الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: إيران تدفع الحوثيين لإطالة الحرب ورفض السلام

وزير الخارجية اليمني أرجع تحسن العملة إلى انسجام المؤسسات وإجراءات «المركزي»

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: إيران تدفع الحوثيين لإطالة الحرب ورفض السلام

وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني د. شائع الزنداني (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني د. شائع الزنداني (تصوير: تركي العقيلي)

اتهم وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، الجماعة الحوثية بالسعي إلى تعطيل جهود المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، وإدخال البلاد في دائرة الفوضى، مؤكداً أن عملية السلام باتت شبه مجمّدة بفعل دفع إيران الجماعة لرفض السلام والإصرار على استدامة الحرب.

وكشف الزنداني، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن أن التحركات في مجلس الأمن لمناقشة قرارات جديدة بشأن اليمن، تأتي وسط قناعة لدى بعض الدول بأن القرار 2216 لم يعد قابلاً للتطبيق، مرجحاً أن أي قرارات جديدة ستصدر ستكون مكمِّلة للقرار 2216، وتركّز على اتخاذ تدابير موحدة ضد الحوثيين.

وربط وزير الخارجية اليمني التحسّن الأخير في سعر صرف العملة المحلية بحالة الانسجام بين مؤسسات الدولة، والإجراءات الصارمة المتخذة من البنك المركزي ضد المضاربين، مؤكداً أن خطوات إصلاحية إضافية ستُنفَّذ قريباً.

وفقاً للوزير فإن أي قرارات جديدة في مجلس الأمن ستتخذ لإكمال القرار 2216 (تصوير: تركي العقيلي)

وبعد نحو عقد على اندلاع الحرب، شدَّد الزنداني، الذي يُعدُّ أحد مؤسسي السلك الدبلوماسي في بلاده، أن الحضور اليمني في الساحة الدولية آخذ في التوسع، مشيراً إلى اعتماد 70 دولة سفراء لها لدى الحكومة الشرعية، فضلاً عن إعلان عدد من الدول نيتها إعادة فتح سفاراتها في العاصمة المؤقتة، عدن، قريباً.

كما علّق الوزير على ضبط شحنة طائرات مسيّرة وأجهزة متطورة في ميناء عدن كانت قادمة ضمن شحنة تجارية من الصين، بتأكيده أن العلاقات مع بكين قوية وتاريخية، وأنه أبلغ القائم بالأعمال الصيني أن الحكومة اليمنية تقوم بتتبع الشحنة للتأكد من مصدرها.

وشدَّد الزنداني على أهمية الدور السعودي في مختلف المجالات التنموية والإنسانية وإعادة الإعمار، مؤكداً أن المملكة تحظى بأولوية في السياسة الخارجية اليمنية، مع الحرص على التنسيق معها في جميع الملفات.

العملة اليمنية

على غير المألوف في الحوارات السياسية، استُهل النقاش مع وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، بسؤال عن الأسباب الكامنة وراء التحسّن المفاجئ في سعر العملة الوطنية، رغم غياب الودائع الجديدة في البنك المركزي أو استئناف تصدير النفط.

وأكد الزنداني في مستهل حديثه أن «الشأن الاقتصادي يمثل حجر الزاوية في عملية الأمن والاستقرار»، موضحاً أن الأزمة تعمَّقت جراء «توقف الحكومة عن تصدير النفط الذي كان يُشكِّل نحو 70 في المائة من الموازنة العامة، إلى جانب وجود اختلالات مؤسسية استدعت تدابير إصلاحية عاجلة».

وأضاف: «كان علينا اتخاذ بعض التدابير العاجلة» مؤكداً أن «الانسجام بين مؤسسات الدولة، وعدم وجود تعارضات أو حسابات مختلفة، جعلا الجميع يضع إنهاء هذه المشكلة هدفاً أولياً»، مضيفاً أن هذا التوافق «ساعد إلى حد كبير على البدء بالإجراءات».

وأشار الوزير إلى أن المضاربة على العملة كانت من أكبر التحديات، مبيناً أن «الصرافات كانت تتلاعب بالأموال، كما أن الحوثيين كانوا يكلفون أشخاصاً لشراء الدولار من السوق»، موضحاً أن التوافق الحكومي مع البنك المركزي، واتخاذ إجراءات صارمة «انعكس بالتأكيد على سعر الصرف». لكنه شدَّد على أن هذه المعالجات «ليست كافية»، وسوف تتبعها «تدابير أخرى سيتم تنفيذها لاحقاً».

