اليمن في قبضة التفاؤل

مقاربات تحديات المجلس الرئاسي ومستقبله... ودور الخليج في دعم الحل النهائي

الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
TT

اليمن في قبضة التفاؤل

الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)

قد يكون من السذاجة الحديث عن التفاؤل بعد سبعة أعوام على الانقلاب الحوثي ودخول اليمن في أتون الحرب. لكن التغييرات الأخيرة تجعل اليمن عملياً «في قبضة التفاؤل» بسبب سيناريوهات رسمها يمنيون كانوا قبل شهر وطيلة فترة الحرب ليسوا على وفاق، وأحياناً في حال صراع دائم. وباتوا اليوم متفائلين إما بالسلام وإما بالضغط العسكري الذي قد يتطور لاحقاً إلى حل عسكري ضد الحوثيين.
لم يجتمع اليمنيون مثلما اجتمعوا في الرياض مطلع أبريل (نيسان) 2022. كان الحديث أن المشاورات اليمنية - اليمنية برعاية خليجية ستوازي مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2012 – 2013) الذي حضره نحو 500 شخصية من مختلف الأطياف السياسية، إلا أن المشاورات الخليجية استضافت ما يربو على 800 شخصية.
ألهمت المشاورات المشهد اليمني. أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن وقف نار أحادي أعقبته هدنة ثنائية برعاية أممية.
ولم تكن مخرجات المشاورات من حيث العدد أو التنوع كبيرة وحسب، بل بالقرارات التي تمخضت عنها.
توَّج إعلان الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي المشاورات بنقل السلطة إلى مجلس رئاسي، وإنشاء أجهزة استشارية مختلفة، ليضع مستقبل اليمن في مسار جديد، عنوانه التوافق.
وفي محاولة لرسم سيناريوهات المستقبل، استمزجت «الشرق الأوسط» مقاربات باحثين وسياسيين يمنيين وغربيين وسألتهم عن التحديات والرؤى، إلى جانب مدى انعقاد مفاوضات حل نهائي وشامل للأزمة التي بدأت بانقلاب الحوثيين على السلطة عام 2014 وأدخلت اليمن وأهله في كابوس لم ينتهِ رغم كل الجهود الرامية إلى إنهائه.

«لا يمكن قراءة ما استجدّ بمعزل عمّا سبقه، للوصول لتقييم منصف وواقعي للحدث المهم وأثره. ظهور مجلس القيادة الرئاسي مثّل انفراجة واسعة في عدة اتجاهات مصيرية كانت مكبلة برؤية ضيقة للتعامل مع الأزمة اليمنية. لقد استنفد الفريق السابق الكثير من الوقت والإمكانات وجرب كل خياراته في تعامله مع ما هو قائم. ولم تسفر سياساته إلا المزيد من الغرق واستفحال الأزمات وتوالدها مكرّساً للعجز والفشل».
يقول زيد الذاري، وهو عضو المحور السياسي بمشاورات الرياض اليمنية لـ«الشرق الأوسط»: «إن مجلس القيادة المنبثق عن المشاورات اليمنية - اليمنية برعاية أخوية خليجية والحائز توافق طيف واسع من المنضوين تحت عباءة الشرعية يمكن عدّه بداية أكثر وعياً وأكثر إدراكاً لتنوع اليمن وتعدد الفاعلين في جغرافيته». يتابع الذاري: «إن الرهانات على المجلس كبيرة والمسؤوليات جسام من دون شك. وهذا يضعه أمام تحديات متنوعة يمكن الإشارة إلى بعضها».
ويصف آدم بارون، وهو محلل سياسي أميركي يركز على اليمن والخليج، الوساطة الخليجية في اليمن بأنها ذات «تاريخ طويل». ويقول إن «هذه المشاورات (في الرياض) التي يمكن القول إنها تستند إلى مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2011 ليست سوى أحدث مثال».
وعن مجلس القيادة الرئاسي اليمني يذهب بارون إلى أن المجلس «من نواحٍ كثيرة يمكن أن يكون مجلس سلام، وذلك في حال وجود أي مفاوضات مع الحوثيين، لكنه أيضاً قد يكون مجلس حرب إذا ما جرى أي تصعيد للصراع»، وقال إن «الوقت وحده كفيل بتحديد ذلك».

