إسرائيل تدرس خياراتها في الرد على الحوثيين وتبدأ برسم «صورة استخباراتية»

الجيش يستعد لـ«مهمة تالية» في إيران بعد «كسر حلقة النار» في المنطقة

شخص يفحص منزلاً متضرراً في تل أبيب بالقرب من مكان سقوط صاروخ أطلق من اليمن فجر السبت (إ.ب.أ)
شخص يفحص منزلاً متضرراً في تل أبيب بالقرب من مكان سقوط صاروخ أطلق من اليمن فجر السبت (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تدرس خياراتها في الرد على الحوثيين وتبدأ برسم «صورة استخباراتية»

شخص يفحص منزلاً متضرراً في تل أبيب بالقرب من مكان سقوط صاروخ أطلق من اليمن فجر السبت (إ.ب.أ)
شخص يفحص منزلاً متضرراً في تل أبيب بالقرب من مكان سقوط صاروخ أطلق من اليمن فجر السبت (إ.ب.أ)

تدرس إسرائيل خياراتها للرد على الهجمات الحوثية المتكررة ضدها في الأيام القليلة الماضية، وآخرها صاروخ سقط وأدى إلى أضرار وإصابات فجر السبت.

البداية وفق قراءة لخبراء ومحررين عسكريين في الإعلام الإسرائيلي تتمثل في رسم صورة استخباراتية، ومع ذلك فإنها تواجه عدة مشكلات، بعدّ الجبهة أولا، وثانيا أنها لم تكن ضمن اهتمامات إسرائيل الاستخباراتية، لكنها (أي الضربات الحوثية) شجعت المطالب في إسرائيل بضرب المنشآت النووية الإيرانية.

أطلق الحوثيون فجر السبت وتحديداً في الساعة 3:44 فجراً بالتوقيت المحلي صاروخاً باليستياً سقط في تل أبيب، وذلك بعد يومين من إطلاقهم صاروخاً آخر.

وقال مسعفون إن 16 شخصاً أصيبوا بجروح طفيفة نتيجة شظايا الزجاج، بينما أصيب 14 شخصاً بكدمات في أثناء هرعهم إلى الملاجئ. وهذه هي المرة الثانية خلال يومين التي يتسبب فيها صاروخ أطلقه الحوثيون في انطلاق صفارات الإنذار وسط إسرائيل في منتصف الليل، وبجبر ملايين على الاختباء.

وأكد الجيش الإسرائيلي أن صاروخاً أطلق من اليمن سقط في تل أبيب، قائلاً إن «محاولات اعتراضه باءت بالفشل». وأضاف أنه يجري التحقيق في تفاصيل الحادث.

وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن التحقيق الأولي لسلاح الجو يظهر أنه تم إطلاق صاروخ اعتراضي من منظومة «حيتس» بداية، لكنه فشل في اعتراض الصاروخ الباليستي خارج الحدود، ثم تم تفعيل القبة الحديدية وفشلت كذلك.

خدمات الطوارئ الإسرائيلية جنوب تل أبيب في موقع سقوط صاروخ حوثي أطلق على إسرائيل فجر السبت (رويترز)

وأكد خبراء عسكريون في إسرائيل أن الرشقات الأخيرة لصواريخ الحوثي كشفت عن ثغرات أمنية خطيرة في أنظمة الدفاع الجوية الإسرائيلية.

احتمالات فشل الاعتراض

كتب المعلق العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، متسائلاً: «لماذا لم تتمكن أي من طبقات الدفاع الجوي من اعتراض التهديد، خاصة أن الخطر قد يتفاقم إذا امتلكت إيران رؤوساً حربية نووية».

وأكد بن يشاي أنه ثمة «ثغرة خطيرة ومهددة في نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي، سواء في الجبهة المدنية أو العسكرية»، وأرجع الفشل لسببين محتملين، الأول: أن الصاروخ أُطلق في مسار باليستي «منخفض» وربما من جهة غير متوقعة، ومن ثمّ لم تتمكن محطات التحذير من اكتشافه، والسبب الثاني، الذي يبدو أكثر احتمالاً، هو أن الإيرانيين تمكنوا من تطوير رأس حربي قادر على المناورة، ينفصل عن الصاروخ في الثلث الأخير من مساره ويقوم بمناورة (أي بتغيير المسار) حتى يصيب الهدف الذي تم تحديده. وأضاف: «يبدو أن الإيرانيين طوروا مع الحوثيين طريقة لإطلاق هذه الصواريخ في مسار باليستي منخفض، مما يجعل من الصعب اعتراضها».

وبينما تجري إسرائيل تحقيقات حول الفشل في الاعتراض، فإنها تدرس طبيعة الرد وحجمه ومكانه.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حذر الحوثيين في الهجوم الذي سبق هجوم السبت بيومين بأنه سيفهمهم بالطريقة الصعبة.

لكن المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، آفي أشكنازي، قال إنه يجب أن ننظر إلى الواقع بعيون مفتوحة وأن نقول بصوت عالٍ إن إسرائيل لا تستطيع التعامل مع تهديد الحوثيين من اليمن، وقد فشلت أمامهم.