السعودية أولوية في سياستنا الخارجية

وفيما يخص الدور السعودي، وصف الزنداني المملكة بأنها «الدولة الراعية الأساسية في اليمن»، موضحاً أن دعمها يشمل كل المجالات، من التنمية وإعادة الإعمار، إلى العمل الإنساني عبر مركز الملك سلمان، إضافة إلى الودائع والمنح المالية المستمرة حتى الآن، مؤكداً أن المملكة «أولوية في سياستنا الخارجية، ونحرص على علاقات ممتازة معها، ونبذل كل جهد للتنسيق في الصعيد الدولي بشكل عام».

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لدى لقائه د. رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عام 2023 (واس)

سلام شبه جامد

وبشأن عملية السلام وآخر تطوراتها، قال الزنداني إن العملية «على الرغم من الجهود المبذولة فإنها شبه مجمدة»، مضيفاً: «للأسف، من جانبنا نحن الحكومة، لا نشعر بأن الميليشيات الانقلابية الحوثية لديها رغبة في تحقيق السلام وإنهاء الحرب؛ لأنها تعيش على الحرب».

وأوضح أن الحكومة وافقت على كل المبادرات المطروحة والجهود المبذولة من قبل الأشقاء والأصدقاء، لكن الحوثيين «لا يبدون تجاوباً».

ويرى الوزير أن الدور الإيراني «كبير جداً» في إبقاء الحوثيين على مواقفهم المتعنتة، وعدم الجنوح إلى السلام، لافتاً إلى أن تحركات المبعوث الأممي مرتبطة بإرادة القوى النافذة في مجلس الأمن، وأن الأزمة اليمنية مرتبطة إقليمياً ودولياً.

وحول ما تردد عن محاولة اغتيال المبعوث الأممي، قال الزنداني: «هناك محاولة لتعطيل جهوده وإدخالنا في حالة من الفوضى»، عادّاً أن ذلك يصب في مصلحة الحوثيين، بينما «نحن نرى أن المبعوث يمثل إرادة الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، ومن مصلحتنا التمسُّك بدوره». رغم القصور أو بعض الاجتهادات التي لم يوفق فيها، على حد تعبير الوزير.

قرارات أممية مرتقبة

وفيما يتعلق بالحديث عن قرارات مقبلة في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني، أوضح الزنداني أنه لا توجد تفاصيل عن هذه القرارات حتى الآن، لكنه أقرّ بوجود مَن يرى أن القرار 2216 أصبح غير صالح للتطبيق.

وكانت مصادر إعلامية تحدَّثت عن تحرك تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا لاستصدار قرارَين من مجلس الأمن بشأن اليمن خلال الأسابيع المقبلة.

وأضاف الوزير: «من خلال خبرتي، فإن قرارات مجلس الأمن لا تعدَّل، لكن يمكن اتخاذ قرارات جديدة»، مؤكداً أن الحكومة تعمل تحت مظلة الشرعية الدولية والإقليمية والوطنية، وتتعامل «بمرونة وعقلانية مع كل الجهود التي تسعى لإخراج اليمن من هذه المحنة».

وتابع: «في اعتقادي أن أي قرارات جديدة ستُتَّخذ ستكون لإكمال القرار 2216، واتخاذ تدابير إجرائية موحدة ضد الحوثيين لأنهم لم يستجيبوا لقرارات الشرعية الدولية».

وشدَّد الزنداني على أن الحوثيين «طرف لا يؤمن بالسلام أو الشراكة الوطنية، ولا يمتلك أي برنامج سياسي»، مضيفاً: «هم عبارة عن جماعة منغلقة تقوم على أساس آيديولوجي طائفي، وتعتقد أنها الأحق بحكم اليمنيين»، مشيراً إلى أن الخيار العسكري «يظل قائماً ما دمنا مُهدَّدين».

تهريب السلاح... ودور إيران

وعن الدور الإيراني في اليمن، قال الزنداني إن المجتمع الدولي «لم يتعامل بالجدية الكافية مع قضية التهريب وإمداد الحوثيين بالسلاح»، لافتاً إلى أن قرارات مجلس الأمن واضحة في هذا الشأن، لكن «لم يُتَّخذ إجراء واحد منذ 2016»، ما سمح بوصول «طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية وحتى صواريخ فرط صوتية» من إيران إلى الحوثيين. وأضاف: «يمكن تهريب بندقية، لكن تهريب صواريخ وطائرات مسيّرة دون أن ترصدها آليات التفتيش أمر يثير التساؤل».

وتابع: «أعتقد أن هذه المسألة كان هناك نوع من التماهي، وهذا ما شجَّع الحوثيين على التمادي، وجعل إيران تستمر في مواصلة دعم الحوثيين (...) إيران ما لم تعدّل سياستها ورؤيتها، وتقبل أن تعيش بعلاقات حُسن جوار مع دول المنطقة، وتهتم بمصالح شعبها، فإن استمرار تدخلها في الشؤون الداخلية لليمن أمر ليس في مصلحتها ولا دول المنطقة».