- التحديات
يرى كامل الخوداني، عضو المكتب السياسي للمقاومة الوطنية (بقيادة العميد طارق صالح)، أن مجلس القيادة الرئاسي أمامه «تركة ثقيلة بلا شك»، ويقول: «إن أبرز التحديات التي تواجهه خلال الفترة القادمة تتمثل في تفعيل مؤسسات الدولة وعودتها لممارسة مهامها من العاصمة المؤقتة عدن، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين عبر وقف تدهور العملة الوطنية، وضبط التلاعب بأسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية، وتحصيل إيرادات الدولة بجميع أنواعها للبنك المركزي اليمني، والعمل كمنظومة واحدة مع السلطات المحلية في المناطق المحررة»، متابعاً: «يستطيع مجلس القيادة الرئاسي استثمار هذا الالتفاف الشعبي والإسناد الخليجي والدعم والتأييد الإقليمي والدولي لتجاوز هذه التحديات، وتلبية تطلعات اليمنيين في استعادة دولتهم وإحلال السلام».
«من أبرز التحديات التي كانت أمام المجلس الرئاسي هي العودة للعمل من داخل اليمن، تحديداً من العاصمة (المؤقتة) عدن»، تقول هدى الصراري، وهي محامية يمنية ترأس مؤسسة «دفاع» للحقوق والحريات. وتوضح: «حتى عندما عاد أعضاء المجلس الرئاسي والحكومة وأعضاء مجلس النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة ينبغي أن تكون هذه العودة دائمة واستمرار أداء مهام الجميع من داخل المناطق المحرَّرة لإعادة الثقة للمواطن وتوفير الخدمات وانتشال التدهور الاقتصادي وانهيار الريال مقابل العملات والسعي إلى التعافي الاقتصادي وتدوير عجلة التنمية وضبط الأمن وتوفير الأمان وإعادة فتح أبواب القضاء أمام المواطنين».
ومن التحديات التي تواجه المجلس الرئاسي «العمل على دمج القوات المسلحة وتنفيذ الشق العسكري والأمني في اتفاقية الرياض، خصوصاً أن لدى بعض الأطراف في المجلس الرئاسي تشكيلات عسكرية». وتضيف رئيسة «دفاع»: «هذا بالإضافة إلى تحريك كل الجبهات في وقت واحد ضد الحوثيين، خصوصاً إذا لم ترضخ الجماعة للسلام وعمدت إلى خرق الهدنة، وهذا أمر وارد وقد عوّدنا الحوثيون على نقض الهدن وأي اتفاقات مبرمة، ودخولهم في أي هدنة ما هو إلا وقت لالتقاط أنفاسهم وإعادة ترتيب صفوفهم، والدليل الهجوم المستميت على مأرب وتعز وإيقاع إصابات وأضرار في صفوف المدنيين».
من ناحيته، يرى عادل شمسان، المحلل السياسي اليمني، أن «التحدي المهم في توحيد الجبهات العسكرية يحتاج أولاً إلى توحيد الجبهة السياسية وإيجاد رؤية جديدة لتنظيم ذلك». ويقول: «هذا ما حدث في مشاورات الرياض»، مستدلاً بـ«تأكيد جميع المكونات الرؤية الجامعة في الانتقال السلمي للسلطة وتغليب مصلحة الوطن أولاً وأخيراً».
وتعتقد سارة العريقي، وهي عضو الائتلاف اليمني للنساء المستقلات، أن «هناك الكثير من الملفات الصعبة والشائكة التي تنتظر المجلس الرئاسي نظراً لطبيعة المرحلة التي فرضتها، ولكن الأولويات التي تتحتم على المجلس الرئاسي الإسراع في وضع الحلول العاجلة لها تكمن في توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وصرف مرتبات الموظفين بشكل منتظم، وتحقيق السلام والاستقرار في المناطق الخاضعة له تمهيداً لتحقيق السلام في كل ربوع اليمن». ولا ترى العريقي أن ذلك قد يحدث من دون «تكاتف ودعم كل القوى السياسية ودعم الأشقاء في السعودية والإمارات والمجتمع الدولي الذي نراهن جميعاً على دعمهم السخي».
وينظر الصحافي اليمني فيصل الشبيبي إلى التحديات من عين اقتصادية، إذ يرى أن «الاستقرار وتحسين الاقتصاد -بعيداً عن السياسة- سيكون الاختبار الرئيسي للمجلس، وهو ما إذا كان بإمكانه النجاح في تحسين حياة اليمنيين على الأرض».
لكن الشبيبي لا يغفل أيضاً ما وصفه بأكبر التحديات التي تواجه مجلس القيادة الرئاسي، وأهمها كما يقول: «الدخول في عملية سلام مع الميليشيات الحوثية بعدما تم طرق كل الأبواب مع هذه الجماعة التي تنطلق في تعاملها مع الآخر على أساس عنصري، إضافةً إلى أنها جماعة مؤدلجة لا ترى الحق إلاّ من خلال منظورها هي، وليس من خلال القيم المشتركة مع بقية القوى السياسية الأخرى على الساحة اليمنية، والأهم من ذلك هي تبعيتها المطلقة لإيران وعدم انفرادها بالقرار، الأمر الذي سينعكس سلباً على عملية السلام في المستقبل».

