«الشرطة المجتمعية»... جهاز حوثي مرتقب لقمع سكان الأرياف

الجماعة تسعى لتجنيد أفراد القبائل والتجسس على مجتمعهم

يشرف جهاز المخابرات والأمن الحوثي على إنشاء جهاز أمني جديد بمسمى «الشرطة المجتمعية» (إعلام حوثي)
يشرف جهاز المخابرات والأمن الحوثي على إنشاء جهاز أمني جديد بمسمى «الشرطة المجتمعية» (إعلام حوثي)
TT

«الشرطة المجتمعية»... جهاز حوثي مرتقب لقمع سكان الأرياف

يشرف جهاز المخابرات والأمن الحوثي على إنشاء جهاز أمني جديد بمسمى «الشرطة المجتمعية» (إعلام حوثي)
يشرف جهاز المخابرات والأمن الحوثي على إنشاء جهاز أمني جديد بمسمى «الشرطة المجتمعية» (إعلام حوثي)

تسعى الجماعة الحوثية لتعزيز وسائل سيطرتها على المجتمع اليمني في مناطق سيطرتها عبر إنشاء جهاز أمني جديد للرقابة على القبائل ومجتمعات الأرياف، في مواجهة مظاهر الغضب والتمرد المتصاعدين أخيراً ضد نفوذها وممارساتها، وهي المظاهر التي تتخذ أحياناً طابعاً مسلحاً فردياً وجماعياً.

وذكرت مصادر يمنية مطلعة أن الجهاز الأمني الجديد الذي تعتزم الجماعة إنشاءه، والمرجح أن يحمل مسمى «الشرطة المجتمعية»، سيتولى مهام الرقابة على أهالي القبائل ومجتمعات الأرياف، من خلال تجنيد أفراد من الأهالي، وتكليفهم بجمع المعلومات والتجسس ورصد التجمعات والفعاليات القبلية والشعبية.

يشكو اليمنيون من زيادة نفوذ أجهزة المخابرات والأمن الحوثية في حياتهم (إعلام حوثي)

ومن المهام الرئيسية للجهاز، قياس الرأي العام حول نفوذ وسياسات الجماعة وممارساتها، ومراقبة تحركات الأهالي وكتابة تقارير بكل ذلك إلى «جهاز الأمن والمخابرات» التابع لها.

وكشفت المصادر عن أن الأفراد الذين يجري اختيارهم للعمل في هذا الجهاز سيخضعون لدورات تأهيل مكثفة حول الرقابة على المجتمعات الريفية، تتضمن بناء قواعد بيانات ومعلومات شاملة عن كافة الأفراد والعائلات والتجمعات السكنية وعلاقات القرابة والانتماءات السياسية والأنشطة المجتمعية، ومواقف وآراء الأفراد والعائلات والجماعات من جميع قضايا الشأن العام.

ووفقاً للمصادر، فإن الجماعة بدأت ومن خلال عدد من القادة المرتبطين بجهاز الأمن والمخابرات وذوي العلاقة بالقبائل والمجتمعات الريفية في استقطاب وترشيح أعداد كبيرة من أفراد القبائل وأهالي الريف، وإغرائهم بالامتيازات التي سيحصلون عليها في حال تجنيدهم في هذا الجهاز.

وتضيف المصادر أن الأفراد الذين يجري اختيارهم سيخضعون في البداية لاختبارات حول قدراتهم الشخصية على التجسس والرصد والتحري، قبل اختيار من يثبتون قدرات فاعلة في هذا الجانب للدخول في دورات تأهيلية مكثفة والبدء بممارسة مهامهم.

تلتزم الجماعة الحوثية الحذر من الاحتقان الشعبي وغضب القبائل من ممارساتها (إ.ب.أ)

تمرد فردي

التحضيرات لإنشاء الجهاز الأمني الجديد تتزامن مع موجة رفض مسلحة لسيطرة الجماعة الحوثية وعمليات اغتيال تطول قادتها وعناصرها في عدد من المحافظات.

