تحذيرات من المجاعة في اليمن... ومخاوف من الصراع على الموارد

البنك الدولي كشف عن تراجع الإيرادات واستمرار التضخم

رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)
رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)
TT

تحذيرات من المجاعة في اليمن... ومخاوف من الصراع على الموارد

رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)
رغم تعافي العملة المحلية لا يزال التضخم يعصف بالقدرة الشرائية لليمنيين (البنك الدولي)

توقع البنك الدولي أن عدم استئناف صادرات النفط، وغياب الدعم الدولي، سيضعان الاقتصاد اليمني تحت ضغط شديد، في حين يرى خبراء اقتصاد الحرب أن ذلك لا يقوي الحكومة في ظل الوضع القائم بقدر ما يساهم في تفجير صراعٍ داخليٍ على الريع.

تحذيرات البنك الدولي جاءت في تقرير حديث له توقع فيه وصول أجزاء من اليمن إلى المرحلة الخامسة (مجاعات كارثية) بنهاية العام الجاري مع استمرار توقف صادرات النفط، وغياب الدعم الدولي، إلى جانب مخاطر كبيرة على الرواتب، والخدمات الأساسية، والواردات الغذائية، مع تأكيده أن مستقبل اليمن الاقتصادي سيبقى مرهوناً بتحقيق السلام، وإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي.

غير أن يوسف شمسان الباحث اليمني في الاقتصاد السياسي للحرب يرى أن عودة تصدير النفط في ظل الأوضاع الراهنة ستؤدي إلى عواقب وخيمة، كونه عاملاً محفزاً للصراعات الداخلية في الدول الهشة التي لا يؤدي تدفق مواردها بالضرورة إلى تعزيز الاستقرار.

ويوضح شمسان لـ«الشرق الأوسط» أنه بينما ينظر إلى منع الجماعة الحوثية الحكومة من تصدير النفط تسبب في حرمانها من النقد الأجنبي، فإن تلك النظرة أسقطت من حساباتها التناقض البنيوي داخل مناطق إنتاجه التي لا تملك أدوات إدارته، وتخضع لسيطرة متعددة الولاءات عسكرياً، إذ يرى كل فصيل في عائدات النفط حقاً خاصاً.

ومن دون مأسسة الجبايات الرسمية، وإعادة بناء مؤسسات الجباية، والتوزيع تحت سلطة مركزية موحدة، واتفاق سياسي يسبق ذلك، وإنشاء صندوق وطني مشترك لتوحيد القنوات المالية، والرقابة على الموارد، ووحدة القرار، والرقابة على التوزيع، ومحاربة الريع الخاص للفصائل، فإن الموارد، التي يُفترض أن تكون عامل استقرار، تتحول في الحكومة الهشة إلى وقود للصراع الداخلي، وفقاً لشمسان.

ارتفاع تكلفة المعيشة

وتذهب توقعات المرصد الاقتصادي للبنك الدولي حول وضع الاقتصاد اليمني في خريف العام الجاري إلى احتمالية حدوث تضخم يرفع تكلفة المعيشة، وانكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 1.5 في المائة، مع تراجع الناتج المحلي للفرد بالعملة الصعبة بنسبة 14.2 في المائة.

وأشار التقرير إلى ارتفاع تكلفة سلة الغذاء الأدنى في مناطق سيطرة الحكومة بنسبة 26 في المائة على أساس سنوي حتى يونيو (حزيران) الماضي، قبل أن تنخفض 34 في المائة في أغسطس (آب) بعد إجراءات حكومية لضبط الأسعار.

