مصر: ضبط «عصابة» تدير منصة إلكترونية يعيد التحذيرات من «الاستثمار الوهمي»

متعاملون مع «FBC» يروون لـ«الشرق الأوسط» كيف تعرضوا للخداع

صورة نشرتها وزارة الداخلية المصرية مع المتهمين المضبوطين والمضبوطات (وزارة الداخلية المصرية)
صورة نشرتها وزارة الداخلية المصرية مع المتهمين المضبوطين والمضبوطات (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: ضبط «عصابة» تدير منصة إلكترونية يعيد التحذيرات من «الاستثمار الوهمي»

صورة نشرتها وزارة الداخلية المصرية مع المتهمين المضبوطين والمضبوطات (وزارة الداخلية المصرية)
صورة نشرتها وزارة الداخلية المصرية مع المتهمين المضبوطين والمضبوطات (وزارة الداخلية المصرية)

وضعت المصرية رضوى، المقيمة في مدينة المنصورة (شمالاً)، مبلغ 3600 جنيه (الدولار يساوي 50.48 جنيه)، هي كل مدخراتها، في حساب منصة «FBC» لتوظيف الأموال، نهاية الصيف الماضي، قبل أن ترفعه سريعاً بفضل قرض حصلت عليه من البنك بضمان عملها موظفةً بإحدى شركات القطاع الخاص، ليصبح 11200 جنيه، كي تحصل على عائد مادي أكبر.

تقول رضوى لـ«الشرق الأوسط» إن «عملهم اقتصر على تحميل تطبيقات على أجهزتهم المحمولة وتقييمها فحسب»، وهو عمل بسيط مقارنةً بما كانت تحصل عليه في البداية من عائد يومي صافٍ وصل إلى 810 جنيهات.

سرعان ما شجعت رضوى أقاربها وأصدقاءها، ليصل إجمالي ما وضعته برفقة 37 شخصاً من دائرة معارفها إلى أكثر من 300 ألف جنيه، قبل أن تكتشف وقوعها ضحية للنصب مع اختفاء القائمين على المنصة الوهمية، ثم القبض عليهم.

وشغلت الواقعة الرأي العام في مصر الأيام الماضية، بعدما حرر عدد من ضحايا منصة «FBC» الإلكترونية محاضر بمباحث الإنترنت، اتهموا فيها المنصة بالاستيلاء على أموالهم، التي قدَّرها البعض بـ«مليارات الجنيهات»، ما أعاد تحذيرات سابقة من وقوع مواطنين ضحية لشركات «الاستثمار الوهمي».

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، مساء الاثنين، ضبط «تشكيل عصابي يتزعمه ثلاثة عناصر يحملون جنسيات أجنبية موجودون في البلاد، ومرتبطون بشبكة إجرامية في الخارج، متخصصة في مجال النصب والاحتيال الإلكتروني والاستيلاء على أموال المواطنين بزعم استثمارها لهم».

ووفق بيان الداخلية، فإن القائمين على الشبكة «اتفقوا مع 11 شخصاً لتأسيس شركة في القاهرة لممارسة نشاطهم الإجرامي، والترويج للمنصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيق (واتساب) مقابل عمولات مالية، وتوفير خطوط هواتف محمولة لتفعيل محافظ إلكترونية عليها بيانات وهمية، لاستخدامها في تلقي وتحويل الأموال المستولى عليها».

وأغلقت الداخلية مقر الشركة، وضبطت 13 متهماً بحوزتهم هواتف محمولة و1135 شريحة هاتف محمول، بجانب مبالغ مالية من عملات مختلفة، قيمتها مليون و270 ألف جنيه، فيما جرت مصادرة المضبوطات واستكمال الإجراءات القانونية.

قصة رضوى، التي سردتها لـ«الشرق الأوسط»، تكررت بأشكال مختلفة مع العديد من المواطنين الذين وقعوا ضحية لمنصة «FBC» لتوظيف الأموال، التي حصل القائمون عليها، وفق أقوال مواطنين حرروا بلاغات بأقسام الشرطة، على ملايين الجنيهات، فيما أكدت «الداخلية» تلقيها بلاغات على مدار يومين من 101 مواطن، بتضررهم من المنصة، واستيلائها منهم على مليوني جنيه، بزعم استثمارها لهم في مجال البرمجيات والتسويق الإلكتروني، وإيهامهم بمنحهم أرباحاً مالية مزعومة.

تقول رضوى إن زوجها ترك لها المنزل غاضباً بعدما وضعت كل أموالهما في المنصة، بينما تعرضت شقيقتها وسام للطلاق من زوجها، الذي طردها من المنزل لرفضه وضع الأموال من البداية، وتمسكها بالخطوة من أجل تحقيق العائد المادي وقيامها بوضع فلوس ولادتها المنتظرة بجانب مدخراتها.

التطبيق، الذي انطلق قبل شهور، اجتذب آلاف المصريين في فترة وجيزة، مع زياداتٍ مطردة في الأرباح وإتاحتها في البداية للمستثمرين، الذين كان عليهم تشجيع آخرين على الانضمام، والحصول على مزيد من المزايا والعوائد المالية، التي فضَّل عدد ليس بالقليل منهم الاستمرار بوضعها لتحقيق مزيد من الأرباح.

