اليمن في قبضة التفاؤل

مقاربات تحديات المجلس الرئاسي ومستقبله... ودور الخليج في دعم الحل النهائي

الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
TT

اليمن في قبضة التفاؤل

الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)

قد يكون من السذاجة الحديث عن التفاؤل بعد سبعة أعوام على الانقلاب الحوثي ودخول اليمن في أتون الحرب. لكن التغييرات الأخيرة تجعل اليمن عملياً «في قبضة التفاؤل» بسبب سيناريوهات رسمها يمنيون كانوا قبل شهر وطيلة فترة الحرب ليسوا على وفاق، وأحياناً في حال صراع دائم. وباتوا اليوم متفائلين إما بالسلام وإما بالضغط العسكري الذي قد يتطور لاحقاً إلى حل عسكري ضد الحوثيين.
لم يجتمع اليمنيون مثلما اجتمعوا في الرياض مطلع أبريل (نيسان) 2022. كان الحديث أن المشاورات اليمنية - اليمنية برعاية خليجية ستوازي مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2012 – 2013) الذي حضره نحو 500 شخصية من مختلف الأطياف السياسية، إلا أن المشاورات الخليجية استضافت ما يربو على 800 شخصية.
ألهمت المشاورات المشهد اليمني. أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن وقف نار أحادي أعقبته هدنة ثنائية برعاية أممية.
ولم تكن مخرجات المشاورات من حيث العدد أو التنوع كبيرة وحسب، بل بالقرارات التي تمخضت عنها.
توَّج إعلان الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي المشاورات بنقل السلطة إلى مجلس رئاسي، وإنشاء أجهزة استشارية مختلفة، ليضع مستقبل اليمن في مسار جديد، عنوانه التوافق.
وفي محاولة لرسم سيناريوهات المستقبل، استمزجت «الشرق الأوسط» مقاربات باحثين وسياسيين يمنيين وغربيين وسألتهم عن التحديات والرؤى، إلى جانب مدى انعقاد مفاوضات حل نهائي وشامل للأزمة التي بدأت بانقلاب الحوثيين على السلطة عام 2014 وأدخلت اليمن وأهله في كابوس لم ينتهِ رغم كل الجهود الرامية إلى إنهائه.

«لا يمكن قراءة ما استجدّ بمعزل عمّا سبقه، للوصول لتقييم منصف وواقعي للحدث المهم وأثره. ظهور مجلس القيادة الرئاسي مثّل انفراجة واسعة في عدة اتجاهات مصيرية كانت مكبلة برؤية ضيقة للتعامل مع الأزمة اليمنية. لقد استنفد الفريق السابق الكثير من الوقت والإمكانات وجرب كل خياراته في تعامله مع ما هو قائم. ولم تسفر سياساته إلا المزيد من الغرق واستفحال الأزمات وتوالدها مكرّساً للعجز والفشل».
يقول زيد الذاري، وهو عضو المحور السياسي بمشاورات الرياض اليمنية لـ«الشرق الأوسط»: «إن مجلس القيادة المنبثق عن المشاورات اليمنية - اليمنية برعاية أخوية خليجية والحائز توافق طيف واسع من المنضوين تحت عباءة الشرعية يمكن عدّه بداية أكثر وعياً وأكثر إدراكاً لتنوع اليمن وتعدد الفاعلين في جغرافيته». يتابع الذاري: «إن الرهانات على المجلس كبيرة والمسؤوليات جسام من دون شك. وهذا يضعه أمام تحديات متنوعة يمكن الإشارة إلى بعضها».
ويصف آدم بارون، وهو محلل سياسي أميركي يركز على اليمن والخليج، الوساطة الخليجية في اليمن بأنها ذات «تاريخ طويل». ويقول إن «هذه المشاورات (في الرياض) التي يمكن القول إنها تستند إلى مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2011 ليست سوى أحدث مثال».
وعن مجلس القيادة الرئاسي اليمني يذهب بارون إلى أن المجلس «من نواحٍ كثيرة يمكن أن يكون مجلس سلام، وذلك في حال وجود أي مفاوضات مع الحوثيين، لكنه أيضاً قد يكون مجلس حرب إذا ما جرى أي تصعيد للصراع»، وقال إن «الوقت وحده كفيل بتحديد ذلك».