إصلاحات الوزارة

وفي ملف هيكلة وزارة الخارجية، أوضح الزنداني أن وزارته بدأت، رغم قصر الفترة، إصلاحات مهمة، بينها نقل ديوان الوزارة إلى عدن، ويعمل به نحو 200 موظف حالياً، كما تم استدعاء 160 دبلوماسياً بعضهم أمضى أكثر من 10 سنوات في الخدمة، مما وفَّر نحو 6 ملايين دولار. كما أشار إلى تقليص عدد العاملين في السلك الدبلوماسي بنسبة 25 إلى 30 في المائة خلال عام واحد.

وحول نية بعض الدول نقل سفاراتها إلى عدن، قال الدكتور شائع الزنداني إن عدد السفراء المعتمدين لدى الحكومة ارتفع إلى أكثر من 70 دولة، مبيناً أن روسيا بدأت إجراءات فتح سفارتها في عدن، بينما أبلغت دول أخرى نيتها القيام بذلك، مثل الهند التي تستعد لفتح قسم قنصلي بعد توقف منذ عام 2014، إلى جانب بدء خطوات لتهيئة الظروف المناسبة لفتح مكاتب رئيسية للمنظمات الدولية في عدن، بعد أن كانت تعمل من صنعاء.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي خلال لقائه السفير الهندي لدى اليمن (الخارجية اليمنية)

وتابع: «دورنا يتعزز على الصعيد الخارجي، ولا ينحصر رغم طول أمد الحرب. هناك سفارات أبلغتنا النية فتح سفاراتها في عدن».

خرق اتفاق «المركزي»

وفي رده على سؤال بشأن نية الحكومة اتخاذ إجراءات بعد خرق الحوثيين الاتفاق المتعلق بآلية عمل البنك المركزي، شدَّد وزير الخارجية اليمني على أن الحكومة «هي الجهة المسؤولة عن جميع المؤسسات المركزية»، عادّاً أن الحوثيين «جماعة انقلابية لا تمثل سلطة واقعية»، ولا يملكون الحق في طباعة العملة.

وأضاف: «لدينا مؤشرات على أماكن الطباعة، وسنتواصل مع هذه الدول مباشرة»، مبيناً أن «كل تصرفات الحوثيين تجري خارج الدستور والقانون والأعراف الدولية»، لافتاً إلى أن الحكومة تتابع من كثب مصادر طباعة العملة «سواء عبر آلات بحوزتهم أو في دول أخرى».

وأشار الزنداني إلى أن «تصنيف الإدارة الأميركية للحوثيين جماعة إرهابية وَضَعهم في دائرة واضحة أمام المجتمع الدولي»، مؤكداً أن ذلك يتطلب من الحكومة اتخاذ إجراءات موازية، بوصفها «شرطاً أساسياً لوزارة الخزانة الأميركية لتجفيف منابع تمويل الجماعة».

ضبط شحنات السلاح

وفي حديثه عن ضبط شحنات السلاح الأخيرة في السواحل اليمنية، ونية الحكومة مخاطبة الدول القادمة منها أو التي تمر بها هذه الشحنات، شدَّد الوزير على أن اليمن «لن يقف مكتوف الأيدي» إذا تأكد من مصادر هذه الأسلحة، وأن بلاده تتحرك دبلوماسياً فور حصولها على الأدلة.

الوزير الزنداني خلال استقباله القائم بأعمال السفير الصيني لدى اليمن الأسبوع الماضي (الخارجية اليمنية)

وبشأن ما أُعلن أخيراً عن ضبط طائرات مسيّرة وأجهزة متطورة في ميناء عدن على متن شحنة تجارية مقبلة من الصين، أوضح الوزير أن العلاقات مع الصين «تاريخية ووثيقة»، وأن بلاده ستطرح أي معلومات مؤكدة على أصدقائها في بكين، قائلاً: «نعرف أنه ليس من السهولة أن تقوم أي شركة بتصدير مكونات عسكرية دون علم الحكومة الصينية».

وتابع: «نحن حريصون على علاقاتنا مع الأصدقاء في بكين، وسنطرح هذا على أصدقائنا في الصين إذا ما تأكد مصدرها بصورة نهائية، وقد نقلنا هذا للقائم بالأعمال الصيني».


