الحوثيون يبتزّون الأمم المتحدة لفرض السيطرة على أنشطتها

منظمات إغاثية: نصف سكان اليمن يواجهون الجوع

العشرات من العاملين الإنسانيين ما زالوا معتقلين لدى الحوثيين (إعلام محلي)
العشرات من العاملين الإنسانيين ما زالوا معتقلين لدى الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يبتزّون الأمم المتحدة لفرض السيطرة على أنشطتها

العشرات من العاملين الإنسانيين ما زالوا معتقلين لدى الحوثيين (إعلام محلي)
العشرات من العاملين الإنسانيين ما زالوا معتقلين لدى الحوثيين (إعلام محلي)

في وقتٍ يعيش فيه اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يواجه نصف السكان خطر الجوع، ونصف الأطفال سوء تغذية حاداً، صعّدت الجماعة الحوثية من ضغوطها على الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، واضعة شروطاً جديدة لاستئناف أنشطتها في مناطق سيطرتها، في خطوة تُوصف بأنها «ابتزاز ممنهج» لفرض السيطرة الكاملة على النشاط الإغاثي، وتوجيهه لخدمة مصالح الجماعة.

وقال عبد الواحد أبو راس، نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً، إن الجماعة «تعتزم إعادة النظر في الاتفاقيات الموقّعة مع المنظمات العاملة في اليمن بهدف تعديلها بما يرسخ أمن واستقرار وسيادة البلاد»، في إشارة واضحة إلى شروط جديدة وضعتها الجماعة لتسليم مكاتب وأصول الأمم المتحدة المصادرة في صنعاء.

وفي أحدث خطبة لزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي كان اتهم موظفين في برنامج الغذاء العالمي ومنظمة «يونيسف» بـ«التجسس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل»، وبالتسبب في مقتل رئيس حكومته الانقلابية أحمد غالب الرهوي وعدد من الوزراء في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء في أغسطس (آب) الماضي.

وتحتجز الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران عشرات الموظفين الأمميين في مناطق سيطرتها بعضهم منذ عام 2021، وسط مخاوف متزايدة من تعرضهم لمحاكمات صورية، أو أحكام جائرة بعد تصاعد الخطاب العدائي للجماعة ضد المنظمات الدولية.

وفي بيان رسمي، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ من استمرار الاتهامات العلنية التي وجهها الحوثيون، بما في ذلك اتهامات أطلقتها قيادتهم ضد موظفي الأمم المتحدة في اليمن، مؤكداً رفضه القاطع لجميع هذه الاتهامات التي وصفها بأنها «خطيرة وغير مقبولة»، وتعرّض سلامة العاملين الإنسانيين للخطر، وتُقوّض عمليات إنقاذ الأرواح.

وأكد غوتيريش تضامنه الكامل مع موظفي الأمم المتحدة في اليمن والعالم، مشيداً بالعمل الإنساني الثابت الذي أسهم في إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح. كما ذكّر جميع الأطراف بمسؤولياتهم في ضمان حماية العمليات الإنسانية والعاملين فيها وفق القانون الدولي.

وجدّد الأمين العام دعوته إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المحتجزين تعسفياً لدى الحوثيين، مؤكداً أن على الجماعة إخلاء مقرات الأمم المتحدة، وإعادة الأصول والمعدات المصادرة.

نصف السكان جوعى

بالتزامن مع هذا التصعيد، حذّرت كبرى المنظمات الإغاثية الدولية من أن اليمن بات ثالث أكبر أزمة غذائية في العالم، حيث يواجه نصف سكانه الجوع، فيما يعاني نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية المزمن.

وأكدت المنظمات أن استمرار احتجاز العاملين الإنسانيين وفرض القيود على أنشطتهم «يعرقل عمليات الإغاثة المنقذة للحياة»، مشيرة إلى أن أكثر من 100 مديرية تواجه الآن حالة طوارئ غذائية حرجة، في زيادة غير مسبوقة لمستويات سوء التغذية في أنحاء البلاد.

الحوثيون يواصلون احتلال مكاتب الأمم المتحدة ومصادرة أصولها (إعلام محلي)

وفي مديرية عبس بمحافظة حجة (شمال غرب)، مات أطفال من الجوع نتيجة ارتفاع معدلات سوء التغذية، بينما يتوقع أن يرتفع سوء التغذية الحاد في محافظتي الحديدة وتعز بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المائة بحلول نهاية العام الجاري.

كما حذر التقرير من أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات جوع كارثية بحلول مطلع عام 2026، بينهم نحو 41 ألف شخص معرضون لخطر المجاعة، بينما تعيش عائلات بأكملها على وجبة واحدة يومياً.

