مؤتمر شامل في الرياض لإعادة ضبط بوصلة «القضية الجنوبية»

تأييد خليجي وعربي وإشادة بالجهود السعودية ورفض لتفرد «الانتقالي»

قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر شامل في الرياض لإعادة ضبط بوصلة «القضية الجنوبية»

قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)

وسط تأييد خليجي وعربي يتجه المشهد الجنوبي في اليمن نحو منعطف سياسي جديد مع إعلان عقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، برعاية السعودية، واستجابة لمناشدة واسعة من مكونات وشخصيات جنوبية، وبطلب رسمي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه محافظة حضرموت تحولات ميدانية لافتة، تمثّلت في بسط قوات «درع الوطن» سيطرتها الكاملة على وادي وصحراء حضرموت، وتأمين المعسكرات والمرافق السيادية، مع استمرارها في الانتشار لتأمين مدن الساحل كافّة، بما فيها المكلا، واستعادة المعسكرات التي تسيطر عليها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.

ويُنظر إلى تزامن المسارَيْن، السياسي والميداني في حضرموت، بوصفه محاولة لإعادة ضبط «البوصلة الجنوبية»، عقب إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي ما سمّاه «إعلاناً دستورياً»، يتضمّن ترتيبات أحادية لمرحلة انتقالية تنتهي باستفتاء على تقرير المصير، مع التلويح بتفعيل الإعلان فوراً في حال عدم الاستجابة لدعوات الحوار أو في حال التصعيد العسكري ضد قواته.

رفض يمني وإقليمي واسع لتفرد المجلس الانتقالي بملف القضية الجنوبية (أ.ب)

وأعلنت مكونات سياسية واجتماعية من مختلف المحافظات الجنوبية، في بيان مشترك، رفضها القاطع لما أقدم عليه رئيس المجلس الانتقالي من «قرارات انفرادية تمس جوهر القضية الجنوبية»، معتبرة أن الزبيدي نصّب نفسه ممثلاً حصرياً ومتحدثاً باسم الجنوب، وأقصى طيفاً واسعاً من المكونات والشخصيات الجنوبية.

وأكد البيان أن هذه الإجراءات الأحادية تخدم أجندات لأطراف خارجية، وألحقت ضرراً بالغاً بالقضية الجنوبية العادلة، وبوحدة الصف الجنوبي، داعياً إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل، يجمع المكونات كافّة دون إقصاء أو تهميش، لمناقشة حلول عادلة للقضية الجنوبية تراعي أبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية، وتضمن التعايش السلمي والأمن والاستقرار والتنمية.

وطالبت المكونات الجنوبية، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بمخاطبة السعودية لاستضافة هذا المؤتمر ورعايته، بصفتها الضامن الإقليمي لمسارات التوافق اليمني، وصاحبة الدور المحوري في دعم الشرعية اليمنية، ورعاية الحوارات السياسية منذ اندلاع الأزمة.

لا تمثيل حصرياً

سرعان ما تفاعل العليمي مع هذه المناشدة، طالباً من السعودية الاستجابة لعقد المؤتمر، وأكد مصدر رئاسي أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي تابع باهتمام بالغ ما عبّرت عنه مكونات المحافظات الجنوبية من حرص صادق ومسؤول على حماية جوهر القضية الجنوبية وصون وحدتها، ورفض أي دعوات انفرادية أو إقصائية لا تعبّر عن تنوع الجنوب ولا عن تطلعات جميع أبنائه.

وشدد العليمي، حسب المصدر، على أن القضية الجنوبية تمثّل قضية عادلة ومحورية في مسار بناء الدولة اليمنية الحديثة، ولا خلاف على حق أبناء المحافظات الجنوبية في معالجة منصفة لقضيتهم، تراعي أبعادها التاريخية والاجتماعية، وتلبي تطلعاتهم المشروعة، وتصون كرامتهم وحقوقهم، وتضمن التعايش السلمي، والأمن والاستقرار، والتنمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأوضح أن حل القضية الجنوبية لا يمكن أن يكون حكراً على أي طرف أو مكوّن بعينه، ولا يُختزل في إجراءات أحادية أو ادعاءات تمثيل حصرية، بل يجب أن يكون نتاج إرادة جماعية، ومسار حوار وطني مسؤول، ومقاربات مؤسسية، تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية المتوافق عليها، وفي مقدمتها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، واتفاق الرياض، والمشاورات اليمنية-اليمنية برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإعلان نقل السلطة، وقرارات الشرعية الدولية.