وعدّ أشكنازي أن إسرائيل استيقظت متأخرة جداً أمام التهديد من الشرق، وتعاني من صعوبة في مواجهة تهديد الحوثيين، في الدفاع وفي الهجوم. وأكد أشكنازي أن إسرائيل لم تكن جاهزة استخباراتياً ودبلوماسياً لمواجهة تهديد الحوثيين من اليمن، وقد استفاق الجيش الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات، متأخراً أمام هذا التهديد، ومؤخراً فقط بدأ جهاز الموساد في محاولة جمع المصادر، وبناء صورة استخباراتية عن الحوثيين، وهذا هو السبب في أن الضربات الثلاث التي شنها سلاح الجو ضد الحوثيين كانت مجرد جولات من العلاقات العامة والقليل من الألعاب النارية، وأقل بكثير من نشاط حقيقي يؤدي إلى أضرار عسكرية حقيقية تخلق توازناً للرعب، أو نوعاً من الردع ضد الحوثيين.

إيران و«الاستثمار» في الحوثيين

كانت 14 طائرة مقاتلة إلى جانب طائرات التزود بالوقود وطائرات التجسس حلقت مسافة نحو 2000 كيلومتر يوم الخميس، وألقت أكثر من 60 ذخيرة على أهداف عسكرية للحوثيين هدفت إلى شل حركة المواني الثلاثة التي تستخدمها الجماعة المدعومة من إيران. وشملت الأهداف مستودعات الوقود والنفط ومحطتين لتوليد الطاقة وثماني قواطر بحرية تستخدم في المواني التي يسيطر عليها الحوثيون.

لكن مع تعقيد الرد في اليمن، نبهت «معاريف» إلى أن الحوثيين يحصلون على دعم ومساندة من الإيرانيين، الذين استثمروا في الأسابيع الأخيرة بعد انهيار المحور الشيعي، بشكل أكبر في الحوثيين، وجعلوا منهم المنظمة الرائدة في المحور.

وقالت الصحيفة إن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يتم إطلاقها من اليمن هي من إنتاج إيران، وكذلك التحسينات على الصواريخ الباليستية التي تتمكن من التغلب على صواريخ «حيتس» التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية، وعدّ أشكنازي أن قصف خزان وقود أو بعض القاطرات القديمة في ميناء صغير باليمن هو بالضبط مثل قصف كثيب رملي في غزة، أو مركز كرتوني لـ«حماس» أمام ناحل عوز، مؤكداً: «إسرائيل يجب أن تتخذ قراراً حقيقياً بالتحرك بحسم. ليس فقط في اليمن، بل أيضاً ضد من يقفون وراء الأنشطة الحوثية، الذين وفقاً للمعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، لا يوجدون في صنعاء بل في طهران... فهل تضرب إسرائيل طهران؟».

أشخاص يتركون منازلهم بعد الإنذار بالصاروخ في تل أبيب السبت (أ.ف.ب)

بدورها، حذرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» من أن خطر الرؤوس الحربية المناورة للصواريخ الإيرانية الثقيلة والطويلة المدى سيصبح أكبر بكثير ويمثل خطراً وجودياً بالنسبة لإسرائيل، إذا تمكنت إيران من تطوير رأس حربي نووي لهذه الصواريخ.

وقالت القناة «12» إنه في الأشهر الأخيرة، تغير الشرق الأوسط إلى حد لا يمكن التعرف عليه، وتم فتح نافذة من الفرص في سماء المنطقة. وأكدت القناة في تقرير مطول أنه بينما تعمل إسرائيل على إعادة ترسيخ قوتها في المنطقة وتحديث خططها العملياتية للهجوم على إيران، أصبحت طهران مكشوفة بعد أن تعرض نظام دفاعها الجوي لأضرار بالغة، ولكنها تستمر في تخصيب اليورانيوم وربما تكون جاهزة لصنع قنبلة ذرية. وتساءلت القناة: «هل تقترب إسرائيل من شن هجوم وقائي على المنشآت النووية الإيرانية»، مجيبة بأنه على خلفية الاضطرابات في الشرق الأوسط والضعف المتزايد الذي تعاني منه إيران، تتعالى الأصوات في إسرائيل التي تتحدث عن «نافذة فرصة» تاريخية لتدمير البرنامج النووي.

وقال التقرير إن المحور الشيعي، المصمم لخنق إسرائيل، ينهار، لكن أجهزة الطرد المركزي في طهران تستمر في الدوران بوتيرة مذهلة، إلى ما هو أبعد بكثير من الخط الأحمر الذي رسمه نتنياهو في الأمم المتحدة عام 2012.

وأضاف التقرير: «للمرة الأولى منذ الهجوم الذي لم يتم في عام 2012، احتمال وقوع هجوم على المنشآت النووية عاد إلى الطاولة»، وبحسب القناة «12» فإنه «حتى في الجيش الإسرائيلي يتحدثون علناً عن الاستعداد لما قد تكون المهمة التالية».

