الحوثيون والتهديد البحري... باحثون ينتقدون «التراخي» الدولي ويطالبون بعقوبات

دعوات لتحجيم القدرات العسكرية للجماعة

استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)
استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)
TT

الحوثيون والتهديد البحري... باحثون ينتقدون «التراخي» الدولي ويطالبون بعقوبات

استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)
استعرضت الجماعة الحوثية ألغامها البحرية أمام وسائل الإعلام العالمية في عرض عسكري في صنعاء (إكس)

لم يكن تهديد الحوثيين الملاحة البحرية وليد الأحداث والأسابيع الأخيرة. وظهرت ردود فعل دولية إزاء سلوك الجماعة لأمن الملاحة في البحر الأحمر وبحر العرب أقل من المستوى؛ وفقاً لباحثين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» انتقدوا «التراخي الدولي» مع الحوثيين وطالبوا بعقوبات.

ورغم التحرك الأميركي الرامي إلى تقليص المخاطر ارتفعت أصوات يمنية من باحثين ومراكز تفكير ودراسات تدعو إلى تحرك أقوى يضمن إحلال السلام في اليمن وتحجيم القدرات العسكرية للجماعة الساعية للحصول على أكبر الفوائد من الحرب في غزة.

القطع البحرية الأميركية موجودة في المنطقة منذ سنوات لحماية أمن الملاحة من القرصنة وتهريب الأسلحة (البحرية الأميركية)

منذ انقلابها، أبدت الجماعة نواياها للسيطرة على الممرات المائية المجاورة لليمن، وأقدمت على ممارسات مثلت اعتداءات واضحة على طرق الملاحة الدولية؛ لكن ممارساتها الأخيرة بدت أكثر جرأة، وفي ظروف أكثر حساسية، ومغايرة لمساعي إنهاء الصراع في اليمن.

أكثر ما يفسر اهتمام الجماعة بالممرات المائية أنها وأثناء زحفها الانقلابي بعد صنعاء لم تتجه صوب مأرب أو شبوة، وهما محافظتان مليئتان بالنفط، بل توجه الحوثيون صوب الحديدة، وهو ما يشي بأهميتها الاستراتيجية لدى الجماعة، أو من يخطط لها.

وسبق للحوثيين استهداف سفن أجنبية وناقلات خليجية في البحر الأحمر وقرب مضيق باب المندب بالقرصنة وإطلاق القذائف وزراعة الألغام البحرية لفرض نفوذها ومشروعها في اليمن، وكانت عملية اختطاف السفينة الإماراتية «روابي» مطلع العام الماضي من أمام السواحل الغربية للبلاد عملاً مشهوداً أثار القلق الدولي على خطوط التجارة الدولية.

ممارسات مشهودة

من الممارسات الحوثية المشهودة استهداف البوارج الأميركية «يو إس ماسون» و«بونز» و«نيتز» بالصواريخ، والذي ردت عليه البحرية الأميركية بقصف مواقع رادار في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2016، كما استهدف زورق مفخخ ميناء المخا في العام التالي، وأطلقت الجماعة صواريخ على ناقلات نفط سعودية في عام 2018.

ومنذ يومين أعاد رئيس الحكومة اليمنية معين عبد الملك التحذير الذي سبق وأطلقه قبل أسبوع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي؛ من تداعيات القرصنة الحوثية على الأمن الإقليمي والدولي، ومخاطر جر المنطقة إلى صراع أوسع بالوكالة عن إسرائيل والنظام الإيراني، تأكيداً لموقف اليمن الذي تعامل مع حادثة اختطاف سفينة الشحن «غلاكسي ليدر» بوصفه قرصنة موجهة من النظام الإيراني.

ويصف المرصد المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية الممارسات الحوثية في البحر الأحمر بمرحلة جديدة من حرب الناقلات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والتي تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، حيث عادت أخيراً بإضافة عدة تكتيكات إليها مثل مصادرة الناقلات النفطية، واستخدام وسائل مستحدثة لاستهداف هذه الناقلات والقطع البحرية الموجودة في المنطقة، مثل الزوارق الانتحارية.