لا حلول بالقوة

أكد العليمي الرفض القاطع لفرض الوقائع بالقوة أو استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، معتبراً أي تصعيد عسكري لا يخدم القضية الجنوبية، ولا يحقق لها آثاراً قانونية أو دستورية، بل يهدد السلم الأهلي، ووحدة المجتمع، ويقوّض فرص التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة.

كما أكد انفتاح الدولة على المبادرات والأفكار المؤسسية كافّة لحل القضية الجنوبية، شريطة أن تكون متسقة مع أولويات المرحلة الانتقالية، وتحفظ وحدة الصف، وتعزّز الثقة بين مختلف المكونات، وتضمن أن تكون أي حلول معبّرة عن الإرادة الشعبية، وبوسائل سلمية وقانونية، وفي ظروف طبيعية.

تصعيد المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة جاء بشكل أحادي وبدعم إماراتي (أ.ف.ب)

وفي استجابة سريعة، أعلنت السعودية رسمياً ترحيبها بطلب الرئيس العليمي استضافة مؤتمر جنوبي شامل في مدينة الرياض، داعية جميع المكونات الجنوبية إلى المشاركة الفاعلة في الحوار، لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية، بما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة.

وأكدت وزارة الخارجية السعودية أن الاستجابة تأتي امتداداً للعلاقة الوثيقة بين البلدين الشقيقين، واستمراراً لجهود المملكة في دعم أمن واستقرار اليمن، وانطلاقاً من قناعتها بأن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وأن السبيل الوحيد لمعالجتها هو الحوار ضمن الحل السياسي الشامل.

تأييد واسع

في تفاعل مع الدعوة السعودية إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل، أعلنت دول خليجية إلى جانب الجامعة العربية، دعمها هذه الخطوة، باعتبارها مساراً سياسياً ضرورياً لمعالجة القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع، يحفظ وحدة اليمن وسيادته ويعزز فرص الاستقرار.

وأعربت دولة قطر عن تقديرها لاستضافة المؤتمر، مؤكدة أن هذه الخطوة تندرج في إطار الجهود المتواصلة لدعم الأمن والاستقرار في اليمن. ورحبت وزارة الخارجية القطرية، في بيان، بالجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية الشرعية لتعزيز مسار الحوار الوطني ومعالجة القضية الجنوبية، مثمنة طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عقد المؤتمر في مدينة الرياض، بما يعكس حرص القيادة اليمنية على تغليب الحوار بوصفه وسيلة لمعالجة القضايا الوطنية.

وشددت «الخارجية القطرية» على أهمية مشاركة جميع المكونات الجنوبية بصورة بنّاءة في المؤتمر المرتقب، وبما يُعلي مصلحة الشعب اليمني الشقيق، مؤكدة ضرورة الالتزام بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، باعتبارها الإطار التوافقي والآلية الشاملة للتوصل إلى حل سياسي جامع يلبي تطلعات اليمنيين بمكوناتهم كافّة، ويحفظ وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.

كما حذّرت من أن الإعلانات أو الإجراءات الأحادية التي تُتخذ دون توافق أو تشاور جاد قد تقود إلى الانزلاق نحو الفوضى، وتقوّض فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

من جانبها، أكدت دولة الكويت متابعتها الحثيثة لتطورات الأوضاع السياسية والعسكرية في اليمن، معربة عن قلقها من المستجدات التي قد تهدد وحدة الشعب اليمني وأمنه واستقراره. ودعت الكويت اليمنيين إلى التهدئة والحوار، باعتبارهما السبيل الأمثل لتوحيد الصف الوطني وتجاوز المرحلة الراهنة.

وأشادت الكويت بطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عقد مؤتمر شامل في الرياض بمشاركة مختلف المكونات الجنوبية، معتبرة أن هذه الدعوة تعكس حرصاً واضحاً على تعزيز الحوار البنّاء وتفادي الانقسام. كما ثمّنت استجابة السعودية لاستضافة المؤتمر ورعايته.