حطام أثاث داخل غرفة بمنزل في أعقاب سقوط الصاروخ على تل أبيب السبت (رويترز)

وقال راز زيمت، الخبير في شؤون إيران في معهد دراسات الأمن القومي للقناة «12»: «في أي هجوم إسرائيلي على إيران، يجب أخذ ثلاثة عناصر رئيسية في الاعتبار، الأول هو الموقف الأميركي، لأنه حتى لو قمنا بخطوة مشتركة مع الأميركيين، أو لم نفعل ذلك، فلا يمكن أن يتم ذلك من دون التنسيق مع الأميركيين أو على الأقل الحصول على ضوء أخضر منهم. والعنصر الثاني هو القدرات العملياتية لإسرائيل، والثالث، نتيجة الهجوم وما سيحدث بعده». وتدرك القوات الجوية أنهم قد يعودون إلى الأراضي الإيرانية قريباً جداً، وهذه المرة للقيام بمهمة تدربوا عليها منذ عقود. لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، تم فتح ممر جوي إلى أراضي الجمهورية الإسلامية في سماء الشرق الأوسط، خالياً تقريباً من التهديدات، وهو ممر تحرص القوات الجوية على «صيانة دورية» له من خلال هجمات شبه يومية على المعابر الحدودية بين سوريا ولبنان.

وقالت القناة «12» إن الجيش الإسرائيلي يقدّر أن الواقع الجوي الجديد سيساعد في هجوم مستقبلي على المنشآت النووية في إيران.

وتابع التقرير: «من وجهة نظر إسرائيل، فإن سقوط نظام الأسد وانهيار حلقة النار الإيرانية يغيران ميزان القوى في الشرق الأوسط».


مقالات ذات صلة

إسرائيل توافق على «إعادة فتح محدودة» لمعبر رفح

شؤون إقليمية شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب)

إسرائيل توافق على «إعادة فتح محدودة» لمعبر رفح

أعلنت إسرائيل، في وقت مبكر اليوم (الاثنين)، «إعادة فتح محدودة» لمعبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر، بحسب ما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر.

شؤون إقليمية الجيش الإسرائيلي يحقق مع جندي «فبرك» حادثة خطف معتقل فلسطيني (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يحقق مع جندي على خلفية «فبركة» خطف معتقل فلسطيني

قال الجيش الإسرائيلي الأحد إنه يحقق مع جندي «فبرك» حادثة خطف معتقل فلسطيني، وطلب من عائلته دفع فدية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستقبل المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بالقدس في يوليو الماضي (د.ب.أ)

ويتكوف: أميركا أجرت محادثات بناءة مع نتنياهو بشأن خطة غزة

قال المبعوث الأميركي ​الخاص ستيف ويتكوف إن المحادثات التي أجراها مسؤولون أميركيون مع بنيامين ‌نتنياهو ‌بشأن المرحلة الثانية من ‌خطة ترمب للسلام كانت بناءة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي أفراد من الدفاع المدني خلال انتشال جثامين قتلى في مدينة غزة (إ.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يقتل اثنين في غزة بمسيَّرة

قالت السلطات الصحية في غزة إن النيران الإسرائيلية قتلت فلسطينيين اثنين في حي التفاح شمال القطاع اليوم (الأحد).

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية متظاهرون يقطعون حركة المرور على طريق سريع في تل أبيب (حركة «الوقوف معاً»)

متظاهرون يغلقون طريقاً في تل أبيب احتجاجاً على زيادة الجرائم العنيفة في المجتمع العربي

أغلق عشرات المتظاهرين وأقارب ضحايا جرائم القتل، الطريق السريع أيالون في تل أبيب، الأحد، في مظاهرة احتجاجاً على ارتفاع معدلات الجرائم العنيفة في المجتمع العربي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لجنة يمنية تنجز توثيق انتهاكات جسيمة في ساحل حضرموت

اتهامات للإمارات برعاية سجون خارج القانون في حضرموت (سبأ)
اتهامات للإمارات برعاية سجون خارج القانون في حضرموت (سبأ)
TT

لجنة يمنية تنجز توثيق انتهاكات جسيمة في ساحل حضرموت

اتهامات للإمارات برعاية سجون خارج القانون في حضرموت (سبأ)
اتهامات للإمارات برعاية سجون خارج القانون في حضرموت (سبأ)

أكملت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان (مستقلة) أعمال الفحص والمعاينة الميدانية لعدد من المنشآت والمرافق الواقعة في ساحل حضرموت (شرق) في إطار مهامها القانونية الرامية إلى التحقق من بلاغات تتعلق باستخدام تلك المواقع مراكز لحرمان وتقييد الحرية، وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خارج نطاق القانون.

وواصل أعضاء اللجنة، القضاة حسين المشدلي، ومحمد طليان، وإشراق المقطري، وناصر العوذلي، تنفيذ التحقيقات الميدانية التي استمرت أسبوعاً كاملاً، وشملت عمليات فحص دقيقة للأعيان والاستحداثات في مواقع متعددة، مع التركيز على رصد التغييرات البنيوية التي طرأت على بعض المنشآت محل الشكاوى.

