أسر يمنية في صنعاء تقاوم الجوع والفقر بالصيام

وسط تفاقم سوء التغذية وحاجة ملايين السكان للمساعدات

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

أسر يمنية في صنعاء تقاوم الجوع والفقر بالصيام

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

أجبر الوضع المادي والمعيشي المتدهور، واتساع رقعة الجوع والفقر والبطالة، وانقطاع الرواتب، مئات الأسر اليمنية الأشد فقراً في العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، إلى اللجوء إلى الصيام التطوعي في أغلب أيام الأسبوع، بعد أن عجزت عن توفير 3 وجبات طعام أساسية يومية، مكتفية بتناول أفرادها وجبة واحدة عند الإفطار.

جاء ذلك بالتوازي مع تأكيد تقارير أممية تسجيل نحو 8 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضعة، في 13 محافظة يمنية، ممن يعانون من سوء التغذية الحاد، وهم بحاجة إلى تدخلات غذائية عاجلة منقذة للحياة خلال العام الحالي.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

وتقول أم زينب، وهي ربة منزل تسكن بحي القاع في صنعاء، إنها عادة ما تلجأ وبقية أفراد العائلة إلى الصيام أغلب أيام الأسبوع، مرجعة ذلك إلى ما تعانيه من أوضاع بائسة جراء الحرب وتفشي الجوع والفقر، إضافة إلى زوجها المريض.

وشكت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، من انعدام شبه حاد للغذاء منذ نحو 3 سنوات مضت على إصابة زوجها بجلطة دماغية؛ تسببت له بشلل نصفي، وهو الأمر الذي دفعها مع بقية العائلة إلى الصيام في أغلب الأيام، والاكتفاء بوجبة واحدة عند الإفطار بنهاية كل يوم صيام.

وتتحدث أم زينب، وهي أم لأربعة أولاد، عن صراعها المرير مع رحلة البحث اليومية والشاقة لتوفير الرزق لأسرتها، وتأمين قيمة الدواء اللازم لزوجها، موضحة أنها تعمل كل يوم بالمنزل مع شقيقتيها انتصار (19 عاماً) وسماح (24 عاماً) في تحضير الخبز التقليدي (الملوج) وبيعه للزبائن وبعض المطاعم بالحي الذي تقطنه.

الصوم هو الحل

يؤكد عاملون إغاثيون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، لجوء آلاف الأسر الفقيرة في المدنية وغيرها إلى الصيام، جراء سلسلة من المعوقات والمصاعب التي جعلت هذه الأسر تعجز عن تأمين كميات الطعام اليومي الكافي لها.

ومثل أم زينب، يلجأ أحمد (45 عاماً) وزوجته واثنان من أبنائه إلى الصوم في بعض أيام الأسبوع؛ نتيجة نفاد مدخراته المالية، وما يعانيه منذ أعوام مضت على الانقلاب والحرب وانقطاع الرواتب، من صعوبة في تأمين العيش.

تدخلات الحوثيين تسببت في إيقاف المساعدات إلى اليمنيين (منظمات إغاثية)

ويوضح أحمد، وهو اسم مستعار لموظف تربوي في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، بأنه استنفد طيلة السنوات الماضية كلّ مدخراته مع لجوئه بعد ذلك إلى بيع أغلب مقتنيات منزله؛ لتوفير المأكل والمشرب والملبس وتأمين إيجار المنزل لأسرته.

ولم يعد يتبقى أمام الموظف التربوي وعائلته بهذا الظرف العصيب، كما يقول، سوى اللجوء إلى الصيام، حتى يعتادوا على «الصبر وتحمل آلام الجوع، ومن أجل التقرب إلى الله ومناجاته خلال ساعات الصيام».

ويفضّل أحمد الصومَ والتحملَ والصبرَ على الجوع مع أطفاله، على ألا يخرج إلى الشارع لطلب المساعدة من الغير، مؤكداً وجود فوائد عديدة للصيام على الإنسان سواء أكان ذلك الصيام، فريضةً مثل صيام رمضان أم تطوعاً في بقية أيام السنة.

إطالة أمد الحرب

مع تدني سبل العيش، يشكو سكان كُثر في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط»، من معاناة متصاعدة وصعوبة في توفير ولو الجزء اليسير من الغذاء؛ بسبب الظروف التي أعقبت الانقلاب وإطالة أمد الحرب.

