الحوثيون والتهديد البحري... باحثون ينتقدون «التراخي» الدولي ويطالبون بعقوبات

دعوات لتحجيم القدرات العسكرية للجماعة

استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)
استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)
TT

الحوثيون والتهديد البحري... باحثون ينتقدون «التراخي» الدولي ويطالبون بعقوبات

استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)
استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)

لم يكن تهديد الحوثيين الملاحة البحرية وليد الأحداث والأسابيع الأخيرة. وظهرت ردود فعل دولية إزاء سلوك الجماعة لأمن الملاحة في البحر الأحمر وبحر العرب أقل من المستوى؛ وفقاً لباحثين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» انتقدوا «التراخي الدولي» مع الحوثيين وطالبوا بعقوبات.

ورغم التحرك الأميركي الرامي إلى تقليص المخاطر ارتفعت أصوات يمنية من باحثين ومراكز تفكير ودراسات تدعو إلى تحرك أقوى يضمن إحلال السلام في اليمن وتحجيم القدرات العسكرية للجماعة الساعية للحصول على أكبر الفوائد من الحرب في غزة.

القطع البحرية الأميركية موجودة في المنطقة منذ سنوات لحماية أمن الملاحة من القرصنة وتهريب الأسلحة (البحرية الأميركية)

منذ انقلابها، أبدت الجماعة نواياها للسيطرة على الممرات المائية المجاورة لليمن، وأقدمت على ممارسات مثلت اعتداءات واضحة على طرق الملاحة الدولية؛ لكن ممارساتها الأخيرة بدت أكثر جرأة، وفي ظروف أكثر حساسية، ومغايرة لمساعي إنهاء الصراع في اليمن.

أكثر ما يفسر اهتمام الجماعة بالممرات المائية أنها وأثناء زحفها الانقلابي بعد صنعاء لم تتجه صوب مأرب أو شبوة، وهما محافظتان مليئتان بالنفط، بل توجه الحوثيون صوب الحديدة، وهو ما يشي بأهميتها الاستراتيجية لدى الجماعة، أو من يخطط لها.

وسبق للحوثيين استهداف سفن أجنبية وناقلات خليجية في البحر الأحمر وقرب مضيق باب المندب بالقرصنة وإطلاق القذائف وزراعة الألغام البحرية لفرض نفوذها ومشروعها في اليمن، وكانت عملية اختطاف السفينة الإماراتية «روابي» مطلع العام الماضي من أمام السواحل الغربية للبلاد عملاً مشهوداً أثار القلق الدولي على خطوط التجارة الدولية.

ممارسات مشهودة

من الممارسات الحوثية المشهودة استهداف البوارج الأميركية «يو إس ماسون» و«بونز» و«نيتز» بالصواريخ، والذي ردت عليه البحرية الأميركية بقصف مواقع رادار في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2016، كما استهدف زورق مفخخ ميناء المخا في العام التالي، وأطلقت الجماعة صواريخ على ناقلات نفط سعودية في عام 2018.

ومنذ يومين أعاد رئيس الحكومة اليمنية معين عبد الملك التحذير الذي سبق وأطلقه قبل أسبوع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي؛ من تداعيات القرصنة الحوثية على الأمن الإقليمي والدولي، ومخاطر جر المنطقة إلى صراع أوسع بالوكالة عن إسرائيل والنظام الإيراني، تأكيداً لموقف اليمن الذي تعامل مع حادثة اختطاف سفينة الشحن «غلاكسي ليدر» بوصفه قرصنة موجهة من النظام الإيراني.

ويصف المرصد المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية الممارسات الحوثية في البحر الأحمر بمرحلة جديدة من حرب الناقلات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والتي تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، حيث عادت أخيراً بإضافة عدة تكتيكات إليها مثل مصادرة الناقلات النفطية، واستخدام وسائل مستحدثة لاستهداف هذه الناقلات والقطع البحرية الموجودة في المنطقة، مثل الزوارق الانتحارية.