توثيق انتهاكات جسيمة في السجون السرية في حضرموت (سبأ)

وشملت أعمال المعاينة مطار الريان ومعسكر الربوة في مدينة المكلا، إلى جانب مواقع أخرى سبق الإبلاغ عن استخدامها مراكز احتجاز غير قانونية.

وأوضحت اللجنة أن فريقها ركز على تتبع مؤشرات محتملة لوقائع تعذيب أو سوء معاملة، بما في ذلك الاشتباه بهدم أو تعديل غرف داخل تلك المواقع، في مسعى قد يهدف إلى طمس الأدلة أو تغيير معالم أماكن الاحتجاز السابقة.

وتضمنت المهام الميدانية تدوين ملاحظات تفصيلية، وتوثيق فوتوغرافي شامل للأجزاء محل الادعاءات، بما يسمح بربط الوقائع الميدانية بشهادات الضحايا.

مقابلات وجمع بيانات

وأجرت اللجنة، في هذا السياق، مقابلات موسعة مع العشرات من ضحايا الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، ضمن تحقيق ميداني يسعى إلى بناء صورة متكاملة لأنماط الانتهاكات المرتكبة.

كما عملت اللجنة على جمع بيانات رقمية دقيقة تتعلق بمقاييس الغرف، ومساحاتها، ومعايير إنشائها، إلى جانب تقييم ظروف الاحتجاز من حيث التهوية، والإضاءة، والمعاملة، بما يساهم في إعداد تحليل مهني شامل يستند إلى معايير حقوق الإنسان الوطنية والدولية.

العديد من ضحايا الاعتقالات في المكلا أدلوا بشهاداتهم للجهات الحقوقية (سبأ)

وتأتي هذه الزيارات ضمن برنامج نزول ميداني مكثف تنفذه اللجنة الوطنية، يشمل السجون ومراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية في محافظات حضرموت، ولحج، وعدن، وتعز، ومأرب، وشبوة، إضافة إلى مديريتي المخا في تعز، وحيس في الحديدة، دعماً لجهود كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وترسيخ سيادة القانون، وصون حقوق الإنسان وفق الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة.

وكانت صحيفة «الشرق الأوسط» قد زارت المكلا، ضمن وفد صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أُنشئت خلال سنوات دون تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهد يعكس اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طي الكتمان.


جهود سعودية مكثفة تقود مسار التعافي والخدمات في اليمن

الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)
الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)
TT

جهود سعودية مكثفة تقود مسار التعافي والخدمات في اليمن

الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)
الدعم السعودي لليمن بالوقود يعيد تشغيل 70 محطة كهرباء للعمل (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

في مشهد يعكس تكاملاً بين الدعم السياسي والأمني والتنموي والإغاثي، تواصل السعودية ترسيخ حضورها فاعلاً محورياً في دعم الاستقرار وتحسين الخدمات الأساسية في اليمن؛ من العاصمة المؤقتة عدن إلى أقصى المحافظات، حيث تكشف سلسلة التحركات الحكومية والإنسانية الأخيرة عن مقاربة شاملة تجمع بين البنية التحتية، والطاقة، والصحة، والمياه، بما يعكس رؤية سعودية بعيدة المدى تتجاوز المعالجات المؤقتة نحو بناء أسس التعافي المستدام.

في هذا السياق، بحث وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، مع مدير مكتب «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، في عدن، أحمد مدخلي، سبل تعزيز التعاون المشترك، ودعم حزمة من المشروعات التنموية والخدمية ذات الأولوية في العاصمة المؤقتة. الاجتماع، الذي حضره وكلاء المحافظة، لم يكن بروتوكولياً، بل جاء محمّلاً بملفات حيوية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وفي مقدمة تلك المشروعات، برز مشروع الطريق البحرية بوصفها شرياناً استراتيجياً يخفف من الاختناقات المرورية، ويعزز الحركة الاقتصادية والسياحية في المدينة، إلى جانب مناقشة الحلول الفنية لمشكلة جسر البريقة، أحد أبرز التحديات الخدمية المزمنة. كما جرى التأكيد على رفع الدراسات الأولية للمشروعات إلى «البرنامج السعودي»، في نموذج يعكس الانضباط المؤسسي والتخطيط المشترك.

محافظ عدن مجتمعاً مع فريق «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (سبأ)

ولم يقتصر النقاش على الطرق، بل امتد إلى دعم مشروعات مطار عدن، وتوفير الوقود لمحطات توليد الكهرباء، إضافة إلى تدخلات نوعية في القطاع الصحي. وأكد محافظ عدن حرص قيادة السلطة المحلية على تذليل الصعوبات أمام تنفيذ المشروعات، مثمّناً الدور الفاعل لـ«البرنامج السعودي» في دعم البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمات، بما يعزز ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.

من جانبهم، شدد ممثلو «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» على استمرار الدعم وفق توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية في عدن وبقية المحافظات المحررة.

