رحيل المصيلحي... «رجل مبارك والسيسي»

وزير التموين المصري السابق توفي متأثراً بالسرطان

علي المصيلحي وزير التموين المصري الراحل (وزارة التموين)
علي المصيلحي وزير التموين المصري الراحل (وزارة التموين)
TT

رحيل المصيلحي... «رجل مبارك والسيسي»

علي المصيلحي وزير التموين المصري الراحل (وزارة التموين)
علي المصيلحي وزير التموين المصري الراحل (وزارة التموين)

رحل الدكتور علي المصيلحي، وزير التموين المصري السابق، الذي توفي صباح الثلاثاء، ليسدل الستار عن أحد أبرز الشخصيات، التي حازت ثقة الرئيسين المصريين؛ الراحل حسني مبارك، والحالي عبد الفتاح السيسي، بعدما تنقل بين مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة، خلال حكومات مختلفة في عهديهما.

وزير التموين المصري الراحل في مجلس النواب (أرشيفية - أ.ش.أ)

فعن عمر يناهز 76 عاماً، رحل المصيلحي بعد صراع مع مرض السرطان، لينعاه رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مشيداً بما قدّمه الفقيد من عطاء وجهود مخلصة طوال مسيرته المهنية، مؤكداً أنه «كان نموذجاً لرجل الدولة المخلص، حيث ترك بصمة واضحة في تطوير منظومة التموين وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وأن سيرته ستظل محفورة في ذاكرة الوطن، لما تميز به من كفاءة ونزاهة وتفانٍ في أداء واجبه».

وخلال سنوات عمله، حظي الوزير الراحل بثقة رئاسية استثنائية، إذ اختاره الرئيس الأسبق حسني مبارك كأول وزير لـ«التضامن الاجتماعي» عام 2005، التي دمجت فيها لأول وزارة التموين مع وزارة الشؤون الاجتماعية في حقيبة واحدة، وجاءت هذه الثقة مع ما أبداه المصيلحي من نجاح خلال توليه رئاسة الهيئة القومية للبريد المصري، حيث قاد عملية تحديث لمكاتب البريد وقتها، وصفت بغير المسبوقة. استمرت تلك الثقة لمدة 6 سنوات، ولم تنتهِ إلا بسقوط نظام مبارك، ومع تغيير الحكومة بعد قيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني).

كما نال الراحل ثقة الرئيس السيسي، الذي وجّه له الشكر عام 2020 على مجهوداته بالوزارة، في ظل أزمة جائحة «كورونا»، وقال الرئيس وقتها مخاطباً الوزير خلال افتتاح عدد من المشروعات: «أتوجه بالشكر لك وللوزارة، خلال هذه الفترة، لم يحدث أي نقص في أي سلعة أساسية رغم التحديات». وواصل الرئيس إشادته: «حصلت أزمة واحدة في أسطوانات البوتجاز، لم يكن المصيلحي موجوداً فيها، وحجم المخزون الاستراتيجي الآن 6 أشهر، فهو حجم ضخم جداً... أشكرك يا دكتور علي».

ولد المصيلحي عام 1949 في محافظة الشرقية، وتخرج من الكلية الفنية العسكرية عام 1971، لتبدأ مسيرته المهنية في القطاع التكنولوجي، بينما بدأت مسيرته في الوظائف الحكومية بتعيينه كبير مستشاري وزير الاتصالات عام 1999.

وفي عام 2002، تولى رئاسة الهيئة القومية للبريد، ثم وزيراً للتضامن الاجتماعي عام 2005 حتى فبراير (شباط) 2011.

عاد المصيلحي إلى الحياة السياسية من بوابة مجلس النواب (البرلمان) بعد فوزه في انتخابات 2015، عن دائرة أبو كبير بمحافظة الشرقية، ليشغل فيه رئاسة اللجنة الاقتصادية، قبل أن يستقيل من عضوية البرلمان لترشحه لحقيبة التموين والتجارة الداخلية في التعديل الوزاري الثاني في حكومة رئيس الوزراء المصري الأسبق، شريف إسماعيل، عام 2017.

وقال حينها تعليقاً على عودته وزيراً بعد 6 سنوات: «ما حدث خلال هذه الفترة التي غبت فيها عن الوزارة ليس بهين، فقد تغيرت أمور كثيرة، لذلك وجب مراجعة ما جرى خلال هذه الفترة تفصيلياً لتحديد الأولويات».

ظل الراحل في منصبه مع حكومة مصطفى مدبولي، حتى خرج في التغيير الوزاري الأخير في يوليو (تموز) 2024.

