اليمن في قبضة التفاؤل

مقاربات تحديات المجلس الرئاسي ومستقبله... ودور الخليج في دعم الحل النهائي

الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
TT

اليمن في قبضة التفاؤل

الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)
الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى حضوره آخر أيام مشاورات الرياض بمجلس التعاون الخليجي في السابع من أبريل 2022 (أ.ف.ب)

قد يكون من السذاجة الحديث عن التفاؤل بعد سبعة أعوام على الانقلاب الحوثي ودخول اليمن في أتون الحرب. لكن التغييرات الأخيرة تجعل اليمن عملياً «في قبضة التفاؤل» بسبب سيناريوهات رسمها يمنيون كانوا قبل شهر وطيلة فترة الحرب ليسوا على وفاق، وأحياناً في حال صراع دائم. وباتوا اليوم متفائلين إما بالسلام وإما بالضغط العسكري الذي قد يتطور لاحقاً إلى حل عسكري ضد الحوثيين.
لم يجتمع اليمنيون مثلما اجتمعوا في الرياض مطلع أبريل (نيسان) 2022. كان الحديث أن المشاورات اليمنية - اليمنية برعاية خليجية ستوازي مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2012 – 2013) الذي حضره نحو 500 شخصية من مختلف الأطياف السياسية، إلا أن المشاورات الخليجية استضافت ما يربو على 800 شخصية.
ألهمت المشاورات المشهد اليمني. أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن وقف نار أحادي أعقبته هدنة ثنائية برعاية أممية.
ولم تكن مخرجات المشاورات من حيث العدد أو التنوع كبيرة وحسب، بل بالقرارات التي تمخضت عنها.
توَّج إعلان الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي المشاورات بنقل السلطة إلى مجلس رئاسي، وإنشاء أجهزة استشارية مختلفة، ليضع مستقبل اليمن في مسار جديد، عنوانه التوافق.
وفي محاولة لرسم سيناريوهات المستقبل، استمزجت «الشرق الأوسط» مقاربات باحثين وسياسيين يمنيين وغربيين وسألتهم عن التحديات والرؤى، إلى جانب مدى انعقاد مفاوضات حل نهائي وشامل للأزمة التي بدأت بانقلاب الحوثيين على السلطة عام 2014 وأدخلت اليمن وأهله في كابوس لم ينتهِ رغم كل الجهود الرامية إلى إنهائه.

«لا يمكن قراءة ما استجدّ بمعزل عمّا سبقه، للوصول لتقييم منصف وواقعي للحدث المهم وأثره. ظهور مجلس القيادة الرئاسي مثّل انفراجة واسعة في عدة اتجاهات مصيرية كانت مكبلة برؤية ضيقة للتعامل مع الأزمة اليمنية. لقد استنفد الفريق السابق الكثير من الوقت والإمكانات وجرب كل خياراته في تعامله مع ما هو قائم. ولم تسفر سياساته إلا المزيد من الغرق واستفحال الأزمات وتوالدها مكرّساً للعجز والفشل».
يقول زيد الذاري، وهو عضو المحور السياسي بمشاورات الرياض اليمنية لـ«الشرق الأوسط»: «إن مجلس القيادة المنبثق عن المشاورات اليمنية - اليمنية برعاية أخوية خليجية والحائز توافق طيف واسع من المنضوين تحت عباءة الشرعية يمكن عدّه بداية أكثر وعياً وأكثر إدراكاً لتنوع اليمن وتعدد الفاعلين في جغرافيته». يتابع الذاري: «إن الرهانات على المجلس كبيرة والمسؤوليات جسام من دون شك. وهذا يضعه أمام تحديات متنوعة يمكن الإشارة إلى بعضها».
ويصف آدم بارون، وهو محلل سياسي أميركي يركز على اليمن والخليج، الوساطة الخليجية في اليمن بأنها ذات «تاريخ طويل». ويقول إن «هذه المشاورات (في الرياض) التي يمكن القول إنها تستند إلى مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2011 ليست سوى أحدث مثال».
وعن مجلس القيادة الرئاسي اليمني يذهب بارون إلى أن المجلس «من نواحٍ كثيرة يمكن أن يكون مجلس سلام، وذلك في حال وجود أي مفاوضات مع الحوثيين، لكنه أيضاً قد يكون مجلس حرب إذا ما جرى أي تصعيد للصراع»، وقال إن «الوقت وحده كفيل بتحديد ذلك».