بدورها، رحبت جامعة الدول العربية بدعوة العليمي لعقد المؤتمر، حيث أعرب الأمين العام أحمد أبو الغيط عن تقديره لمسارعة السعودية في الاستجابة لهذا الطلب. ونقل المتحدث الرسمي باسم الجامعة أن قضية الجنوب اليمني ذات أبعاد تاريخية وجوانب عادلة، تجب مناقشتها على طاولة الحوار في إطار يمني شامل، محذراً من أن فرض الأمر الواقع يفاقم الانقسامات ويقود إلى مزيد من التشظي، مؤكداً في الوقت ذاته التزام الجامعة بوحدة اليمن وتكامل ترابه الوطني.

كما رحبت وزارة الخارجية البحرينية بالمؤتمر المرتقب وعدّته «خطوة إيجابية لإنهاء التوتر والتصعيد وانتهاج الحوار والحلول الدبلوماسية، بما يؤدي إلى تسوية سياسية للأزمة الحالية تراعي المصالح العليا للشعب اليمني، وتحقق تطلعاته للأمن والاستقرار والنماء، وبما يحفظ الأمن والاستقرار الإقليمي ويلبي تطلعات شعوب المنطقة للسلام والاستقرار والازدهار».

قرار استراتيجي

عدّ مسؤولون وقيادات جنوبية يمنية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» الدعوة إلى عقد مؤتمر شامل للمكونات الجنوبية في الرياض فرصة تاريخية لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي على أسس واقعية ومستدامة، بعيداً عن الإقصاء وفرض الأمر الواقع.

وأكد المهندس بدر با سلمة، مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن توقيت الدعوة بالغ الحساسية، مشيراً إلى أن اختيار الرياض ليس خياراً لوجستياً، بل قرار استراتيجي، لما تمثّله المملكة من ثقل سياسي ودورها بوصفها ضامناً إقليمياً ودولياً قادراً على جمع مختلف الأطراف في بيئة محايدة.

وشدّد با سلمة على أن الخروج برؤية جنوبية موحّدة يتطلّب شجاعة سياسية وتقديم تنازلات مؤلمة، تبدأ بمغادرة منطق «التمثيل الحصري»، والاتفاق على حد أدنى من المشتركات، وإعطاء الأولوية لاحتياجات المواطن في الأمن والخدمات والاقتصاد.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يساند قوات «درع الوطن» لاستعادة المعسكرات في حضرموت (أ.ف.ب)

من جانبه، رأى الدكتور ناصر حبتور، أمين عام مجلس شبوة الوطني، أن المؤتمر المرتقب يجب أن يناقش تشكيل مكون سياسي جنوبي جامع، يشارك بفاعلية في المسار التفاوضي للحل السياسي الشامل في اليمن.

وانتقد حبتور ما وصفه بعقلية التفرد والإقصاء التي سادت في إدارة بعض المحافظات الجنوبية، معتبراً أنها قادت إلى واقع مضطرب وحروب عبثية. كما ثمّن الدور السعودي في رعاية الحوار وحماية القضية الجنوبية من الاستغلال والاستقطابات الخارجية.

بدوره، أكد فهد الخليفي، وكيل محافظة شبوة، أن مؤتمر الرياض يمثّل محطة مفصلية في مسار القضية الجنوبية، مشدداً على أهمية استعادة الدولة الجنوبية بتوافق إقليمي ودولي، بما يجعل الجنوب ركيزة للأمن والاستقرار، ويُسهم في توحيد الصفوف لمواجهة الميليشيات الحوثية وبناء دولة عادلة يتساوى فيها الجميع.


مقالات ذات صلة

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

العالم العربي العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

جدّد مجلس القيادة الرئاسي اليمني رفضه تشغيل رحلات إيرانية إلى صنعاء خارج الأُطر القانونية، ودعا لاحترام سيادة اليمن، مع تأكيد جاهزية «اليمنية» لاستئناف الرحلات

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الجماعة الحوثية كثَّفت الأنشطة التعبوية في المناطق الخاضعة لها (إ.ب.أ)

الحوثيون يخضِعون إعلاميّي إب وذمار لدورات تعبوية

أخضعت الجماعة الحوثية أكثر من 250 صحافياً وناشطاً إعلامياً في إب وذمار لدورات تعبوية، وسط اتهامات بفرض المشاركة تحت التهديد لتشديد السيطرة على الخطاب الإعلامي

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي جانب من حضور عضو مجلس القيادة اليمني باوزير في مؤتمر لندن (سبأ)