- التحديات
يرى كامل الخوداني، عضو المكتب السياسي للمقاومة الوطنية (بقيادة العميد طارق صالح)، أن مجلس القيادة الرئاسي أمامه «تركة ثقيلة بلا شك»، ويقول: «إن أبرز التحديات التي تواجهه خلال الفترة القادمة تتمثل في تفعيل مؤسسات الدولة وعودتها لممارسة مهامها من العاصمة المؤقتة عدن، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين عبر وقف تدهور العملة الوطنية، وضبط التلاعب بأسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية، وتحصيل إيرادات الدولة بجميع أنواعها للبنك المركزي اليمني، والعمل كمنظومة واحدة مع السلطات المحلية في المناطق المحررة»، متابعاً: «يستطيع مجلس القيادة الرئاسي استثمار هذا الالتفاف الشعبي والإسناد الخليجي والدعم والتأييد الإقليمي والدولي لتجاوز هذه التحديات، وتلبية تطلعات اليمنيين في استعادة دولتهم وإحلال السلام».
«من أبرز التحديات التي كانت أمام المجلس الرئاسي هي العودة للعمل من داخل اليمن، تحديداً من العاصمة (المؤقتة) عدن»، تقول هدى الصراري، وهي محامية يمنية ترأس مؤسسة «دفاع» للحقوق والحريات. وتوضح: «حتى عندما عاد أعضاء المجلس الرئاسي والحكومة وأعضاء مجلس النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة ينبغي أن تكون هذه العودة دائمة واستمرار أداء مهام الجميع من داخل المناطق المحرَّرة لإعادة الثقة للمواطن وتوفير الخدمات وانتشال التدهور الاقتصادي وانهيار الريال مقابل العملات والسعي إلى التعافي الاقتصادي وتدوير عجلة التنمية وضبط الأمن وتوفير الأمان وإعادة فتح أبواب القضاء أمام المواطنين».
ومن التحديات التي تواجه المجلس الرئاسي «العمل على دمج القوات المسلحة وتنفيذ الشق العسكري والأمني في اتفاقية الرياض، خصوصاً أن لدى بعض الأطراف في المجلس الرئاسي تشكيلات عسكرية». وتضيف رئيسة «دفاع»: «هذا بالإضافة إلى تحريك كل الجبهات في وقت واحد ضد الحوثيين، خصوصاً إذا لم ترضخ الجماعة للسلام وعمدت إلى خرق الهدنة، وهذا أمر وارد وقد عوّدنا الحوثيون على نقض الهدن وأي اتفاقات مبرمة، ودخولهم في أي هدنة ما هو إلا وقت لالتقاط أنفاسهم وإعادة ترتيب صفوفهم، والدليل الهجوم المستميت على مأرب وتعز وإيقاع إصابات وأضرار في صفوف المدنيين».
من ناحيته، يرى عادل شمسان، المحلل السياسي اليمني، أن «التحدي المهم في توحيد الجبهات العسكرية يحتاج أولاً إلى توحيد الجبهة السياسية وإيجاد رؤية جديدة لتنظيم ذلك». ويقول: «هذا ما حدث في مشاورات الرياض»، مستدلاً بـ«تأكيد جميع المكونات الرؤية الجامعة في الانتقال السلمي للسلطة وتغليب مصلحة الوطن أولاً وأخيراً».
وتعتقد سارة العريقي، وهي عضو الائتلاف اليمني للنساء المستقلات، أن «هناك الكثير من الملفات الصعبة والشائكة التي تنتظر المجلس الرئاسي نظراً لطبيعة المرحلة التي فرضتها، ولكن الأولويات التي تتحتم على المجلس الرئاسي الإسراع في وضع الحلول العاجلة لها تكمن في توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وصرف مرتبات الموظفين بشكل منتظم، وتحقيق السلام والاستقرار في المناطق الخاضعة له تمهيداً لتحقيق السلام في كل ربوع اليمن». ولا ترى العريقي أن ذلك قد يحدث من دون «تكاتف ودعم كل القوى السياسية ودعم الأشقاء في السعودية والإمارات والمجتمع الدولي الذي نراهن جميعاً على دعمهم السخي».
وينظر الصحافي اليمني فيصل الشبيبي إلى التحديات من عين اقتصادية، إذ يرى أن «الاستقرار وتحسين الاقتصاد -بعيداً عن السياسة- سيكون الاختبار الرئيسي للمجلس، وهو ما إذا كان بإمكانه النجاح في تحسين حياة اليمنيين على الأرض».
لكن الشبيبي لا يغفل أيضاً ما وصفه بأكبر التحديات التي تواجه مجلس القيادة الرئاسي، وأهمها كما يقول: «الدخول في عملية سلام مع الميليشيات الحوثية بعدما تم طرق كل الأبواب مع هذه الجماعة التي تنطلق في تعاملها مع الآخر على أساس عنصري، إضافةً إلى أنها جماعة مؤدلجة لا ترى الحق إلاّ من خلال منظورها هي، وليس من خلال القيم المشتركة مع بقية القوى السياسية الأخرى على الساحة اليمنية، والأهم من ذلك هي تبعيتها المطلقة لإيران وعدم انفرادها بالقرار، الأمر الذي سينعكس سلباً على عملية السلام في المستقبل».