الكهرباء والطاقة

في قطاع يُعدّ الأعلى حيوية لدى المواطن اليمني، أعادت «المؤسسة العامة للكهرباء» في عدن تشغيل عدد من محطات التوليد التي كانت متوقفة منذ أشهر؛ لتعويض الفاقد الناتج عن الإيقاف المفاجئ لمحطتَي الطاقة الشمسية في عدن وشبوة من قبل الشركة الإماراتية المشغلة، دون تنسيق مسبق مع وزارة الكهرباء أو الجهات المحلية.

وجاء هذا التحسن عقب تدخل عاجل من السعودية، تمثل في توفير دفعة وقود إسعافية من مادة الديزل، بمتابعة مباشرة من «قيادة القوات المشتركة لدعم الشرعية» في عدن، وبالتنسيق مع السلطة المحلية وشركة النفط. هذا التدخل أسهم في رفع القدرة التوليدية، والحفاظ على استقرار خدمة الكهرباء خلال مرحلة حرجة.

عودة عدد من محطات الكهرباء في عدن للعمل بعد توفير الوقود بدعم سعودي (سبأ)

وأكدت «المؤسسة العامة للكهرباء» أن الدعم السعودي لا يقتصر على الحلول الإسعافية، «بل يمتد إلى ترتيبات استراتيجية طويلة الأمد، حيث سيبدأ نقل وقود الديزل والمازوت من شركة (بترو مسيلة) بموجب الاتفاقية الموقعة بين (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن) ووزارة الكهرباء والطاقة. وتُعد هذه الخطوة ضمانة لتأمين كميات وقود كافية لتشغيل محطات الكهرباء في عدن وعدد من المحافظات المستفيدة، بعد توقف لأشهر».

وفي هذا الإطار، حمّلت وزارة الكهرباء والطاقة الشركة الإماراتية مسؤولية الإرباك الذي أصاب منظومة التوليد، مطالبة بإعادة تشغيل المحطات الشمسية فوراً، والتزام التنسيق المؤسسي، بما يحفظ استقرار الخدمة العامة، ويمنع اتخاذ قرارات أحادية تؤثر على حياة المواطنين.

وقود سقطرى

في بُعد اقتصادي وتنموي أوسع، وصلت إلى محافظة أرخبيل سقطرى أولى دفعات منحة المشتقات النفطية المقدمة عبر «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء في مديريات المحافظة.

وتأتي هذه المنحة ضمن حزمة دعم أعلنت عنها المملكة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، تشمل 28 مشروعاً ومبادرة تنموية؛ دعماً للتعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية.

المنحة السعودية الجديدة من وقود الكهرباء في اليمن تتجاوز 81 مليون دولار (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

وتغطي المنحة الحالية نحو 339 مليون لتر من الديزل والمازوت، بقيمة 81.2 مليون دولار، لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في مختلف المحافظات. ولا ينعكس هذا الدعم على إنارة المنازل فقط، بل يمتد إلى ضمان استمرارية الخدمات في المستشفيات، والمدارس، والمطارات، والموانئ، ودعم الحركة الاقتصادية والتجارية.

وتأتي هذه الجهود امتداداً لسلسلة منح سعودية سابقة في أعوام 2018 و2021 و2022؛ مما يعكس التزاماً ثابتاً بدعم استقرار قطاع الكهرباء في اليمن، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، بعيداً عن الحلول الظرفية.

إغاثة وصحة ومياه

إلى جانب البعد التنموي، يبرز الدور الإنساني السعودي بوصفه ركيزة مكملة لمسار التعافي؛ فقد دُشّن في منفذ الوديعة البري بمحافظة حضرموت «مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا»، بتمويل من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

ويهدف المشروع إلى تعزيز الإجراءات الصحية والوقائية، وضمان سلامة المسافرين، وتقديم الرعاية الصحية الأولية للعاملين في المنفذ، في نقطة عبور حيوية تربط اليمن بالمملكة.

وفي الساحل الغربي، واصل «مركز الملك سلمان» تنفيذ «مشروع الإمداد المائي والإصحاح البيئي» في مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة، حيث ضُخّ أكثر من 1.3 مليون لتر من المياه، ونُفذّت عمليات واسعة لإزالة المخلفات وتجفيف مياه الصرف الصحي وصيانة المرافق الصحية المؤقتة. واستفاد من هذه الخدمات أكثر من 16 ألف شخص، معظمهم من النازحين، في تدخل يعكس حساسية عالية للاحتياجات اليومية.

كما قدمت العيادات الطبية المتنقلة التابعة لـ«المركز» خدماتها العلاجية لمئات المستفيدين في مديرية عبس بمحافظة حجة، التي شملت مكافحة الأمراض الوبائية، والحالات الطارئة، والباطنية، والخدمات التمريضية، مع صرف الأدوية، والتدخلات الجراحية البسيطة، في مناطق تفتقر إلى البنية الصحية الثابتة.


من هو أبو علي الحضرمي... رجل الظل الذي أدار المشهد في حضرموت ثم اختفى!