- التحديات
يرى كامل الخوداني، عضو المكتب السياسي للمقاومة الوطنية (بقيادة العميد طارق صالح)، أن مجلس القيادة الرئاسي أمامه «تركة ثقيلة بلا شك»، ويقول: «إن أبرز التحديات التي تواجهه خلال الفترة القادمة تتمثل في تفعيل مؤسسات الدولة وعودتها لممارسة مهامها من العاصمة المؤقتة عدن، وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين عبر وقف تدهور العملة الوطنية، وضبط التلاعب بأسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية، وتحصيل إيرادات الدولة بجميع أنواعها للبنك المركزي اليمني، والعمل كمنظومة واحدة مع السلطات المحلية في المناطق المحررة»، متابعاً: «يستطيع مجلس القيادة الرئاسي استثمار هذا الالتفاف الشعبي والإسناد الخليجي والدعم والتأييد الإقليمي والدولي لتجاوز هذه التحديات، وتلبية تطلعات اليمنيين في استعادة دولتهم وإحلال السلام».
«من أبرز التحديات التي كانت أمام المجلس الرئاسي هي العودة للعمل من داخل اليمن، تحديداً من العاصمة (المؤقتة) عدن»، تقول هدى الصراري، وهي محامية يمنية ترأس مؤسسة «دفاع» للحقوق والحريات. وتوضح: «حتى عندما عاد أعضاء المجلس الرئاسي والحكومة وأعضاء مجلس النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة ينبغي أن تكون هذه العودة دائمة واستمرار أداء مهام الجميع من داخل المناطق المحرَّرة لإعادة الثقة للمواطن وتوفير الخدمات وانتشال التدهور الاقتصادي وانهيار الريال مقابل العملات والسعي إلى التعافي الاقتصادي وتدوير عجلة التنمية وضبط الأمن وتوفير الأمان وإعادة فتح أبواب القضاء أمام المواطنين».
ومن التحديات التي تواجه المجلس الرئاسي «العمل على دمج القوات المسلحة وتنفيذ الشق العسكري والأمني في اتفاقية الرياض، خصوصاً أن لدى بعض الأطراف في المجلس الرئاسي تشكيلات عسكرية». وتضيف رئيسة «دفاع»: «هذا بالإضافة إلى تحريك كل الجبهات في وقت واحد ضد الحوثيين، خصوصاً إذا لم ترضخ الجماعة للسلام وعمدت إلى خرق الهدنة، وهذا أمر وارد وقد عوّدنا الحوثيون على نقض الهدن وأي اتفاقات مبرمة، ودخولهم في أي هدنة ما هو إلا وقت لالتقاط أنفاسهم وإعادة ترتيب صفوفهم، والدليل الهجوم المستميت على مأرب وتعز وإيقاع إصابات وأضرار في صفوف المدنيين».
من ناحيته، يرى عادل شمسان، المحلل السياسي اليمني، أن «التحدي المهم في توحيد الجبهات العسكرية يحتاج أولاً إلى توحيد الجبهة السياسية وإيجاد رؤية جديدة لتنظيم ذلك». ويقول: «هذا ما حدث في مشاورات الرياض»، مستدلاً بـ«تأكيد جميع المكونات الرؤية الجامعة في الانتقال السلمي للسلطة وتغليب مصلحة الوطن أولاً وأخيراً».
وتعتقد سارة العريقي، وهي عضو الائتلاف اليمني للنساء المستقلات، أن «هناك الكثير من الملفات الصعبة والشائكة التي تنتظر المجلس الرئاسي نظراً لطبيعة المرحلة التي فرضتها، ولكن الأولويات التي تتحتم على المجلس الرئاسي الإسراع في وضع الحلول العاجلة لها تكمن في توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وصرف مرتبات الموظفين بشكل منتظم، وتحقيق السلام والاستقرار في المناطق الخاضعة له تمهيداً لتحقيق السلام في كل ربوع اليمن». ولا ترى العريقي أن ذلك قد يحدث من دون «تكاتف ودعم كل القوى السياسية ودعم الأشقاء في السعودية والإمارات والمجتمع الدولي الذي نراهن جميعاً على دعمهم السخي».
وينظر الصحافي اليمني فيصل الشبيبي إلى التحديات من عين اقتصادية، إذ يرى أن «الاستقرار وتحسين الاقتصاد -بعيداً عن السياسة- سيكون الاختبار الرئيسي للمجلس، وهو ما إذا كان بإمكانه النجاح في تحسين حياة اليمنيين على الأرض».
لكن الشبيبي لا يغفل أيضاً ما وصفه بأكبر التحديات التي تواجه مجلس القيادة الرئاسي، وأهمها كما يقول: «الدخول في عملية سلام مع الميليشيات الحوثية بعدما تم طرق كل الأبواب مع هذه الجماعة التي تنطلق في تعاملها مع الآخر على أساس عنصري، إضافةً إلى أنها جماعة مؤدلجة لا ترى الحق إلاّ من خلال منظورها هي، وليس من خلال القيم المشتركة مع بقية القوى السياسية الأخرى على الساحة اليمنية، والأهم من ذلك هي تبعيتها المطلقة لإيران وعدم انفرادها بالقرار، الأمر الذي سينعكس سلباً على عملية السلام في المستقبل».

