طارق صالح لـ«الشرق الأوسط»: لن نقبل باليمن ساحة لتصفية حسابات أو جزءاً من صفقات خارجية

قال إن ما يجمع أعضاء المجلس الرئاسي أكثر من أي اختلاف... وحذر من جعل بلاده ورقة تفاوض إيرانية

طارق صالح خلال اجتماع افتراضي مع ألوية حراس الجمهورية خلال العام 2022 (إكس)
طارق صالح خلال اجتماع افتراضي مع ألوية حراس الجمهورية خلال العام 2022 (إكس)
TT

طارق صالح لـ«الشرق الأوسط»: لن نقبل باليمن ساحة لتصفية حسابات أو جزءاً من صفقات خارجية

طارق صالح خلال اجتماع افتراضي مع ألوية حراس الجمهورية خلال العام 2022 (إكس)
طارق صالح خلال اجتماع افتراضي مع ألوية حراس الجمهورية خلال العام 2022 (إكس)

ليس سهلاً في اليمن أن تحمل إرث «الزعيم»، اللقب الذي لا يزال أنصار حزب المؤتمر الشعبي العام يحتفظون به للرئيس الراحل علي عبد الله صالح.

وليس سهلاً أيضاً في هذه الأيام أن تصل إلى نجل أخيه، طارق محمد عبد الله صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، في لحظة تتصاعد فيها الضربات الأميركية مع الحوثيين، وتتحول فيها الجغرافيا العسكرية إلى مركز اختبار جديد لقدرة الحوثيين على تحمل كثافة الضربات التي تجاوزت 100هجمة منذ 15 مارس (آذار) 2025.

تلقت «الشرق الأوسط» إجابات على أسئلة مكتوبة من الرجل الذي يرأس أيضا المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، حذّر خلالها من مقاربة تذويب الملف اليمني مع الصورة الأكبر لصراع أميركا وإيران، إذ يقول: «سيخطئ العالم إن قبل التعامل مع اليمن باعتباره ورقة تفاوضية إيرانية».

ويبدو من خلال حديثه أنه «يسن» سكاكينه السياسية والعسكرية حين تطرق إلى خيارات الحرب والسلم، فهو يرى استحالة التفاوض مع «النوايا» رغم انفتاحه على الحل السلمي، كما يرى أن إبقاء اليمن، وفق وصفه، «معسكراً لـ(الحرس الثوري)» الإيراني، لا يهدد اليمنيين وحسب، بل يضع المصالح الإقليمية والدولية في خطر محدق.

طارق صالح خلال لقاء مع المبعوث الأممي للين هانس غروندبرغ عام 2021 (إكس)

يعلل ذلك بالتأكيد على حيوية اليمن وتأثيره في طرق الملاحة العالمية، وأن استقراره لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال دعم الدولة الوطنية، المحتكمة إلى الدستور والقانون، والمبنية على توافق شعبي حقيقي.

وفي رفضه لإدراج بلاده ضمن الصفقات الكبرى، يقول إن «اليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا جزءاً من تسويات خارجية».

البحر الأحمر... اختبار وخيارات

أربكت الغارات الأميركية المكثفة الحوثيين ودمرت كثيراً من قدراتهم العسكرية، ودفعت بكثير من القيادات – حتى تلك التي يعتبرها يمنيون واجهة أكثر من كونها صانعة قرار - وراح ضحيتها عشرات العناصر الحوثية ومئات المدنيين.

مقابل ذلك، يمارس الحوثيون عادتهم في إظهار تحمل الضربات الجوية، وواصلوا إعلانات الهجوم سواء على القطع الأميركية البحرية أو إسرائيل.

ووسط أزيز الطائرات الأميركية وأصوات الصواريخ المقبلة من البحر التي تضرب الحوثيين بكثافة، يشدد عضو مجلس القيادة على أن دعم القوات اليمنية على الأرض مدخل ضروري لإعادة التوازن. هذا الدعم، كما يؤكد، ليس أداة للتصعيد، بل ضرورة وطنية لحماية الشعب، وصون المكاسب التي تحققت.

هذا الموقف لا يأتي بمعزل عن التطورات الميدانية، فهو يشير إلى وجود تواصل مستمر بين الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي، إلى جانب تحالف دعم الشرعية في اليمن، لتأكيد هذا المسار، والسعي إلى تحقيق المزيد من الدعم للمعركة الوطنية.

