صنعاء... مظاهر ترف حوثي وشوارع تعج بالمتسوّلين

اتهامات لقادة الجماعة بالإثراء على حساب ملايين الفقراء

يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً أشبه بالمجاعة (أ.ف.ب)
يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً أشبه بالمجاعة (أ.ف.ب)
TT

صنعاء... مظاهر ترف حوثي وشوارع تعج بالمتسوّلين

يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً أشبه بالمجاعة (أ.ف.ب)
يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً أشبه بالمجاعة (أ.ف.ب)

بالتزامن مع كشف نشطاء يمنيين عن جانب جديد من الفساد الذي يمارسه الحوثيون في قطاع التجارة تستقبل العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حلول شهر رمضان المبارك وأسواقها تعج بالمتسولين، بسبب تردي الأوضاع وإيقاف برنامج الأغذية العالمي المساعدات الغذائية منذ نهاية العام الماضي عن ملايين المستفيدين.

وبينما يواصل قادة الحوثيين بناء القصور الفخمة وافتتاح الشركات والمراكز التجارية - وفق ناشطين يمنيين - تغطي تجمعات المتسولين، وغالبيتهم من النساء والفتيات، أرصفة شوارع المدينة بحثاً عما يسد الرمق مع قرب دخول شهر رمضان.

باستثناء قادة الحوثيين يعاني غالبية سكان صنعاء من الفقر الشديد (إعلام محلي)

في مقابل ذلك تعيش أسواق العاصمة المختطفة حالة من الكساد غير المسبوقة نتيجة اتساع رقعة الفقر، حيث يعيش 70 في المائة من السكان على المساعدات الغذائية التي توزعها الأمم المتحدة قبل أن يتم إيقافها نهاية عام 2023 بسبب تدخلات الحوثيين.

وبث نشطاء في صنعاء مقطعاً مصوراً يظهر تكدس العشرات من النساء والأطفال في بعض شوارع المدينة، ويقول أحدهم معلقاً على ذلك إن كل الأرصفة تمتلئ بالمتسولين، وإنه وجد عائلات في أحد الأحياء التي يسكنها الأغنياء الجدد من قادة الحوثيين تنتظر حلول الظلام لتبحث عن طعام في براميل القمامة.

وهذا الأمر أكد عليه خمسة من سكان صنعاء اتصلت بهم «الشرق الأوسط» وقالوا إن الجوع يعتلي وجوه أغلب الناس في الشوارع، والمراكز التجارية خالية على عكس ما هو معروف عن أسواقها في مثل هذه الأوقات من السنة خلال السنوات السابقة.

وأفاد موظفون يعيشون في مناطق سيطرة الحوثيين بأنهم تسلموا نصف راتب عن شهر أغسطس (آب) 2018، وهو مبلغ لا يزيد عن خمسين دولاراً في حين أن أسعار السلع قد تضاعفت؛ إذ يوفر المبلغ بالكاد كيساً من الطحين للأسرة وعبوة من زيت الطبخ وقليلاً من البقوليات والسكر.

ولهذا، والحديث للنشطاء، فإن أسر الموظفين تبدو أفضل حالاً؛ لأنها تمكنت من شراء هذه المواد، في حين أن الغالبية العظمى من السكان لا يستطيعون الحصول على كيس من الطحين أو من الأرز.

يعاني السكان في مناطق الحوثيين من انعدام العملة المحلية وانتشار كميات مهترئة منها (إعلام محلي)

ويقول الناشطون إن تدخلات الحوثيين في توزيع المساعدات الغذائية أدت إلى توقفها منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن سبعة ملايين شخص، وهو ما فاقم من معاناتهم؛ إذ ينتظرون استئناف برنامج الأغذية العالمي توزيع المساعدات خلال الشهر المقبل عقب التفاهمات التي تمت بين البرنامج وسلطة الحوثيين.