وفي محافظة الضالع، نقل التقرير عن إحدى الأمهات قولها: «في بعض الأيام أرسل ابنتي إلى منزل جدها لتأكل هناك، بينما أبقى أنا بلا طعام. أحياناً نكتفي بالخبز والشاي فقط».

النساء أول الضحايا

أشار تقرير المنظمات الإنسانية إلى أن القيود المفروضة من قبل الحوثيين على حركة عاملات الإغاثة اليمنيات، ومنعهن من السفر من دون «محرم»، (قريب ذكر) ما زالت تعيق إيصال المساعدات، وتحدّ من قدرة النساء والفتيات على الوصول إلى الخدمات الأساسية، مؤكدة أن «اليمن يواجه حالة طوارئ إنسانية غير مسبوقة».

ولفتت المنظمات إلى أن النساء والفتيات يتأثرن بشكل غير متناسب بالأزمة، إذ تُجبر العديد من الأسر على تزويج بناتها مبكراً أو إخراج الأطفال من المدارس للمساعدة في العمل من أجل البقاء.

وأضافت أن «الأطفال الذين يعانون من الجوع لا يفقدون صحتهم فحسب، بل يُحرمون أيضاً من نموهم البدني والمعرفي، ما يهدد مستقبل جيلٍ كامل».

نصف الأطفال في اليمن يعانون من سوء التغذية الحاد (الأمم المتحدة)

وحددت المنظمات عوامل متعددة وراء تفاقم الأزمة، أبرزها استمرار الصراع، والانهيار الاقتصادي، والصدمات المناخية، وندرة المياه، مشيرة إلى أن الحرب الطويلة والنزوح أضعفا سبل العيش، وقلّلا من الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.

وأضافت أن الفيضانات الأخيرة التي ضربت اليمن في أغسطس الماضي «مثال صارخ على تأثير تغير المناخ»، إذ دمّرت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، وهو ما زاد من انعدام الأمن الغذائي.

تمويل متراجع

أوضحت المنظمات أن التخفيضات الكبيرة في تمويل المساعدات الإنسانية ساهمت في تفاقم الجوع وسوء التغذية إلى مستويات «مميتة»، حيث أدى خفض التمويل إلى توقف أكثر من 2800 خدمة علاجية منقذة للحياة -أي ما يقرب من نصف برامج التغذية النشطة-، مما وضع ملايين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات في دائرة الخطر.

وذكرت أن «الاستجابة لبرامج الأمن الغذائي والتغذية في اليمن هي الأدنى منذ عقد من الزمن، إذ لم يُلبّ سوى 10 في المائة من احتياجات التمويل الفعلية».

الفيضانات الأخيرة دمرت الأراضي الزراعية ومصادر الرزق (الأمم المتحدة)

وأكدت أن إعادة بناء حياة اليمنيين لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال «جهد مشترك يربط بين الدعم الإنساني الفوري والحلول السياسية والاقتصادية طويلة الأمد».

وطالبت المنظمات أطراف النزاع في اليمن، بدعم من المجتمع الدولي، بالتحرك نحو خطوات سلام حقيقية تشمل «استئناف دفع رواتب القطاع العام، وإعادة تنشيط العمليات المصرفية، ووقف انهيار العملة»، لتمكين الأسر من تأمين الغذاء، والاحتياجات الأساسية.


مقالات ذات صلة

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

العالم العربي تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

دخلت المواجهات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية مرحلة أكثر حدة، مع اشتداد المعارك في جبهات تعز ولحج، وتزامن العمليات البرية والجوية والصاروخية مع تحرك.

«الشرق الأوسط» (عدن)
رياضة عربية  رامي الوصماني، لاعب المنتخب اليمني (الشرق الأوسط)

لاعبو اليمن لـ «الشرق الأوسط»: ودعنا «خليجي 27» بشخصية مختلفة

أكد رامي الوصماني، لاعب المنتخب اليمني، أن الفوز على البحرين بنتيجة 5-2 في ختام دور المجموعات لـ«خليجي 27»، يعكس التطور الذي طرأ على أداء المنتخب خلال البطولة.

عبد الله الزهراني (جدة )
رياضة عربية الجزائري نور الدين ولد علي يحتفل رفقة لاعبي اليمن (تصوير: عدنان مهدلي)

ولد علي: انتصارنا على البحرين لن يجعل الحياة جميلة.. دقائق اللعب «مشكلتنا»

أكد الجزائري نور الدين ولد علي، مدرب المنتخب اليمني، أن الفوز على البحرين يمثل دفعة معنوية مهمة للمنتخب، رغم عدم التأهل إلى الدور نصف النهائي من كأس الخليج.