ويحمّل العاملون الإغاثيون في صنعاء الجماعةَ الحوثيةَ مسؤوليةَ ما وصلت إليه حال اليمنيين من فقر وجوع وحرمان بفعل مسلسل الإفقار والتجويع والفساد واختلاق مزيد من الأزمات والصراعات التي تنعكس سلباً على حياة ومعيشة ملايين السكان في البلد الذي يعاني واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية على مستوى العالم.

يمنيون عاطلون عن العمل ينامون أمام ساحة مؤسسة تجارية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي تقرير حديث له، كشف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن تسجيل 8 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضعة، في 13 محافظة يمنية، ممن يعانون من سوء التغذية الحاد، وهم بحاجة إلى تدخلات غذائية عاجلة منقذة للحياة خلال العام الحالي.

التقرير الخاص بتحليل الاحتياجات الإنسانية في اليمن، ذكر أن مشكلة سوء التغذية الشاملة في اليمن تفاقمت بسبب ارتفاع مستويات الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وممارسات تغذية الأطفال ورعايتهم دون المستوى الأمثل، وارتفاع عبء أمراض الأطفال بسبب الحصبة والإسهال بشكل رئيسي، فضلاً عن ضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وذكر المكتب الأممي أن نحو 7.7 مليون طفل يمني دون سن الخامسة وامرأة حامل ومرضعة سيعانون من سوء التغذية الحاد في عام 2024، وذلك في 112 مديرية تتبع 13 محافظة، مؤكداً أن اليمن يشهد أعلى معدلات سوء التغذية المسجلة على الإطلاق، ويستمر الوضع في التدهور، خصوصاً بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.


مقالات ذات صلة

موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

العالم العربي الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

مع دخول اعتقال موظفي المنظمات الإنسانية عامه الثالث، تكشف عائلات المحتجزين عن معاناتها المتفاقمة، فيما يجدد مجلس الأمن مطالبته الحوثيين بالإفراج الفوري عنهم...

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي وضع اللمسات الأخيرة لإعادة افتتاح سينما «أروى» في عدن (إعلام محلي)

عدن تستعيد «شاشتها الكبيرة» بإحياء دور السينما

إعادة افتتاح سينما «أروى» في عدن تمثل خطوة لإحياء الحركة الثقافية والفنية في المدينة بدعم أوروبي، وسط آمال باستعادة دورها التاريخي كمركز للإشعاع الثقافي.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مسنة يمنية نازحة تشعل ناراً لسلق أوراق الشجر وإطعام أحفادها (أ.ف.ب)

شراكة يمنية جديدة مع البنك الدولي بقيمة 285 مليون دولار

أقر البنك الدولي إطار شراكة جديداً مع اليمن حتى 2030، متضمناً تمويلاً بـ285 مليون دولار لمشروعات الصحة والمياه والخدمات والحوكمة لدعم التعافي وخلق فرص العمل.

«الشرق الأوسط» (عدن)
رياضة عربية لاعب منتخب اليمن ناصر محمدوه الغواشي (منتخب اليمن)

الغواشي يعد بالمزيد من منتخب اليمن في أمم آسيا 2027

أكد لاعب منتخب اليمن، ناصر محمدوه الغواشي، أنه يجب على الفريق مواصلة رفع سقف الطموحات، بعد تأهله لبطولة كأس الأمم الآسيوية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بالوقوف وراء اغتيال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسط تحقيقات أمنية مستمرة وتحذيرات من تصاعد الانتهاكات الحقوقية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

الزيدي يفتح نافذة على الاستثمارات الأميركية بعد طي صفحة السلاح المنفلت

أعضاء من ميليشيا «سرايا السلام» الشيعية يهتفون خلال حفل بمناسبة بدء عملية تسليم أسلحتهم إلى القوات العراقية في سامراء شمال بغداد (أ.ب)
أعضاء من ميليشيا «سرايا السلام» الشيعية يهتفون خلال حفل بمناسبة بدء عملية تسليم أسلحتهم إلى القوات العراقية في سامراء شمال بغداد (أ.ب)
TT