- وساطة خليجية؟
بسؤاله عن مدى إمكانية الوساطة الخليجية للوصول إلى حل نهائي، يقول سرحان بن كروز المنيخر، سفير مجلس التعاون الخليجي لدى اليمن، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إن مجلس التعاون سيدعم دائماً وأبداً خيارات الشعب اليمني في إنهاء أزمته من خلال الحل السياسي ليصل اليمن إلى السلام المنشود ويفرغ اليمنيون وبدعم من دول المجلس لبناء وطنهم ضمن منظومته الخليجية العربية، ومتى ما قررت جميع الأطراف اليمنية الانخراط في مفاوضات الحل النهائي الشامل ستجد كل الدعم والترحيب من مجلس التعاون في استضافة تلك المشاورات، كما جرى في المشاورات التي استضافتها دولة الكويت على مدى أكثر من 110 أيام عام 2016».
وبسؤال السياسيين والباحثين عن مدى استضافة الخليج مفاوضات الحل الشامل، وشت الإجابات بثقة يتمتع بها مجلس التعاون الخليجي لدى جميع اليمنيين بمن فيهم الحوثيون، وهو ما أورده السياسي كامل الخوداني في سياق حديثه، إذ قال: «نثق تماماً بأنه لا حل للأزمة اليمنية بعيداً عن الأشقاء في دول الخليج، وهذا ما تعلمه الأطراف كافة بمن فيهم الحوثيون».
ويتكئ عضو المكتب السياسي للمقاومة الوطنية على «الأجواء الإيجابية التي سادت المشاورات اليمنية - اليمنية التي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض برعاية وتنظيم الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويرى أن ذلك المشهد «أكد أن اليمن جزء من المنظومة الخليجية، وأن اليمنيين، قوى سياسية وأفراداً، يرون في الخليج العربي عمقهم وامتدادهم الطبيعي».
ويتمنى فيصل الشبيبي «استمرار دور الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً أن أمن الخليج من أمن اليمن والعكس كما كان يؤكد ذلك دائماً الرئيس السابق علي عبد الله صالح».
وفي معرض تعليقه، قال زيد الذاري: «بالنسبة للخليج واليمن ومفاوضات المستقبل، فالحديث يجب ألا يذهب بعيداً في سوق الدلائل والشروح، فمن المسلّمات أن اليمن جزء من محيطه الخليجي العربي وهم معنيون به، وهو جزء منهم بكل ما للكلمة من معنى ودلالات... من الإنصاف التذكير بأن مواقف دول الخليج وفي المقدمة المملكة كانت الداعمة للتنمية وللاستقرار ولبناء الإنسان اليمني ودعم نجاحاته ابتداءً من التعليم وليس انتهاءً باستقباله في دولهم أو دعم الحكومات اليمنية باستمرار». وأضاف: «مع تغير القيادة السياسية بنشوء مجلس القيادة الرئاسي توفرت فرصة جادة الآن لتجاوز بعض أهم مسببات الأزمة داخلياً والمأمول أن تكون المستجدات في ظل قيادة أبوية وواعية مدخلاً لعودة الأطر العامة للمكونات اليمنية نحو شكلها الطبيعي والبدهي مع جوارنا الخليجي، وأن تُعقد مفاوضات السلام والحوار الوطني في ظل رعاية الإخوة الأشقاء في الخليج وعلى أرضهم».