وفي جانب موازٍ، يلفت صالح إلى استمرار العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين من أجل دعم خفر السواحل اليمنية، مشيراً إلى وجود وحدات فاعلة على امتداد السواحل، لا سيما في البحر الأحمر، الذي يصفه بأنه شريان حيوي للاقتصاد العالمي.

طارق صالح لدى حضوره اختتام العام التدريبي لقوات خفر السواحل واللواء البحري غرب اليمن في ديسمبر 2023 (المكتب السياسي للمقاومة الوطنية اليمنية)

ولا تفصل رؤية نائب رئيس مجلس القيادة بين الأمن البحري والسيادة الوطنية، فالحفاظ على الممرات المائية جزء من المعركة الأشمل التي تخوضها الدولة اليمنية، سواء ضد الجماعة الحوثية أو في سبيل إعادة الاعتبار للمؤسسات الرسمية على الأرض وفي البحر.

الدولة «لا تُبنى بالبيانات»

لتحديد رؤيته لمعادلة السلام، يقول متحدثاً من «زاوية حادة»: لا معنى لأي حديث عن تسوية لا تُخضع الحوثيين للدستور والقانون اليمني.

المسألة بالنسبة إليه ليست متعلقة بإعلان نوايا، بل بمبدأ دستوري، يُجرّم الاستيلاء على السلطة بالقوة، ويلزم الحكم بالنظام الجمهوري، بوصفه ضماناً لتحقيق المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، وإعادة اليمن إلى موقعه الطبيعي باعتباره دولة صديقة للأمن والسلم العالميين.

ويرى طارق صالح أن قوة الدولة لا تُبنى بالبيانات (الإعلامية)، بل بالقدرة الميدانية، وأن امتلاك هذه القوة هو ما يفتح الطريق نحو حل سياسي عادل، يصبّ في مصلحة اليمن والمنطقة والمجتمع الدولي.

ومع تمسكه بخيار السلام، يكرر صالح أن تحقيق هذا السلام لا يمكن أن يتم عبر التنازلات وحدها، بل عبر إعادة تعريف ميزان القوى.

السلام، كما يفهمه، لا يُمنح لجماعة ترفض الدولة، بل يُصاغ حين تستعيد الدولة قدرتها على فرض القانون، وضمان حماية مواطنيها.

لا مفاجآت؟

يتحدث عن واقع يتجاوز لحظة التصعيد والحملة الأميركية. فالهجمات التي شنتها الجماعة في البحر الأحمر وخليج عدن لم تكن انفجاراً عابراً وليست مفاجأة، بل امتداد لمسار طويل بدأ قبل سنوات، حين شرعت باستهداف المياه الإقليمية اليمنية بالألغام والصواريخ، وهاجمت منشآت وطنية مدنية، من بينها مرافق تصدير النفط، وعبثت بالسيادة على البحار عبر قرصنة الاتصالات مع شركات الملاحة، ومحاصرة الموانئ اليمنية.

ومع أن هذه الانتهاكات كانت مستمرة منذ وقت مبكر، فإنه يلاحظ أن العالم لم يلتفت إليها «إلا حين مسّت مصالحه المباشرة».

وفي الوقت الذي يأسف فيه للحروب التي تقحم الجماعة البلاد فيها، فإنه يكرر التأكيد على أن الحسم العسكري هو الطريق الوحيد لإيقاف ما يسميه «الإرهاب الحوثي الذي تديره إيران».

قاموس السلام

إمكانية تحقيق السلام مع جماعة يعتبرها دموية لا تلتزم بالمرجعيات الوطنية، وتستمد عقيدتها من دولة معادية، تنخفض وتكاد تنعدم في قاموس طارق صالح السياسي، الذي يتهم الجماعة بأنها تضع قيادتها ومؤسساتها المرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني» فوق الدولة اليمنية ومؤسساتها.

الحكم، كما يعرّفه، هو إدارة شؤون الناس بالتوافق على مرجعيات متفق عليها، وهو ما لا يلتزم به الحوثيون وفق تعبيره. ولهذا، فهو يرى أن الأزمة محكومة بمنطق السلاح لا بأي عملية سياسية تقوم على التفاهم أو الدستور.

يحمّل صالح إيران مسؤولية ما يحدث في اليمن، إذ يشير إلى أنها ومن خلال ميليشياتها، تسببت في هذه الأزمة، وأبقت البلاد رهينة للعنف والانقلاب.