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)
ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)
TT

من هو أبو علي الحضرمي... رجل الظل الذي أدار المشهد في حضرموت ثم اختفى!

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)
ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)

في حضرموت، لا يُتداول اسم «أبو علي الحضرمي» إلا مقروناً بالغموض والرهبة، يصفه البعض بـ«قاسم سليماني حضرموت»، بينما يفضِّل هو أن يُعرَف باسم «أبو محمد». أما اسمه الحقيقي، صالح بن الشيخ أبو بكر، فلم يكن معروفاً إلا قبل نحو عام واحد، في مؤشر على طبيعة شخصية حرصت على إخفاء هويتها، وبناء حضورها من خلف الستار.

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة)

ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي، من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة، محاطاً بهالة كثيفة من السرية، لكنه غادرها حتى دون أن يلتفت خلفه أو يودّع زملاءه، على متن طائرة إماراتية غادرت مطار الريان بالمكلا.

في أحد الاجتماعات التي عُقدت داخل مطار الريان، المقر السابق للقوات الإماراتية، قدَّم نفسه - وفق روايات متطابقة - بوصفه «رجل استخبارات من الطراز العالمي»، توصيف لم يكن منفصلاً عن الصورة التي سرعان ما تشكّلت عنه في أذهان مَن تعاملوا معه.

بعد جهود بحث مطوّلة، تمكَّنت «الشرق الأوسط» من الوصول إلى أحد الأشخاص الذين عملوا عن قرب مع «أبو علي الحضرمي»، وكشف للمرة الأولى تفاصيل دقيقة عن شخصية ظل اسمها وحده كافياً لإثارة الرعب داخل حضرموت.

وافق المصدر على الحديث بشرط عدم التصوير أو الإفصاح عن هويته، مؤكداً أن الرجل اعتاد العمل في الظل، ولا يترك خلفه سوى أقل قدر ممكن من الآثار.

يصف المصدر «أبو علي الحضرمي» بأنه «شخصية شديدة الغموض، حادة وعنيفة، لا يمكنك أن تعرف عنها شيئاً تقريباً». ويضيف: «حتى اسمه الكامل لم نعرفه إلا قبل نحو عام، كنا نعرفه باسم أبو محمد، إلى أن وصل أشخاص من الضالع كانوا يعرفونه من السابق، وكان تعامله معهم ودياً بشكل لافت».

بحسب المصدر، كان أبو علي بالغ الحذر في كل تفاصيله، لا يستخدم الهواتف العادية، ولا يسمح بوجود أي شخص بجواره خلال اتصالاته، وإذا اضطر للتواصل عبر الخط الإماراتي، يطلب إخلاء المكان تماماً. ويقول: «حتى أفراد أسرته، كان يمارس معهم الغموض، قال لنا مرة: (حتى أفراد أسرتي لا يعلمون بتحركاتي)».

الظهور في حضرموت

يعود الظهور الأول لـ«أبو علي الحضرمي» في حضرموت - بحسب المصدر - إلى عام 2022، بالتزامن مع تأسيس لواء «الدعم الأمني»، وهو تشكيل عسكري يخضع للقوات الإماراتية المرابطة بمطار الريان الدولي، أُعلن أن مهمته الأساسية «مكافحة الإرهاب».

ووفق المصدر، بلغ قوام اللواء نحو 1200 عنصر، يُشكِّل أبناء حضرموت قرابة 90 في المائة منهم، لكن القوة الضاربة والأكثر تدريباً تنحدر من الضالع والمحافظات المجاورة لها، بحسب تأكيده.

وصف أبو علي نفسه بأنه «رجل استخبارات من الطراز العالمي» (متداولة)

منذ البداية، فرض أبو علي نمطاً صارماً في إدارة اللواء، اتسم بانضباط حاد، وقواعد غير مألوفة في السياق المحلي، أبرز تلك القواعد كان منع مضغ القات بشكل نهائي. ويؤكد المصدر: «أي عنصر يُضبط بحوزته قات، حتى لو ورقة واحدة، يُفصل فوراً ويُسجن قبل تنفيذ قرار الفصل». هذا النهج، بحسب المصدر، أدى إلى مغادرة عدد كبير من العناصر الذين لم يتمكَّنوا من الالتزام بهذه الشروط.

وفي سؤال عن تسميته بـ«قاسم سليماني حضرموت». أجاب المصدر قائلاً: «نعم، كنا نسمع هذا اللقب يُطلق عليه، وكذلك لقب (أبو علي الحاكم). لم نكن نعرف تاريخه السابق، ولم نكن نعرف حتى إنه حضرمي، كنا نظنه إماراتياً، خصوصاً أنهم يستخدمون الكُنى والألقاب، إضافة إلى أن شكله وطريقة حديثه لا يوحيان بأنه من حضرموت».

قوات الدعم الأمني

الواجهة العلنية لمهام قوات «الدعم الأمني» تتمثل في «مكافحة الإرهاب» بصورة عامة، غير أن سمعة هذه القوات داخل حضرموت سرعان ما تدهورت، وفق ما يؤكده المسؤول المقرّب من «أبو علي الحضرمي».