معاناة غير مسبوقة

هذه المعاناة الكبيرة التي لم يعرفها اليمنيون منذ القضاء على أسلاف الحوثيين في بداية الستينات جاءت متزامنة، وكشف الناشط في جماعة الحوثي ‏خالد العراسي عما وصفها بـ«فوضى وتلاعب فاضح بالأرقام الضريبية»، والقيام ببيعها أو تأجيرها لممارسة أعمال تجارية وإجراء صفقات واستيراد بضائع، دون علم أصحابها أو بتواطؤ منهم.

واستند العراسي إلى خطاب موجه من مدير عام الشؤون القانونية بمصلحة الضرائب الحوثية إلى رئيس المصلحة يشكو فيه من تسديد ضريبة البيانات الجمركية بأسماء مكلفين من دون علمهم، وأن هؤلاء الأشخاص عندما يتم مطالبتهم بدفع رسوم ضريبية يقولون إن هذه البضائع التي دخلت بأرقامهم الضريبية ليست لهم ولا علاقة لهم بها، على أساس أن المخلص الجمركي هو من استخدم البطاقة دون علمهم أو بسبب التفويض.

انعكس الركود على الحركة التجارية في الحي القديم في صنعاء (إعلام محلي)

وبحسب ما ذكره الناشط الحوثي، فإن هناك أرقاماً ضريبية خاصة بأشخاص توفوا ومع ذلك يتم تفعيلها، وهناك بطائق بأسماء وهمية، وهناك بطائق بأسماء أشخاص وهم لا يعلمون عنها شيئاً، وهناك بطائق يستخدمها صاحبها لمدة عام ويبحث عن بطاقة أخرى باسم آخر، والأهم من هذا كله هو وجود كثير من البطائق الضريبية بأسماء ناقلين وتحول الناقل إلى واجهة للمستورد الحقيقي.

وفي تأكيد على أن الجماعة تستخدم مثل هذه الأرقام في إخفاء هوية المستوردين الفعليين للبضائع، ذكر العراسي أن جميع هذه البطائق يتم تجديدها بشكل طبيعي جداً دون دفع المبالغ المستحقة نتيجة الأعمال التجارية (الاستيراد) التي تمت طوال العام، «لدرجة أن هناك كثيراً من التجار الكبار تتدفق إليهم قاطرات بضائع دون أن يكون لديهم أرقام ضريبية».

وقال إن هذه الطريقة باتت مصدراً للثراء؛ لأن كل ما يلزم هو استخراج بطاقة ضريبية ومن ثم تأجيرها أو بيعها لمكتب تخليص جمركي أو لتاجر استيراد.

ويبين الناشط الحوثي أن من يقوم بهذا الفعل يستفيد بأن اسمه لم يدخل ضمن كبار المكلفين بحسب حجم تجارته، كما أنه لا يدفع ضريبة الأرباح ولا يدفع أي فوارق ضريبية متبقية من تصفية الحساب نهاية كل عام، وأكد أنه رغم الكشف عن هذه القضية لم تتم إحالة قضية واحدة فقط إلى نيابة ومحكمة الضرائب.


مقالات ذات صلة

شراء التذكرة من مناطق الحوثيين شرطهم للسفر عبر مطار صنعاء

العالم العربي الخطوط الجوية اليمنية تكافح في استمرارية عملها رغم الصراع بين الحكومة والحوثيين (إعلام حكومي)

شراء التذكرة من مناطق الحوثيين شرطهم للسفر عبر مطار صنعاء

منعت الجماعة الحوثية سفر الركاب عبر مطار صنعاء الخاضع لها إذا لم يكونوا قد حصلوا على التذاكر من مناطق سيطرة الجماعة بخلاف ما كانت وجهت به الحكومة اليمنية.

محمد ناصر (تعز)
العالم العربي مقر وزارة الصناعة والتجارة في صنعاء الذي تسيطر عليه الجماعة الحوثية (فيسبوك)

قطاع التجارة والصناعة تحت سيطرة الحوثيين يواجه الإفلاس

يشهد قطاع التجارة والصناعة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تردياً في الخدمات وتراجعاً كبيراً في الإيرادات نتيجة ممارسات القيادي محمد المطهر.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج ناقلة حاويات أثناء مرورها في البحر الأحمر (إ.ب.أ)