السفينة المدنية الإماراتية «روابي» التي اختطفتها الجماعة الحوثية مطلع العام الماضي (إكس)

وامتدت تأثيرات هذه العمليات البحرية المستترة إلى المواجهة بين تل أبيب وطهران، بدءاً من أكتوبر 2019 باستهداف ناقلة إيرانية بمقذوفات أو ألغام لاصقة، لتتكرر الهجمات على السفن الإيرانية خلال ذلك العام والعام الذي يليه، وردت إيران على تلك الهجمات في مارس (آذار) 2021، باستهداف سفينة إسرائيلية في البحر الأحمر بألغام لاصقة.

استشعار الخطر

دخلت الجماعة المعادلة الميدانية متذرعة بالحرب في غزة، ما دفع البحرية الأميركية إلى استشعار التهديدات التي تمثلها الصواريخ المطلقة من اليمن، سواء في اتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو في اتجاه الملاحة الأميركية والإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج عدن.

في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حركت البحرية الأميركية مجموعة قتالية من قطعها البحرية إلى شمال البحر الأحمر قادمة من البحر المتوسط، وانضمت إليها بعد يومين غواصة الصواريخ الموجهة «يو إس إس فلوريدا»، لتنتقل لاحقا إلى خليج عدن، وتقترب من السواحل الإيرانية، لتنفيذ عمليات مراقبة في نطاق الخليج العربي وخليج عدن والبحر الأحمر، بالتعاون مع مجموعة بحرية أخرى.

تبدو الأنشطة الحوثية الأخيرة، بحسب الباحث محمد منصور الذي أعد رؤية المرصد المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية حول هذه القضية، توسيعا لهامش المناورة العسكرية فيما يتعلق بأزمة غزة؛ لكنها سلطت الضوء على حجم التهديد الذي تتعرض له الملاحة الدولية في هذا النطاق البحري الحيوي، والذي فاقمه عدم التوصل إلى حل سياسي نهائي للأزمة اليمنية، مع ترجيح أن تكون هذه الأنشطة وسيلة لتقوية موقف الجماعة الحوثية في المفاوضات.

حوثيون يستعرضون الألغام البحرية قبل زراعتها قبالة السواحل الغربية لليمن (إعلام حوثي)

ويخلص الباحث إلى أن ثمة حالة توازن قائمة في المشهد البحري في البحر الأحمر وخليج عدن وما يرتبط به من عمليات صاروخية؛ فلا الجماعة الحوثية راغبة في توسع أعمالها إلى المدن الإسرائيلية، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع القطع البحرية الأميركية، ولا الجانب الأميركي يملك نيات للرد على تلك الأنشطة كما حدث عام 2016، ويضع حماية الملاحة المدنية كأولوية لوحداته البحرية.

أما المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية (ISPI) فذهب إلى أن جهود الردع الدولية لا تخفف من المخاوف الأمنية العالمية في البحر الأحمر التي تمثلها القرصنة الحوثية، فقد تأثر الأمن البحري في البحر الأحمر ومنطقة باب المندب سلباً بسبب الحرب في اليمن، وبعد هجمات الحوثيين عدة مرات على أهداف عسكرية وتجارية خلال السنوات الماضية.

الجماعة الحوثية كثفت منذ مطلع العام الحالي وجودها العسكري على الساحل الغربي للبلاد وعلى الجزر اليمنية في البحر الأحمر لاتخاذها نقاطا محورية للهجمات البحرية، وهي الجزر التي شهدت عملية عسكرة تدريجية، منذ عام 2015، ما دفع إلى اتخاذ كثير من المبادرات لتعزيز أمن البحر الأحمر، وإطلاق فرقة عمل بقيادة الولايات المتحدة العام الماضي لتحسين الأمن البحري في المنطقة ومكافحة تهريب الأسلحة.

تستخدم الجماعة الحوثية موانئ الحديدة غرب البلاد لأعمال القرصنة واستهداف الملاحة في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

إلا أن الردع لم يكن فعالاً، وفقاً للمركز، وبدلاً من ذلك، يبدو أن الجماعة اكتسبت مزيداً من الجرأة بسبب الحرب بين إسرائيل و«حماس» في غزة، فضلاً عن إمكانية التعامل مع البحرية الأميركية، في حين لا تمنع جهود السلام التي تدعمها السعودية الجماعة المسلحة من تنفيذ هجمات متعددة الأبعاد (جوية وبحرية) في البحر الأحمر، وعبره.