- وساطة خليجية؟
بسؤاله عن مدى إمكانية الوساطة الخليجية للوصول إلى حل نهائي، يقول سرحان بن كروز المنيخر، سفير مجلس التعاون الخليجي لدى اليمن، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إن مجلس التعاون سيدعم دائماً وأبداً خيارات الشعب اليمني في إنهاء أزمته من خلال الحل السياسي ليصل اليمن إلى السلام المنشود ويفرغ اليمنيون وبدعم من دول المجلس لبناء وطنهم ضمن منظومته الخليجية العربية، ومتى ما قررت جميع الأطراف اليمنية الانخراط في مفاوضات الحل النهائي الشامل ستجد كل الدعم والترحيب من مجلس التعاون في استضافة تلك المشاورات، كما جرى في المشاورات التي استضافتها دولة الكويت على مدى أكثر من 110 أيام عام 2016».
وبسؤال السياسيين والباحثين عن مدى استضافة الخليج مفاوضات الحل الشامل، وشت الإجابات بثقة يتمتع بها مجلس التعاون الخليجي لدى جميع اليمنيين بمن فيهم الحوثيون، وهو ما أورده السياسي كامل الخوداني في سياق حديثه، إذ قال: «نثق تماماً بأنه لا حل للأزمة اليمنية بعيداً عن الأشقاء في دول الخليج، وهذا ما تعلمه الأطراف كافة بمن فيهم الحوثيون».
ويتكئ عضو المكتب السياسي للمقاومة الوطنية على «الأجواء الإيجابية التي سادت المشاورات اليمنية - اليمنية التي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض برعاية وتنظيم الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويرى أن ذلك المشهد «أكد أن اليمن جزء من المنظومة الخليجية، وأن اليمنيين، قوى سياسية وأفراداً، يرون في الخليج العربي عمقهم وامتدادهم الطبيعي».
ويتمنى فيصل الشبيبي «استمرار دور الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً أن أمن الخليج من أمن اليمن والعكس كما كان يؤكد ذلك دائماً الرئيس السابق علي عبد الله صالح».
وفي معرض تعليقه، قال زيد الذاري: «بالنسبة للخليج واليمن ومفاوضات المستقبل، فالحديث يجب ألا يذهب بعيداً في سوق الدلائل والشروح، فمن المسلّمات أن اليمن جزء من محيطه الخليجي العربي وهم معنيون به، وهو جزء منهم بكل ما للكلمة من معنى ودلالات... من الإنصاف التذكير بأن مواقف دول الخليج وفي المقدمة المملكة كانت الداعمة للتنمية وللاستقرار ولبناء الإنسان اليمني ودعم نجاحاته ابتداءً من التعليم وليس انتهاءً باستقباله في دولهم أو دعم الحكومات اليمنية باستمرار». وأضاف: «مع تغير القيادة السياسية بنشوء مجلس القيادة الرئاسي توفرت فرصة جادة الآن لتجاوز بعض أهم مسببات الأزمة داخلياً والمأمول أن تكون المستجدات في ظل قيادة أبوية وواعية مدخلاً لعودة الأطر العامة للمكونات اليمنية نحو شكلها الطبيعي والبدهي مع جوارنا الخليجي، وأن تُعقد مفاوضات السلام والحوار الوطني في ظل رعاية الإخوة الأشقاء في الخليج وعلى أرضهم».