ومنذ أسبوعين تشن الجماعة حملة انتقام تنفذها قوات ما يعرف بـ«التدخل السريع» التابعة لها على أهالي قريتي المشاعبة والواسطة في منطقة ميتم التابعة لمديرية المشنة ضمن محافظة إب (192 كيلومتراً جنوب صنعاء) منذ أسبوعين، على خلفية مقتل أحد قياداتها برصاص مواطنين من أهالي المشاعبة. وتفرض الجماعة الحوثية حصاراً خانقاً على القريتين، بعد أن نشرت نقاط التفتيش في محيطهما ومداخلهما على امتداد الطرق الرابطة بينهما والقرى والمناطق المحيطة، وتفرض قيوداً صارمة على حركة الأهالي.

تعيش محافظة إب اليمنية انفلاتاً وفوضى أمنيين وتشهد مواجهات مجتمعية ورفضاً لنفوذ الجماعة الحوثية (إكس)

وكان قائد وحدات «التدخل السريع» غمدان جميدة، قُتِل رفقة ثلاثة من مرافقيه في قرية المشاعبة التابعة لمديرية المشنة في مدينة إب عاصمة المحافظة، خلال محاولتهم اختطاف عدد من أهالي القرية بحجة أنهم مطلوبون أمنياً، وهي التهمة التي توجهها الجماعة لكل من يرفض ممارساتها ومشروعها، وتطورت أخيراً لتطول حتى من ينتقدون هجماتها في البحر الأحمر.

ومنذ نحو أسبوع، أصيب القيادي الحوثي محمد العمري ومرافقوه بجراح مميتة بعد أن ألقى أحد أهالي الحي القديم في مدينة إب قنبلة عليهم، قبل أن يلوذ بالفرار إلى جهة مجهولة، على خلفية محاولة العمري ومرافقيه اقتياده إلى سجن قسم الشرطة الذي يديرونه.

ووفقاً لشهود عيان في المدينة، فإن القيادي الحوثي ومرافقيه كانوا يحاصرون منزل الشخص الذي ألقى عليهم القنبلة في محاولة لاختطافه على خلفية تهم ملفقة له، حيث فضل مقاومتهم والهروب منهم، نظراً لما ينتظره من معاملة قاسية في السجن.

كما قتل قيادي حوثي في نقطة تفتيش وجباية في محافظة إب على يد أحد باعة نبتة «القات»، بعد أن تطورت الخلافات بينهما حول المبالغ المفروضة على البائع إلى تلاسن واشتباك بالأيدي، ليلجأ الأخير للدفاع عن نفسه مستخدماً سلاحه الشخصي مردياً القيادي الحوثي.

في السياق نفسه، أعدم قيادي حوثي أحد أهالي قرية سيران في مديرية شهارة التابعة لمحافظة عمران بإفراغ مخزن بندقيته في جسده انتقاماً لشقيقه الذي قتل على يد الرجل خلال محاولته الاعتداء عليه وسلب ممتلكاته بتهمة السرقة، قبل أن يلوذ بالفرار ليقع في قبضة إحدى نقاط التفتيش التابعة للجماعة التي سلمته إلى شقيق القيادي الحوثي القتيل ليأخذ بثأره بيده.

من الاحتقان إلى التنظيم

يقول الناشط الاجتماعي شمسان شاهر، من أهالي مدينة إب، إن ما يجري من مقاومة وأعمال عنف ضد قيادات وأفراد الجماعة الحوثية في محافظة إب هو نتيجة تلقائية لحالة الفوضى الأمنية، وممارسات النهب والقمع والبلطجة التي انتهجتها الجماعة في المحافظة، والتي جعلتها بديلاً عن الأمن والاستقرار والتعايش السلمي بين السكان.

