مؤتمر شامل في الرياض لإعادة ضبط بوصلة «القضية الجنوبية»

تأييد خليجي وعربي وإشادة بالجهود السعودية ورفض لتفرد «الانتقالي»

قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر شامل في الرياض لإعادة ضبط بوصلة «القضية الجنوبية»

قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)
قافلة من المركبات المدرعة في أحد شوارع مدينة المكلا الساحلية بحضرموت شرق اليمن (أ.ف.ب)

وسط تأييد خليجي وعربي يتجه المشهد الجنوبي في اليمن نحو منعطف سياسي جديد مع إعلان عقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، برعاية السعودية، واستجابة لمناشدة واسعة من مكونات وشخصيات جنوبية، وبطلب رسمي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه محافظة حضرموت تحولات ميدانية لافتة، تمثّلت في بسط قوات «درع الوطن» سيطرتها الكاملة على وادي وصحراء حضرموت، وتأمين المعسكرات والمرافق السيادية، مع استمرارها في الانتشار لتأمين مدن الساحل كافّة، بما فيها المكلا، واستعادة المعسكرات التي تسيطر عليها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.

ويُنظر إلى تزامن المسارَيْن، السياسي والميداني في حضرموت، بوصفه محاولة لإعادة ضبط «البوصلة الجنوبية»، عقب إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي ما سمّاه «إعلاناً دستورياً»، يتضمّن ترتيبات أحادية لمرحلة انتقالية تنتهي باستفتاء على تقرير المصير، مع التلويح بتفعيل الإعلان فوراً في حال عدم الاستجابة لدعوات الحوار أو في حال التصعيد العسكري ضد قواته.

رفض يمني وإقليمي واسع لتفرد المجلس الانتقالي بملف القضية الجنوبية (أ.ب)

وأعلنت مكونات سياسية واجتماعية من مختلف المحافظات الجنوبية، في بيان مشترك، رفضها القاطع لما أقدم عليه رئيس المجلس الانتقالي من «قرارات انفرادية تمس جوهر القضية الجنوبية»، معتبرة أن الزبيدي نصّب نفسه ممثلاً حصرياً ومتحدثاً باسم الجنوب، وأقصى طيفاً واسعاً من المكونات والشخصيات الجنوبية.

وأكد البيان أن هذه الإجراءات الأحادية تخدم أجندات لأطراف خارجية، وألحقت ضرراً بالغاً بالقضية الجنوبية العادلة، وبوحدة الصف الجنوبي، داعياً إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل، يجمع المكونات كافّة دون إقصاء أو تهميش، لمناقشة حلول عادلة للقضية الجنوبية تراعي أبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية، وتضمن التعايش السلمي والأمن والاستقرار والتنمية.

وطالبت المكونات الجنوبية، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بمخاطبة السعودية لاستضافة هذا المؤتمر ورعايته، بصفتها الضامن الإقليمي لمسارات التوافق اليمني، وصاحبة الدور المحوري في دعم الشرعية اليمنية، ورعاية الحوارات السياسية منذ اندلاع الأزمة.

لا تمثيل حصرياً

سرعان ما تفاعل العليمي مع هذه المناشدة، طالباً من السعودية الاستجابة لعقد المؤتمر، وأكد مصدر رئاسي أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي تابع باهتمام بالغ ما عبّرت عنه مكونات المحافظات الجنوبية من حرص صادق ومسؤول على حماية جوهر القضية الجنوبية وصون وحدتها، ورفض أي دعوات انفرادية أو إقصائية لا تعبّر عن تنوع الجنوب ولا عن تطلعات جميع أبنائه.

وشدد العليمي، حسب المصدر، على أن القضية الجنوبية تمثّل قضية عادلة ومحورية في مسار بناء الدولة اليمنية الحديثة، ولا خلاف على حق أبناء المحافظات الجنوبية في معالجة منصفة لقضيتهم، تراعي أبعادها التاريخية والاجتماعية، وتلبي تطلعاتهم المشروعة، وتصون كرامتهم وحقوقهم، وتضمن التعايش السلمي، والأمن والاستقرار، والتنمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأوضح أن حل القضية الجنوبية لا يمكن أن يكون حكراً على أي طرف أو مكوّن بعينه، ولا يُختزل في إجراءات أحادية أو ادعاءات تمثيل حصرية، بل يجب أن يكون نتاج إرادة جماعية، ومسار حوار وطني مسؤول، ومقاربات مؤسسية، تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية المتوافق عليها، وفي مقدمتها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، واتفاق الرياض، والمشاورات اليمنية-اليمنية برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإعلان نقل السلطة، وقرارات الشرعية الدولية.