العودة إلى العقوبات الأميركية

ينتهي المعهد الإيطالي في تقريره إلى أن منطقة باب المندب تبدو أكثر أماناً الآن، لكن باحتفاظ الجماعة الحوثية بالمناطق الساحلية الغربية، فإن الجزر الغربية لليمن ستظل بمثابة نقاط توقف لا يمكن التنبؤ بها في البحر الأحمر.

يؤكد الباحث المصري في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بشير عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط» أن الممارسات الحوثية في البحر الأحمر قد تدفع الولايات المتحدة إلى إعادة التفكير في تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية وفرض عقوبات عليها، كوسيلة ردع يمكن أن تساعد في كبح جماح جماعة الحوثي ومواجهة القرصنة في البحر الأحمر.

ويرى عبد الفتاح، وهو رئيس تحرير «مجلة الديمقراطية»، أن أفضل وسيلة لمنع تصاعد الأوضاع في المنطقة وتوسيع الحرب تتمثل في وقف إطلاق النار والشروع في مفاوضات سلام تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي لسد الأبواب وإزالة الذرائع أمام الجماعات والحركات الإرهابية التي تتخذ القضية الفلسطينية مبرراً لأنشطتها المهددة للأمن والسلام.

تعرضت السفينة «سنترال بارك» للقرصنة في خليج عدن قبل تحريرها من قبل البحرية الأميركية (أ.ب)

الباحث السياسي اليمني فارس البيل رئيس «مركز يمن المستقبل للدراسات الاستراتيجية» يقرأ ردود الفعل الدولية إزاء القرصنة الحوثية في البحر الأحمر كما لو أنها تدرك مدى هذه الأعمال وتأثيرها، وأنها ليست أكثر من «بروباغندا» إيرانية شعبية معهودة، ولم تكن حدثاً مفاجئاً ومربكاً يستدعي المعالجة، ويظهر أيضاً كما لو أن هنالك سيناريوهات متوقعة لأذرع إيران في نطاقاتها.

يعتقد البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن عمليات الحوثيين العسكرية ليست ذات تأثير مباشر على مجريات الأحداث، باعتبارها أعمالا هامشية، وأن إيران تريد من ذلك أن تغطي سوأتها بافتعال هذه الأعمال لكن بعيداً عن المربع الساخن، ودونما تأثير، حيث تم اختيار الحوثي لهذه المهمة.

ويخلص البيل، إلى القول إن الأعمال الحوثية تصدر في لحظة مفاوضات متقدمة حول السلام للتأكيد أنها غير معنية بالسلام ولن تستجيب لمتطلباته، إلا أن هناك رغبة دولية لإنجاز هذه التسوية دونما تطمين لكيفية التزام الجماعة بالسلام وبالعمل الوطني داخليا وخارجيا وهي تمارس الانتهاكات داخليا وتهدد الأمن الإقليمي والدولي خارجياً.


مقالات ذات صلة

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

العالم العربي نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

أعلن الحوثيون انخراطهم عسكرياً في الحرب إلى جانب إيران، بعد شهر من الترقب، في خطوة تعكس ضغوطاً إيرانية وحسابات معقدة، مع مخاوف من تصعيد يطول البحر الأحمر.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

سيول جارفة تضرب تعز وتخلف ضحايا ودماراً واسعاً

سيول مدمرة تضرب جنوب تعز وتخلّف قتلى ودماراً واسعاً، وسط نداءات استغاثة وتحذيرات من استمرار الأمطار، ومخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية وعزل القرى المتضررة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

تصاعد صراع داخلي بين قادة الحوثيين في صنعاء بسبب اتهامات متبادلة بالفساد ونهب أموال الزكاة والأوقاف، وسط أزمة معيشية حادة وتفاقم مخاطر الجوع لدى ملايين اليمنيين

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

ربط زعيم الحوثيين التدخل العسكري إلى جانب إيران بتطورات المعركة، مع استمرار التصعيد الخطابي، وسط حسابات تتعلق بتوقيت التدخل والمخاوف من تبعاته.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

رغم استقرار أسعار السلع الأساسية فإن اليمنيين يخشون صدمات اقتصادية وتضخم الواردات بسبب الحرب الإقليمية واستهداف مصادر الطاقة وسط مطالب بدعم السياسات الاحترازية.

وضاح الجليل (عدن)

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.