عبد الله العليمي يحشد في لندن دعماً للحكومة اليمنية ويعزز حضورها الدولي

بدأ عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي باوزير زيارة إلى لندن تشمل مؤتمر «تشاتام هاوس» ولقاءات مع دوائر بريطانية لحشد دعم للشرعية وتعزيز الشراكة.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي دعم سعودي استفاد منه أكثر من 414 ألف شخص في اليمن (الأمم المتحدة)

مشروع سعودي يحسّن خدمات الصحة في 15 محافظة يمنية

بتمويل سعودي، أنهت منظمة الصحة العالمية مشروعاً حسّن خدمات المياه والصرف الصحي في 15 محافظة يمنية، مستفيداً منه أكثر من 414 ألف شخص، ومعززاً قدرة المستشفيات

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي سعي حوثي لاحتواء أبناء القبائل ومنعهم من المشاركة في الحشد القبلي المناهض (غيتي)

استنفار حوثي واسع لاحتواء الحراك القبلي المناهض بالجوف

يقود الحوثيون حملة تعبئة قبلية وأمنية واسعة لمواجهة «نكف الجوف»، وتكشف مصادر عن لقاءات للحشد، وتشديد الرقابة على شخصيات قبلية، وإجراءات ضد الرافضين للمشاركة

وضاح الجليل (عدن)

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني تمسكه بحماية سيادة البلاد ورفض أي ترتيبات تسمح بتسيير رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأُطر القانونية المعتمَدة، في وقت قرأ فيه مراقبون أن طهران حاولت احتواء تداعيات رحلة نقلت وفداً حوثياً إلى إيران، عبر طلب تسيير رحلة تابعة لشركة «ماهان» الإيرانية، لإعادته إلى العاصمة اليمنية المختطَفة.

وجاء الموقف اليمني خلال اجتماع استثنائي عقده مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وبحضور جميع أعضائه، إلى جانب رئيس الوزراء شائع الزنداني، حيث ناقش الاجتماع التطورات الوطنية والإقليمية، والسياسات المقترحة للتعامل معها على المستويات السياسية والأمنية والدبلوماسية.

وخصص المجلس جانباً من مداولاته لبحث الطلب الإيراني، الذي قالت الحكومة اليمنية إنه قُدم عبر قيادة «تحالف دعم الشرعية»، لتسيير رحلة تابعة لشركة «ماهان» من طهران إلى صنعاء؛ بهدف إعادة عناصر حوثية سبق نقلها من مطار صنعاء، في الثالث من يوليو (تموز) الحالي.

جانب من اجتماع المجلس القيادي الرئاسي اليمني عبر الاتصال المرئي (سبأ)

وعدَّ المجلس الرئاسي اليمني أن الرحلة التي نقلت الوفد الحوثي إلى إيران مثّلت تجاوزاً للسيادة اليمنية، وتحدياً للأُطر القانونية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مؤكداً أن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالمنافذ الجوية اليمنية يجب أن تجري عبر الجهات الشرعية المختصة، وليس عبر تفاهمات أحادية تفرض أمراً واقعاً جديداً.

ووفق مراقبين، فإن صنعاء لم تعد مجرد ملف متعلق بحركة الطيران المدني، بل تحولت إلى قضية سيادية وأمنية، في ظل اتهامات للحوثيين بالسعي لإدخال شركة طيران إيرانية مرتبطة بطهران بديلاً عن الناقل الوطني اليمني، بما تعدُّه الحكومة محاولة لتعزيز النفوذ الإيراني داخل البلاد.

الناقل الوطني

أكدت الحكومة اليمنية، وفق مصادر، أنها قدّمت، خلال الفترة الماضية، مبادرات متعددة لإعادة تشغيل الرحلات التجارية من مطار صنعاء عبر الخطوط الجوية اليمنية، بوصفها الناقل الوطني، وفي مقدمة تلك المقترحات تسيير رحلات منتظمة بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان، بما يخفف معاناة المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين.

وترى الحكومة اليمنية أن تشغيل الرحلات المدنية لا يمثل عائقاً، وأنها أبدت استعداداً لتوفير الترتيبات اللازمة لاستمرار حركة السفر؛ شريطة ضمان سلامة الطائرات والأطقم وعدم التدخل في عمل الشركة أو التحكم في قراراتها التشغيلية.

طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (إكس)

لكن تلك المبادرات اصطدمت، وفق الرواية الحكومية، بإجراءات اتخذتها الجماعة الحوثية عطّلت عمل الخطوط الجوية اليمنية، مِن بينها الاستيلاء على أربع طائرات تابعة للشركة خلال عام 2024، ومنع تشغيلها من مطار صنعاء، قبل أن تؤدي التطورات اللاحقة إلى تدمير تلك الطائرات وإلحاق أضرار بأصول الناقل الوطني.

وتتهم الحكومة اليمنية الحوثيين كذلك برفض الإفراج عن أموال تابعة لشركة الخطوط الجوية اليمنية موجودة في صنعاء، وتقول إن هذه الأموال، التي تُقدَّر بأكثر من 120 مليون دولار وفق تقديراتها، كان يمكن استخدامها في شراء أو استئجار طائرات جديدة، أو إيجاد حلول لاستمرار الرحلات التجارية.

وترى الحكومة أن جوهر الخلاف لا يرتبط فحسب بإعادة فتح مطار صنعاء، وإنما بمحاولة فرض السيطرة على مؤسسة وطنية وإخضاع إدارتها وإيراداتها لجهة واحدة، في حين تؤكد أن إدارة الشركة في عدن يقودها مسؤولون يمنيون سبق لهم العمل في المؤسسة قبل سيطرة الحوثيين على صنعاء في عام 2014.

اعتبارات أمنية

جاء رفض الحكومة اليمنية السماح باستخدام شركة «ماهان» الإيرانية لإعادة الوفد الحوثي إلى صنعاء، استناداً إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بسِجل الشركة والعقوبات الدولية المفروضة عليها، إضافة إلى اتهامات سابقة باستخدام الطيران الإيراني لنقل دعم عسكري وخبراء إلى الحوثيين.

وتشير المصادر إلى أن الحكومة تعدُّ طلب تسيير رحلة «ماهان» محاولة لتصحيح ترتيبات وصفتها بأنها غير قانونية، بعد نقل الوفد الحوثي إلى إيران خارج الإجراءات المعتمَدة، مؤكدة أن استمرار الرحلات الإيرانية إلى مطار صنعاء قد يفتح الباب أمام استخدام الطيران المدني لأغراض تتجاوز الجانب الإنساني.

صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إكس)

كما تتهم الحكومة الطائرة الإيرانية التي نقلت الوفد الحوثي بقطع إشارات التتبع أثناء عبورها الأجواء اليمنية، وعدَّت ذلك مؤشراً يثير مخاوف أمنية، في ظل معلومات تقول إنها مرتبطة باحتمال نقل عناصر وخبراء في مجالات الصواريخ والطائرات المُسيرة والاتصالات العسكرية.

وتؤكد الحكومة أن أي نشاط جوي خارج الرقابة والإجراءات المعتمَدة قد يشكل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن، ويقوّض الجهود الرامية إلى الوصول لتسوية سياسية وإنهاء الصراع في اليمن.

بدائل يمنية

في مقابل رفضها الرحلات الإيرانية، طرحت الحكومة اليمنية بدائل لإعادة الوفد الحوثي إلى صنعاء؛ من بينها استئجار طائرة عبر الخطوط الجوية اليمنية بوصفها الناقل الوطني الوحيد، بدلاً من الاعتماد على شركة أجنبية ترى أنها مرتبطة بمصالح إيران والجماعة الحوثية.

كما جدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني تأكيده لليمنيين، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أن الخطوط الجوية اليمنية جاهزة لاستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء إلى عمّان وأي وجهات أخرى يجري الاتفاق عليها، متى توفرت الضمانات اللازمة لحماية الطائرات والأطقم ومنع أي تدخُّل في عمل الشركة.

طائرة أممية في مطار صنعاء تنقل شحنة إنسانية (الأمم المتحدة)

وأكد المجلس أن الحكومة اليمنية ستتعامل مع أي محاولات مماثلة من خلال الأدوات التي يكفلها الدستور والقانون الدولي، مشيراً إلى أن الخيارات السياسية والدبلوماسية والعسكرية ستظل متاحة لحماية السيادة الوطنية ومنع تكرار مثل هذه الوقائع.

