقول إن المحقق شغّل المكيف لدقائق وهو مقيد، ثم بدأ بسيل من الاتهامات: «عليك خمس تهم: قاعدي، داعشي، حوثي، نظام سابق، إصلاحي». ردّ باقطيان كان ساخراً من التناقض: «قاعدي وداعشي وحوثي مع بعض؟».

لم يقتصر التعذيب على الضرب، يتحدث باقطيان عن إهانات يومية، سبّ وشتم، إجبار المعتقلين على التبول داخل الحاويات، والاعتداء عليهم عند إخراجهم للحمامات. «إذا اكتشفوا أنك فتحت عينك، الضرب مباشر»، يقول. ويضيف أن بعض الجنود كانوا يبررون ذلك بوضوح: «إذا لم نعذبكم لن نستلم رواتبنا».

ويكشف السجين السابق عن ممارسات أشد قسوة، بينها التعري الكامل، التهديد بالاغتصاب، إدخال أدوات في أجساد بعض السجناء، واستخدام أكياس القمامة لخنق المعتقلين. «كانوا يتعمدون الإذلال النفسي»، يقول، موضحاً أن وزنه انخفض بشكل حاد خلال أسبوع واحد، ليس بسبب قلة الطعام، بل بسبب الضغط النفسي المتواصل. «الأكل كان جيداً... علشان يعذبوك أكثر».

يحرص السجانون على استخدام أسماء مستعارة لعدم كشف هوياتهم الحقيقية خوفاً من المساءلة لاحقاً (الشرق الأوسط)

في أحد الأيام، أُخرج وهو صائم، عُرّي بالكامل تقريباً، وأُجبر على الوقوف في البرد، وسط ضحك بعض جنود النخبة الحضارم، في مشهد ترك فيه جرحاً نفسياً عميقاً، لا يقل أثراً عن الضرب، على حد تعبيره.

ويشير باقطيان إلى أن كبار السن لم يُستثنوا، بل أُطلق عليهم أسماء حيوانات، بينما وُضع أطفال في سن الرابعة عشرة داخل العنابر نفسها، أما «الدكتور»، فكان - بحسب وصفه - يمر أحياناً فقط «لزرع الخوف»، مكتفياً بحضوره.

وبعد أكثر من 3 أشهر، جاء الإفراج الأول فجراً: «قالوا لي: مبروك إفراج»، يروي، قبل أن يُنقل إلى منزله الساعة الثانية فجراً، لكن حتى الإفراج لم يخلُ من الابتزاز، إذ عُرض عليه العمل مع الإماراتيين مقابل الدعم، وإعادة الاعتبار وتعويض مؤسسته، وهو ما رفضه لاحقاً، ليُعاد اعتقاله مرة أخرى.

يقول علي: سألني المحقق عن نظرتي إلى الإمارات، فأجبته بأنني، حتى وقت قريب، كنت أراها نموذجاً للحداثة والمدنية، وصورة مشرقة لدولة متقدمة في المنطقة، لكنني قلت له إن تلك الصورة انهارت بالكامل منذ اللحظة التي دخلت فيها هذا المكان، وحين سألني عن السبب، أجبته بأن حضارة الدول لا تُقاس بتاريخها أو مظاهرها، بل بمدى احترامها لحقوق الإنسان وصون كرامته.

أكد علي باقطيان، إلى جانب 3 آخرين ممن احتُجزوا في سجن الريان، أن المحققين الإماراتيين كانوا، خلال جلسات التحقيق، يلحّون على السجناء لتقديم أي معلومات يمكن ربطها بالمملكة العربية السعودية. ويقول باقطيان في هذا السياق: «كانوا يبحثون عن قضايا تخص السعوديين، وشعرنا بوضوح أن هناك تعمّداً للتنقيب عن أي شيء يمكن أن يُستخدم لإدانة المملكة، حتى لو كان بلا أساس حقيقي».

التعذيب شمل الضرب والإهانات اليومية السبّ والشتم وإجبار المعتقلين على التبول داخل الحاويات (الشرق الأوسط)

يختم باقطيان شهادته بسؤال يتجاوز تجربته الفردية: كيف جرى كل ذلك تحت لافتة «مكافحة الإرهاب»؟ ولماذا – كما يقول – «أُفرج عن متورطين حقيقيين بينهم عناصر في (القاعدة)، بينما عُذّب ناشطون مدنيون»؟ اليوم، ومع خروج القوات الإماراتية من حضرموت، يؤكد أن الألم لم ينتهِ، وأن العدالة الحقيقية لا تبدأ بخروج السجون السرية، بل بمحاسبة من حوّل مطار الريان إلى رمز للرعب، وترك خلفه مئات الضحايا وأسئلة بلا إجابة.

يقول باقطيان إنه يشعر بالارتياح، لكنه لا يرى في ذلك عدالة، العدالة، في نظره، تبدأ بالمحاسبة، وبكشف حقيقة ما جرى في مطار الريان، حين تحوّل من بوابة مدنية على بحر العرب إلى رمز لواحد من أسوأ فصول التعذيب في تاريخ اليمن الحديث، تحت إدارة قوات من الإمارات العربية المتحدة، وفي مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، حيث ما زال الضحايا بانتظار إنصاف لم يأتِ بعد.

حاويات حديدية يوضع فيها السجناء ما يسبب لهم حرارة شديدة في فصل الصيف والعكس تماماً في الشتاء (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني أن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة». مبيناً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وشدد الإرياني على أن «هذه الممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية وخارج أي رقابة قانونية أو إدارية، الدولة لم تفوّض أي طرف خارجي أو محلي بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

لافتاً إلى أنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الإعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية، كما تشكّل خرقاً للقانون الدولي والإنساني».


مقالات ذات صلة

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

العالم العربي نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

أعلن الحوثيون انخراطهم عسكرياً في الحرب إلى جانب إيران، بعد شهر من الترقب، في خطوة تعكس ضغوطاً إيرانية وحسابات معقدة، مع مخاوف من تصعيد يطول البحر الأحمر.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

سيول جارفة تضرب تعز وتخلف ضحايا ودماراً واسعاً

سيول مدمرة تضرب جنوب تعز وتخلّف قتلى ودماراً واسعاً، وسط نداءات استغاثة وتحذيرات من استمرار الأمطار، ومخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية وعزل القرى المتضررة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

تصاعد صراع داخلي بين قادة الحوثيين في صنعاء بسبب اتهامات متبادلة بالفساد ونهب أموال الزكاة والأوقاف، وسط أزمة معيشية حادة وتفاقم مخاطر الجوع لدى ملايين اليمنيين

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

ربط زعيم الحوثيين التدخل العسكري إلى جانب إيران بتطورات المعركة، مع استمرار التصعيد الخطابي، وسط حسابات تتعلق بتوقيت التدخل والمخاوف من تبعاته.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

رغم استقرار أسعار السلع الأساسية فإن اليمنيين يخشون صدمات اقتصادية وتضخم الواردات بسبب الحرب الإقليمية واستهداف مصادر الطاقة وسط مطالب بدعم السياسات الاحترازية.

وضاح الجليل (عدن)

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.