الإصلاحات النقدية ساهمت في تعافي العملة اليمنية دون وجود مصادر حقيقية (أ.ف.ب)

وتبع ذلك -وفق التقرير- تراجع مخيف في الأمن الغذائي، ومستويات «مقلقة للغاية» من الجوع، حيث وصل عدد العائلات التي تعاني من عدم كفاية الغذاء في مناطق سيطرة الحكومة إلى 64 في المائة، مقابل 62 في المائة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، مع انهيار مصادر الدخل، وارتفاع البطالة، حيث يعدّ العمل اليومي هو المصدر الرئيس للدخل لدى قرابة 38 في المائة من العائلات.

وتوفر الوظائف الحكومية دخلاً لـ18 في المائة فقط في مناطق الحكومة، و4 في المائة في مناطق الحوثيين، بينما أكثر من ربع الأسر أصبح دخلها أقل من نصف ما كان عليه قبل عام.

وكانت الإصلاحات النقدية التي اتخذها البنك المركزي اليمني ضرورة ملحّة لكبح الانهيار، والحد من المضاربة، وتنظيم المصارفة بحسب فارس النجار المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، والذي يشيد بدور لجنة تنظيم وتمويل الواردات في تخفيف الضغوط، ورفع الإيرادات، رغم عدم كفايتها في ظل غياب موارد النقد الأجنبي، نتيجة توقف صادرات النفط.

ويرهن النجار خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» نجاح مسار الإصلاحات النقدية بمسار موازٍ من الإصلاحات المالية، وهو ما تؤسس له قرارات استعادة الانضباط المالي، ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات، وإلغاء الجبايات غير القانونية، وضمان توريد كامل الموارد إلى الحساب العام، وإقرار موازنة موحدة.

انعدام الأمن الغذائي يمثل أهم التحديات الملحة في اليمن خلال الفترة الحالية (البنك الدولي)

كما يرهن تحسن السيولة العامة للدولة بتعزيز الاحتياطيات عبر عودة الصادرات، أو دعم دولي مباشر، إلى جانب رفع كفاءة تحصيل الإيرادات، وتحرير الدولار الجمركي، وتقليل العجز الذي كانت تغطيه المنحة السعودية سابقاً.

إصلاحات محدودة

ويكشف تقرير البنك الدولي عن تفاقم الضغوط على المالية العامة، بانخفاض إيرادات الحكومة اليمنية بنسبة 30 في المائة في النصف الأول من هذا العام، حيث تقلصت المنح الخارجية بنسبة 76 في المائة.

وجرى تخفيض النفقات، بما فيها رواتب الموظفين، التي توقفت بالكامل منذ يونيو الماضي مقابل ارتفاع العجز إلى ضعفي ما كان عليه العام السابق على أساس نقدي، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية الحاد، لتهبط احتياطيات البنك المركزي إلى 1.16 مليار دولار، أي 1.6 شهر فقط من الواردات، وهو أقل من الحد الأدنى البالغ ثلاثة أشهر.

تناقض رؤى حول فوائد وأضرار تصدير النفط على الاستقرار في اليمن في الوقت الحالي (رويترز)

وإلى جانب ذلك انخفض الريال اليمني إلى 2905 ريالات مقابل الدولار منتصف يوليو (تموز) قبل أن تعود الحكومة لرفع قيمته بإجراءات طارئة إلى 1676.

ويصف الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي الإصلاحات النقدية للبنك المركزي بالجزء اليسير من الإصلاحات، فلا معنى لإصلاحات في السياسة النقدية ما لم تتواءم مع السياسة المالية الحكومية، والتي لم ترَ النور حتى الآن.

ويقول الآنسي لـ«الشرق الأوسط» إن السياسة النقدية عليها أن تغطي متطلباتها، خاصة في توفير السيولة لتمويل نفقات الحكومة، وأن تعتمد طرق تمويل غير تضخمية تغطي تلك النفقات التي قد تكون ثابتة، ومعروفة شهرياً، لكن إيراداتها لن تكون محددة، ومعروفة، مما تحدث معه فجوات في السيولة النقدية ما بين فائض وعجز.