السفينة المدنية الإماراتية «روابي» التي اختطفتها الجماعة الحوثية مطلع العام الماضي (إكس)

وامتدت تأثيرات هذه العمليات البحرية المستترة إلى المواجهة بين تل أبيب وطهران، بدءاً من أكتوبر 2019 باستهداف ناقلة إيرانية بمقذوفات أو ألغام لاصقة، لتتكرر الهجمات على السفن الإيرانية خلال ذلك العام والعام الذي يليه، وردت إيران على تلك الهجمات في مارس (آذار) 2021، باستهداف سفينة إسرائيلية في البحر الأحمر بألغام لاصقة.

استشعار الخطر

دخلت الجماعة المعادلة الميدانية متذرعة بالحرب في غزة، ما دفع البحرية الأميركية إلى استشعار التهديدات التي تمثلها الصواريخ المطلقة من اليمن، سواء في اتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو في اتجاه الملاحة الأميركية والإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج عدن.

في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حركت البحرية الأميركية مجموعة قتالية من قطعها البحرية إلى شمال البحر الأحمر قادمة من البحر المتوسط، وانضمت إليها بعد يومين غواصة الصواريخ الموجهة «يو إس إس فلوريدا»، لتنتقل لاحقا إلى خليج عدن، وتقترب من السواحل الإيرانية، لتنفيذ عمليات مراقبة في نطاق الخليج العربي وخليج عدن والبحر الأحمر، بالتعاون مع مجموعة بحرية أخرى.

تبدو الأنشطة الحوثية الأخيرة، بحسب الباحث محمد منصور الذي أعد رؤية المرصد المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية حول هذه القضية، توسيعا لهامش المناورة العسكرية فيما يتعلق بأزمة غزة؛ لكنها سلطت الضوء على حجم التهديد الذي تتعرض له الملاحة الدولية في هذا النطاق البحري الحيوي، والذي فاقمه عدم التوصل إلى حل سياسي نهائي للأزمة اليمنية، مع ترجيح أن تكون هذه الأنشطة وسيلة لتقوية موقف الجماعة الحوثية في المفاوضات.

حوثيون يستعرضون الألغام البحرية قبل زراعتها قبالة السواحل الغربية لليمن (إعلام حوثي)

ويخلص الباحث إلى أن ثمة حالة توازن قائمة في المشهد البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وما يرتبط به من عمليات صاروخية؛ فلا الجماعة الحوثية راغبة في توسع أعمالها إلى المدن الإسرائيلية، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع القطع البحرية الأميركية، ولا الجانب الأميركي يملك نيات للرد على تلك الأنشطة كما حدث عام 2016، ويضع حماية الملاحة المدنية كأولوية لوحداته البحرية.

أما المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية (ISPI) فذهب إلى أن جهود الردع الدولية لا تخفف من المخاوف الأمنية العالمية في البحر الأحمر التي تمثلها القرصنة الحوثية، فقد تأثر الأمن البحري في البحر الأحمر ومنطقة باب المندب سلباً بسبب الحرب في اليمن، وبعد هجمات الحوثيين عدة مرات على أهداف عسكرية وتجارية خلال السنوات الماضية.

الجماعة الحوثية كثفت منذ مطلع العام الحالي وجودها العسكري على الساحل الغربي للبلاد وعلى الجزر اليمنية في البحر الأحمر لاتخاذها نقاطا محورية للهجمات البحرية، وهي الجزر التي شهدت عملية عسكرة تدريجية، منذ عام 2015، ما دفع إلى اتخاذ كثير من المبادرات لتعزيز أمن البحر الأحمر، وإطلاق فرقة عمل بقيادة الولايات المتحدة العام الماضي لتحسين الأمن البحري في المنطقة ومكافحة تهريب الأسلحة.

تستخدم الجماعة الحوثية موانئ الحديدة غرب البلاد لأعمال القرصنة واستهداف الملاحة في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

إلا أن الردع لم يكن فعالاً، وفقاً للمركز، وبدلاً من ذلك، يبدو أن الجماعة اكتسبت مزيداً من الجرأة بسبب الحرب بين إسرائيل و«حماس» في غزة، فضلاً عن إمكانية التعامل مع البحرية الأميركية، في حين لا تمنع جهود السلام التي تدعمها السعودية الجماعة المسلحة من تنفيذ هجمات متعددة الأبعاد (جوية وبحرية) في البحر الأحمر، وعبره.