مقالات ذات صلة

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)

الحوثيون يقصفون باب المندب بـ5 صواريخ باليستية

أطلق الحوثيون المدعومون من إيران 5 صواريخ باليستية باتجاه باب المندب في جنوب البحر الأحمر، بعد أن أدت هجماتهم الماضية إلى تدمير شبه كلي لميناء المخا.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

ينفق الحوثيون أموالاً متزايدة على تجنيد المراهقين والفعاليات الطائفية، بينما يواصلون حرمان عشرات الآلاف من الموظفين اليمنيين من رواتبهم للعام العاشر على التوالي

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)

التصعيد الحوثي يفاقم أعباء المعيشة على اليمنيين

تجدد التصعيد الحوثي يفاقم الضغوط المعيشية على أهالي صنعاء ومناطق سيطرة الجماعة مع ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وتقليص المساعدات، وسط مخاوف من اتساع الاحتياجات.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله نظيرته اليمنية الدكتورة أفراح الزوبة في الرياض (واس)

السعودية تؤكد موقفها الثابت في دعم أمن اليمن واستقراره

جدد الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، التأكيد على موقف المملكة الثابت في دعم أمن واستقرار اليمن، خلال استقباله وزيرة خارجية اليمن أفراح الزوبة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الحوثيون يقصفون باب المندب بـ5 صواريخ باليستية

صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)
صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقصفون باب المندب بـ5 صواريخ باليستية

صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)
صاروخ أطلقه الحوثيون باتجاه ميناء المخا اليمني في وقت سابق (أ.ف.ب)

ضمن التصعيد البحري والبري المستمر منذ نحو أسبوعين أطلقت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، الاثنين، 5 صواريخ باليستية باتجاه باب المندب في جنوب البحر الأحمر، بعد أن أدت هجماتها الماضية إلى تدمير شبه كلي لميناء المخا وخروجه عن الخدمة، فضلاً عن الخسائر البشرية التي امتدت من الساحل الغربي إلى محافظات مأرب وحضرموت وشبوة.

وأفاد الإعلام العسكري التابع لقوات المقاومة الوطنية الحكومية المرابطة في الساحل الغربي بأن الجماعة الحوثية أطلقت صاروخين باليستيين من محيط معسكر الحمزة في محافظة إب، و3 صواريخ من منطقة الحوبان شرق مدينة تعز، واتجهت جميعها نحو منطقة باب المندب.

وجاء ذلك غداة استهداف الحوثيين مدينة المخا بمحافظة تعز بصاروخين و6 طائرات مسيّرة على دفعات متفرقة، في وقت واصلت فيه القوات الحكومية التعامل مع التحركات الحوثية على جبهات عدة.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال 24 ساعة ضد مواقع وأهداف ومصادر تهديد تابعة للحوثيين، في واحدة من أوسع موجات العمليات التي تشهدها الجبهات اليمنية خلال الفترة الأخيرة.

وقال المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، العقيد الركن ماجد عبد الله النزيلي، إن العمليات نُفذت باستخدام الطيران المسيّر والمدفعية والراجمات، واستهدفت مواقع عسكرية ومصادر نيران وقدرات تستخدمها الجماعة في تنفيذ هجماتها على امتداد خطوط التماس.

وبحسب البيان العسكري، أسفرت العمليات عن مقتل وإصابة عشرات الحوثيين، وتدمير عشرات المعدات والآليات، إضافة إلى تدمير مخازن أسلحة ووسائل عسكرية.

مطالبة بحماية دولية

في غضون ذلك، نفذ عشرات البحارة اليمنيين في مدينة المخا وقفة احتجاجية، الاثنين، للتنديد بالهجمات الحوثية الأخيرة التي طالت الميناء، وتهدد حركة الملاحة في البحر الأحمر، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف التهديدات التي قالوا إنها مدعومة من إيران.

وشدد المحتجون على ضرورة توفير حماية فاعلة للممرات المائية، والحفاظ على أرواح العاملين في القطاع البحري والصيادين، في ظل تكرار الهجمات الحوثية على السفن والمنشآت الساحلية.

وكان ميناء المخا قد تعرض خلال الأيام الماضية لهجمات واسعة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، أدت إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية للمرفق الحيوي.

بحارة أجانب ويمنيون يحتجون على هجمات الحوثيين على السفن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر (أ.ب)

وبحسب مدير الميناء، عبد الملك الشرعبي، أدى القصف إلى مقتل أربعة من أفراد أمن المنشآت وثلاثة من موظفي الميناء، مشيراً إلى أن الجماعة استهدفت المرفق بأكثر من 25 صاروخاً، ما ألحق أضراراً واسعة بالبنية التحتية والمعدات التشغيلية.

كما تضررت 6 سفن خشبية وحفار كان يعمل ضمن مشروع توسعة الميناء، إلى جانب أضرار بالغة لحقت برصيف الميناء والمنشآت الحيوية التابعة له.