هيئة بريطانية: سفينة تجارية أبلغت عن انفجار على مقربة منها قبالة اليمن

قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن سفينة تجارية في بحر العرب أبلغت عن وقوع انفجار على مقربة منها، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي مقاتلات أميركية تحلّق فوق البحر الأحمر (أ.ف.ب)

الجيش الأميركي يتعهد بتقويض القدرات العسكرية للحوثيين

أفلتت سفينة شحن من هجوم حوثي استهدفها في المحيط الهندي، الاثنين، غداة إصابة ناقلتين وإخلاء طاقم إحداهما، وذلك في سياق العمليات التي تشنّها الجماعة للشهر الثامن.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي عناصر أمن حوثيون في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

اليمن: منسوب الجرائم يتصاعد في مناطق سيطرة الانقلابيين

تصاعد منسوب الجرائم بمختلف أنواعها في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الجماعة الحوثية، بالتزامن مع فوضى أمنية عارمة وانتشار للعصابات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

الحر يُنهك العالم ويصوغ أسلوب حياة جديداً

الحر في واشطن (أ.ب)
الحر في واشطن (أ.ب)
TT

الحر يُنهك العالم ويصوغ أسلوب حياة جديداً

الحر في واشطن (أ.ب)
الحر في واشطن (أ.ب)

بينما كان المذيع البريطاني مايكل موسلي يستمتع بإجازته الصيفية، ويتجول بمفرده في جزيرة سيمي اليونانية، انهار فجأة، أثناء سيره في درجات حرارة عالية، واختفى في ظروف غامضة، في التاسع من يونيو (حزيران) الجاري، وعُثر على جثته بعد عملية بحث استمرت 4 أيام.

ورجحت أسرة موسلي، وأطباء يونانيون، أن تكون الحرارة الشديدة وراء وفاة المذيع البريطاني، التي تزامنت مع سلسلة من حالات الوفيات والاختفاء بين السائحين في اليونان، بعد تعرض البلاد لموجة حر شديدة، هي الأكثر سخونة منذ عقود.

وعُثر يوم السبت 22 يونيو على جثة سائح هولندي في جزيرة ساموس اليونانية، ويوم الأحد 23 يونيو على جثة سائح أميركي في ماثراكي، ولا يزال سائح أميركي آخر يدعى ألبرت كاليبيت مفقوداً منذ 11 يونيو في جزيرة أمورجوس، فيما اختفت امرأتان فرنسيتان في سيكينوس بعد خروجهما في نزهة وسط أجواء شديدة الحرارة.

واشنطن (أ.ب)

بموازاة ذلك، تشهد مناطق واسعة حول العالم موجات حر قياسية وغير مسبوقة، تنذر بكوارث إنسانية واقتصادية وبيئية. تخطت درجات الحرارة عتباتها التاريخية، تاركة وراءها أضراراً جسيمة على مختلف الأصعدة.

ورغم انتهاء عام 2023، الذي وصفه علماء المناخ بأنه الأكثر سخونة على الإطلاق، شهد النصف الأول من عام 2024 موجات حر قياسية طالت مناطق واسعة من العالم حتى قبل بداية فصل الصيف فلكياً في 21 يونيو.

وتُعرف موجات الحر الشديدة بأنها فترات طويلة تتجاوز خلالها درجات الحرارة 37 درجة مئوية لعدة أيام وليالٍ متتالية. وفي الأسابيع الأخيرة، تجاوزت موجات الحر التوقعات في عدة مناطق، حيث وصلت درجات الحر في شمال أفريقيا وجنوب شرقي آسيا إلى 50 درجة. وفي الولايات المتحدة، حذرت السلطات من موجة حر غير مسبوقة تضرب شمال شرقي البلاد.

ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن إدارة الصحة العامة في ماريكوبا بولاية أريزونا الأميركية أن 6 أشخاص لقوا حتفهم لأسباب تتعلق بالحرارة في فينيكس، كما توفي شخصان في الستينات من العمر في ولاية أيداهو لأسباب مشابهة.

