ساعات من الارتباك والترقب عاشها معبر رفح على جانبيه المصري والفلسطيني، في انتظار انطلاق الحركة من مصر إلى قطاع غزة لإدخال مئات الشاحنات التي تحمل مساعدات إغاثية، ومن القطاع الفلسطيني إلى سيناء لخروج عشرات الرعايا الأجانب والفلسطينيين الذين يحملون هويات دول أخرى، إلا أن المواقف الرسمية الإسرائيلية والمصرية والفلسطينية تواترت لتؤكد عدم التوصل إلى اتفاق بشأن «تهدئة إنسانية» وإدخال المساعدات، بينما ظلت التعهدات الأميركية بأن «المعبر سيُفتح» تراوح مكانها.
وأبدت مصر تمسكاً لافتاً بعدم السماح بخروج رعايا أجانب، بينهم أميركيون، من قطاع غزة عبر معبر رفح، الممر البري الوحيد الذي لا تسيطر عليه إسرائيل مع القطاع. وشدد المسؤولون المصريون على ضرورة السماح بدخول المساعدات الإنسانية أولاً.

ووفق بيان للرئاسة المصرية، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الاثنين، خلال استقباله وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، التأكيد على تدهور الأوضاع الإنسانية بقطاع غزة، وما يستوجبه ذلك من ضرورة تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته بتوفير الاستجابة الإنسانية والإغاثية العاجلة لأهالي القطاع والتخفيف من وطأة معاناتهم، مشدداً على ضرورة خفض التصعيد، ورفض «تعريض المدنيين لسياسات العقاب الجماعي».

وخلال مؤتمر صحافي مع الوزيرة الفرنسية، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أن الحكومة الإسرائيلية «لم تتخذ حتى الآن موقفاً يسمح بفتح معبر رفح من جانب غزة»، مؤكداً أن مصر «تسعى منذ بداية التصعيد إلى إدخال مساعدات للقطاع».
وتعرض الجانب الفلسطيني من المعبر لقصف إسرائيلي حال دون عمله، بينما يتواصل استقبال مصر لأطنان من المساعدات الإنسانية من دول ومنظمات عدة على مدار الأيام القليلة الماضية، كما جمعت المنظمات الخيرية المصرية نحو 2000 طن من المساعدات والمواد الإغاثية، وفقاً لـ«الهلال الأحمر المصري»، تمهيداً لنقلها إلى قطاع غزة، فور التوصل إلى اتفاق على فتح «ممر إنساني».
وكان من المفترض أن يفتح معبر رفح أبوابه في التاسعة من صباح الاثنين بتوقيت القاهرة، وفق أنباء نقلتها وكالة «رويترز» عن مصدرين مصريين لم تسمهما، وهو ما لم يحدث، بينما نفى مصدر مصري مسؤول بعدها بنحو ساعة «التوصل إلى اتفاق للتهدئة مع إسرائيل أو الاتفاق بشأن إدخال المساعدات»، وفق ما نقلته قناة «القاهرة الإخبارية» المصرية.
كما نفت حركة «حماس»، التي تدير الجانب الفلسطيني من معبر رفح، إبلاغ السلطات المصرية لها بالتوصل إلى هدنة أو فتح المعبر، وقال عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» عزت الرشق، في بيان، إنه «لا صحة لما تتداوله وسائل الإعلام عن هدنة أو فتح معبر رفح».
وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام على الجانب الفلسطيني من معبر رفح شاحنات وقود ترفع علم الأمم المتحدة تتجه إلى معبر كرم أبو سالم، وهو معبر حدودي على الحدود بين قطاع غزة ومصر وإسرائيل يقع جنوب معبر رفح بعدة كيلومترات، ويستخدم لنقل الوقود والسلع، ويخضع لسلطة المعابر البرية التابعة للجيش الإسرائيلي.
ضغوط إسرائيلية
ومن جانبه، رأى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، الدكتور طارق فهمي أن دخول المساعدات إلى قطاع غزة «يمثل إحراجاً لحكومة بنيامين نتنياهو»، مشيراً إلى أن «حكومة الحرب» في إسرائيل «تسعى إلى إثبات وجودها، وتأكيد قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الأميركية والمصرية للموافقة على فتح ممر إنساني».
وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن أعضاءً بارزين في حكومة الطوارئ الإسرائيلية ينظرون إلى فتح ممر إنساني بوصفه «تنازلاً مرفوضاً»، في ظل العجز عن تحقيق مكاسب حقيقية على الأرض، رغم القصف المتواصل لقطاع غزة، فحتى الآن لم تفلح الأجهزة الاستخباراتية في التعرف على موقع الأسرى، أو تتمكن من تحرير أي منهم، وبالتالي يتم اللجوء إلى مثل هذه الضغوط من أجل دفع حركة «حماس» للإفصاح عن بعض المعلومات مقابل تخفيف قبضة الحصار.
ورهنت مصر في وقت سابق موافقتها السماح بخروج رعايا أجانب بينهم أميركيون بالموافقة على دخول مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، ورغم تأكيد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن عقب لقائه الرئيس المصري في القاهرة (الأحد) قبيل عودته إلى تل أبيب للمرة الثانية في غضون 5 أيام، أن معبر رفح «سيُفتح»، فإن الحكومة الإسرائيلية نفت، الاثنين، الاتفاق على وقف إطلاق النار جنوب غزة أو دخول مساعدات إنسانية إلى القطاع أو خروج حمَلة الجنسيات الأجنبية منه.
بينما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن السلطات هناك «تريد تفتيش جميع الشاحنات المتوجهة إلى غزة للتأكد من أنها لا تحمل أسلحة»، وهو ما يعني تعطيل تدفق المساعدات الملحة إلى القطاع.
ومن جانبه، أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور سعيد عكاشة، أن استمرار تماسك وصلابة الموقف المصري الرافض فتح معبر رفح أمام خروج الرعايا الأجانب من قطاع غزة قبل السماح بدخول مساعدات إنسانية لسكان القطاع «يفرض ضغوطاً على الوساطة الأميركية المنحازة بشكل واضح للرؤية الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه تريد تحقيق إنجاز ما حتى لو كان مجرد إخراج رعاياها من القطاع».
وأوضح عكاشة لـ«الشرق الأوسط» أن إدخال المساعدات إلى قطاع غزة يمثل حالياً «أولوية مصرية»، مشيراً إلى أن مساعدة سكان القطاع على الصمود والبقاء لا تمثل فقط إنفاذاً للدور الإنساني، بل تعني عملياً إجهاض مخطط التهجير نحو الحدود المصرية الذي تصر إسرائيل على تنفيذه، سواء بإخلاء المناطق الشمالية، أو عبر السماح بإعادة بعض الخدمات الحياتية مثل مياه الشرب في بعض مناطق الجنوب تشجيعاً للسكان على النزوح، ودفع كثافات سكانية كبيرة إلى المناطق المحاذية للحدود المصرية.
كانت إسرائيل قد طالبت بإخلاء شمال قطاع غزة الذي يقطنه أكثر من مليون فلسطيني، ما تسبب بـ«نزوح جماعي» لمئات الآلاف باتجاه الجنوب، ورغم انتقاد أطراف دولية عدة من بينها الأمم المتحدة للإجراء الإسرائيلي، فإن جيش الاحتلال جدد تحذيراته بضرورة الإخلاء.