وحمَّل مجلس القيادة الرئاسي اليمني إيران والجماعة الحوثية مسؤولية أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأُطر القانونية، داعياً طهران إلى وقف تدخلها في الشؤون الداخلية اليمنية واحترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
TT

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تحدث مصدر مصري مطلع على ملف مفاوضات «اتفاق غزة» لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل اللقاء الذي انعقد خلال الساعات الماضية بين وفد مصري وآخر إسرائيلي في القاهرة، ضمن جهود مكثفة لتفادي تعقيدات قد تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ومساء الخميس، قالت «هيئة البث الإسرائيلية» إن «وفداً من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وصل إلى القاهرة، وأجرى مناقشات مع كبار مسؤولي الجيش المصري خلال اليومين الماضيين»، بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

وجاء الاجتماع المصري - الإسرائيلي بالتزامن مع وجود وفد من قيادة حركة «حماس» برئاسة خليل الحية، في القاهرة لإجراء مباحثات مع الوسطاء بشأن تثبيت «اتفاق غزة» الذي جرى التوقيع عليه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

فلسطيني يحمل أمتعة على كتفه ويمر بمحاذاة الأنقاض في مخيم للنازحين جراء الحرب بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ورجَّح المصدر المصري قدوم وفد أميركي للتشاور بشأن غزة ومواصلة التفاهمات مع «حماس» لإنقاذ جهود الوساطة، مع معلومات تفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد لإعادة الحرب من أجل استغلالها انتخابياً.

وشدد المصدر ذاته على أن محادثات القاهرة تركزت حول الأفكار التي طُرحت الأسبوع الماضي، بشأن الاتفاق والتي أبدت حركة «حماس» اعتراضاً عليها، موضحاً أن الوفد الإسرائيلي أفصح عن رسالة قدمها إلى مبعوث مجلس السلام بالقطاع، نيكولاي ملادينوف، مفادها أنه في حال عدم نجاح الجهود الحالية المبنية على الصياغات الجديدة للورقة الخاصة به، فإن إسرائيل ستمضي قُدماً في مسار المواجهة العسكرية، والقيام بعمل عسكري داخل قطاع غزة.

وطُرحت على مدار الأشهر الثلاثة الماضية مقترحات من ملادينوف تتركز بشكل أساسي على أولوية نزع سلاح القطاع للمضي في الإعمار، وسط تحفظات من «حماس» ومطالبات بتنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى والتمسك بانسحاب إسرائيلي.

ووفق المصدر، فإن الوفد الإسرائيلي أكد، في رسالته، ضرورة التزام «حماس» ببنود الاتفاق وعلى رأسها نزع السلاح وفق الصيغ المطروحة، مشيراً إلى أن الوسطاء يتشاورون مع حركة «حماس» بشأن القبول بصياغة مباشرة وواضحة يتم إبلاغ نيكولاي ملادينوف بها لتمضي الأمور قُدماً، وتجنب استكمال إسرائيل للعمل العسكري.

فلسطينية تبكي خلال جنازة ضحية قُتلت في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة وذلك في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وحذَّر المصدر من وجود معلومات متزايدة ومتصاعدة تفيد بأن نتنياهو سيقدِم على عمل عسكري مدفوعاً بحسابات الانتخابات المرتقبة خلال الشهور المقبلة، في ظل استطلاعات الرأي التي تعزز من فرص منافسين آخرين مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وغيرهما، حيث يسعى نتنياهو جاهداً لاستعادة شعبيته وأرضيته السياسية، ويمهد لذلك أيضاً الرفض القاطع من جانب ملادينوف لتعديل أي صياغات، وتمسكه بتعامل «حماس» بجدية مع المقترحات الحالية.

وعبَّر الوفد الإسرائيلي عن «رغبته في التجاوب مع التحركات المصرية المسؤولة»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تعنت «حماس» سيؤدي حتماً إلى صدام مع الحركة، حسب المصدر.

وأكد المصدر أن قبول القاهرة استضافة الوفد الإسرائيلي، رغم ما يثار من توتر، يحمل دلالة واضحة على انفتاح مصر على كل الأطراف وسعيها الدؤوب لتقريب وجهات النظر مع الجميع، وأنه لا يوجد أي عائق أمام إجراء أي لقاءات في هذا التوقيت.

وقال: «القاهرة تحاول التفاعل بمسؤولية مع الأطراف كافة في هذا التوقيت؛ وذلك لاستشعارها الخطورة البالغة للمشهد الحالي؛ ولذا تتحرك مصر في دوائر مسؤولة لإنقاذ الوضع الإنساني المتدهور، وتخوفاً من فتح المشهد عسكرياً واغتيال مزيد من القيادات الميدانية وتدهور الأوضاع»، لافتاً إلى احتمالية وصول وفد أميركي لمصر للتشاور بشأن الأوضاع في غزة.