وتنفي طهران في خطابها الرسمي تحكمها أو اتخاذها قرارات بالنيابة عن الحوثيين رغم الاتهامات اليمنية والدولية الواسعة، والأدلة التي ساقتها جهات إقليمية ودولية أظهرت عمليات تهريب أسلحة وبصمات تصنيع إيرانية في ترسانة الجماعة.

وفي موقفه من الجماعة الحوثية، لا يقدم طارق صالح مقاربة متأرجحة، بل يحدّد مكمن الإشكال في رفضها لمبدأ الدولة، واستخدامها للعقيدة الدينية بوصفها أداة للسلطة، ووضعها أدواتها المسلحة فوق أي مشروع وطني أو توافق سياسي.

بهذه الرؤية، تبدو العودة إلى مؤسسات الدولة والدستور غير ممكنة كما يراها طارق صالح في ظل استمرار وجود جماعة مسلحة لا تعترف بمرجعية الجمهورية ولا تلتزم بأي إطار قانوني يحد من سلطتها.

«ما يجمعنا أكبر من أي خلافات»

من داخل الصمت السياسي الذي خيم على الأزمة اليمنية، لا ينكر طارق صالح وجود تحديات تواجه مجلس القيادة الرئاسي. ولا يتجاهل التأخير في بعض الملفات، لكنه يصف الاختلاف داخل المجلس بأنه طبيعي، خاصة في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

جانب من اجتماع مجلس القيادة الرئاسي في الرياض نهاية العام 2024 (سبأ)

وقبل أن يقول «ما يجمعنا أكبر من أي خلافات»، اعتبر صالح «الاختلاف أمراً طبيعياً في أي مجلس قيادي، خاصة في ظل ظروف استثنائية مثل التي يعيشها اليمن». لكن الأهم «قدرتنا على إدارة هذا التنوع والتباين في إطار مسؤولياتنا الوطنية... نعم، هناك تحديات، وهناك تأخير في بعض الملفات، لكننا ملتزمون بالمصلحة الوطنية»، مؤكداً أن التنسيق بين القوى العسكرية التي تمثل الشرعية يتطور يوماً بعد آخر، وأن البلاد لم تعد تشهد صراعات مسلحة بين «رفاق الجبهات التي تدين بالولاء للشرعية».

مدنياً، يقرّ بأن المجلس يواجه ضغوطاً اقتصادية كبيرة، ناجمة عن الانقسام المالي، والتلاعب الحوثي بالسياسة النقدية، وتقسيم البنك المركزي، ونهب الموارد العامة في صنعاء، إلى جانب ضعف الدعم الدولي للحكومة. رغم كل تلك العوائق، يصرّ طارق صالح على أن المجلس لا يزال يحتفظ بموقعه ممثلاً شرعياً للدولة، محلياً وإقليمياً ودولياً. غير أن المطلوب «كثير وكثير» في إشارة إلى حجم التحدي وضيق هوامش المناورة.

وبينما لا ينكر النقد الموجه لمجلس القيادة، خاصة فيما يتعلق بالخلافات، فإنه يرد على هذا الطرح بالتأكيد على أن الاختلاف كان سابقاً لتشكيل المجلس، وأن الأهم ليس غياب التباين بل القدرة على إدارته ضمن المسؤولية الوطنية.

طارق صالح خلال لقاء مع رئيس البرلمان اليمني سلطان البركاني (الشرق الأوسط)

ما يقدّمه هنا ليس دفاعاً عن الأداء، بقدر ما يعد توصيفاً لحجم التعقيد: مجلس يواجه تحديات اقتصادية ضاغطة، وانقساماً مالياً تديره الجماعة الحوثية من صنعاء، وضعفاً في موارد الدولة، ومع ذلك يحافظ على موقعه باعتباره مرجعية للدولة الشرعية، ويحاول التماسك في ظل ظرف هشّ ومفتوح على كل الاحتمالات.

في هذه اللحظة الدقيقة، لا يبدو عضو مجلس القيادة معنياً بالمواجهة وحسب، بل بإعادة صياغة مفهوم التماسك داخل الدولة اليمنية، سواء في مؤسسة المجلس الرئاسي، أو في المشهد العسكري، أو حتى في العلاقات الإقليمية والدولية التي تظل محدداً جوهرياً في مسار أي تسوية محتملة.

