السيسي: أشعر بمعاناة المواطنين... وما حدث في 2011 «اختبار قاسٍ»

الرئيس المصري اقترح إنشاء «آلية وطنية» لجمع التبرعات لغزة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته بالندوة التثقيفية للقوات المسلحة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته بالندوة التثقيفية للقوات المسلحة (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: أشعر بمعاناة المواطنين... وما حدث في 2011 «اختبار قاسٍ»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته بالندوة التثقيفية للقوات المسلحة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته بالندوة التثقيفية للقوات المسلحة (الرئاسة المصرية)

بعد يومين من ارتفاع، هو الثاني من نوعه خلال عام، لأسعار الوقود في مصر، أثار «احتقاناً ملموساً»، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إنه «يشعر بمعاناة مواطنيه كونه واحداً منهم»، مذكراً إياهم بأحداث «25 يناير» عام 2011، قائلاً: كانت «اختباراً قاسياً»، وإن تداعياتها وتأثيرها «سيستمر لفترة طويلة».

وشهد السيسي، الأحد، الندوة التثقيفية الـ42، التي تنظمها القوات المسلحة المصرية؛ بمناسبة ذكرى انتصار حرب «6 أكتوبر 1973»، تحدث خلالها عن جهود بلاده في وقف إطلاق النار بقطاع غزة، كما استنكر دعوات مشاركة مصر في الحرب، ووجّه نداء للمصريين للمساهمة الفاعلة في جهود الإعمار.

السيسي يستعرض جهود مصر على مدار العامين الماضيين لوقف الحرب في قطاع غزة (الرئاسة المصرية)

«شبح حرب أهلية»

ففي تذكير بات متكرراً بتداعيات أحداث «25 يناير»، التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وما أعقبها من وصول جماعة «الإخوان المسلمين» للحكم عام 2013، قال السيسي إن ما مرت به مصر خلال عام 2011 كان «شكلاً من أشكال الحرب»، مشيراً إلى أن «كل المؤشرات في ذلك الوقت كانت تنذر بانزلاق البلاد إلى حرب أهلية، لكن إرادة الله حالت دون اندلاع هذه الحرب، وأنقذت مصر من مصير واجهته دول أخرى في المنطقة ولم تنجُ منه».

ويشير السيسي، الذي تولى الحكم عام 2014، إلى الاضطرابات السياسية والأمنية وأعمال العنف التي شهدتها مصر عام 2011، خصوصاً عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2013.

وقال السيسي إن ما حدث في 2011 كان «اختباراً قاسياً مر به الشعب المصري، لكن العناية الإلهية حفظت الدولة ومنحتها القدرة على الصمود».

وأضاف: «كان دعم الله وستره السبب في تجاوز تلك المرحلة الحساسة»، متحدثاً عن «وجود كثير من التفاصيل لا يدركها الناس؛ بسبب كثرة الأحداث وتشابكها».

وقدّر السيسي تكلفة بلاده في الحرب على الإرهاب خلال 10 سنوات، بـ100 مليار جنيه (الدولار يساوي 47.5 جنيه تقريباً)، بالإضافة إلى ضحايا الجيش والشرطة والقضاء وأبناء الشعب، لافتاً إلى أن تكلفة الفترة بين (2011 و2014) والأحداث التي حدثت في مصر وتأثيرها على الاقتصاد «بلغت 450 مليار دولار، وهي أرقام ضخمة جداً وتداعياتها وتأثيرها يستمر معنا لفترة طويلة ويمكن لسنوات».

وأضاف: «مصر بعد أحداث 2011 استمرت في محاربة الإرهاب ونجحت وانتصرت عليه»، مشيراً إلى أن «هناك دولاً أخرى استمرت عشرات السنين تحارب الإرهاب ولم تنجح».