الزيدي يفتح نافذة على الاستثمارات الأميركية بعد طي صفحة السلاح المنفلت

أعضاء من ميليشيا «سرايا السلام» الشيعية يهتفون خلال حفل بمناسبة بدء عملية تسليم أسلحتهم إلى القوات العراقية في سامراء شمال بغداد (أ.ب)
أعضاء من ميليشيا «سرايا السلام» الشيعية يهتفون خلال حفل بمناسبة بدء عملية تسليم أسلحتهم إلى القوات العراقية في سامراء شمال بغداد (أ.ب)

بالتوازي مع الإجراءات التي تقوم بها حالياً الحكومة العراقية على صعيد ملف سلاح الفصائل المسلحة، تجري الاستعدادات لقيام رئيس الحكومة علي الزيدي بأول زيارة خارجية له بعد توليه منصبه إلى الولايات المتحدة الأميركية، تلبية لدعوة تلقاها من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وكان البرلمان العراقي منح حكومة الزيدي الثقة في الرابع عشر من شهر أيار (مايو) الماضي باستثناء 9 حقائب وزارية بسبب غياب التوافق السياسي أولاً، ونتيجة للفيتو الأميركي الخاص بتولي بعض أطراف قوى السلاح ممن لديها تمثيل برلماني في الحكومة ثانياً.

وبينما وعدت رئاسة البرلمان العراقي بعقد جلسة لاستكمال الوزارات بعد نهاية عطلة عيد الأضحى، إلا أنه وبرغم مرور أيام على نهاية العيد واحتمال بدء عطلة الفصل التشريعي الأول للبرلمان، لا تزال الحكومة غير مكتملة ولا توجد مؤشرات على جلسة قريبة للتصويت على ما تبقى من وزارات.

لكن في مقابل ذلك فإن الحكومة، وبرغم غياب أهم وزارتين فيها وهما الدفاع والداخلية، فإنها شرعت في إجراءات نزع السلاح من العديد من الفصائل المسلحة تتقدمها «سرايا السلام» العائدة لزعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر الذي بادر بتسليم سلاح فصيله إلى الحكومة، في خطوة فسرها المراقبون السياسيون على أنها بقدر ما تمثل إحراجاً لباقي قوى السلاح في عدم تسليم ما لديها من أسلحة، فإنها تمثل دعماً غير مشروط لحكومة الزيدي.

لا سلاح خارج الدولة

الزيدي من جهته، والذي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعماً غير مسبوق له بعد أيام قليلة من نيله ثقة البرلمان، أكد تصميمه على حصر السلاح بيد الدولة بوصفه الأولوية الأولى في برنامجه الحكومي، وعزمه تغيير هوية الدولة الاقتصادية بهدف إتاحة الفرصة أمام الاستثمارات الأجنبية التي تواجه مخاطر دخول الساحة العراقية بسبب سيطرة قوى السلاح على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي في البلاد.

وفي هذا السياق أعلن الزيدي عن نيته القيام قريباً بزيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وكان ترمب أجرى اتصالاً هاتفياً مع الزيدي قدم خلاله التهنئة بمناسبة تكليفه رسمياً بتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة.

وشهد الاتصال استعراض العلاقات الاستراتيجية الثنائية بين العراق والولايات المتحدة، وسبل تطويرها وتعزيزها في مختلف المجالات، فضلاً عن تأكيد الجانبين على العمل المشترك، والتعاون الثنائي من أجل ترسيخ الاستقرار في المنطقة.

وفي الوقت الذي لم يحدد بعد وقت لقيام الزيدي بزيارة واشنطن لكن الإدارة الأميركية بدت حريصة هذه المرة على إنجاح الخطوات التي بدأت هذه الحكومة القيام بها لاسيما على صعيد مهمة حصر السلاح التي تجري حالياً بسلاسة برغم اعتراض الفصائل التابعة لإيران على مجمل عملية حصر السلاح.

وفي السياق نفسه فقد أعاد الرئيس الأميركي ترمب تعيين توم براك ممثله في سوريا ممثلاً عنه في العراق في مسعى منه لمواصلة التنسيق العراقي ـ الأميركي في كل المجالات.