وكان مجلس القيادة تشكل بقيادة الدكتور رشاد العليمي و7 أعضاء بمرتبة نائب رئيس، وضم جهات عسكرية وسياسية مناهضة للحوثيين تحت مظلة واحدة أعقبت المشاورات اليمنية ـ اليمنية التي عقدت تحت مظلة خليجية بمقر مجلس التعاون الخليجي في الرياض خلال أبريل (نيسان) 2022، وسط تفاؤل بمرحلة جديدة تنشد السلام وتعالج أخطاء الحكومة السابقة، لكنه خفت بعد سنوات بحسب منتقدي المجلس، فيما يرى مؤيدوه أنه يكفي تماسك أعضاء وتوحدهم رغم الاختلافات الشديدة بين أعضائه قبل توحدهم.

الساحل... معركة التنمية

يُظهر قائد المقاومة الوطنية اليمنية اهتماماً بالبعد التنموي، ولا يعتقد أنه قضية منفصلة عن الصراع، بل هو جزء من مشروع استعادة الدولة.

وفي حديثه عن الساحل الغربي، وضع طارق صالح ثلاث أولويات: تثبيت الأمن، وتفعيل المؤسسات، وتعزيز البنية التحتية، مع تأكيد الاستعداد الدائم لمعركة التحرير العسكرية لبقية مناطق الوطن.

وبسؤاله عن الخطوات التنموية، يشير عضو مجلس القيادة إلى افتتاح مشاريع خدمية في التعليم والصحة والطرقات، ومحطات توليد الكهرباء عبر الطاقة النظيفة. ويسجّل ضمن المنجزات تشغيل مطار المخا، وإعادة تأهيل ميناء المدينة، وبناء مجمع طبي سعودي - إماراتي، إلى جانب مستشفى الشيخ محمد بن زايد في الخوخة (جنوب الحديدة)، ومجمعات تعليمية وطرقات تمتد شمالاً نحو تعز والحديدة، وجنوباً نحو لحج وعدن.

يصف هذه المشاريع بأنها تعيد لحمة المناطق التي فرقتها الحرب، وتمنح نموذجاً بديلاً لما يمكن أن تكون عليه مناطق الشرعية حين تتوفر الإرادة والموارد، مثمناً دعم السعودية والإمارات إلى جانب جهود المنظمات الدولية، التي تستقطب دعماً للمجتمع في مناطق مختلفة.

يضيف أن هناك مشاريع قادمة بدعم من السعودية والإمارات، وهو ما يضع الساحل - وفقاً لتعبيره - في موقع التحول إلى نموذج للاستقرار والبناء، في تنافس إيجابي مع مناطق أخرى خاضعة للحكومة اليمنية تشهد بدورها مشاريع تنموية متنوعة.


مقالات ذات صلة

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

العالم العربي صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

يكثِّف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة تحركاتهما السياسية والإدارية دعماً لعملية «فجر اليمن»، عبر تعيين محافظَين للجوف والبيضاء، وإجراء تعديل وزاري محدود.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الاقتصاد سفينة حاويات تابعة لشركة «ميرسك» تعبر قناة السويس (رويترز)

«ميرسك»: خدمة أخرى ستستأنف رحلاتها عبر قناة السويس

قالت مجموعة «ميرسك» للشحن، يوم الاثنين، إن خدمة أخرى من خدماتها المشتركة للحاويات مع شركة «هاباغ-لويد» ستستأنف رحلاتها عبر قناة السويس.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
الخليج «الدفاع المدني» يؤكد أهمية استقاء المعلومات من القنوات الرسمية والالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة (واس)

«التحالف»: اعتراض صاروخ باليستي وطائرتين مسيرتين باتجاه السعودية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقته الميليشيات الحوثية الإرهابية باتجاه المنطقة الجنوبية، وطائرتين مسيَّرتين بمنطقة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف لدعم الشرعية في اليمن_ اللواء الركن تركي المالكي (الشرق الأوسط)

التحالف يستهدف مصادر الدعم البحري للحوثيين في عملية عسكرية نوعية

نفذت قيادة القوات المشتركة للتحالف، الأحد، عملية عسكرية نوعية لتحييد المصادر البحرية التي تستخدمها الميليشيا الحوثية الإرهابية لدعم مجهودها الحربي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)

السعودية تدعو إلى تحرك دولي لحماية الملاحة وتحذر من تداعيات هجمات الحوثيين

دعت السعودية، الأحد، إلى تحرك دولي مشترك لحماية الممرات البحرية، وضمان حرية الملاحة، محذرة من استخدام المضايق أدوات للضغط السياسي والعسكري.