وأشار الناشط اليمني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الجماعة حولت المحافظة (إب) إلى مرتع لعناصرها وقياداتها وأعطتهم صلاحيات واسعة لممارسات خارج القانون، واستقطبت عناصر إجرامية وعصابات لتنفيذ مهام غير قانونية، وهو ما انعكس في حالة غضب واحتقان شعبي ضدها، ودفع بالناس إلى مقاومتها ورفض أساليبها بكل الطرق المتاحة.

ينفذ أهالي مناطق من محافظة لحج اليمنية أعمالاً مسلحة ضد نفوذ وسيطرة الجماعة الحوثية (إعلام محلي)

ويتوقع شاهر أن تتحول حوادث التمرد والمقاومة الفردية التلقائية إلى مقاومة منظمة بازدياد الاحتقان الشعبي وتراكم المظالم وانتشار الفساد والإفقار، إلى جانب توقف رواتب الموظفين العمومين، وانتشار البطالة وتكدس الثروات لدى قادة الجماعة ومؤيديها.

وتشهد محافظة إب غلياناً شعبياً منذ عدة سنوات، وفي مارس (آذار) من العام الماضي، شهدت مظاهرات ومسيرات ومظاهر احتجاج واسعة على خلفية مقتل أحد الناشطين داخل السجن.

وخلال الشهر الماضي، قُتل وجرح عدد من عناصر الجماعة في كمائن نصبها أهالي مديرية القبيطة شمال محافظة لحج (نحو 337 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء)، وتسببت الكمائن في إعطاب سيارات عسكرية للجماعة، رداً على أعمال النهب والسرقة التي ينفذها مسلحو الجماعة في المنطقة.

وعلى مدى السنوات الماضية، اشتكى أهالي المنطقة الواقعة على خطوط التماس بين المناطق المحررة والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة من سرقة المسلحين مواشيهم ومحاصيلهم الزراعية، إلى جانب أعمال التقطع للأهالي ونهب ممتلكاتهم وما بحوزتهم من مبالغ مالية.

وتواجه الجماعة الحوثية بين الحين والآخر أعمال مقاومة شعبية مسلحة في مناطق متفرقة من البلاد؛ تعبيراً عن حالة الغضب والاحتقان الشعبيين من ممارساتها.


مقالات ذات صلة

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

العالم العربي هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

كشفت بيانات حكومية يمنية عن عجز مالي حاد وتفاقم الدين الداخلي نتيجة وقف تصدير النفط، بالتوازي مع تحركات لتعزيز الشراكة الدولية والانتقال إلى مشروعات مستدامة

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

هددت الجماعة الحوثية، بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، بعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران.

«الشرق الأوسط» (عدن)
السيول جرفت الألغام التي زرعها الحوثيون في الطرقات والمزارع (إعلام محلي)

ألغام الحوثيين تفتك بأطفال اليمن رغم التهدئة على الجبهات

على الرغم من التهدئة الهشة في اليمن، حذَّرت تقارير دولية من تفاقم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، في ظل استمرار تهديد الألغام الحوثية

محمد ناصر (عدن)
المشرق العربي سفينة «إترنيتي سي» تغرق بالبحر الأحمر في مشهد من فيديو نشره الحوثيون يوم 9 يوليو 2025 (رويترز)

بحار روسي يغادر اليمن بعد شهور من احتجازه في هجوم حوثي 

 غادر بحار روسي اليمن متجها ​إلى بلاده بعد أن ظل محتجزا لحوالي ثمانية أشهر على أثر تعرض سفينة كان على متنها لهجوم من المسلحين الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي إشادة أوروبية بدور خفر السواحل في حماية الملاحة ومكافحة التهريب (إعلام حكومي)

إشادة أوروبية بتحسن الأوضاع الأمنية والسياسية في عدن

إشادة أوروبية بتحسن الأوضاع في عدن مع تعهد بزيادة دعم الحكومة اليمنية، وسط تأكيدات على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي والخدمات الأساسية

محمد ناصر (عدن)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.