وتنسق مصر بشكل أساسي مع الطرف التركي، وبطبيعة الحال مع دولة قطر؛ لممارسة أكبر قدر من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، وفق المصدر، الذي أشار إلى أن الأيام المقبلة ستشهد أيضاً اتصالات مصرية تشمل الجانب الأميركي؛ وذلك بغرض إلزام الإدارة الأميركية بالعودة إلى بنود خطة السلامة، وعدم إعطاء أي فرصة للانحراف عن بنود الخطة أو طرح مسارات بديلة، أو قيام ملادينوف بإعادة صياغة خطط أخرى قد تعقّد المشهد.

طفلان يملآن وعاءين بالماء في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

ولا تستبعد تقديرات المصدر المصري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تواصل «حماس» استثمار عنصر الوقت مع الأطراف الوسيطة؛ ترقباً لتفاصيل المفاوضات والمواجهات الأميركية - الإيرانية على أمل أن تعزز مواقفها لاحقاً أو التذرع بعدم حسم الانتخابات الداخلية للحركة بعد، وبالتالي عدم القدرة على اتخاذ إجراءات وصياغات كاملة؛ ما قد يدفع الأمور إما باتجاه التجميد أو بترك الأمور معلقة لبعض الوقت بغرض التقييم.

ورغم ذلك، يعتقد المصدر ذاته أن الجهود المصرية ستسابق الوقت لتفادي التصعيد العسكري الإسرائيلي بالقطاع مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واستحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، مشيراً إلى أنها أحداث متشابكة من شأنها أن تؤدي إلى تعطيل المسارات الدبلوماسية والسياسية بالكامل.

ويضيف المصدر، لتلك المسارات المعطلة، إمكانية طرح اسم نيكولاي ملادينوف مرشحاً أميركياً لتولي منصب دولي رفيع؛ وهو ما يضع الجميع أمام عنصر الوقت الحرج، مع احتمال شغور في الموقع لفترة طويلة لحين تسمية بديل له، مستدركاً: «لكن هناك معلومات تشير إلى جاهزية البدلاء المحتملين لملادينوف، هما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير أو المبعوث ستيف ويتكوف».

فلسطينيون يعاينون سيارة استهدفها هجوم إسرائيلي في مدينة غزة الخميس (رويترز)

ومساء الخميس، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن «وفداً من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وصل إلى القاهرة، وأجرى مناقشات مع كبار مسؤولي الجيش المصري خلال اليومين الماضيين»، بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

وفي 29 سبتمبر (أيلول) 2025 أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خطة لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، تضمنت في مرحلتها الأولى وقفاً لإطلاق النار وانسحاباً إسرائيلياً جزئياً والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين وإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً.

وبينما التزمت حركة «حماس» باستحقاقات المرحلة الأولى، عبر الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، تنصلت إسرائيل من التزاماتها الإنسانية وواصلت اعتداءاتها؛ ما أسفر عن مقتل 1092 فلسطينياً وإصابة 3507 آخرين.

أما المرحلة الثانية، فتتضمن انسحاباً أوسع للجيش الإسرائيلي الذي يحتل أكثر من 70 في المائة من مساحة قطاع غزة، وبدء إعادة الإعمار، مقابل الشروع في نزع سلاح الفصائل، إلا أن إسرائيل لم تنفذ هذه المرحلة، وأصرت على أولوية نزع السلاح.

ويواجه قطاع غزة دماراً واسعاً جراء الحرب منذ أكتوبر 2023، وأسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 173 ألفاً، فضلاً عن تدمير نحو 91 في المائة من البنية التحتية في القطاع.


هل تُعيد «الرقابة البرلمانية» رسم الدور التنموي لـ«جهاز مستقبل مصر»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
TT

هل تُعيد «الرقابة البرلمانية» رسم الدور التنموي لـ«جهاز مستقبل مصر»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)

يثير توسيع «الرقابة البرلمانية» على «جهاز مستقبل مصر»، وفقاً للتعديلات التي أقرتها اللجنة التشريعية بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) مؤخراً، تساؤلات بشأن مدى تأثيرها على دور الجهاز التنموي، بخاصة في المشروعات الزراعية.