«الشرق الأوسط» (المنامة)

عدوان الحوثيين يحوّل تعز ولحج إلى مسرح واسع للانتهاكات

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
TT

عدوان الحوثيين يحوّل تعز ولحج إلى مسرح واسع للانتهاكات

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)
سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي في تعز (أ.ب)

في تصعيد يعكس اتساع دائرة الاستهداف الحوثي للمدنيين والمنشآت الحيوية في جنوب غربي اليمن، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 164 جريمة وانتهاكاً ارتكبتها الجماعة خلال 48 ساعة في محافظتي تعز ولحج، شملت إطلاق نحو 450 مقذوفاً على مناطق مأهولة، ومقتل 28 مدنياً وإصابة 57 آخرين، بالتزامن مع استهداف مركز صحي في لحج وسوق شعبية في تعز، في تطور استدعى إدانات حكومية وحقوقية وأوروبية.

ويأتي هذا التصعيد الحوثي في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية على السكان، خصوصاً في محافظة تعز التي تواجه حصاراً مستمراً وقيوداً على وصول الإمدادات والمساعدات، بينما تتسع المواجهات العسكرية على امتداد جبهات جنوب المحافظة وغربها، وتتحول المنشآت المدنية والطبية إلى أهداف للهجمات.

وقالت الشبكة، في تقرير أصدرته الثلاثاء، إن حصيلة القتلى بلغت نحو 28 مدنياً، بينهم 5 أطفال و3 نساء، فيما أصيب 57 آخرون، بينهم 14 طفلاً و6 نساء، إضافة إلى 10 من العاملين في القطاع الصحي ضمن المصابين.

القصف الحوثي في تعز ولحج أودى بعشرات المدنيين (أ.ب)

وشملت الانتهاكات الحوثية، وفق التقرير، القتل والإصابة بالقصف والقنص، وارتكاب مجزرتين بحق المدنيين، والاختطاف والاحتجاز، واستهداف الأحياء السكنية والطرقات العامة وطواقم الإسعاف والمركبات الخاصة، إلى جانب استقطاب شباب من فئة المهمّشين وإخضاعهم لبرامج تجنيد.

قصف مركز صحي

كانت أبرز الحوادث التي وثقتها الشبكة الحقوقية استهداف الحوثيين مركز السقيّا الصحي في مديرية المضاربة بمحافظة لحج، الاثنين، بصاروخ باليستي، في هجوم أوقع قتلى وجرحى من العاملين في القطاع الطبي، وأثار موجة إدانات رسمية باعتباره اعتداءً مباشراً على منشأة تقدم خدمات إنسانية للمدنيين.

وأعلنت وزارة الصحة العامة والسكان أن الهجوم أسفر، في حصيلة أولية، عن مقتل 5 أشخاص، بينهم 3 من الفريق الطبي العامل في المركز، وإصابة 15 آخرين، بينهم 7 من العاملين الصحيين.

وقالت الوزارة إن استهداف المركز يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الإنسانية والدولية التي تكفل حماية المنشآت الطبية والعاملين فيها والمرضى والمترددين عليها، محذرة من التداعيات الخطيرة لمثل هذه الاعتداءات على قدرة المرافق الصحية المحدودة أصلاً على الاستمرار في تقديم خدماتها.

الهجمات الحوثية أدت إلى تدمير منازل المدنيين في تعز ولحج (إعلام حكومي)

وطالبت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها «منظمة الصحة العالمية» و«اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، بإدانة الهجوم والتحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين عنه، والعمل على توفير الحماية اللازمة للمرافق الصحية والطواقم الطبية والإسعافية.

وفي تعز، وثّقت الشبكة استهداف سوق شعبية، الاثنين، ضمن المجزرتين اللتين قالت إنهما وقعتا في المحافظتين، كما أشارت إلى تضرر 51 منزلاً ومنشأة صحية، بينها 10 منازل دمرت كلياً، إضافة إلى تضرر 12 مركبة خاصة.

وامتدت الأضرار، بحسب التقرير، إلى مديرية المسراخ وقرى دُبا وأدود في مديرية صبر الموادم، في حين نفذت الجماعة حملات اختطاف في مناطق الحوبان والتربة والساحل الغربي، أسفرت عن احتجاز 16 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة.