ويقول المصدر: «إن الصورة الذهنية التي تكوّنت عن قوات الدعم الأمني أصبحت سلبيةً إلى حد كبير»، مضيفاً أن عدداً من العاملين الحضارم الذين كانوا يعملون مع القوات الإماراتية «بدأوا فعلياً التفكير في إنهاء ارتباطهم؛ بسبب ما ارتبط بهذه القوات من سمعة».

ويتابع: «في فترة من الفترات، حاولنا أن نطلب من الإماراتيين تهدئته وتخفيف حدّته في التعامل، لكن هذه الطلبات قوبلت بالتجاهل». ويعكس هذا التجاهل، بحسب وصفه، غطاءً واسعاً مُنح له لإدارة الملف الأمني بأسلوبه الخاص، من دون أي اعتبارات اجتماعية أو محلية.

ويكشف المصدر عن أن الإماراتيين يحرصون على استقطاب عناصر قوات «الدعم الأمني» من فئة عمرية محددة، تتراوح بين 18 و24 عاماً، «لأن تشكيل عقلية الشباب في هذه السن أسهل»، على حد تعبيره.

أحد السجون غير الشرعية التي كانت تديرها قوات إماراتية بميناء ومعسكر الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

ومن بين الشروط الصارمة، بحسب المصدر، رفض قبول أي شخص يعمل هو أو أحد أفراد أسرته في قوات «درع الوطن». كما يؤكد أن «أبو علي الحضرمي» يتولى بنفسه إجراء المقابلات الشخصية، ولا يفوِّض هذه المهمة لأي شخص، مهما بلغت درجة قربه منه. ويقول: «حتى إذا رشّح الإماراتيون شخصاً للتسجيل، فلا بدّ أن يمرَّ عليه شخصياً، إما أن يُعتَمد، أو يُستبعَد بطريقة أو بأخرى، هو لا يثق بأحد على الإطلاق».

وتتخذ عملية الفرز بُعداً أكثر تعقيداً بوجود ضابط إماراتي متخصص، تقتصر مهمته على تحليل الشخصيات من دون أن يتدخل أو يطرح أسئلة، مكتفياً بقراءة ملامح الوجوه وتحليل السلوك والانفعالات النفسية للمتقدمين.

ووفقاً للمصدر، فإن «نسبة القبول لا تتجاوز 7 في المائة فقط من إجمالي المتقدمين»، موضحاً أن نحو 6 آلاف شخص يخضعون للمقابلات، ليتم اختيار نحو 300 عنصر فقط.

مجموعة المشروعات الخارجية

وبحسب المصدر، حرصت القوات الإماراتية في حضرموت على إنشاء إطار موازٍ ضمّ مجموعة من الأكاديميين الحضارم للعمل معها تحت مسمّى «المشروعات الخارجية»، ويقدّر عدد هؤلاء بنحو 19 أكاديمياً، جرى تقديمهم بوصفهم واجهةً مدنيةً لمبادرات تنموية وخدمية يفترض تنفيذها في المحافظة.

غير أن المصدر يؤكد أن أياً من تلك المشروعات المدنية لم يرَ النور، ويرجّح أن يكون هذا الكيان قد أُنشئ في الأساس بوصفه غطاءً لأنشطة ذات طابع أمني، أكثر من كونه برنامجاً تنموياً فعلياً. ويقول: «برأيي، هذه المجموعة أُنشئت لكسب الوقت، واستخدام أسمائها لإقناع الناس بأن هناك تمثيلاً من مختلف أطياف المجتمع الحضرمي، من دون وجود نتائج حقيقية على الأرض».

هذا التوصيف ينسجم مع مواقف علنية سابقة عبّر عنها الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت وقائد «قوات حماية حضرموت»، الذي أبدى في حديث لـ«الشرق الأوسط» استغرابه من بروز اسم «أبو علي الحضرمي» «بين ليلة وضحاها»، من دون أي صفة رسمية واضحة، وهو يتحدث عن التنمية والاستقرار، ويتصدر مشهداً أمنياً عبر قيادة قوات غير نظامية.

وذهب عمرو بن حبريش أبعد من ذلك، حين فسّر هذه التحركات بأنها تعكس مشروعاً آخر «أكبر من الظاهر»، مؤكداً أنها «لا تصب في مصلحة الجنوبيين، ولا في مشروع الجنوب نفسه».

شبكة علاقات معقدة

بحسب المصدر، كان أبو علي يتمتع بقنوات اتصال مباشر مع لجان إماراتية، إضافة إلى تواصله مع دوائر في المجلس الانتقالي الجنوبي، من بينها شخصيات مقربة من قيادة المجلس، منهم منيف الزبيدي سكرتير عيدروس الزبيدي.