وحذر مدير الميناء من التداعيات الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن توقف الحركة الملاحية، مشيراً إلى أن نحو 1300 عامل فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم نتيجة تعطيل النشاط التجاري.

ويأتي ذلك فيما تحولت المخا، خلال الأيام الأخيرة، إلى أحد أبرز محاور التصعيد الحوثي على الساحل الغربي، بالتزامن مع استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

جبهات تعز تحت الضغط

في محافظة تعز (جنوبي غرب) أعلنت القوات الحكومية في الساعات الماضية التصدي لتجمعات وتحشيدات حوثية في الجبهة الشمالية للمدينة، بالتزامن مع قصف الجماعة قرى في مديرية مقبنة واستهداف مدينة المخا.

ونقل الإعلام الرسمي عن مصدر عسكري قوله إن القوات الحكومية تعاملت مع تجمعات وتحشيدات حوثية في الجبهة الشمالية، ما أدى، وفق المصدر، إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، مؤكداً استمرار رصد تحركاتها والتعامل معها.

وفي مديرية مقبنة (شمال غربي تعز) قصفت الجماعة قرى العشملة وحمير والكويحة ومناطق أخرى بـ11 قذيفة مدفعية وهاون، ما تسبب في أضرار مادية من دون تسجيل ضحايا، وفق مصادر عسكرية.

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء الاعتداءات الحوثية الصاروخية (أ.ف.ب)

وردت مدفعية وراجمات صواريخ المقاومة الوطنية بقصف مواقع حوثية، في إطار الرد على الهجمات المستمرة التي تشنها الجماعة على القوات والمناطق المدنية.

ويأتي هذا التصعيد في تعز والساحل الغربي في وقت تشهد فيه خطوط التماس اليمنية نشاطاً عسكرياً متزايداً، مع محاولة الحوثيين تكثيف الضغط على مواقع القوات الحكومية، وفتح مسارات متزامنة للقصف الصاروخي والطائرات المسيّرة.

ضحايا مدنيون

في موازاة التصعيد الميداني، أعلنت الشبكة اليمنية لروابط الضحايا توثيق مقتل وإصابة 18 مدنياً خلال الفترة من 4 إلى 15 أغسطس (آب)، جراء هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في محافظات مأرب وتعز والحديدة والضالع.

وقالت الشبكة، خلال مؤتمر صحافي في مأرب بعنوان «المدنيون في مرمى التصعيد»، إن الهجمات الحوثية طالت مناطق سكنية ومنشآت مدنية ومخيمات للنازحين.

رجل مصاب يتلقى العلاج في مستشفى عقب هجوم حوثي استهدف ميناء المخا اليمني (أ.ب)

وأوضحت الشبكة الحقوقية أن قصف مخيم «جو النسيم» للنازحين في مأرب في 7 أغسطس الحالي أدى إلى مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى أضرار لحقت بمساكن النازحين وشبكات المياه والصرف الصحي وممتلكات خاصة.

كما وثقت الشبكة، في 9 أغسطس، استهداف مدينة وميناء المخا ومدينة الخوخة ومحيط المستشفى السعودي الميداني في الساحل الغربي بالعشرات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة؛ ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال.

وفي محافظة تعز، قالت الشبكة إن القصف الحوثي طال مديريات التعزية وصبر الموادم ومقبنة، حيث أصيبت امرأتان وطفلان، أحدهما رضيع، في 8 أغسطس، بينما أدى استهداف آخر في 10 أغسطس إلى مقتل طفلة وإصابة طفل في مديرية صبر الموادم.

كما وثقت استهداف سفينة تجارية في المياه الدولية بمضيق باب المندب في 11 أغسطس، قالت إنه أدى إلى مقتل ثلاثة من أفراد الطاقم، وإصابة آخرين خلال عمليات الإنقاذ.

صاروخ حوثي سقط بجوار مأوى إحدى الأسر النازحة في مأرب (أ.ف.ب)

وفي 15 أغسطس، استهدفت الجماعة حي الشركة السكني في مدينة مأرب بصواريخ باليستية؛ ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير وإلحاق أضرار بعدد من المنازل والممتلكات الخاصة.

ورأت الشبكة أن الهجمات تمثل نمطاً متكرراً من استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وطالبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي باتخاذ خطوات لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب إجراء تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات المرتبطة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.


إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
TT

إنفاق حوثي مكثف على التجنيد والتعبئة والفعاليات الطائفية

الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تخصص أغلب الموارد للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

كشفت مصادر يمنية مطلعة عن زيادة كبيرة في الإنفاق الحوثي على عمليات التجنيد، والتعبئة، والفعاليات ذات الطابع الطائفي، بالتزامن مع استمرار الجماعة في حرمان عشرات الآلاف من موظفي الدولة في مناطق سيطرتها من رواتبهم للعام العاشر على التوالي.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الإنفاق على استقطاب المراهقين من المدارس والعاطلين من العمل في البلدات والأرياف تضاعف، وفق تقديراتها، نحو ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في وقت تحاول فيه الجماعة تقديم صرف نصف راتب لفئات محددة من موظفي الدولة باعتباره إجراءً استثنائياً بمناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي.

الحوثيون ينفقون على الفعاليات التعبوية والطائفية ويتجاهلون الخدمات (إعلام محلي)

وترى المصادر أن هذا التفاوت في الإنفاق يعكس أولوية متزايدة لدى الجماعة لتمويل النشاط التعبوي، والعسكري، في مقابل إبقاء ملف رواتب الموظفين أداة للضغط الاجتماعي، وإدارة السكان في مناطق سيطرتها.

وتحوّل الجماعة ذكرى المولد النبوي إلى مناسبة سياسية وتعبوية واسعة، عبر إقامة فعاليات في المدن، والبلدات، والأرياف، وحشد السكان والطلاب والموظفين للمشاركة فيها، بالتوازي مع خطاب يروّج لأفكارها المتعلقة بأحقيتها السياسية والسلالية في الحكم.

تجنيد القاصرين

في محافظة الحديدة (غرب) أفادت مصادر محلية بأن الجماعة دفعت خلال الأيام الماضية بمئات المجندين، غالبيتهم من القاصرين، إلى أطراف مديرية الجراحي، حيث جرى نقلهم على متن عربات دفع رباعي خلال ساعات الليل، قبل توزيعهم على مواقع في مناطق التماس مع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن عشرات العربات شوهدت وهي تنقل مجندين شباناً من أرياف المديرية إلى منطقتي الجربة، والمعامرة، فيما تلقى آخرون أوامر بالتمركز في مواقع على امتداد الطريق المؤدي من جسر نخلة إلى منطقة القهرة.

الحوثيون مستمرون في تجنيد طلاب المدارس وإلحاقهم بالجبهات (إعلام محلي)

كما دفعت الجماعة بعشرات المجندين إلى عزلة المعاصلة، جنوب الجراحي، في وقت تعرضت فيه مواقع حوثية هناك لاستهداف من القوات الحكومية، ما أدى، وفق المصادر، إلى سقوط قتلى في صفوف الجماعة.

وبحسب المصادر نفسها، أرسلت الجماعة الحوثية مجموعة أخرى من المجندين الذين جرى استقطابهم قسراً إلى محيط مناطق البغيل، والعبادية العليا، والسفلى، والجلادة، شرق الجراحي، وحولتها إلى منطقة عسكرية مغلقة.

وأشارت إلى أن الحوثيين نشروا مواقع وثكنات عسكرية في مناطق مختلفة من المديرية، وسيروا دوريات مسلحة على مدار الساعة، في إجراءات قالت المصادر إنها تهدف، من بين أمور أخرى، إلى منع المجندين الجدد من الفرار، ومنع دخول أشخاص من خارج المنطقة.

ويأتي ذلك في سياق أوسع من عمليات التجنيد التي تستهدف طلاب المدارس، والشبان العاطلين من العمل، إذ تعتمد الجماعة على الأنشطة التعبوية، والفعاليات الدينية، والمساعدات المحدودة، ووعود مالية لاستقطاب مزيد من العناصر، قبل دفع بعضهم إلى مناطق التماس.

موارد متزايدة للتعبئة

بالتوازي مع تصعيد عمليات التجنيد، قالت المصادر إن الجماعة الحوثية حصلت على دعم مالي من إيران، إلى جانب استمرارها في الحصول على إيرادات مرتبطة ببيع شحنات من النفط والغاز الإيراني التي تصل إليها، وفق المصادر، عبر مسارات بحرية تمر ببحر العرب، وسواحل القرن الأفريقي، والمحيط الهندي، بعيداً عن الموانئ الإيرانية الخاضعة للعقوبات، والرقابة الأميركية.

وأضافت أن الحوثيين رفعوا، بالتزامن مع ذلك، الرسوم الجمركية في المنافذ التي استحدثوها على خطوط التماس مع مناطق سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في محاولة لدفع التجار إلى تحويل بضائعهم عبر الموانئ والمنافذ الخاضعة للجماعة.

وبحسب المصادر، تستهدف هذه الإجراءات الحفاظ على الإيرادات الجمركية التي يمكن أن تخسرها الجماعة عندما تدخل الواردات عبر الموانئ والمنافذ البرية والبحرية التابعة للحكومة.