تحرك حكومي

من جانبه، وصف رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني استهداف مركز السقيا بأنه «جريمة إرهابية مكتملة الأركان»، وانتهاك للقانون الدولي الإنساني، معتبراً أن الاعتداء يكشف نمطاً من استهداف المنشآت المدنية والطبية والاعتداء على حق المواطنين في الحياة والعلاج.

وقال الزنداني، خلال اتصال بمحافظ لحج مراد الحالمي، إن استهداف منشأة صحية تؤدي دوراً إنسانياً في إنقاذ الأرواح يمثل جريمة بحق المجتمع بأكمله، محذراً من أن التعامل مع هذه الاعتداءات باعتبارها أحداثاً عابرة، يشجع مرتكبيها على التمادي ويقوض قواعد حماية المدنيين.

دخان يتصاعد في أحياء تعز جراء القصف الحوثي (إعلام حكومي)

وربط رئيس الوزراء اليمني بين الهجوم على المركز الصحي والانتهاكات المستمرة في تعز، بما فيها استهداف المنشآت الطبية والحصار والقصف المتواصل للأحياء السكنية، مؤكداً أن تكرار الاعتداءات في لحج وتعز ومحافظات أخرى يستدعي موقفاً وطنياً ودولياً حازماً.

ووجّه السلطات المحلية والجهات الصحية والأمنية في لحج بتكثيف الرعاية الطبية للمصابين، ومتابعة احتياجات أسر القتلى، وتوثيق الجريمة وجمع الأدلة اللازمة لملاحقة المسؤولين عنها.

إدانة أوروبية

على وقع الاعتداءات الحوثية المتصاعدة، أصدر الاتحاد الأوروبي موقفاً شديد اللهجة إزاء التطورات العسكرية والإنسانية في اليمن، مطالباً الحوثيين بوقف جميع عملياتهم العسكرية فوراً، وفتح ممر إنساني عاجل في مدينة تعز، لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين المحاصرين.

وأعرب الاتحاد، في بيان أصدرته الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، نيابة عن الدول الأعضاء، عن إدانته للهجمات الحوثية على السعودية، لا سيما تلك التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية، مؤكداً تضامنه مع المملكة والحكومة اليمنية وشعبي البلدين.

دخان يتصاعد في أحياء تعز جراء القصف الحوثي (إعلام حكومي)

وأعلن عزمه زيادة مساعداته لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، بما يشمل دعم الإصلاحات وتعزيز الحوكمة ومواجهة التدهور الاقتصادي والإنساني والحقوقي، كاشفاً عن تخصيص 25 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية الطارئة، ليرتفع إجمالي الدعم الإنساني الأوروبي لليمن خلال عام 2026، إلى 110 ملايين يورو.

وحذّر البيان من أن التصعيد العسكري، إلى جانب نقص السلع الأساسية وارتفاع تكلفتها وانعدام الأمن الغذائي ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه الصالحة للشرب، يفاقم الأزمة الإنسانية، مشيراً إلى أن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدات.

كما طالب الحوثيين بالإفراج الفوري عن العاملين الإنسانيين المحتجزين تعسفياً، بمن فيهم 70 موظفاً أممياً في صنعاء، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني، وفتح الطرق أمام وصول الإغاثة إلى المحتاجين دون عوائق.

وفي الشق السياسي، دعا الاتحاد إيران إلى وقف تقديم أي دعم عسكري للحوثيين، معتبراً أن الحل العسكري لن ينهي الصراع، ومجدداً دعمه لجهود المبعوث الأممي للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة بقيادة وملكية يمنية، وفق قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.


مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

​في وقت تحرز فيه القوات المسلحة اليمنية تقدماً في مختلف الجبهات، وكان آخرها جبهة الجوف، يكثِّف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة تحركاتهما السياسية والإدارية دعماً لعملية «فجر اليمن»، عبر تعيين محافظَين للجوف والبيضاء، وإجراء تعديل وزاري محدود.

ويرى خبير عسكري أن هذه القرارات تتجاوز تغيير شاغلي المناصب؛ إذ تهيئ لقيادة محلية قادرة على مساندة المعركة، وحشد التأييد الشعبي في محافظتين مهمتين باتجاه صنعاء.