إسبانيا (إ.ب.أ)

وفي المكسيك، سجلت السلطات 155 حالة وفاة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة منذ مارس (آذار) الماضي، بينها 30 حالة خلال الأيام القليلة الماضية. وفي الهند، أفادت وسائل الإعلام بأن موجة الحر في نيودلهي تسببت بوفاة 50 شخصاً خلال الأسبوع الماضي.

وفي مصر، سجلت بعض المحافظات درجات حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية، وفي بداية يونيو، لقي 80 سودانياً على الأقل مصرعهم أثناء محاولتهم العبور بشكل غير نظامي عبر الجبال والوديان إلى مصر، بسبب درجات الحرارة المرتفعة، وفق شهود عيان سودانيين تحدثوا لشبكة «بي بي سي» والذين قالوا إنه تم دفنهم في مقابر جماعية وسط الصحراء.

كما سجلت درجات الحرارة في الظل بالمسجد الحرام 51.8 درجة مئوية، بينما بلغت في مشعر مِنى 46 درجة مئوية أثناء رمي الجمرات الثلاث في أول أيام التشريق، وفقاً للمركز الوطني للأرصاد بالسعودية.

ما الأسباب؟

ارتفعت درجة الحرارة العالمية بسرعة كبيرة على مدى السنوات الخمسين الماضية نتيجة لثاني أكسيد الكربون (CO2) الذي يضاف إلى الهواء بشكل دائم عن طريق حرق الفحم والنفط والغاز للحصول على الوقود، وفق الدكتور سكوت دينينغ، أستاذ علوم الغلاف الجوي، بجامعة ولاية كولورادو الأميركية.

وأكد سكوت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المصادر الأخرى للغازات الدفيئة تشمل الزراعة وإزالة الغابات، لكن هذه الأنشطة تساهم بأقل من 20 في المائة من تأثير التسخين الإضافي للأرض، فيما يتسبب الوقود الأحفوري في أكثر من 80 في المائة».

فيما تحذر الدكتورة كلير بارنز، الباحثة بمعهد جرانثام لتغير المناخ والبيئة، في جامعة إمبريال كوليدج لندن، من أن درجات الحرارة ستستمر في الارتفاع عالمياً ما دمنا نواصل إطلاق الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وأن استخدام الوقود الأحفوري كان سبباً رئيسياً لمعظم الاحترار العالمي حتى الآن.

رجال الإطفاء في فينيكس يقدمون الرعاية الطبية لرجل بلا مأوى (أ.ب)

ورغم أن موجات الحرارة الحالية تعد «استثنائية» بحسب وصف بارنز، فإنها تتماشى مع توقعات النمذجة الحاسوبية، وتضيف بارنز لـ«الشرق الأوسط»: «من المتوقع أن يتعرض العالم لموجات حرارة أكثر تواتراً وشدة، بالإضافة لزيادة خطر الجفاف وحرائق الغابات وهطول الأمطار الغزيرة».

ويعزو أستاذ المناخ في جامعة الزقازيق بمصر، ونائب رئيس الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية السابق، الدكتور علي قطب؛ تواصل موجات الحرارة التي بدأت منذ أكثر من شهر في عدة مناطق حول العالم، إلى ظاهرة النينيو التي تسبب ارتفاعاً لحرارة سطح مياه البحر، مما يؤدي لإطلاق المزيد من الحرارة في الجو وتكون هواء أكثر رطوبة وسخونة، بالإضافة إلى تراكم ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الدفيئة في الجو، نتيجة الاحتباس الحراري.

مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن هذا يأتي «بالتزامن مع استخدام الوقود الأحفوري والتلوث البيئي، وتناقص المسطحات الخضراء وعدم تدوير المخلفات بشكل صحيح ما يزيد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ويسبب خللاً في طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الإشعاعات الشمسية الضارة».

خسائر بالجُملة

يزداد عدد المعرضين للحرارة الشديدة بسبب تغير المناخ حول العالم. وتشير البيانات إلى أن الوفيات الناجمة عن الحرارة بين الأشخاص الذين تجاوزوا سن الـ65 ارتفعت بنسبة تقريبية تصل لـ85 في المائة بين عامي 2000 و2021، حيث تم تسجيل وفاة نحو 489 ألف شخص سنوياً بسبب الحرارة، وفق منظمة الصحة العالمية.