الحوثيون يجبرون السكان والباعة والمتسوقين على المشاركة في التعبئة (إعلام محلي)

ويشير هذا المسار إلى اعتماد الجماعة على شبكة واسعة من الجبايات والرسوم والإيرادات غير الرسمية لتمويل مؤسساتها، وأنشطتها، في الوقت الذي تتراجع فيه الخدمات العامة، وتتفاقم الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرتها.

«إدارة الفقر» بدل الرواتب

في المقابل، أكدت المصادر أن الجماعة الحوثية أسقطت أسماء آلاف الموظفين اليمنيين من قوائم الرواتب في قطاعي التربية، والداخلية، لإحلال عناصر موالية لها مكانهم ضمن ما يعرف بنظام «البصمة»، وقالت إنها تستعد لإدراج عشرات الآلاف من مجنديها والمصابين في المعارك ضمن عملية إحلال مماثلة في وزارة الداخلية.

وأثارت هذه الإجراءات انتقادات من ناشطين يمنيين، حيث اتهموا حكومة الحوثيين غير المعترف بها ووزير ماليتها، عبد الجبار الجرموزي، بتحويل ملف الرواتب إلى وسيلة لـ«إدارة الفقر»، ونفوا أن يكون استمرار تأخير صرف الرواتب ناجماً فقط عن عجز مالي.

اتهامات لحكومة الحوثيين بإدارة الفقر لضمان استمرار السيطرة على السكان (إعلام محلي)

وقال ناشطون إن اعتماد صرف نصف راتب على فترات متباعدة يحوّل الراتب من حق ثابت للموظف إلى منحة استثنائية مرتبطة بقرارات الجماعة، محذرين من أن يتطور الأمر إلى صرف نصف راتب كل شهرين، أو ربع راتب كل ثلاثة أشهر، وصولاً إلى فقدان الموظف راتبه بصورة شبه كاملة.

وبحسب هؤلاء، أصبح الموظف الحكومي الحلقة الأضعف في مناطق سيطرة الحوثيين، إذ لا يمتلك سلاحاً، أو نفوذاً، أو أدوات ضغط، في حين تتعامل الجماعة مع راتبه باعتباره أولوية متأخرة مقارنة بالإنفاق على أنشطتها العسكرية، والتعبوية.

ويقول الموظفون إنهم لا يطالبون بصدقة، وإنما بحقوق مالية مقابل سنوات من العمل، في وقت تواجه فيه أسرهم ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وتراجع قدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية.

كما انتقد ناشطون التناقض بين الخطاب الديني الذي تتبناه الجماعة الحوثية وممارساتها تجاه الموظفين، والسكان، معتبرين أن استخدام الشعارات الدينية في الفعاليات لا ينسجم مع استمرار حرمان الموظفين من حقوقهم المالية.


التصعيد الحوثي يفاقم أعباء المعيشة على اليمنيين

الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)
TT

التصعيد الحوثي يفاقم أعباء المعيشة على اليمنيين

الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)

تواجه الأسر اليمنية في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية ضغوطاً معيشية متصاعدة، مع عودة التوتر العسكري والمواجهات المسلحة، وسط مخاوف من أن يفتح التصعيد جبهة جديدة ضد اقتصاد أنهكته سنوات الحرب، ويعمق الفقر وانعدام الأمن الغذائي، بعدما استنفد ملايين اليمنيين معظم قدرتهم على التكيف مع الأزمة.

وكشفت مصادر إغاثية عن تدهور ملحوظ في الأوضاع الإنسانية في صنعاء ومدن يمنية أخرى، محذرة من أن القيود الميدانية المستمرة وتقليص المساعدات الدولية يضعان المنظمات الإنسانية أمام فجوة متزايدة بين حجم الاحتياجات وقدرتها على الاستجابة، بما يهدد باتساع دائرة الاحتياج بين الفئات الأكثر هشاشة.

ولا تقتصر آثار التصعيد على المناطق التي تشهد مواجهات مباشرة، بل تمتد سريعاً إلى الأسواق وحركة النقل وأسعار السلع والوقود، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتوفير احتياجاته الأساسية. ويعني أي اضطراب في طرق التجارة أو حركة الشحن ارتفاعاً إضافياً في كلفة السلع والخدمات، بينما تجد الأسر محدودة الدخل نفسها أمام خيارات أقل لمواجهة الزيادات المتلاحقة.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين للتضامن مع إيران (أ.ف ب.)

وتقول مصادر محلية إن الأسر في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين باتت تتعامل مع السوق بمنطق مختلف عما كان عليه الحال قبل سنوات، إذ لم تعد القدرة الشرائية تقاس بحجم الدخل وحده، وإنما بعدد الاحتياجات التي يمكن الاستغناء عنها لتوفير الضروريات.