روان الخميسي (جدة )
العالم العربي تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

نُذر إطلاق معركة يمنية شاملة ضد الحوثيين

تتصاعد معارك تعز ولحج مع كثافة الضربات، والخسائر المعلنة، بالتزامن مع تفعيل التعبئة العامة، ورفع الجاهزية، بما يرسم ملامح استعداد يمني لمعركة شاملة ضد الحوثيين

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)

«الكوليرا» يطرق مخيمات اليمنيين الفارّين من الهجمات الحوثية

رصدت «الصحة العالمية» 7784 حالة كوليرا مشتبه بها في اليمن، بينها تنبيهات في مخيمين للنازحين بعدن، وسط ازدياد النزوح وضغوط الحرب على الخدمات الصحية.

محمد ناصر (عدن)

«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
TT

«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)

أنهى «التحالف الدولي» مهمة «العزم الصلب» في العراق، بعد سنوات من طلب الحكومة في بغداد المساعدة لمكافحة تنظيم «داعش».

وقالت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنه تم الانتقال إلى الأردن مع مواصلة تقديم الدعم الاستخباري للشركاء العراقيين.

وأفاد رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، بأن «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال إلى مرحلة يتولى فيها العراق المسؤولية الكاملة عن الأمن». وبشأن السلاح المنفلت، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

وطمأن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، أمس (الأربعاء)، مواطنيه بأن الإقليم ليس عرضة للتهديد بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي.

وفي واشنطن، أفاد خبراء بأن الولايات المتحدة تركز في المرحلة الراهنة، بعد الانسحاب، على تفكيك الميليشيات وعزل النفوذ الإيراني.

وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - والذي كان بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، رغم قلق طيف من العراقيين إزاء تحديات جيوسياسية.


تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

دخلت المواجهات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية مرحلة أكثر حدة، مع اشتداد المعارك في جبهات تعز ولحج، وتزامن العمليات البرية والجوية والصاروخية مع تحرك مؤسسات الدولة لتفعيل التعبئة العامة ورفع الجاهزية العسكرية، في مؤشر على استعداد رسمي لمعركة كبرى ضد الجماعة المتحالفة مع إيران.

وتتركز المعارك في غرب تعز والمناطق المتصلة بلحج، حيث تخوض القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» ومقاتلين قبليين، مواجهات عنيفة مع هجمات حوثية ومحاولات تسلل والتفاف. وشهدت جبهة الأغبرة في المضاربة والعارة معارك ليلية، بالتزامن مع غارات جوية على مواقع حوثية في الوازعية والبازلة والظهورة.

وفي تعز، صعّدت الجماعة قصفها الصاروخي على مناطق سكنية في الشمايتين والتربة، مما أسفر عن أضرار مادية وإصابة مدنيين، فيما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 414 عملية استهداف خلال 24 ساعة، بعد يوم من إعلانها 356 عملية قالت إنها أوقعت 476 قتيلاً وجريحاً حوثياً، لترفع حصيلتها المعلنة خلال 4 أيام إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح.

ويتزامن التصعيد الميداني مع إقرار الجيش اليمني عملياته للتعبئة العامة، ومناقشة مجلس الدفاع الوطني رفع جاهزية القوات وتوحيد الموارد والجهود الوطنية.


«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
TT

«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)

أنهت القوات الأميركية، الأربعاء، مغادرة قواعدها المتبقية في العراق، وسط مخاوف من ترك ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران «عقدة دون حل»، ومنح تنظيم «داعش» فرصة لإعادة تنظيم صفوفه. وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، على الرغم من قلق عدد من العراقيين إزاء عدم جاهزية قوات الأمن العراقية.

وجرت الموافقة على الانسحاب عام 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، وتنفذه إدارة دونالد ترمب الحالية حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران. وغادرت القوات الأميركية في البداية آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ‌3 سنوات بعد ‌أن استولى تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي متحدثاً خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

نهاية «العزم الصلب»

وقالت وزارة الدفاع الأميركية إن الولايات المتحدة وشركاءها في «التحالف الدولي لمحاربة (داعش)» اختتموا رسمياً عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنها انتقلت إلى مقرها في الأردن بينما ستواصل تقديم التدريب والدعم الاستخباري الموجه للشركاء العراقيين.

كما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية»، في بيان، إكمال الانسحاب المنظم للقوات والمعدات الأميركية من قاعدة أربيل الجوية؛ مما يمثل نهاية مهمة عملية «العزم الصلب».

وأشارت إلى أن «هذه الخطوة جزء من انتقال مخطط له نحو علاقة دفاعية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق».

وقال رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره».

وأضاف الزيدي، خلال احتفال حضرته «الشرق الأوسط» في بغداد، أن «مهام العمليات المشتركة انتقلت إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ضمن صيغة مؤسسية لإدارة هذا الجهد تحت سلطة الدولة وقيادتها العليا».

وبشأن قصة السلاح المنفلت في العراق، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

كما أقامت «هيئة الحشد الشعبي»، التي تضم مجموعات مسلحة موالية لإيران، احتفالاً بمناسبة «يوم السيادة»؛ وشهد كلمات خطابية وصفت الحدث بـ«الانتصار».