إنه الاقتصاد

وبرغم متلازمة السلاح والاقتصاد في العراق الذي أدى، لا سيما بعد غلق مضيق هرمز، إلى عدم قدرة بغداد على تصدير كميات كافية من النفط تكفي على الأقل لتسديد الرواتب، فإن الإجراءات التي قام بها الزيدي على صعيد حصر السلاح بيد الدولة باتت بمثابة الخطوة الأولى الضرورية لفتح ملف الاقتصاد العراقي المتهاوي الذي يعتمد على مبيعات النفط فقط، من هنا جاء إعلان رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، عن زيارة رسمية قادمة إلى الولايات المتحدة برفقة رجال أعمال لتوسعة فرص الاستثمار المتبادل والمشترك.

وطبقاً لبيان رسمي صدر مساء السبت استقبل الزيدي «عدداً من رجال الأعمال، وأعضاء مجلس إدارة وتطوير القطاع الخاص، وأعضاء المجلس الاقتصادي العراقي وعدداً من رؤساء مجالس إدارات المصارف الأهلية».

البيان أضاف أن رئيس الوزراء أكد أن «الحكومة تعوّل على التعاون مع القطاع الخاص لإنجاح مساعيها الإصلاحية في الاقتصاد والتنمية، وأنها ستنتهج سياسة الباب المفتوح إزاء ما يتقدم به رجال الأعمال من مقترحات وطلبات ومشاكل تستدعي التدخل والحل».

كما شدد الزيدي على «محاربة الفساد والابتزاز، ودعا جميع رجال الأعمال أو الشركات إلى عدم الانجرار إلى تقديم أي مبالغ لتسهيل أعمالهم ونيل حقوقهم»، مبيناً أن «القطاع الخاص شريك للحكومة، وندعم دوره المحوري في تنمية الاقتصاد».

وعلى صعيد زيارته إلى الولايات المتحدة قال الزيدي: «لدينا زيارة رسمية قادمة إلى الولايات المتحدة، وسنصحب معنا عدداً من رجال الأعمال لتوسعة فرص الاستثمار المتبادل والمشترك».

ولفت إلى أن «صندوق التنمية هو للقطاع الخاص، وسيستوعب مساهمة من البنك المركزي بقيمة 10 مليارات دولار، وسنفتح الاكتتاب بالمساهمات لعموم المواطنين، وبالقيمة الرسمية للدينار العراقي».


«حلب تختنق» تعيد الجدل بشأن ارتباط المؤسسات المحلية بالمركز

مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)
مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)
TT

«حلب تختنق» تعيد الجدل بشأن ارتباط المؤسسات المحلية بالمركز

مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)
مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)

يعمل مجلس محافظة حلب على حملة نظافة شاملة في مختلف أحياء المدينة، لرفع القمامة المتراكمة وتحسين الواقع الخدمي، وذلك بعد تصاعد السخط الشعبي وما صاحبه من جدل بشأن أزمة النظافة في مدينة حلب، شمال سوريا، إلا إن معضلات إدارية ومالية تواجه عمل هذا القطاع الحيوي، في مدينة تعدّ العاصمة الاقتصادية للبلاد، وإحدى أهم الوجهات السياحية، فيما يرى مسؤول في المجلس المحلي أن البيروقراطية التي تحكم عمل المجالس، وارتباطها بقرارات وزارة الإدارة المحلية (في العاصمة)، «يحتاجان إلى تعديل في التشريعات ومصادقة من مجلس الشعب المقبل لتحرير المجالس والمؤسسات المحلية من هذه القيود المرهقة».

يأتي ذلك بعد حملة مكثفة على مواقع التواصل حملت وسم «حلب تختنق» تنتقد واقع المدينة الخدمي واستمرار أزمة النفايات والمكبات. الحملة تصاعدت مطالبة بتغيير أعضاء مجلس حلب المحلي لتدهور واقع النظافة والاعتماد على حرق المخلفات للتخلص منها، وسط مخاوف من انتشار الأمراض جراء ارتفاع درجات الحرارة والتلوث.

حرق النفايات في بعض أحياء حلب للتخلص منها (متداولة)

مثل باقي المحافظات السورية، لم تكن هذه الأزمة بجديدة على محافظة حلب؛ إذ تمثل نتاج سنوات طويلة من الإهمال الحكومي للملف الخدمي، وغياب التخطيط الإداري والسياسي، الذي يظهر من خلال القوانين المترهلة وارتباط المؤسسات المحلية بالمركز، وقوانين مقيدة عمليات تسوية وإدارة المشكلات الخدمية الطارئة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، نقلت آليات النظافة أكثر من 15 ألف طن من القمامة، إلا إن كثيراً من ناشطي المدينة وسكانها يعدّون هذا الإنجاز «لحظياً» في ظل غياب القرارات التنفيذية الواضحة، وعدم التحرك الفاعل، مثل إعلان التعاقد مع متعهدين في قطاع النظافة، كما كان الوضع سابقاً.