- سيناريوهات المستقبل
كان جواب المحلل السياسي عادل شمسان لافتاً لدى سؤاله عن توقعاته بسيناريوهات المستقبل اليمني. إذ قال إن «الأيام القادمة حُبلى بالكثير من الأمل والأفعال المتسارعة تؤكد ذلك ويدعمها إعلان الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي استمرار دعمه لليمن وإنجاح مساره الجديد نحو السلام وإنهاء الحرب وعودة اليمن أفضل مما كان وتهيئته ليصبح ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي».
بيد أن المحامية هدى الصراري سردت ما تتوقعه بالبدء في «إجراء تغييرات في الحكومة بناءً على الخبرة والكفاءة ونتمنى ألا تكون المحاصصة الحزبية أحد مقومات هذه الحكومة، وتوحيد الصفوف في إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة إما بالوصول للسلام مع الحوثيين وإما بالحل العسكري»، ثم «القيام بما هو مأمول من المجلس الرئاسي من إجراء إصلاحات اقتصادية وتوفير الخدمات للمواطنين ودفع رواتب الموظفين في عموم اليمن وخلق حلول مستدامة عبر تفعيل وتحصيل إيرادات الدولة».
وتنتقل الصراري إلى «تنفيذ الشق العسكري والأمني من اتفاقية الرياض، وإعادة فتح القضاء وتفعيل مؤسسات إنفاذ القانون ومكافحة الفساد وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة وتعزيز الشفافية والحوكمة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب وتأمين خط الملاحة الدولية».
أما كامل الخوداني فيرى أن «سيناريوهات الحل (لن تتخطى مسارين): الأول، رضوخ الحوثيين لدعوات وجهود إنهاء الحرب وإحلال السلام، وجلوسهم إلى طاولة مفاوضات، وتخليهم عن شعارات الولاية والحق الإلهي في الحكم واحتكامهم لصناديق الاقتراع. الثاني، مسار الحرب لاستعادة العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرته. وهذا ما أكده رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي بأن المجلس مجلس سلام وحرب، وجاهزيته لكل الخيارات».
وتتفق سارة العريقي مع ما ذهب إلى الخوداني، وتقول: «من المؤكد أن السيناريوهين سيعملان على إنهاء معاناة الشعب اليمني التي طالت وأصبحت قناعات المجتمع الدولي تؤكد ضرورة وقفها».
السيناريو الأفضل بالنسبة للصحافي فيصل الشبيبي «هو الحل السياسي الذي يتمناه الجميع حقناً للدماء وحفاظاً على ما تبقى من مقدرات الدولة... وإن كان -مع الأسف- بعيد المنال»، ويعلل ذلك بسبب «تعنت ميليشيا الحوثي وتمسكها بأفكارها ومعتقداتها الدخيلة المخالفة للواقع والتي تريد فرضها بقوة السلاح على الشعب اليمني، خصوصاً أن تجارب الحكومات اليمنية المتعاقبة معها، في توقيع اتفاقيات سلام كثيرة، دون جدوى، حيث إن الحوثيون ينقضون كل اتفاق يتم معهم منذ اندلاع الحرب الأولى في يونيو (حزيران) 2004 حتى اليوم».



رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.