ممثل «فاو»: إنهاء المجاعة في السودان ممكن إذا توقفت العدائيات

الواعر قال لـ«الشرق الأوسط» إن 755 ألف شخص يعانون مستويات كارثية من الجوع الحاد

المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)
المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)
TT

ممثل «فاو»: إنهاء المجاعة في السودان ممكن إذا توقفت العدائيات

المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)
المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي عبد الحكيم الواعر يتوسط الصورة (الشرق الأوسط)

يواجه السودان راهناً أزمة أمن غذائي غير مسبوقة تسجل أسوأ المستويات تاريخياً، حسب تصنيفات أممية؛ أحد تجليات الأزمة يظهر في مجاعة يواجهها سكان مخيم «زمزم» للنازحين داخلياً والمقدَّر عددهم بأكثر 500 ألف شخص بالقرب من مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور.

ووفق تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الذي أصدرته «منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)» فإن «خطر استمرار المجاعة يظل مرتفعاً بشكل يدعو للقلق».

ونشبت الحرب في السودان بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» التي يديرها محمد حمدان دقلو (الشهير بحميدتي) في أبريل (نيسان) من عام 2023، وامتدت إلى غالبية الولايات السودانية وتسببت في فرار ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، ومقتل وإصابة الآلاف.

عائلات نازحة من ولايتي الجزيرة وسنار في مخيم للنزوح بولاية كسلا (شرق) يوليو الماضي (رويترز)

وفي مسعى أممي للوقوف على التطورات المعيشية والإنسانية، زار المدير العام المساعد لمنظمة «فاو» وممثلها الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا، عبد الحكيم الواعر، السودان، الأسبوع الماضي، وتحدث إلى «الشرق الأوسط» عن تقييمه للأوضاع التي عبّر عن جانب منها بالقول: «سرعة ونطاق تدهور انعدام الأمن الغذائي (في السودان) أمر مثير للقلق».

وفي إطار الاستجابة لتلك المخاوف، كشف الواعر عن أن «فاو» تسعى «في جميع الاتجاهات، وتتواصل مع الجهات كافة من أجل ضمان استمرار الدعم وسد الفجوة التمويلية لأنشطة الإغاثة فيما يتعلق بالأمن الغذائي في السودان، والدعوة إلى مؤتمر دولي لشحذ الدعم العالمي لمواجهة أوضاع انعدام الأمن الغذائي».

من جولة المدير العام المساعد لـ«فاو» في السودان (الشرق الأوسط)

يشرح الواعر أنه على النحو الوارد في تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في أواخر يونيو (حزيران) الماضي، فإنه بعد مرور 15 شهراً على النزاع المستمر، يواجه أكثر من نصف السكان تقريباً (25.6 مليون نسمة) حالة الأزمة أو ظروفاً أسوأ (المرحلة الثالثة من التصنيف أو أعلى) بين يونيو وسبتمبر (أيلول) 2024.

ووفق المسؤول الأممي فإن 8.5 مليون شخص (18 في المائة من السكان) يواجهون حالة الطوارئ (المرحلة 4 من التصنيف)، حيث يشهد السودان أزمة أمن غذائي غير مسبوقة، حيث سجلت البلاد أسوأ مستويات في تاريخها لانعدام الأمن الغذائي الحاد.

وعلى نحو خاص، يذكر الواعر أنه «بشكل قطعي، فإن ظروف المجاعة التي يعاني منها سكان مخيم زمزم للنازحين داخلياً، الذي يستضيف أكثر من 500 ألف شخص بالقرب من مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، لا تزال مستمرة»، منوهاً إلى أن اللجنة المعنية بإعداد التقرير الخاص بأوضاع السودان أشارت إلى أن حالة المجاعة أو المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي أسوأ أشكال الجوع، مستمرة في مخيم زمزم للنازحين، اعتباراً من يونيو ويوليو (تموز) 2024، ومن المرجح أن تستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

مستويات كارثية

ويؤكد الواعر أنه للمرة الأولى على الإطلاق في تاريخ التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في السودان، يواجه 755 ألف شخص مستويات كارثية من الجوع الحاد (المرحلة 5 من التصنيف)، والتي تمتد إلى 10 ولايات بما في ذلك العاصمة الخرطوم والجزيرة، التي كانت ذات يوم سلة الخبز للسودان.