تنتج حلب في العادة نحو ألفي طن من النفايات يومياً؛ أكثر بأضعاف من مثيلاتها من المدن، وتنقل هذه الكميات بشكل شبه كامل إلى المَطمَر الوحيد الموجود في بلدة تل الضمان بريف حلب الجنوبي.

رواتب محدودة

عمر جلبي، منسق الخدمات في مدينة حلب، أكد على أن «المجلس المحلي شرع في اتخاذ خطوات فاعلة وجادة، عبر التعاقد مع متعهدين لنقل النفايات؛ مما رفع عدد رحلات الترحيل اليومي إلى أكثر من 600 رحلة، بدلاً من 100، إضافة إلى موافقة هيئة الموارد على تزويد المجلس بآليات جديدة تقدر بنحو 7 ملايين دولار أميركي، إلى جانب رفع عدد الموظفين في قطاع النظافة إلى 1300 موظف، بعد أن كان 900 عامل فقط، وإطلاق حملة لمكافحة الفساد والاختلاس الخاص بعمليات الصيانة».

وتابع أن «المجلس يتعامل مع القمامة في المناطق المدنية، ومعضلة عدم التزام أصحاب الورشات والمحال والمطاعم بالنظافة العامة، إضافة إلى النفايات الصلبة الناتجة عن المصانع التي ترمي مخلفاتها خارج مناطقها المخصصة... وهو الأمر، الذي دفعنا لرفع حزمة قوانين مخالفات، في انتظار موافقة مجلس المحافظة لإنهاء هذه الظاهرة»، وفق جلبي الذي شدد على أن عدد عمال النظافة لا يغطي الاحتياج؛ «بسبب مصاعب التوظيف المرتبطة بتدني الرواتب، كما أننا نمتلك حالياً نحو 47 ضاغطة، معظمها يزيد عمرها على 25 سنة، بينما يبلغ العمر الافتراضي لعملها نحو 5 سنوات، واليوم، نحن موعودون بالحصول على عدد جيد من الضاغطات خلال الأشهر الثلاثة المقبلة».

وفد أممي يطلع على واقع مكبّ «تل الضمان» واحتياجات الأهالي (محافظة حلب)

الحاجة لتشريع برلماني

يوضح جلبي أن المجلس المحلي، رغم صلاحيات الإنفاق الضخم لصيانة الآليات المتوفرة، عاجز عن شراء آليات جديدة؛ «بسبب البيروقراطية التي تحكم عمل المجالس وارتباطها بقرارات وزارة الإدارة المحلية، وبالتالي؛ فإن تعديلها يحتاج إلى مصادقة مجلس الشعب لتحرير المجالس والمؤسسات المحلية من هذه القيود المرهقة».

وتقدر التكلفة الشهرية لعملية نقل القمامة من المدينة باتجاه المكبات الصغيرة، ومَطمَر تل الضمان، بنحو 500 ألف دولار أميركي شهرياً، تشمل أجور العمال والصيانة ومستهلكات الوقود.

بناء عقلية الإدارة المحلية

وبينما يرفض كثيرٌ من السكان والمطلعين على عمل المجلس المحلي لمدينة حلب رميَ فشل إدارة الملف على ضعف الإمكانات وبيروقراطية مؤسسات الدولة، فقد حملوا رئاسة المجلس الجزء الأكبر من المسؤولية بسبب سياساته الرافضة اتخاذ خطوات فاعلة.

إلا إن رئيس المجلس المحلي السابق خلال الفترة بين عامي 2015 و2017، بريتا حاج حسن، يرى أن الحملة التي شهدتها حلب «جاءت بعد أشهر من تراكم مشكلة النظافة بشكل واضح وانتشار ظاهرة حرق المخلفات التي تخنق الأهالي إلى درجة أصبح فيها الوضع محل استياء شعبي واسع».