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

وجدد مجلس القيادة الرئاسي المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» حتى تحقق كافة أهدافها بإنهاء الانقلاب واستعادة المؤسسات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وفي هذا السياق، صدر قرار بتعيين اللواء حسين العجي العواضي محافظاً للبيضاء، بينما عُيِّن اللواء أمين علي العكيمي محافظاً للجوف وقائداً لمحورها العسكري.

وفي موازاة التغييرات المحلية، أجرى مجلس القيادة الرئاسي تعديلاً وزارياً محدوداً، شمل تعيين سالم ثابت العولقي وزيراً للإعلام، والقاضي أكرم نصيب العامري وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، وأحمد صالح العولقي وزيراً للإدارة المحلية.

وقال العميد ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التعيينين يمثلان «ضرورة عسكرية في المقام الأول، وقَبَلية في المقام الثاني»، بالنظر إلى أهمية المحافظتين في مسار العمليات باتجاه العاصمة صنعاء.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة سابقة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

وأضاف أن العكيمي والعواضي يحظيان -حسب تقديره- باحترام واسع وثقل قبلي في محافظتيهما، معتبراً أن اختيار القيادتين يعكس قراءة لمزاج السكان، بما قد يساعد على تعزيز الحاضنة الشعبية للعملية العسكرية.

وقال إن هذه الحاضنة «ركيزة أساسية من ركائز صناعة القرار العسكري الذي يراعي السكان»، وإن استيعابها قد يسهل حشد الدعم للعملية.

وأشار صالح إلى الأهمية الاستراتيجية لمحافظة البيضاء، وما وصفه بوجود حاضنة سكانية رافضة للمشروع الحوثي، معتبراً أن توقيت تعيين محافظ لها يعزز الاستعداد للمرحلة المقبلة.

وتبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

وأشارت دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للبحوث)

ورأى العميد صالح أن أثر هذه القرارات سيظهر في قدرتها على دعم القوات على الأرض، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية أوسع في البيضاء، إلى جانب مساندة المعارك الدائرة في الجوف.

وجدد مجلس القيادة الرئاسي دعوته سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الزج بأبنائهم في القتال، ورفض التعاون مع الأنشطة العسكرية والأمنية للجماعة، وعدم الاستجابة لحملات التحشيد، مؤكداً أن «باب العودة الآمنة مفتوح» لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، وفق الإجراءات المعلنة.


الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

وسّعت الجماعة الحوثية نطاق حملات التجنيد لتعويض خسائرها البشرية المتزايدة في جبهات القتال، مستهدفة هذه المرة منتسبي الأجهزة الأمنية والسجناء والمحتجزين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات أخرى، في مؤشر على اتساع أزمة المقاتلين داخل صفوفها وتعثر محاولاتها استقطاب عناصر جديدة من المجتمع.

وفي أحدث هذه التحركات، دفعت الجماعة بمئات الضباط والأفراد من منتسبي شرطة المرور وأمن الطرق في صنعاء ومحافظتي ذمار وإب إلى جبهات القتال في تعز ولحج والساحل الغربي، بعد سحبهم من مواقع عملهم وتجميعهم في العاصمة وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى خطوط المواجهة.

وفي مسار موازٍ، حاولت الجماعة استقطاب مئات السجناء والمحتجزين في الإصلاحية المركزية بصنعاء، عبر مقايضة الإفراج عنهم بالالتحاق بصفوفها والقتال في جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، لكنها لم تحصل، وفق مصادر محلية وحقوقية، إلا على موافقة نحو 42 سجيناً من إجمالي المستهدفين، وسط رفض الغالبية العظمى للعروض والضغوط المصاحبة لها.

جبهات تعز تواصل استنزاف الجماعة الحوثية وتطارد تعزيزاتهم (إكس)

وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن قيادات أمنية حوثية أشرفت على عمليات استقطاب في أوساط منتسبي الإدارة العامة للمرور في صنعاء ومكاتبها بمحافظتي ذمار وإب، يتقدمها القيادي بكيل البراشي، الذي ينتحل صفة مدير عام شرطة المرور، ونجيب الأسدي، المعين مديراً عاماً للمرور في العاصمة المختطفة.

محاولة سد النقص

وفي ظل هذا الاستقطاب، قالت المصادر المطلعة في صنعاء إن الجماعة الحوثية سحبت مئات العناصر من مواقع عملهم في الشوارع والطرقات، قبل تجميعهم في أحد ميادين صنعاء وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم إلى جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، في محاولة لسد النقص المتزايد في صفوف مقاتليها جراء الخسائر البشرية المتلاحقة.