تراجع كبير خلال الفترة الماضية في التمويل الدولي الموجه للمساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)

ويشدد الآنسي على ضرورة وجود سياسة نقدية غير تضخمية لتغطية الفجوة في السيولة، وتحقيق استقرار نقدي لا يصنع أزمات، وهذا لا يمكن أن يقوم به البنك المركزي من دون السياسة المالية التي لا يمكن أن تتم من دون موازنة عامة، والتي بدورها تحتاج إصلاحات مالية، وهو ما تصارع الحكومة، ومؤسسات الدولة المختلفة لتحقيقه.

وأشار البنك الدولي في تقريره إلى انخفاض المساعدات الدولية لليمن إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، حيث حصلت خطة الاستجابة الإنسانية على 19 في المائة فقط من التمويل المطلوب، والبالغ 2.5 مليار. كما تعرض لانهيار حركة التجارة، وتضرر واردات الغذاء، والوقود.


مقالات ذات صلة

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

العالم العربي السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

سيول الساحل الغربي في اليمن تخلّف 22 قتيلاً ودماراً واسعاً، فيما فاقمت الألغامُ الحوثية المنجرفة المأساة، مهددة حياة السكان، ومعرقلة جهود الإغاثة والإنقاذ.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

تواجه أعمال الإغاثة في اليمن تحدياً صعباً، فبينما ترتفع أعداد المحتاجين، يتراجع تمويل خطط الاستجابة الإنسانية تحت تأثير الأزمات العالمية واستدامة الصراع الداخلي

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

أعلن الحوثيون انخراطهم عسكرياً في الحرب إلى جانب إيران، بعد شهر من الترقب، في خطوة تعكس ضغوطاً إيرانية وحسابات معقدة، مع مخاوف من تصعيد يطول البحر الأحمر.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

سيول جارفة تضرب تعز وتخلف ضحايا ودماراً واسعاً

سيول مدمرة تضرب جنوب تعز وتخلّف قتلى ودماراً واسعاً، وسط نداءات استغاثة وتحذيرات من استمرار الأمطار، ومخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية وعزل القرى المتضررة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

تصاعد صراع داخلي بين قادة الحوثيين في صنعاء بسبب اتهامات متبادلة بالفساد ونهب أموال الزكاة والأوقاف، وسط أزمة معيشية حادة وتفاقم مخاطر الجوع لدى ملايين اليمنيين

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
TT

مسؤول إسرائيلي: العمليات العسكرية في لبنان قد تستمر سنوات

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يمسك بعلم عليه شعار «حزب الله» خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان الجيش الإسرائيلي)

تعمل القوات الإسرائيلية في لبنان تحت وابل كثيف من القذائف الصاروخية والصواريخ المضادة للدروع، وسط استمرار هجمات «حزب الله». ويقول الجيش إن قواته قد تبقى في جنوب لبنان حتى في حال تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وبعد شهر من بدء الحرب على إيران، تواصل قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان توسيع ما تصفه بأنه «منطقة أمنية»، في وقت يشير فيه مسؤولون إلى أن الجيش من المرجح أن يبقى في المنطقة أشهراً أو أكثر، وفقاً لموقع «واي نت» الإسرائيلي.

وقال مسؤول أمني إن الحكومة اللبنانية غير قادرة على نزع سلاح «حزب الله»، وإن وجود الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية من المتوقع أن يستمر «أشهراً عدة على الأقل، وربما سنوات». وأضاف مسؤولون من وزارة الدفاع أنه حتى في حال وقف إطلاق النار، ليس من المتوقع أن ينسحب الجيش.

ووفقاً للموقع، تعمل القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان تحت نيران كثيفة، تشمل المدفعية والصواريخ والقذائف المضادة للدروع. ويتلقى الجنود تحذيراً قبل ثوانٍ فقط من القصف، مع وقت قليل للوصول إلى مأوى. فمنهم من يحتمي داخل مركبات مصفحة، بينما يبحث آخرون عن حماية خلف الصخور أو المباني.