موقف رضوى لا يختلف كثيراً عن موقف محمد عمر، مصمم الغرافيكس الذي يعيش في القاهرة، ووضع أموالاً في المنصة، في تجربة خسر فيها آلاف الجنيهات، بعدما لم يتمكن من استعادة أمواله عند رغبته في التخارج من البرنامج، مؤكداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» شعوره بأن هناك شيئاً خاطئاً في العمل، مع المميزات الكبيرة التي كانت تُمنح مقابل المبالغ المالية البسيطة التي تُدفع للاشتراك.

وأضاف أنه عندما طلب الخروج، أخبره مسؤولو المنصة بأن الأمر يحتاج إلى 3 أشهر من وقت تقديم استقالته، بالتالي فضَّل العمل للحصول على الأرباح بدلاً من إيقاف العمل وتجميد المبلغ الذي وضعه.

وأوضح أن الشركة، دأبت منذ نحو 3 أشهر على صرف الأرباح في أيام محددة، حسب الفئة التي ينتمي إليها كل فرد، وتطبق الإجازات الرسمية، ما يؤدي إلى ترحيل الصرف للأسبوع التالي، لافتاً إلى أنهم أقاموا فعاليات عدة، وأتاحوا دعوات لأعضائهم برفقة عائلاتهم في أماكن عدة بالقاهرة، بجانب وجود مكتب لهم بوسط القاهرة، يحمل تراخيص بسجل تجاري وفاتورة ضريبية، مما زاد الثقة بهم في البداية.

وحسب رضوى، فإن عملية تحويل الأموال للمنصة كانت تتم من خلال المحافظ الإلكترونية، عبر أرقام هواتف تتغير كل 15 دقيقة، لافتةً إلى أن وزارة الداخلية طلبت منها كشف حساب بالمعاملات التي أجرتها على حساب محفظتها الإلكترونية، بالتحويلات المالية من المنصة وإليها، لتحرير محضر خاص بها في القسم الذي تتبع دائرته.

ودفعت الواقعة إلى تحذيرات باتت متكررة من ظاهرة شركات «الاستثمار الوهمي»، التي يقبل عليها كثيرون رغم مخاطرها بفضل إغراءات العوائد المرتفعة.

ويفسر عضو مجلس النواب (البرلمان) عبد الفتاح يحيى، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لجوء المواطنين إلى هذه الشركات بـ«الرغبة في سرعة تحقيق العائد، رغم التحذيرات الحكومية المتكررة بشأن المضاربات الوهمية التي تحدث بالأموال، وضرورة التأكد من طبيعة عمل أي شركات بالسوق المصرية، ومدى توافقها مع الإجراءات المتبعة».

وأضاف البرلماني المصري لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الشركات تتحايل على القانون، وتعمل على مخاطبة البسطاء والراغبين في تحقيق ثراء سريع دون اجتهاد في الأعمال»، مشيراً إلى أن «البنوك تقدم فوائد مرتفعة بالوقت الحالي، ومضمونة، الأمر الذي لا يعطي مبرراً للتوجه نحو مثل هذه الشركات».

وقال المحامي بالنقض محمد طه لـ«الشرق الأوسط»، إن «القانون المصري يجرم جمع الأموال لتوظيفها واستثمارها دون تصاريح مسبقة من الجهات المعنية»، مشيراً إلى أن «المنصة الإلكترونية تعد بمثابة شركة، كان يفترض أن تكون مقيدة بسوق المال ليتوافق نشاطها مع أحكام القانون».

وأضاف: «عقوبة المتهمين الذين تولوا إدارة المنصة تصل إلى السجن مدة تتراوح من 3 إلى 15 عاماً وغرامة مالية»، لافتاً إلى أن «مشكلة هذه النوعيات من الجرائم أن المضبوطين يكونون في الأغلب حلقات وسيطة، وتعرضوا للخديعة مثل غيرهم من المواطنين».


مقالات ذات صلة

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

الاقتصاد محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في الإمدادات الإسرائيلية بسبب حرب إيران، وتل أبيب تتحدث عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

حوادث الانتحار في مصر لا تعكس ارتفاع أعدادها

تعد مصر من الدول التي لا تشهد حالات انتحار كبيرة عالمياً وفق منظمة الصحة العالمية، وإن كانت الأولى عربياً.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر رمضان الماضي (الرئاسة)

حادثة «سيدة الإسكندرية» تحرك تعديل قوانين الأسرة في مصر

حركت حادثة «سيدة الإسكندرية» مطالبات بتعديل قوانين الأسرة في مصر، حيث وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الاثنين، بسرعة تقديم مشروعات القوانين التي يجري إعدادها.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات وزير الدولة للإنتاج الحربي المصري مع ممثلي شركة «باراسون» الهندية الاثنين في القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

مصر تستعين بالهند لإدخال أحدث تقنيات التصنيع العسكري

تحدث وزير الدولة للإنتاج الحربي المصري، صلاح سليمان جمبلاط عن «توجيهات رئاسية بضرورة فتح آفاق جديدة لدعم التصنيع المحلي وإدخال أحدث تكنولوجيات التصنيع العسكري».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)

مصر تطالب بـ«مسارات نظامية للهجرة» بالتعاون مع الشركاء الدوليين

شدّدت مصر على «ضرورة تكثيف العمل على توفير مسارات نظامية للهجرة بالتعاون مع الشركاء الدوليين».

«الشرق الأوسط»

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.