وارتبط تزايُد أيام موجات الحر وأشهر الجفاف بمعاناة 127 مليون شخص إضافي من انعدام الأمن الغذائي في 122 دولة في عام 2021، مقارنةً بالفترة بين عامي 1981 و2010، وفق تقرير نشرته مؤخراً دورية «ذي لانست» الطبية. وتوقّع التقرير أن تشهد معدلات الوفيات الناجمة عن موجات الحر ارتفاعاً قدره 4.7 ضعفاً بحلول عام 2050 ما لم تُتَّخذ إجراءات فعلية لمواجهة تغير المناخ.

ويشير سكوت دينينغ، أستاذ علوم الغلاف الجوي بجامعة ولاية كولورادو الأميركية، إلى أن الطقس الأكثر حرارة قد يكون مميتاً، خصوصاً في المناطق الرطبة مثل المناطق الساحلية بجنوب غربي آسيا، كما يؤدي لتبخر كميات أكبر بكثير من المياه من النباتات والتربة، مما يتسبب في خسائر كبيرة بإنتاجية المحاصيل والماشية.

وأضاف أن المحيطات الأكثر دفئاً تؤدي لتبخر المزيد من المياه في الهواء، مما يجعل هطول الأمطار أكثر تطرفاً ويسبب فيضانات مدمرة في العديد من المناطق. كما تتوسع المحيطات الأكثر سخونة وبالتالي تغمر المناطق الساحلية المنخفضة مثل دلتا الأنهار حول العالم.

ونبه إلى أنه ما لم يحقق العالم تحولاً سريعاً للطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية، فمن المتوقع أن يتم تهجير ما يصل لـ600 مليون شخص من منازلهم على مدى السنوات الخمسين المقبلة، ما يقود لأزمات لاجئين واسعة النطاق، وزعزعة استقرار الاقتصادات العالمية، وصراع واسع النطاق.

(أ.ف.ب)

فيما شددت كلير بارنز، الباحثة بمعهد جرانثام لتغير المناخ والبيئة في جامعة إمبريال كوليدج لندن، على أن موجات الحر هي الأكثر فتكاً بين أنواع الطقس القاسي، خصوصاً على كبار السن والمرضى، وغالباً ما يشار إليها باسم «القاتل الصامت» لأن الوفيات لا تكون مرئية على الفور.

وبالإضافة إلى الخسائر البشرية التي تحدثها الحرارة الشديدة، فإن «البنية التحتية تتعرض أيضاً لأضرار نتيجة التمدد الحراري، مما يزيد من تكاليف الصيانة والإصلاح، ويرتفع استهلاك الطاقة بسبب زيادة استخدام أجهزة التبريد، كما يتأثر الإنتاج الزراعي سلباً نتيجة تلف المحاصيل بسبب الجفاف، مما يؤدي لخسائر مالية للمزارعين وارتفاع أسعار المواد الغذائية، بحسب أستاذ العلوم البيئية بجامعة عين شمس في مصر، الدكتور وحيد إمام.

وأشار إمام في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الخسائر البيئية لموجات الحر تشمل موت النباتات والحيوانات، وزيادة حرائق الغابات، ونقص الموارد المائية نتيجة جفاف الأنهار والبحيرات.

أسلوب حياة جديد

فرضت موجة الحر الحالية نمط حياة جديداً، في بعض البلدان، من بينها اليونان، التي تعتمد على السياحة بشكل كبير، إذ أصدرت السلطات توجيهات بإغلاق جميع المواقع الأثرية خلال ساعات ذروة الحر، بما في ذلك الأكروبوليس في أثينا، وفقاً لوزارة الثقافة اليونانية. ودعت وزارة العمل اليونانية الشركات لتعزيز العمل عن بُعد، بينما أوصت وزارة الصحة بتجنب التنقل غير الضروري خلال النهار.