لا حلول بالقوة

أكد العليمي الرفض القاطع لفرض الوقائع بالقوة أو استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، معتبراً أي تصعيد عسكري لا يخدم القضية الجنوبية، ولا يحقق لها آثاراً قانونية أو دستورية، بل يهدد السلم الأهلي، ووحدة المجتمع، ويقوّض فرص التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة.

كما أكد انفتاح الدولة على المبادرات والأفكار المؤسسية كافّة لحل القضية الجنوبية، شريطة أن تكون متسقة مع أولويات المرحلة الانتقالية، وتحفظ وحدة الصف، وتعزّز الثقة بين مختلف المكونات، وتضمن أن تكون أي حلول معبّرة عن الإرادة الشعبية، وبوسائل سلمية وقانونية، وفي ظروف طبيعية.

تصعيد المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة جاء بشكل أحادي وبدعم إماراتي (أ.ف.ب)

وفي استجابة سريعة، أعلنت السعودية رسمياً ترحيبها بطلب الرئيس العليمي استضافة مؤتمر جنوبي شامل في مدينة الرياض، داعية جميع المكونات الجنوبية إلى المشاركة الفاعلة في الحوار، لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية، بما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة.

وأكدت وزارة الخارجية السعودية أن الاستجابة تأتي امتداداً للعلاقة الوثيقة بين البلدين الشقيقين، واستمراراً لجهود المملكة في دعم أمن واستقرار اليمن، وانطلاقاً من قناعتها بأن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وأن السبيل الوحيد لمعالجتها هو الحوار ضمن الحل السياسي الشامل.

تأييد واسع

في تفاعل مع الدعوة السعودية إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل، أعلنت دول خليجية إلى جانب الجامعة العربية، دعمها هذه الخطوة، باعتبارها مساراً سياسياً ضرورياً لمعالجة القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع، يحفظ وحدة اليمن وسيادته ويعزز فرص الاستقرار.

وأعربت دولة قطر عن تقديرها لاستضافة المؤتمر، مؤكدة أن هذه الخطوة تندرج في إطار الجهود المتواصلة لدعم الأمن والاستقرار في اليمن. ورحبت وزارة الخارجية القطرية، في بيان، بالجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية الشرعية لتعزيز مسار الحوار الوطني ومعالجة القضية الجنوبية، مثمنة طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عقد المؤتمر في مدينة الرياض، بما يعكس حرص القيادة اليمنية على تغليب الحوار بوصفه وسيلة لمعالجة القضايا الوطنية.

وشددت «الخارجية القطرية» على أهمية مشاركة جميع المكونات الجنوبية بصورة بنّاءة في المؤتمر المرتقب، وبما يُعلي مصلحة الشعب اليمني الشقيق، مؤكدة ضرورة الالتزام بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، باعتبارها الإطار التوافقي والآلية الشاملة للتوصل إلى حل سياسي جامع يلبي تطلعات اليمنيين بمكوناتهم كافّة، ويحفظ وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.

كما حذّرت من أن الإعلانات أو الإجراءات الأحادية التي تُتخذ دون توافق أو تشاور جاد قد تقود إلى الانزلاق نحو الفوضى، وتقوّض فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

من جانبها، أكدت دولة الكويت متابعتها الحثيثة لتطورات الأوضاع السياسية والعسكرية في اليمن، معربة عن قلقها من المستجدات التي قد تهدد وحدة الشعب اليمني وأمنه واستقراره. ودعت الكويت اليمنيين إلى التهدئة والحوار، باعتبارهما السبيل الأمثل لتوحيد الصف الوطني وتجاوز المرحلة الراهنة.

وأشادت الكويت بطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عقد مؤتمر شامل في الرياض بمشاركة مختلف المكونات الجنوبية، معتبرة أن هذه الدعوة تعكس حرصاً واضحاً على تعزيز الحوار البنّاء وتفادي الانقسام. كما ثمّنت استجابة السعودية لاستضافة المؤتمر ورعايته.