«أوضاع اقتصادية قاسية»

وثمّن السيسي ما وصفه بـ«صبر الشعب المصري وتحمله للضغوط»، في إشارة إلى الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الماضية، التي عدّها «قاسية»، مؤكداً أن «الإجراءات التي تتخذها الدولة تهدف إلى تحقيق إصلاح حقيقي وجذري بعيداً عن سياسة التأجيل أو التجاهل».

والجمعة رفعت الحكومة المصرية أسعار مجموعة كبيرة من منتجات الوقود، ضمن سياسة متبعة منذ سنوات تتعلق بخفض الدعم وتخفيف عجز ميزانية البلاد. وتراوحت الزيادة، التي تعد الثانية هذا العام بعد إجراء مماثل في أبريل (نيسان) الماضي، بين 10.5 في المائة و12.9 في المائة في أسعار منتجات نفطية مختلفة.

وأثار القرار «احتقاناً واسعاً»، عبّرت عنه قطاعات كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً إزاء رفع سعر السولار، أحد أكثر أنواع الوقود استخداماً في البلاد، الذي ترتبت عليه زيادة في أسعار سلع وخدمات عدة.

وفي كلمته شدّد السيسي على أن «مواجهة التحديات الاقتصادية تتطلب التخطيط والتنفيذ وإرادة شعبية واعية»، مشيراً إلى أن «الدولة تدرس قراراتها بعناية، وتتخذها دون تردد متى اقتضى الصالح العام ذلك».

وأكد أنه «يشعر بمعاناة المواطنين، كونه واحداً منهم، وأن تجاوز هذه المرحلة الصعبة سيكون بعون الله وبجهد المصريين وإخلاصهم».

وأضاف: «نأخذ الرأي العام في الاعتبار، وفي كل مرحلة تحدث مناقشات كثيرة من الوزراء والمسؤولين ورجال الفكر والثقافة، لكن التحدي كبير جداً، ولا بد أن نجتهد جميعاً ونبذل أقصى جهد ممكن ونتحمل».

وأبدى السيسي اطمئنانه من ردة فعل المصريين، قائلاً إن «رهانه دائماً على الناس، الذين يرون أن هناك محاولة جادة من الدولة لتجاوز هذا الموقف، وعقلاً يمكن أن يجد الظروف صعبة والأوضاع الاقتصادية قاسية».

«حرب غزة»

وفيما يتعلق بالأوضاع في غزة، جدّد السيسي موقف مصر الداعم للقضية الفلسطينية، قائلاً: «في حرب غزة تألمنا جميعاً من خسائر الحرب من قتلى وجرحى، ونحاول بقدر الإمكان أن نوقف ما يحدث ونساعد الناس داخل غزة».

ونفى الرئيس المصري أي تقصير لبلاده في دعم الفلسطينيين، مؤكداً أن «مصر لم تقصر يوماً تجاه القضية الفلسطينية، ولم تتوقف عن دعم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وبذلت جهوداً كبيرة لوقف الحرب».

واستنكر دعوات مواجهة مصر لإسرائيل، متسائلاً: «هل كان المطلوب من مصر أن تحارب مثلاً... وأن تضع مقدرات 110 ملايين مواطن و10 ملايين ضيف ومستقبل الدولة وشبابها في خطر، من أجل وجهة نظر موجودة؟».

وقال السيسي إن «الحرب ليست بالسلاح فقط، الحروب لها صور مختلفة، وما نحن فيه الآن هو حرب لتغيير واقعنا الاقتصادي وأحوالنا إلى الأفضل، وهو شكل من أشكال الاجتهاد والصراع والاقتتال لو شئتم أن تسموه كذلك... هناك من راهن أن نمل مما يحدث».

واستعرض السيسي الجهود المصرية المكثفة على مدار العامين الماضيين لوقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح الرهائن والأسرى، وهو المسار الذي تُوّج بالتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وعقد قمة السلام بمدينة شرم الشيخ، موجهاً الشكر للرئيس الأميركي دونالد ترمب على جهوده في دعم مساعي وقف الحرب.