- وساطة خليجية؟
بسؤاله عن مدى إمكانية الوساطة الخليجية للوصول إلى حل نهائي، يقول سرحان بن كروز المنيخر، سفير مجلس التعاون الخليجي لدى اليمن، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إن مجلس التعاون سيدعم دائماً وأبداً خيارات الشعب اليمني في إنهاء أزمته من خلال الحل السياسي ليصل اليمن إلى السلام المنشود ويفرغ اليمنيون وبدعم من دول المجلس لبناء وطنهم ضمن منظومته الخليجية العربية، ومتى ما قررت جميع الأطراف اليمنية الانخراط في مفاوضات الحل النهائي الشامل ستجد كل الدعم والترحيب من مجلس التعاون في استضافة تلك المشاورات، كما جرى في المشاورات التي استضافتها دولة الكويت على مدى أكثر من 110 أيام عام 2016».
وبسؤال السياسيين والباحثين عن مدى استضافة الخليج مفاوضات الحل الشامل، وشت الإجابات بثقة يتمتع بها مجلس التعاون الخليجي لدى جميع اليمنيين بمن فيهم الحوثيون، وهو ما أورده السياسي كامل الخوداني في سياق حديثه، إذ قال: «نثق تماماً بأنه لا حل للأزمة اليمنية بعيداً عن الأشقاء في دول الخليج، وهذا ما تعلمه الأطراف كافة بمن فيهم الحوثيون».
ويتكئ عضو المكتب السياسي للمقاومة الوطنية على «الأجواء الإيجابية التي سادت المشاورات اليمنية - اليمنية التي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض برعاية وتنظيم الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويرى أن ذلك المشهد «أكد أن اليمن جزء من المنظومة الخليجية، وأن اليمنيين، قوى سياسية وأفراداً، يرون في الخليج العربي عمقهم وامتدادهم الطبيعي».
ويتمنى فيصل الشبيبي «استمرار دور الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً أن أمن الخليج من أمن اليمن والعكس كما كان يؤكد ذلك دائماً الرئيس السابق علي عبد الله صالح».
وفي معرض تعليقه، قال زيد الذاري: «بالنسبة للخليج واليمن ومفاوضات المستقبل، فالحديث يجب ألا يذهب بعيداً في سوق الدلائل والشروح، فمن المسلّمات أن اليمن جزء من محيطه الخليجي العربي وهم معنيون به، وهو جزء منهم بكل ما للكلمة من معنى ودلالات... من الإنصاف التذكير بأن مواقف دول الخليج وفي المقدمة المملكة كانت الداعمة للتنمية وللاستقرار ولبناء الإنسان اليمني ودعم نجاحاته ابتداءً من التعليم وليس انتهاءً باستقباله في دولهم أو دعم الحكومات اليمنية باستمرار». وأضاف: «مع تغير القيادة السياسية بنشوء مجلس القيادة الرئاسي توفرت فرصة جادة الآن لتجاوز بعض أهم مسببات الأزمة داخلياً والمأمول أن تكون المستجدات في ظل قيادة أبوية وواعية مدخلاً لعودة الأطر العامة للمكونات اليمنية نحو شكلها الطبيعي والبدهي مع جوارنا الخليجي، وأن تُعقد مفاوضات السلام والحوار الوطني في ظل رعاية الإخوة الأشقاء في الخليج وعلى أرضهم».