وفي الكويت، ألزمت وزارة الكهرباء المصانع بوقف التشغيل خلال ساعات الذروة لتخفيض استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة يومياً. ووجهت الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب جميع كليات ومعاهد الهيئة لتحويل المحاضرات إلى التعليم عن بُعد عبر برنامج «التيمز». وأهابت السلطات بضرورة ترشيد استخدام الإنارة في المكاتب والاعتماد على الإضاءة الشمسية من الساعة 11 صباحاً حتى المساء، بالإضافة إلى ترشيد استخدام الطاقة الكهربائية بشكل عام.

أما في مصر، فقد وصلت فترات انقطاع الكهرباء إلى 3 ساعات يومياً لتخفيف الأحمال، نتيجة موجة الحر الشديدة وزيادة الاستهلاك المحلي من الكهرباء، حسب ما أعلنه مجلس الوزراء.

الناس يسبحون ويبردون في نهر الفرات وسط ارتفاع درجات الحرارة في مدينة النجف (رويترز)

ومنذ العام الماضي، لجأت الحكومة المصرية لخطة تسمى «تخفيف الأحمال»، تقضي بقطع التيار عن مناطق عدة يومياً، نتيجة أزمة في إمدادات الطاقة. لكن هذه الأزمة تفاقمت مؤخراً مع ارتفاع درجات الحرارة.

وفي السعودية بدأت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تطبيق حظر العمل تحت أشعة الشمس على جميع منشآت القطاع الخاص، من الساعة 12 ظهراً إلى الساعة 3 مساءً، بداية من منتصف يونيو الجاري، وحتى منتصف شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.

الحل في التكيُّف

ومع تنامي الخسائر البشرية والمادية لتفاقم درجات الحرارة، يتشكل نمط جديد لحياتنا اليومية، يحتاج من المجتمعات والحكومات تبني أساليب جديدة للتكيف مع تداعيات تغير المناخ.

وحثّ دينينغ على دعم عملية انتقال الاقتصاد العالمي للطاقة النظيفة بأسرع وقت ممكن، مع التحول للطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي تكلف أقل من الفحم والنفط والغاز.

وشدد على أهمية تحقيق العدالة في توزيع الكهرباء واستخدام البطاريات والطاقة النووية لتلبية الطلب على الكهرباء في الأماكن المحرومة، وهذا يعني أن الدول الأكثر ثراءً في الشمال العالمي يجب أن تقدم المساعدة المالية والفنية لتحقيق التنمية المستدامة في الجنوب العالمي.

ونصح قطب بضرورة إصدار توصيات قوية وفعّالة للحد من تداعيات تغير المناخ، تشمل حظر حرق أو قطع الغابات وزيادة المسطحات الخضراء وتعزيز طرق تدوير المخلفات بطرق علمية ومنع استخدام الأكياس البلاستيكية وتشديد الرقابة والعقوبات لمنع إهدار المياه أو تدهور الأراضي الزراعية.

فيما يرى إمام أن الحكومات يجب أن تدعم سبل التكيف مع التغيرات المناخية، عبر تعزيز قدرة المجتمعات، خصوصاً الفئات الضعيفة مثل كبار السن والأطفال والنساء، على مواجهة تحديات البيئة، وذلك من خلال توفر رعاية صحية جيدة وخدمات اجتماعية، ومصادر غذاء مناسبة ومياه صحية، ومأوى مناسب يساعد الأشخاص على التكيف مع أي آثار سلبية محتملة.

سائحة تمشي تحت مظلة أثناء زيارتها للأكروبوليس في أثينا (د.ب.أ)

وشددت بارنز على ضرورة الاستعداد لمزيد من الظواهر الجوية المتطرفة من خلال وضع خطط عمل حكومية تشمل تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وحملات التوعية، وتعديل جداول ساعات العمل وتوقيت المدارس لحماية العمال والطلاب، وإنشاء محطات مؤقتة لتوفير مياه الشرب والإسعافات الأولية.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يجب على الجمهور اتخاذ إجراءات للحد من تبعات الحر، تشمل البقاء في أماكن باردة، واستخدام المكيفات، وشرب الماء بانتظام، وارتداء ملابس خفيفة، وتجنب النشاط البدني وقت ذروة الحر، ومراقبة الفئات الضعيفة، وتقديم المساعدة لهم.