ولا تقتصر هذه التحركات على شرطة المرور وأمن الطرق، إذ سبق للجماعة أن دفعت، خلال الأسابيع الماضية، بدفعات من عناصر ما تُسمى «وحدات الضبط المروري»، وهي فصيل أمني مستحدث يديره القيادي عبد الكريم الحوثي، المعين وزيراً للداخلية في الحكومة غير المعترف بها، إلى جبهات الضالع ومأرب وتعز والجوف والساحل الغربي.

عناصر من وحدات الضبط المروري دفع بهم الحوثيون إلى جبهات الساحل الغربي (إكس)

وحسب المصادر، كانت الجماعة قد سخّرت هذه الوحدات في قمع المواطنين وترهيبهم وابتزاز سائقي المركبات والمارة، قبل أن تنقل منتسبيها من الشوارع إلى مواقع المواجهة، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاستنزاف، لتشمل قطاعات أمنية كانت تؤدي أدواراً مرتبطة بإحكام قبضتها على المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الخسائر البشرية التي تتكبّدها الجماعة في جبهات القتال، خصوصاً في محافظتي تعز ولحج، حيث قال مصدر مقرب من دائرة حكم الحوثيين في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات تواجه استنزافاً بشرياً غير مسبوق في مختلف الجبهات، وإن حجم خسائرها خلال الأشهر الأخيرة تجاوز قدرتها على تعويض المقاتلين، رغم حملات التجنيد والتحشيد المستمرة.

قادة حوثيون يزورون أحد السجون الخاضعة لهم في صعدة (إعلام حوثي)

وأضافت المصادر أن الجماعة بدأت الترتيب لإلحاق الموافقين بدورات عسكرية مكثفة وسريعة، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، من دون مراعاة لأوضاعهم أو مدى أهليتهم للمشاركة في القتال.

وفي محاولة لتوسيع دائرة الاستجابة، مارست عناصر حوثية ضغوطاً على الرافضين، شملت التهديد بالعقوبات وسوء المعاملة والحرمان من الزيارات، إلى جانب استغلال الأوضاع المعيشية لأسرهم عبر تقديم مساعدات مالية محدودة مقابل قبولهم الالتحاق بالجبهات، وفقاً لحقوقيين في صنعاء.

تجنيد قسري

وعدّ حقوقيون هذه الممارسات شكلاً من أشكال التجنيد القسري، مؤكدين أن استخدام الاحتجاز والحرمان من الحقوق الأساسية وسيلة لإجبار السجناء على القتال يمثّل انتهاكاً خطيراً للقواعد القانونية والإنسانية.

وقال سجين سابق في الإصلاحية المركزية بصنعاء إن المحتجزين لا يواجهون عروضاً حقيقية للإفراج عنهم، بقدر ما يتعرضون لعملية ابتزاز سبق أن طالت سجناء آخرين خلال الأشهر الماضية.

سجناء أفرج عنهم الحوثيون حديثاً في صنعاء مقابل الالتحاق بصفوفهم (فيسبوك)

وأضاف أن «الميليشيات الحوثية تريد منهم الذهاب إلى الجبهات مقابل الإفراج عنهم، ومن يرفض يواجه مزيداً من التضييق والعقوبات»، مشيراً إلى أن المحتجزين على ذمة قضايا مختلفة لا يريدون أن تتحول ملفاتهم القضائية إلى وسيلة لإجبارهم على القتال.

من جهته، أعرب أحد أقارب محتجز في السجن ذاته عن مخاوفه من أن يتحول الإفراج عن السجناء إلى بوابة للزج بهم في المعارك بدلاً من إعادتهم إلى أسرهم، وقال إن العائلات باتت تخشى خروج أبنائها من السجن إلى الجبهات بدلاً من العودة إلى منازلهم.

واعتبر ناشط حقوقي من صنعاء أن ما يجري يمثّل شكلاً خطيراً من التجنيد القسري، موضحاً أن «هذه ليست موافقات طوعية، بل قرارات تُنتزع تحت الإكراه والضغط النفسي والإنساني»، وأن مقايضة الحرية بالقتال تحوّل السجون إلى أدوات لتوفير المقاتلين وتحرم المحتجزين من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.