- سيناريوهات المستقبل
كان جواب المحلل السياسي عادل شمسان لافتاً لدى سؤاله عن توقعاته بسيناريوهات المستقبل اليمني. إذ قال إن «الأيام القادمة حُبلى بالكثير من الأمل والأفعال المتسارعة تؤكد ذلك ويدعمها إعلان الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي استمرار دعمه لليمن وإنجاح مساره الجديد نحو السلام وإنهاء الحرب وعودة اليمن أفضل مما كان وتهيئته ليصبح ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي».
بيد أن المحامية هدى الصراري سردت ما تتوقعه بالبدء في «إجراء تغييرات في الحكومة بناءً على الخبرة والكفاءة ونتمنى ألا تكون المحاصصة الحزبية أحد مقومات هذه الحكومة، وتوحيد الصفوف في إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة إما بالوصول للسلام مع الحوثيين وإما بالحل العسكري»، ثم «القيام بما هو مأمول من المجلس الرئاسي من إجراء إصلاحات اقتصادية وتوفير الخدمات للمواطنين ودفع رواتب الموظفين في عموم اليمن وخلق حلول مستدامة عبر تفعيل وتحصيل إيرادات الدولة».
وتنتقل الصراري إلى «تنفيذ الشق العسكري والأمني من اتفاقية الرياض، وإعادة فتح القضاء وتفعيل مؤسسات إنفاذ القانون ومكافحة الفساد وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة وتعزيز الشفافية والحوكمة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب وتأمين خط الملاحة الدولية».
أما كامل الخوداني فيرى أن «سيناريوهات الحل (لن تتخطى مسارين): الأول، رضوخ الحوثيين لدعوات وجهود إنهاء الحرب وإحلال السلام، وجلوسهم إلى طاولة مفاوضات، وتخليهم عن شعارات الولاية والحق الإلهي في الحكم واحتكامهم لصناديق الاقتراع. الثاني، مسار الحرب لاستعادة العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرته. وهذا ما أكده رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي بأن المجلس مجلس سلام وحرب، وجاهزيته لكل الخيارات».
وتتفق سارة العريقي مع ما ذهب إلى الخوداني، وتقول: «من المؤكد أن السيناريوهين سيعملان على إنهاء معاناة الشعب اليمني التي طالت وأصبحت قناعات المجتمع الدولي تؤكد ضرورة وقفها».
السيناريو الأفضل بالنسبة للصحافي فيصل الشبيبي «هو الحل السياسي الذي يتمناه الجميع حقناً للدماء وحفاظاً على ما تبقى من مقدرات الدولة... وإن كان -مع الأسف- بعيد المنال»، ويعلل ذلك بسبب «تعنت ميليشيا الحوثي وتمسكها بأفكارها ومعتقداتها الدخيلة المخالفة للواقع والتي تريد فرضها بقوة السلاح على الشعب اليمني، خصوصاً أن تجارب الحكومات اليمنية المتعاقبة معها، في توقيع اتفاقيات سلام كثيرة، دون جدوى، حيث إن الحوثيون ينقضون كل اتفاق يتم معهم منذ اندلاع الحرب الأولى في يونيو (حزيران) 2004 حتى اليوم».



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.