وبشأن الزيارة الأخيرة للسودان، يقول الواعر: «هي بغرض تقييم الوضع الميداني، وحث بلدان العالم لإيجاد حل للأزمة المتفاقمة في البلاد ودعم تدخلات المنظمة، حيث إن سرعة ونطاق تدهور انعدام الأمن الغذائي أمر مثير للقلق، كما أن التحديات التي تواجه إمكانية الوصول إلى السكان المتضررين تزداد يوماً بعد يوم. ومع ذلك، لا يزال هناك مجال للعمل إذا ما وحَّدنا جهودنا واتخذنا إجراءات فورية»، مضيفاً أن «هناك حاجة ملحّة إلى إيصال المساعدات في الوقت المناسب، ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) وشركاؤها ملتزمون بضمان إيصال المساعدات الزراعية في الوقت المناسب إلى جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق الأكثر تضرراً، حيث تكون الحاجة أكبر، مع تأكيد أن المنظمة لا تدّخر جهداً لمعالجة هذه الأوضاع الحرجة».

الواعر يتحدث مع مواطنين سودانيين في قرية توبين (الشرق الأوسط)

وعندما سألت «الشرق الأوسط» الواعر، عن المناطق الأكثر تعرضاً للمجاعة، أفاد بأن الأزمة الحالية تمتد إلى 10 ولايات بما في ذلك العاصمة الخرطوم والجزيرة، التي كانت ذات يوم سلة الخبز للسودان، إلى جانب مناطق النيل الأزرق والنيل الأبيض ودارفور الكبرى وكردفان.

ويوضح الواعر أن «فاو» تعبّر عن جزعها الشديد إزاء الوضع المؤسف الذي يعيشه سكان مخيم زمزم وغيره من المخيمات والمناطق في جميع أنحاء السودان، وتعرب عن قلقها البالغ إزاء احتمال وجود ظروف مماثلة في مخيمات النازحين داخلياً أو اللاجئين في منطقة الفاشر، خصوصاً مخيمي أبو شوك والسلام والمناطق المتضررة من النزاع، والمنتشرة بشكل خاص في 14 منطقة مختلفة في ولايات شرق وغرب ووسط وجنوب دارفور، وولاية جنوب كردفان، وولاية الخرطوم وولاية الجزيرة، التي تواجه خطر المجاعة في حال استمرار النزاع وصعوبة الوصول الإنساني إليها.

إنهاء المجاعة

ويذهب الواعر إلى أن «إنهاء المجاعة في السودان أمر ممكن» لكنه يَرهن تحقيق ذلك بـ«جهود فورية متضافرة من جميع الجهات المعنية؛ إذ إنه وفقاً لتقرير لجنة مراجعة المجاعة التابعة لمبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يجب على أطراف النزاع والمنظمات الإغاثية والمجتمع الدولي الاستجابة بشكل عاجل لأزمة الجوع المتصاعدة من خلال حشد الموارد اللازمة وإظهار الإرادة السياسية لمعالجة العوامل الرئيسية التي تقف وراء المجاعة. إن الوقف الفوري للأعمال العدائية هو الخطوة الأولى الحاسمة نحو تحقيق ذلك».

متطوعون يوزّعون الطعام بالعاصمة السودانية في سبتمبر من العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

ويؤكد الواعر أن «كل دولار يُستثمر في تعزيز سبل العيش الريفية يمكن أن يسهم في توفير ما يصل إلى 7 - 8 دولارات من المساعدات الإنسانية إلى جانب دعم الأسواق المحلية».