بدورها، رحبت جامعة الدول العربية بدعوة العليمي لعقد المؤتمر، حيث أعرب الأمين العام أحمد أبو الغيط عن تقديره لمسارعة السعودية في الاستجابة لهذا الطلب. ونقل المتحدث الرسمي باسم الجامعة أن قضية الجنوب اليمني ذات أبعاد تاريخية وجوانب عادلة، تجب مناقشتها على طاولة الحوار في إطار يمني شامل، محذراً من أن فرض الأمر الواقع يفاقم الانقسامات ويقود إلى مزيد من التشظي، مؤكداً في الوقت ذاته التزام الجامعة بوحدة اليمن وتكامل ترابه الوطني.

كما رحبت وزارة الخارجية البحرينية بالمؤتمر المرتقب وعدّته «خطوة إيجابية لإنهاء التوتر والتصعيد وانتهاج الحوار والحلول الدبلوماسية، بما يؤدي إلى تسوية سياسية للأزمة الحالية تراعي المصالح العليا للشعب اليمني، وتحقق تطلعاته للأمن والاستقرار والنماء، وبما يحفظ الأمن والاستقرار الإقليمي ويلبي تطلعات شعوب المنطقة للسلام والاستقرار والازدهار».

قرار استراتيجي

عدّ مسؤولون وقيادات جنوبية يمنية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» الدعوة إلى عقد مؤتمر شامل للمكونات الجنوبية في الرياض فرصة تاريخية لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي على أسس واقعية ومستدامة، بعيداً عن الإقصاء وفرض الأمر الواقع.

وأكد المهندس بدر با سلمة، مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن توقيت الدعوة بالغ الحساسية، مشيراً إلى أن اختيار الرياض ليس خياراً لوجستياً، بل قرار استراتيجي، لما تمثّله المملكة من ثقل سياسي ودورها بوصفها ضامناً إقليمياً ودولياً قادراً على جمع مختلف الأطراف في بيئة محايدة.

وشدّد با سلمة على أن الخروج برؤية جنوبية موحّدة يتطلّب شجاعة سياسية وتقديم تنازلات مؤلمة، تبدأ بمغادرة منطق «التمثيل الحصري»، والاتفاق على حد أدنى من المشتركات، وإعطاء الأولوية لاحتياجات المواطن في الأمن والخدمات والاقتصاد.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يساند قوات «درع الوطن» لاستعادة المعسكرات في حضرموت (أ.ف.ب)

من جانبه، رأى الدكتور ناصر حبتور، أمين عام مجلس شبوة الوطني، أن المؤتمر المرتقب يجب أن يناقش تشكيل مكون سياسي جنوبي جامع، يشارك بفاعلية في المسار التفاوضي للحل السياسي الشامل في اليمن.

وانتقد حبتور ما وصفه بعقلية التفرد والإقصاء التي سادت في إدارة بعض المحافظات الجنوبية، معتبراً أنها قادت إلى واقع مضطرب وحروب عبثية. كما ثمّن الدور السعودي في رعاية الحوار وحماية القضية الجنوبية من الاستغلال والاستقطابات الخارجية.

بدوره، أكد فهد الخليفي، وكيل محافظة شبوة، أن مؤتمر الرياض يمثّل محطة مفصلية في مسار القضية الجنوبية، مشدداً على أهمية استعادة الدولة الجنوبية بتوافق إقليمي ودولي، بما يجعل الجنوب ركيزة للأمن والاستقرار، ويُسهم في توحيد الصفوف لمواجهة الميليشيات الحوثية وبناء دولة عادلة يتساوى فيها الجميع.


مقالات ذات صلة

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

العالم العربي الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

تفاقم الغلاء وانهيار القدرة الشرائية يحولان عيد الفطر في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مناسبة باهتة وسط ركود الأسواق وتراجع المساعدات وتصاعد حجم الإتاوات والجبايات.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

«الأمم المتحدة» تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية باليمن مع حاجة 22.3 مليون شخص للمساعدات، وسط فجوة تمويلية وتحديات وصول تعرقل إنقاذ ملايين المهددين بالجوع والمرض

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين «الجماعة» وتنظيمات إرهابية

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

تحذيرات دولية من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في اليمن مع توقعات بتصعيد عسكري محتمل للحوثيين، ما يهدد بتوسيع الكارثة الإنسانية وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي توجيهات حكومية بتشديد الإجراءات الأمنية في مدن حضرموت (إعلام حكومي)

استعدادات أمنية يمنية مكثفة لتعزيز الأمن في حضرموت

حضرموت تشدد إجراءاتها الأمنية قبل عيد الفطر بعد ضبط أسلحة وقذائف منهوبة من معسكر الريان في حملة لمكافحة تجارة السلاح وتعزيز الاستقرار بمدن المحافظة

محمد ناصر (عدن)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».