- سيناريوهات المستقبل
كان جواب المحلل السياسي عادل شمسان لافتاً لدى سؤاله عن توقعاته بسيناريوهات المستقبل اليمني. إذ قال إن «الأيام القادمة حُبلى بالكثير من الأمل والأفعال المتسارعة تؤكد ذلك ويدعمها إعلان الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي استمرار دعمه لليمن وإنجاح مساره الجديد نحو السلام وإنهاء الحرب وعودة اليمن أفضل مما كان وتهيئته ليصبح ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي».
بيد أن المحامية هدى الصراري سردت ما تتوقعه بالبدء في «إجراء تغييرات في الحكومة بناءً على الخبرة والكفاءة ونتمنى ألا تكون المحاصصة الحزبية أحد مقومات هذه الحكومة، وتوحيد الصفوف في إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة إما بالوصول للسلام مع الحوثيين وإما بالحل العسكري»، ثم «القيام بما هو مأمول من المجلس الرئاسي من إجراء إصلاحات اقتصادية وتوفير الخدمات للمواطنين ودفع رواتب الموظفين في عموم اليمن وخلق حلول مستدامة عبر تفعيل وتحصيل إيرادات الدولة».
وتنتقل الصراري إلى «تنفيذ الشق العسكري والأمني من اتفاقية الرياض، وإعادة فتح القضاء وتفعيل مؤسسات إنفاذ القانون ومكافحة الفساد وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة وتعزيز الشفافية والحوكمة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب وتأمين خط الملاحة الدولية».
أما كامل الخوداني فيرى أن «سيناريوهات الحل (لن تتخطى مسارين): الأول، رضوخ الحوثيين لدعوات وجهود إنهاء الحرب وإحلال السلام، وجلوسهم إلى طاولة مفاوضات، وتخليهم عن شعارات الولاية والحق الإلهي في الحكم واحتكامهم لصناديق الاقتراع. الثاني، مسار الحرب لاستعادة العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرته. وهذا ما أكده رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي بأن المجلس مجلس سلام وحرب، وجاهزيته لكل الخيارات».
وتتفق سارة العريقي مع ما ذهب إلى الخوداني، وتقول: «من المؤكد أن السيناريوهين سيعملان على إنهاء معاناة الشعب اليمني التي طالت وأصبحت قناعات المجتمع الدولي تؤكد ضرورة وقفها».
السيناريو الأفضل بالنسبة للصحافي فيصل الشبيبي «هو الحل السياسي الذي يتمناه الجميع حقناً للدماء وحفاظاً على ما تبقى من مقدرات الدولة... وإن كان -مع الأسف- بعيد المنال»، ويعلل ذلك بسبب «تعنت ميليشيا الحوثي وتمسكها بأفكارها ومعتقداتها الدخيلة المخالفة للواقع والتي تريد فرضها بقوة السلاح على الشعب اليمني، خصوصاً أن تجارب الحكومات اليمنية المتعاقبة معها، في توقيع اتفاقيات سلام كثيرة، دون جدوى، حيث إن الحوثيون ينقضون كل اتفاق يتم معهم منذ اندلاع الحرب الأولى في يونيو (حزيران) 2004 حتى اليوم».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