ويقول إنه في حين أن «توسيع نطاق المساعدات الغذائية والنقدية المنقذة للحياة أمر بالغ الأهمية للسكان الذين يواجهون نقصاً غذائياً حاداً، إلا أن هذا وحده لن يكون كافياً لسد الفجوات الناجمة عن انخفاض الإنتاج الغذائي المحلي. فلمعالجة هذه المشكلة، تعكف المنظمة على توزيع البذور على 1.2 مليون أسرة زراعية لموسم الزراعة الرئيسي، الذي بدأ في يونيو (حزيران)».

واستدرك: «المنظمة تركز في حملتها على توزيع البذور على نحو 6 ملايين مزارع في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق التي تشهد أسوأ مستويات انعدام الأمن الغذائي. وفي حال جرى تنفيذ حملة البذور التابعة للمنظمة على النحو المخطط له بشكل كامل، فمن المتوقع أن يتمكن المزارعون هناك من إنتاج محصول يتراوح بين 2.4 و3.6 مليون طن من حبوب الذرة الرفيعة».

حصاد الذُّرة في «مشروع الجزيرة» السوداني للزراعة (أرشيفية)

وليست البذور فقط هي ما تركز عليه «فاو»، إذ يوضح الواعر أن «استجابة المنظمة تتضمن دعماً واسع النطاق للثروة الحيوانية ومصائد الأسماك، عبر تزويد الأسر بإمدادات الثروة الحيوانية ومصائد الأسماك الطارئة، وتجديد الثروة الحيوانية المفقودة، وتطعيم الماشية وعلاجها، وتوزيع اللعاقات المعدنية اللازمة لتغذية الحيوانات، إذ قدمت المنظمة وشركاؤها خلال العام الحالي التطعيمات لما يقرب من 2.8 مليون حيوان ضد الأمراض الشائعة».

الحرب سبب أول

ويرى المسؤول الأممي أنه ما من شك في أن «النزاع القائم حالياً هو أحد الأسباب الرئيسية للوضع الحالي في السودان، كما هو الحال في عديد من الدول التي تعاني من صراعات ونزاعات؛ فالحروب والنزاعات هي السبب الأول والرئيسي لانعدام الأمن الغذائي في البلدان المتضررة، ولكن تُضاف في حالة السودان الظواهر والأوضاع المناخية المتطرفة بما تشمله من فيضانات وجفاف وارتفاع حاد في درجات الحرارة، وهو ما يسهم أيضاً في تفاقم الأزمة ويُعرِّض جهود الدعم والمساندة لتحديات كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق باستمرار الأنشطة الزراعية وتربية الحيوانات بشكل مستدام».

ويؤكد الواعر أن «اتساع النزاع في السودان والتحديات التي تواجه إمكانيات الوصول إلى المتضررين والفيضانات واسعة النطاق تعوق بشدة جهود الاستجابة الطارئة للمنظمة في أنحاء البلاد كافة، وهو ما يفاقم بشدة أزمة انعدام الأمن الغذائي هناك».

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري أُقيم بمناسبة يوم الجيش في القضارف 14 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

ومع ملاحقة شبح المجاعة أجزاء أخرى من البلاد، فإن «هناك حاجة ماسة إلى الموارد لتلبية الاحتياجات المتزايدة والحد من انعدام الأمن الغذائي، واستئناف الإنتاج الغذائي المحلي. وحتى هذا التاريخ، حشدت منظمة الأغذية والزراعة 32.2 مليون دولار لتمويل خطتها للاستجابة للاحتياجات الإنسانية لعام 2024، التي تبلغ تكلفتها 104.1 مليون دولار، مما يترك فجوة بقيمة 71.9 مليون دولار»، وفق الواعر.

وكشف الواعر عن مساعٍ «لضمان استمرار الدعم وسد الفجوة التمويلية لأنشطة الإغاثة الغذائية في السودان» مؤكداً أن «الدعوة إلى مؤتمر دولي لشحذ الدعم العالمي لمواجهة أوضاع انعدام الأمن في الغذائي للسودان هي إحدى الأولويات، مع العمل على التوصل إلى سلام دائم بين الأطراف المتنازعة، وهو الأمر الذي سيؤدي بشكل كبير إلى التغلب على تحديات انعدام الأمن الغذائي في السودان».


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.