العودة إلى العقوبات الأميركية

ينتهي المعهد الإيطالي في تقريره إلى أن منطقة باب المندب تبدو أكثر أماناً الآن، لكن باحتفاظ الجماعة الحوثية بالمناطق الساحلية الغربية، فإن الجزر الغربية لليمن ستظل بمثابة نقاط توقف لا يمكن التنبؤ بها في البحر الأحمر.

يؤكد الباحث المصري في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط» أن الممارسات الحوثية في البحر الأحمر قد تدفع الولايات المتحدة إلى إعادة التفكير في تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية وفرض عقوبات عليها، كوسيلة ردع يمكن أن تساعد في كبح جماح جماعة الحوثي ومواجهة القرصنة في البحر الأحمر.

ويرى عبد الفتاح، وهو رئيس تحرير «مجلة الديمقراطية»، أن أفضل وسيلة لمنع تصاعد الأوضاع في المنطقة وتوسيع الحرب تتمثل في وقف إطلاق النار والشروع في مفاوضات سلام تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي لسد الأبواب وإزالة الذرائع أمام الجماعات والحركات الإرهابية التي تتخذ القضية الفلسطينية مبرراً لأنشطتها المهددة للأمن والسلام.

تعرضت السفينة «سنترال بارك» للقرصنة في خليج عدن قبل تحريرها من قبل البحرية الأميركية (أ.ب)

الباحث السياسي اليمني فارس البيل رئيس «مركز يمن المستقبل للدراسات الاستراتيجية» يقرأ ردود الفعل الدولية إزاء القرصنة الحوثية في البحر الأحمر كما لو أنها تدرك مدى هذه الأعمال وتأثيرها، وأنها ليست أكثر من «بروباغندا» إيرانية شعبية معهودة، ولم تكن حدثاً مفاجئاً ومربكاً يستدعي المعالجة، ويظهر أيضاً كما لو أن هنالك سيناريوهات متوقعة لأذرع إيران في نطاقاتها.

يعتقد البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن عمليات الحوثيين العسكرية ليست ذات تأثير مباشر على مجريات الأحداث، باعتبارها أعمالا هامشية، وأن إيران تريد من ذلك أن تغطي سوأتها بافتعال هذه الأعمال لكن بعيداً عن المربع الساخن، ودونما تأثير، حيث تم اختيار الحوثي لهذه المهمة.

ويخلص البيل، إلى القول إن الأعمال الحوثية تصدر في لحظة مفاوضات متقدمة حول السلام للتأكيد أنها غير معنية بالسلام ولن تستجيب لمتطلباته، إلا أن هناك رغبة دولية لإنجاز هذه التسوية دونما تطمين لكيفية التزام الجماعة بالسلام وبالعمل الوطني داخليا وخارجيا وهي تمارس الانتهاكات داخليا وتهدد الأمن الإقليمي والدولي خارجياً.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

العالم العربي الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

تكثف الحكومة اليمنية تحركاتها في واشنطن لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، مع التركيز على تمكين السلطات المحلية، وإصلاح الاقتصاد، ومعالجة أزمة المياه الحادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تتصاعد الاشتباكات بين نافذين حوثيين، بالتوازي مع تزايد جرائم القتل المرتبطة بخلافات تهدد بتفكك سيطرة الجماعة وتراجع واضح في قدرة مؤسساتها على فرض الهيمنة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

الحكومة اليمنية تطالب بدعم مالي عاجل لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة المناخ، وسط تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص التمويل الدولي

محمد ناصر (عدن)
مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يدعو إلى إنهاء التهديد الحوثي وليس احتواءه

اتهم العليمي الحوثيين بتهديد الملاحة وخدمة أجندة إيران داعياً لحسم الخطر، فيما هاجمت الجماعة المبعوث الأممي واتهمته بالانحياز، مقابل تحذيرات دولية من التصعيد.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.