وخلال 7 سنوات، قاد المصيلحي تحولات كبيرة في منظومة التموين، أبرزها التحول من البطاقات الورقية إلى المميكنة، والسعي نحو التحول من الدعم العيني إلى النقدي. كما أطلق منظومة جديدة للخبز، تسمح بحصول كل مواطن مقيد ببطاقة التموين على حصة من الخبز يومياً 5 أرغفة بسعر 5 قروش للرغيف.

أيضاً بجانب زيادة الدعم المخصص للفرد على بطاقة التموين شهرياً، وكذلك صرف سلع مجانية للمواطنين على البطاقات «فارق نقاط الخبز» وهي السلع التي تصرف مقابل الترشيد للخبز.

في المقابل، واجه المصيلحي تحديات كبيرة في سنواته الوزارية، كما كان بطلاً لتصريحات أثارت جدلاً ونقاشاً شعبيّاً، كان أبرزها حديثه عن عادات استهلاك الخبز في مصر، واصفاً تناول 5 أرغفة يومياً بأنه «غير صحي»، مضيفاً أن بعض المحافظات تستخدم الخبز كـ«علف للبط والأوز».

المصيلحي خلال افتتاح أحد معارض السلع الغذائية قبل سنوات (وزارة التموين)

كما واجه في سنواته الأخيرة، أزمات مسّت سلعاً أساسية، أبرزها أزمة ارتفاع أسعار السكر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، التي اعتذر عنها للمواطنين.

وفي يناير 2024، وتحت قبة البرلمان، واجه «وزير التموين» مطالبات نادت بتقديم «استقالة فورية» من منصبه لـ«عدم قدرته على ضبط الأسعار للسلع الأساسية، بالإضافة إلى ضبط قضايا فساد بالوزارة في الفترة الأخيرة، أبرزها لمستشار الوزير».

كما امتدت له سهام النقد عقب قرار الحكومة رفع سعر الخبز المدعم بنسبة 300 في المائة في يونيو (حزيران) 2024، بعد ثبات سعره لمدة 30 عاماً، وهو القرار الذي أثار جدلاً واسعاً، ووقتها نفى المصيلحي أن يكون القرار اتخذ استجابة لطلب من صندوق النقد الدولي.

عقب خروجه من الوزارة، وفي مارس (آذار) الماضي، أعلن المصيلحي عن إصابته بمرض السرطان. بينما كان الظهور الرسمي الأخير للراحل في مايو (أيار) الماضي، أثناء تكريمه من جانب رئيس الوزراء، خلال احتفالية مرور 10 سنوات على مبادرة «تكافل وكرامة»، تقديراً لكونه أول وزير أطلقت المبادرة في عهده.


مقالات ذات صلة

مصر تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية

شمال افريقيا مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)

مصر تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية

أسدلت مصر الستار على أطول استحقاق انتخابي، بإعلان «الهيئة الوطنية للانتخابات»، النتائج الرسمية لآخر جولة بانتخابات مجلس النواب (البرلمان)، السبت.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)

الدعم المالي الأوروبي لمصر يعزز شراكة سياسية فعالة

تدعم زيارة الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسية الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى القاهرة إحراز تقدم نحو تسليم دفعة جديدة من الدعم المالي لمصر.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التربية والتعليم المصري يشرح للطالبات مزايا نظام «البكالوريا» خلال زيارة لمدرسة في سبتمبر الماضي (وزارة التربية والتعليم)

مصر تختبر نظام «البكالوريا» خلال امتحانات نصف العام

اختبرت مصر نظام «البكالوريا» الذي بدأ تطبيقه اختيارياً على طلاب المرحلة الثانوية لأول مرة هذا العام، وذلك خلال امتحانات نصف العام لصفوف «النقل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي السيسي خلال لقاء الشرع على هامش «القمة العربية» بالقاهرة في مارس الماضي (الرئاسة المصرية)

⁠مصر وسوريا... خطوة جديدة للتقارب بملتقى اقتصادي واستثماري

في خطوة جديدة نحو التقارب المصري السوري، تستضيف دمشق، «ملتقى اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين ، الأحد، بمشاركة «الاتحاد العام لغرف التجارة المصرية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا استقرار التضخم مؤثر اقتصادي إيجابي في مصر (تصوير: رحاب عليوة - الشرق الأوسط)

استقرار التضخم بمصر يُحجّم موجات الغلاء

لاحظت دعاء محمد (35 عاماً) وهي أم لطفلين، استقرار أسعار السلع نسبياً خلال الشهرين الماضيين، ما انعكس إيجابياً عند حسابها لميزانية أسرتها كل شهر.

رحاب عليوة (القاهرة)

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.