يرفع أحد عناصر الأمن العراقي علامة النصر خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يحل «اليوم الموعود»

في غضون ذلك، أعلن زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، الأربعاء، حل لواء «اليوم الموعود» وتحويل فصيله المسلح مؤسسةً مدنية، داعياً إلى حصر السلاح بيد الدولة واعتزال القيادات السياسية العمل السياسي وفتح المجال أمام وجوه جديدة.

وقال الصدر، في تدوينة على منصة «إكس»، إنه يعلن «استقلال العراق وانتهاء حقبة التواجد الأميركي والتحالف الدولي بصورة نهائية»، مقدماً الشكر إلى «المقاومين السابقين الأولين من المجاهدين والأنصار».

وطالب الصدر الجيش الأميركي بتعويضات عن الأضرار التي قال إنها حدثت بسبب «احتلاله الأراضي العراقية»، داعياً إلى تقديم شكاوى قانونية بهذا الشأن.

وحث الصدر الجهات السياسية على إجراء التعديلات اللازمة، وإعطاء الأولوية للعمل السياسي فوراً، وفتح الباب أمام الوجوه الجديدة لإنهاء الفساد والعمل على الإصلاح، مشدداً على وجوب تعزيز القوات الأمنية بكامل صنوفها وتفعيلها، لا سيما حرس الحدود.

بينما عدّ فصيل يحمل اسم «أصحاب أهل الكهف»، يُعتقد أنه واجهة لأحد الفصائل الكبيرة الموالية لإيران، أن حصر السلاح «أوهام يحلم بها الضعفاء والأذلاء»، متوعداً بقطع أي يد تمتدّ إلى عناصره أو تمس سلاحه.

وحذر الفصيل في بيان بأنه «ابتداء من اليوم؛ فإن أي وجود أجنبي، برياً كان أم جوياً، سيشهد رداً عسكرياً» من قبل الفصيل.

كما شككت «كتائب حزب الله»، الأربعاء، في إتمام انسحاب القوات الأميركية من البلاد، مؤكدة في بيان أن ما وصفتها «أجهزتها الاستخبارية» رصدت استمرار تحليق الطيران «التجسسي والحربي في الأجواء العراقية»، إلى جانب «الحصول على برقيات توثق تحركات ميدانية لأفراد (الجيش الأميركي) تستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل».

أحد عناصر الأمن العراقي يؤدي التحية العسكرية خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«عقدة دون حل»

ومع الانسحاب الأميركي، تعزز طهران نفوذها من خلال حلفائها في العراق منذ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. ويشعر طيف سياسي وشعبي بالقلق من أن قوات الأمن التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة ‌على حماية البلد، بينما تبقى الفصائل المسلحة التي تعمل من كثب مع «الحرس الثوري» الإيراني «عقد بلا حل»، على حد وصف قيادي بارز في «تحالف إدارة الدولة». ونقلت «رويترز» عن جاسم البهادلي، وهو محلل يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد ‌من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

لكن مقربين من الحكومة يميلون إلى التفاؤل بما ستؤول إليه الأوضاع بعد الانسحاب. وقال الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور حسين علاوي لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات العراقية - الأميركية دخلت مرحلة جديدة بعد 12 سنة من العمل المشترك لهزيمة تنظيم «داعش»، مشيراً إلى أن «التنسيق الأمني سيتحول تعاوناً اقتصادياً وتنموياً واستثمارياً، بدأت بوارده في الظهور مع لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي».

مرحلة ما بعد الانسحاب

ورجح الباحث في الشأن الأميركي عبد الرحمن الجبوري، في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «العلاقة بين واشنطن وبغداد لن تتغير كثيراً بسبب تعاظم نفوذ واشنطن السياسي والمالي في بغداد»، لكنه أشار إلى «تأثرها بواقع واستمرار الحرب الإيرانية - الأميركية ورغبة واشنطن إنهاء النفوذ الإيراني في العراق».

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق 7 من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم خلال الصراع؛ آخرهم جندي برتبة ‌سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير محكم لطائرة مسيّرة بقاعدة قرب أربيل خلال يوليو (تموز) الماضي.

وتعدّ إيران، التي تقول إن هدفها النهائي هو إجبار القوات الأميركية على ⁠مغادرة الشرق الأوسط بأكمله، انسحاب ⁠الولايات المتحدة من العراق انتصاراً لما يسمى «محور المقاومة»؛ الذي يضم جماعات وفصائل مسلحة متحالفة معها في أنحاء المنطقة. ونقلت «رويترز» عن المحلل السياسي أحمد يونس أن «ما يثير القلق ليس بالضرورة التدخل الإيراني المباشر، وإنما احتمال أن تشعر الجماعات الوكيلة لإيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».