ومنذ بدء الهجوم البري، تم دفع عناصر «حزب الله» إلى الخلف؛ لكنهم يواصلون هجماتهم، بإطلاق مئات الصواريخ يومياً ضد قوات الجيش الإسرائيلي والمناطق الشمالية، بالإضافة إلى الطائرات المُسيَّرة والصواريخ المضادة للدروع.

وقُتل 5 جنود خلال القتال في جنوب لبنان، وأصيب أكثر من 30 آخرين.

جندي إسرائيلي من وحدة «شيطيت 13» يشغِّل طائرة مُسيَّرة خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

ووفقاً للجيش الإسرائيلي، تهدف العملية إلى إنشاء منطقة عازلة أعمق داخل جنوب لبنان، بهدف تقليل إطلاق النار باتجاه شمال إسرائيل.

وينفِّذ الجيش الإسرائيلي أيضاً عمليات لفرض السيطرة النارية على المنطقة، بما في ذلك تدمير البنى التحتية وتفكيك الأسلحة. ووصف الجنود التقدم بأنه منهجي وبطيء أحياناً، مع مقاومة مباشرة محدودة؛ لكن هناك تهديدات مستمرة من نيران غير مباشرة.

وقال أحد الجنود: «نسوي المنطقة بالأرض قدر المستطاع. هذه منطقة قتال يتم إعادة تشكيلها».

ولا تزال هناك تساؤلات حول قدرة الجيش على تحمل وجود طويل الأمد، ولا سيما في ظل تحديات القوى البشرية.

وحذَّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مؤخراً من أن الجيش قد يواجه إجهاداً كبيراً دون إجراء تغييرات في سياسات التجنيد والاحتياط، بما في ذلك تمديد الخدمة الإلزامية وتوسيع نطاق التجنيد.

ولم تحدد إسرائيل رسمياً أهدافها الكاملة في لبنان، ولكنها شددت على توسيع المنطقة الأمنية لتقليل التهديدات، بما في ذلك نيران الصواريخ المضادة للدروع والهجمات المحتملة عبر الحدود.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الهدف هو تغيير الوضع في لبنان بشكل جذري، وربط ذلك بالصراع الأوسع مع إيران.

وأضاف: «نضع مسألة نزع سلاح (حزب الله) أمامنا. نحن مصممون على فعل كل شيء لتغيير الوضع في لبنان من جذوره».

كما وصف مسؤولون هدفاً أكثر طموحاً يتمثل في تطهير جنوب لبنان من الأسلحة حتى نهر الليطاني، والاحتفاظ بالسيطرة على مناطق رئيسية.

ووفقاً لمسؤولين إسرائيليين: «لا يزال (حزب الله) ضعيفاً؛ لكنه يحتفظ بقدرات كبيرة، بما في ذلك أسلحة زودته بها إيران في الأشهر الأخيرة».

وتعمل إسرائيل على ضمان أن أي وقف محتمل لإطلاق النار مع إيران لا يرتبط بوقف العمليات في لبنان، بينما سعت إيران إلى ربط الجبهتين.

وقال دبلوماسيون غربيون إن الولايات المتحدة تركز حالياً على إيران، ومنحت إسرائيل حرية عمل نسبية في لبنان، بشرط أن تتجنب الضربات على البنية التحتية المدنية.

وأشار بعض المسؤولين إلى احتمال أن يؤدي الضغط الأميركي في النهاية إلى تقييد العمليات الإسرائيلية، بينما يرى آخرون أن الفاعلين الإقليميين قد يدعمون استمرار العمل ضد «حزب الله».

ونزح أكثر من 600 ألف نسمة من جنوب لبنان، وفقاً للتقديرات الإسرائيلية، وهو عامل يقول مسؤولون إنه قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية مع تصاعد الضغط على «حزب الله».


ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.