ويؤكد سكان في العاصمة المختطفة أن الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الغذائية، بالتزامن مع تراجع فرص العمل وعدم انتظام الرواتب، جعل تأمين الاحتياجات الأساسية مهمة أكثر صعوبة، خصوصاً للأسر التي تعتمد على دخل ثابت أو أعمال يومية غير منتظمة.

ندرة فرص العمل

يقول «أحمد»، وهو عامل بالأجر اليومي في صنعاء، إن المشكلة لا تتعلق بالأسعار وحدها، وإنما أيضاً بعدم ضمان الحصول على عمل يومي. ويضيف أن العامل «قد يعمل عدة أيام، ثم تمر أيام من دون دخل»، بينما تبقى التزامات الإيجار والطعام والمواصلات وتكاليف الأطفال قائمة.

ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار يتزامن مع غياب فرص العمل وانقطاع الرواتب لدى قطاعات واسعة، ما يجعل أي زيادة جديدة في أسعار المواد الأساسية عبئاً يصعب تحمله.

أسر يمنية في صنعاء تلجأ لتأمين وجبات طعام من المخلفات (الشرق الأوسط)

من جانبه، يقول موظف في القطاع الخاص شمال صنعاء، اشترط عدم ذكر اسمه، إن الراتب «لم يعد يكفي كما كان». ويضيف أن الذهاب إلى السوق بات يتطلب حساب قيمة كل سلعة قبل شرائها، وأحياناً تكتفي الأسرة ببعض الاحتياجات وتؤجل شراء أخرى إلى الشهر التالي.

ويضيف أن ارتفاع تكاليف المواصلات والغذاء يفرض ضغطاً إضافياً على الأسر التي تعتمد على راتب ثابت، خصوصاً مع تراجع فرص العمل وارتفاع الالتزامات اليومية.

أما «سميرة»، وهي أم لثلاثة أطفال تقيم في ضواحي العاصمة، فتقول إن أسرتها اضطرت إلى تغيير نمط استهلاكها الغذائي، مضيفة: «أصبحنا نشتري الكمية الأقل من المواد الغذائية، ونحاول أن نجعل ما لدينا يكفي لأطول فترة ممكنة. الأشياء التي كانت عادية بالنسبة لنا باتت تحتاج إلى حساب».

التصعيد يهدد الأسواق

تتجاوز المخاوف المعيشية لدى سكان صنعاء حدود القلق من تجدد القتال، إذ تعني كل جولة تصعيد احتمالاً جديداً لفقدان الدخل أو ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات، في وقت استُنفدت فيه معظم وسائل التكيف التي لجأت إليها الأسر خلال سنوات الأزمة.

ويخشى السكان أن يؤدي استمرار التصعيد العسكري إلى موجة جديدة من الغلاء، خصوصاً مع هشاشة سلاسل الإمداد واعتماد السوق اليمنية على الواردات. كما أن ارتفاع كلفة النقل والشحن قد ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية.

مسيَّرة حوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ويرى مراقبون وباحثون يمنيون أن الاقتصاد المحلي لم يستعد قدرته على امتصاص صدمات جديدة، بعد سنوات من تراجع النشاط التجاري وتدهور مصادر الدخل وانقسام المؤسسات الاقتصادية والمالية، في حين أصبحت الأسر أكثر تعرضاً لأي ارتفاع مفاجئ في الأسعار.

ولا تقتصر التداعيات المحتملة على السلع، إذ يمكن أن يؤدي اتساع المواجهات إلى تراجع النشاط التجاري وفرص العمل، بما يضع مزيداً من الأسر أمام فقدان مصادر دخلها، ويزيد الاعتماد على المساعدات في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية نقصاً في التمويل والموارد.

وتحذر مصادر في المجال الإنساني من أن استمرار التصعيد قد يوسع دائرة الاحتياج، خصوصاً بين النازحين والأطفال والنساء والأسر التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب، في وقت تواجه فيه المنظمات قيوداً ميدانية وصعوبات متزايدة في الوصول إلى بعض الفئات.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية تتصدى لهجمات حوثية (إعلام عسكري)

ومع تجدد المواجهات، تبرز أيضاً مخاوف من اضطرار أسر جديدة إلى النزوح، بما يفرض عليها أعباء إضافية تشمل الإيجارات والغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما لا تزال قدرة الاستجابة الإنسانية على تغطية هذه الاحتياجات محدودة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحذيرات الأمم المتحدة من أن اليمن يواجه خطر العودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، في ظل استمرار التصعيد العسكري على عدد من الجبهات وتدهور الوضع الإنساني.