ويعتقد بريتا أن الحديثَ عن الروتين الإداري والبيروقراطية المتعلقة بشراء آليات النظافة عبر «هيئة التوريد» متأخرٌ جداً؛ «فالمواطن بطبيعة الحال يحاكم ما هو على الأرض لا التعقيدات الإدارية الداخلية، وبالتالي؛ فإن ردّ الفعل الشعبي وحملة الضغط التي قام بها الناشطون كانت طبيعية؛ لحالة التقصير القائمة».

حملة «حلب تختنق»

ورغم تأكيده على التحسن الملحوظ في الوضع الخدمي خلال الأيام القليلة الماضية، فإن حاج حسن، شدد على ضرورة استمراره، وعدم تحويله مبادرةً مؤقتة، و«إنما وظيفة أساسية ودائمة تقع في صلب عمل البلدية».

ويشدد بريتا على «ضرورة امتلاك مجلس مدينة بحجم وأهمية حلب خططاً بديلة وإدارة أعلى مرونة للتعامل مع ملف يعدّ من أبسط وأهم واجباته اليومية، فالمطلوب اليوم إعادة بناء عقلية الإدارة المحلية على أساس العمل المؤسساتي والمحاسبة والاستجابة السريعة للاحتياجات، خصوصاً أن نجاح أي سلطة محلية يبدأ من الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية»، مشيراً إلى أن «هذا التحسن يعدّ مؤشراً على أن المشكلة لم تكن مستعصية بالكامل؛ بل كانت تحتاج إلى إرادة إدارية واستجابة أسرع».

ويعدّ بريتا، ومثله كثير من سكان حلب، أن أزمة النظافة لا تقتصر على الروتين المؤسساتي أو الفساد؛ «إنما ناجمة عن خلل في العقلية الإدارية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية وإدارة الأزمة في مدينة بثقل حلب، ضمن ظروف استثنائية لا تحتمل الأخطاء وعواقبها في هذا التوقيت من عمر المرحلة الانتقالية».


استهداف إسرائيلي للجيش اللبناني يخلط الأوراق

عمال إنقاذ أمام مركبة مدمّرة إثر غارة إسرائيلية على الطرايق الواصل بين النبطية ومرجعيون في لبنان أمس (أ.ب)
عمال إنقاذ أمام مركبة مدمّرة إثر غارة إسرائيلية على الطرايق الواصل بين النبطية ومرجعيون في لبنان أمس (أ.ب)
TT

استهداف إسرائيلي للجيش اللبناني يخلط الأوراق

عمال إنقاذ أمام مركبة مدمّرة إثر غارة إسرائيلية على الطرايق الواصل بين النبطية ومرجعيون في لبنان أمس (أ.ب)
عمال إنقاذ أمام مركبة مدمّرة إثر غارة إسرائيلية على الطرايق الواصل بين النبطية ومرجعيون في لبنان أمس (أ.ب)

خلطت غارة إسرائيلية استهدفت الجيش اللبناني، وأسفرت عن مقتل ضابطين وجندي، أوراق الجنوب؛ كونها جاءت بُعيد اتفاق يقضي بانسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، فضلاً عن تزامنها مع زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان، تلبية لدعوة نظيره الباكستاني المشير سيد عاصم منير.

وأقر الجيش الإسرائيلي بالاستهداف، وقال إنه يجري تحقيقاً، فيما وصف الجيش اللبناني الغارة بـ«العدوانية والهمجية»، معتبراً أنها تهدف إلى «إفشال المساعي للوصول إلى حل يتيح إعادة الاستقرار، ووقف إطلاق النار الشامل».

ورأى الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الاعتداء «يشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية، وللقوانين والأعراف الدولية»، ويأتي في إطار «التصعيد المستمر الذي يهدد الاستقرار والأمن في الجنوب»، فيما رأى رئيس البرلمان نبيه بري أن «الجريمة أًبداً ليست خطأ، أو شبهة، كما تحاول إسرائيل تبريرها».

وأعربت وزارة الخارجية السعودية عن «إدانة المملكة واستنكارها بأشد العبارات استمرار العدوان الإسرائيلي على الجمهورية اللبنانية الشقيقة، ورفضها التام لاستهداف سيادة لبنان وجيشه». وأكدت المملكة تضامنها مع لبنان وشعبه أمام كل ما يهدد أمنه واستقراره.