وفي اعتقاد برلمانيين ومختصين في الاقتصاد الزراعي، فإن الرقابة البرلمانية على الجهاز «توفر الحماية للمستثمرين من داخل مصر وخارجها للمشاركة في استثمارات الجهاز التنموية»، مشيرين إلى أن «القانون يشكّل نقلة اقتصادية في عمل الجهاز، ويعزز دوره التنموي».

وأقرت اللجنة التشريعية بمجلس النواب، الخميس الماضي، تعديلات على قانون «جهاز مستقبل مصر»، تتضمن توسيع رقابة البرلمان على الجهاز؛ إذ اشترطت نصوص القانون «موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة».

وتأسس جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» بقرار رئاسي عام 2022، كإحدى الأذرع التنموية للحكومة عبر استصلاح آلاف الأفدنة في الصحراء، وربطها بالتصنيع الزراعي، ومن أبرز مشروعاته الزراعية مشروع «الدلتا الجديدة» (شمال غرب مصر)، والذي يضم نحو مليونَين ونصف مليون فدان.

ويمنح قانون «جهاز مستقبل مصر»، الذي يناقشه البرلمان، استقلالية إدارية ومالية في إطار مدني جديد، بتحويل تبعية الجهاز من وزارة الدفاع إلى كيان استثماري وتنموي بهيئة اقتصادية مستقلة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بما يعزز قدرته على تنفيذ المشروعات التنموية، ودعم استدامة الاقتصاد الوطني، وتهيئة مناخ أكثر جذباً وثقة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأجرت اللجنة المشتركة لمناقشة نصوص القانون، والتي تضم اللجنة التشريعية و17 لجنة برلمانية أخرى، تعديلات على مشروع القانون المقدم من الحكومة، من بينها «اشتراط موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة، فضلاً عن الموافقة على إدخال 5 مواد مستحدثة حاكمة راعت المناقشات النيابية».

ويستند مشروع القانون إلى المبادئ الدستورية المنظمة للنظام الاقتصادي، التي تقوم على تحقيق التنمية المستدامة، وتشجيع الاستثمار، وحماية الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في عملية التنمية، بما يسهم في رفع معدلات النمو، وزيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي.

تعديلات تشريعية على القانون المنظم لعمل «جهاز مستقبل مصر» للمساهمة في جذب الاستثمارات (جهاز مستقبل مصر)

ويرى وكيل لجنة الزراعة بمجلس النواب المصري فريد واصل، أن «قانون (مستقبل مصر) يشكّل تحولاً نوعياً في عمل الجهاز، يسهم في نقله من مرجعيته العسكرية إلى الإطار المدني»، وقال إن «نصوص القانون ضرورية لتعزيز دوره التنموي في الاقتصاد المصري». وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الرقابة البرلمانية على عمل الجهاز ستوفر الحماية والضمانة لأي مستثمر من داخل مصر أو خارجها للمشاركة في الدور التنموي للجهاز»، وقال إن «الضوابط الرقابية التي نص عليها القانون تشكّل رسالة طمأنة للجميع، خصوصاً للمستثمر الأجنبي».

ويعيد مشروع القانون تنظيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي، من خلال إتاحة مساحة أكبر لمشاركة القطاع الخاص والشراكات الدولية في دفع عجلة التنمية، وتعزيز مساهمتهما في زيادة الناتج المحلي، وخلق فرص العمل، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية داخل مناطق التنمية المستدامة.

ومن المقرر أن تناقش الجلسة العامة لمجلس النواب مشروع القانون تمهيداً لإقراره بشكله النهائي. ويعزز قانون تنظيم «جهاز مستقبل مصر» دوره التنموي، وفق خبير الاقتصاد الزراعي مدحت عنيبر، الذي أشار إلى أن «القانون نقل تبعية الجهاز لرئيس الجمهورية مباشرة، بما يعكس زيادة الاهتمام بأعماله والتوسع في استثماراته».

وأوضح عنيبر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التوسع في استصلاح الأراضي الزراعية بالصحراء يستدعي وجود نصوص تنظم أعماله، بما يساعد في متابعة الاستثمارات في هذه الأراضي، وضمان استمرارية إنتاجها»، مشيراً إلى أن «المستثمرين دائماً ما يبحثون عن ضمانات، ونصوص القانون، ومن بينها بنود الرقابة، تتيح هذه الضمانات».

وأضافت الحكومة المصرية نحو 4.5 مليون فدان خلال السنوات الأخيرة، وفق إحصاءات رسمية.