ووصف محاولات التظاهر أمام السفارات المصرية في الخارج، بأنها «مكر وكذب وإفك»، واستدرك قائلاً: «لكن السياسة كذلك، والله سبحانه وتعالى مطلع».

ونهاية يوليو (تموز) الماضي، شهدت سفارات وبعثات دبلوماسية مصرية في دول عدة حول العالم، احتجاجات، ومحاولات لـ«حصار وإغلاق»، بدعوى مطالبة القاهرة بفتح «معبر رفح» على الحدود مع قطاع غزة، وإيصال المساعدات للأهالي الذين يعانون من «التجويع»، رغم تأكيدات مصرية رسمية متكررة لعدم إغلاق المعبر من الجانب المصري، وأن منع دخول المساعدات يعود للقوات الإسرائيلية المسيطِرة على الجانب الفلسطيني من المعبر.

آنذاك عدّت السلطات المصرية «حصار السفارات»، «حملة تحريضية»، يدبرها تنظيم «الإخوان المسلمين»، المحظور في مصر؛ بهدف «تشويه الدور المصري في دعم القضية الفلسطينية».

السيسي يكرم عدداً من الرموز خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة انتصار 6 أكتوبر 1973 (الرئاسة المصرية)

«آلية وطنية لجمع تبرعات غزة»

وفيما أعلن السيسي استضافة مصر مؤتمراً دولياً لإعادة إعمار قطاع غزة، في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، دعا الشعب المصري إلى المساهمة الفاعلة في جهود الإعمار، تعبيراً عن التضامن والمسؤولية والمحبة تجاه الأشقاء الفلسطينيين.

وكلف السيسي، رئيس مجلس الوزراء بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية بالدولة لدراسة إنشاء آلية وطنية لجمع مساهمات وتبرعات المواطنين في إطار تمويل عملية إعادة إعمار قطاع غزة.


مقالات ذات صلة

مصر تعزز «أمن الطاقة» بتنويع مصادر توفير الاحتياجات المحلية

شمال افريقيا وزير البترول المصري خلال الجمعية العامة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الجمعة (مجلس الوزراء المصري)

مصر تعزز «أمن الطاقة» بتنويع مصادر توفير الاحتياجات المحلية

تعزز مصر «أمن الطاقة» عبر تنويع مصادر توفير احتياجاتها المحلية تزامناً مع تصاعد الحرب الإيرانية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا زادت أسعار الأكلات الشعبية بعد زيادة أسعار البوتاغاز (رويترز)

غلاء «أسطوانة البوتاغاز» يرفع تكلفة الوجبات الشعبية في مصر

أعاد علاء عثمان، صاحب إحدى عربات الفول في حي الدقي تسعير «السندوتشات» والوجبات التي يقدمها لزبائنه في السحور بعد الزيادة الأخيرة في أسعار «أسطوانات البوتاغاز»

أحمد عدلي (القاهرة)
شمال افريقيا المجلس الأعلى للجامعات في مصر يشكل لجنة لتنقيح التخصصات الجامعية (وزارة التعليم العالي)

التعليم المصري يدخل «مفرزة» سوق العمل

تحولت توجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتنقيح التخصصات الجامعية وإلغاء غير الضرورية منها لخطوات تنفيذية مع تشكيل لجنة عليا لمراجعة التخصصات الجامعية.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا «جهاز حماية المستهلك» خلال حملات تفتيش يوم الأربعاء (حساب الجهاز على «فيسبوك»)

مصر: تحركات نيابية عاجلة لمحاصرة ارتباك الأسواق

طالب عدد من أعضاء البرلمان المصري بغرفتَيه «النواب» و«الشيوخ» عبر تصريحات صحافية، الخميس، الحكومة بـ«تفعيل الأدوات الرقابية لضبط الأسعار».

أحمد عدلي (القاهرة )

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.