وفي إحدى المناسبات، كما يروي المصدر، أفلتت من الحضرمي عبارة تلخص الصورة التي يسعى إلى ترسيخها عن نفسه، حين قال بوضوح: «أنا رجل مخابرات من الطراز الأول عالمياً». عبارة لم تمرّ، وفق مَن سمعها، بوصفها زلّة لسان، بقدر ما بدت تأكيداً متعمداً لهوية أراد تثبيتها، ورسالة مبطّنة لمَن حوله بأن ما لا يُقال عنه، أخطر مما يُعرَف.

دراجات غريبة

تحدَّث المصدر عن وجود كميات من الدراجات النارية الجديدة ذات مواصفات غريبة كانت مُخزَّنة داخل مطار الريان، المقر السابق للقوات الإماراتية، مشيراً إلى أنَّها «مختلفة تماماً عن الدراجات المُستخدَمة في شوارع المكلا». وتجنّب المصدر الخوض في تفسير دلالات وجودها، مكتفياً بالقول: «ربما جرى جلبها لأغراض خدمية». بينما تقرأ مصادر حضرمية وجود هذه الدراجات بأنها مقدمة لسلسلة اغتيالات مقبلة في المحافظة، بحسب تفسيرها.

ليلة الهروب الكبير

لم تكن ليلة واحدة، بل سلسلة ليالٍ متلاحقة شهدتها مدينة المكلا، مع مغادرة القوات الإماراتية وقوات المجلس الانتقالي، عقب تقدّم قوات الحكومة اليمنية الشرعية، بمساندة الطيران السعودي، باتجاه سيئون ثم المكلا، كما يقول المصدر.

وأضاف: «في الليلة التي نفّذ فيها سلاح الجو الملكي السعودي ضربات استهدفت عربات إماراتية في ميناء المكلا، اختفى أبو علي الحضرمي، ولم يحضر إلى مكتبه في مطار الريان صباح اليوم التالي، لكنه ظهر مساءً. تناول العشاء، ثم غادر».

تتهم جهات حقوقية حضرمية أبو علي الحضرمي وقوات «الدعم الأمني» التي أسسها بارتكاب انتهاكات واسعة بحق الكثيرين (متداولة)

وتابع بقوله: «شاهدناه مرة أخرى وهو يدخل المطار قبيل مغادرته على متن طائرة إماراتية، لم يودّع أحداً، ولم يتحدث معنا، كنا حينها نقوم بعملية جرد. نزل من السيارة ودخل صالة المطار برفقة مجموعة من الأشخاص، كان واضحاً أنه مغادر، يحمل حقيبة على ظهره، ويرتدي ملابس مدنية (كاجوال)».

وتابع المصدر: «بعد ذلك، رأينا الإماراتيين وهم يفككون الصور من داخل المكاتب. هم أيضاً لم يبلغونا بنيتهم المغادرة، وفي الليلة التالية لمغادرة أبو علي الحضرمي، وصل أبو طاهر الشعيبي، قائد القوات البرية الجنوبية، وقال لنا بوضوح: (أنا القائد الآن)».

جنون قوات الشعيبي

أبدى المسؤول المقرّب من «أبو علي الحضرمي» استغرابه من طريقة تعامل قوات أبو طاهر الشعيبي مع العاملين في مطار الريان قبيل مغادرة القوات الإماراتية، واصفاً المشهد بأنه كان فوضوياً وعشوائياً إلى حدّ كبير.

وقال: «إذا ناقشت أحدهم، يطلق النار فوقك مباشرة بغرض التخويف، وكانوا يعدّون أي شخص لا ينفّذ أوامرهم خائناً».

ويتابع المصدر: «أصبح الجميع يتحرّكون وهم يحملون أسلحتهم، وبعضهم بدا وكأنه تحت تأثير المخدرات، رأيناهم يشحنون أسلحتهم في مواجهة بعضهم بعضاً، وفي تلك اللحظات وقعت عمليات سرقة السيارات من داخل الريان».

بحسب روايته، عكست تلك الساعات حالة انهيار أمني كامل، غابت فيه القيادة الواضحة، وتحولت القوة المسلحة إلى مصدر تهديد مباشر لكل مَن وُجد في المكان، في مشهد وصفه بأنه «الأخطر» منذ بداية الأحداث.

خلاف الـ200 سيارة

بحسب المصدر، ومع مغادرة آخر طائرة إماراتية مطار الريان، شرعت قوات «أبو طاهر الشعيبي» في إغلاق البوابات والبدء بتقاسم السيارات، في مشهد سرعان ما تحوّل إلى خلافات حادة حول آلية التوزيع، مع قيادة «مركز القيادة والسيطرة»، الذي يديره فيصل بادبيس.

قوات «درع الوطن» فرضت الأمن في حضرموت والمهرة (رويترز)

ويفصّل المصدر قائلاً: «أبو طاهر ومجموعته استحوذوا على عدد كبير من السيارات، كان من المقرر توزيع نحو 200 سيارة لهم، و20 سيارة لأشخاص داخل المطار، و47 سيارة لفيصل بادبيس، مسؤول مركز القيادة والسيطرة في المطار». ويضيف: «الخلاف اندلع بينهم؛ بسبب هذا التوزيع، وعلى أثره جرى إغلاق جميع البوابات والمداخل والمخارج».