الفقر... الضيف الدائم على موائد ملايين اليمنيين

أسر محرومة من الغذاء الصحي... ووجبات غايتها سد الرمق

صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

الفقر... الضيف الدائم على موائد ملايين اليمنيين

صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)

تفقد محمد الصهيبي ما في جيبه من نقود ليرى ما إذا كانت ستكفيه ورفيقه ثمن وجبة عشاء في المطعم الشعبي الذي يقف أمامه، قبل أن يقرر دعوة رفيقه، ليشعر بعدها بتأنيب الضمير.

على الطاولة المجاورة لطاولة الصهيبي ورفيقه كان ثمة رجلان متقدمان في السن يتناولان الخبز مع «السحاوق»، وهو عصير الطماطم والفلفل الأخضر فقط، والذي يعدّ أهم المقبلات في المائدة اليمنية، وغالباً الوحيد، وعادة ما يتم تقديمه في المطاعم مجاناً رفقة الوجبات، غير أن الأوضاع المعيشية جعلته وجبة ثمينة لوحده.

بحسب الصهيبي؛ فإن الرجلين طلبا قطعة كبيرة من الخبز مع السحاوق، وعندما ألح عليهما عامل التقديم في المطعم ليطلبا أي طبق آخر؛ رفضا ذلك وهما يشعران بالخجل الشديد، وعندما وضعت الوجبة التي طلباها أمامهما؛ سارعا بالتهامها بشراهة من لم يأكل منذ وقت طويل.

عندما أكمل الرجلان وجبتهما وذهبا لدفع حسابها، وقعا في مشادة مع عامل المطعم لأنه احتسب ثمن السحاوق؛ الأمر الذي لم يتوقعاه، وكان مبرر العامل أن السحاوق يقدم مجاناً إذا كانت الوجبة تتكون من طبق أو أطباق أخرى، ولحل الخلاف أعلن الصهيبي استعداده لدفع ثمن وجبتهما إلى جانب وجبته.

عائلة يمنية في الحديدة تجمع أوراق الشجر لتناولها (تويتر)

يفيد الصهيبي بأنه بادر إلى ذلك وهو يشعر بتأنيب الضمير لأنه لم يدعهما لمشاركته ورفيقه وجبتهما التي تتكون من طبق من الفاصوليا الحمراء وآخر من الفول؛ فالمبلغ الذي يملكه لن يكفي لإضافة طبق أو طبقين، لكنه يكفي لإضافة وجبتهما البسيطة إلى الفاتورة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بهذا المبلغ الذي دفعته ثمن عشائي ورفيقي كان يمكننا قبل سبع سنوات أن نتناول الوجبة نفسها طيلة أسبوع كامل، أو يمكنني أن أتناول بها وجبتين من اللحوم والأسماك، أما الآن لا أدري كيف يستطيع الناس حتى دخول المطاعم في صنعاء».

مساعدات من تعز إلى صنعاء

خلال أبريل (نيسان) الماضي قلص الانقلابيون الحوثيون كميات المساعدات الغذائية المقدمة من برنامج الغذاء العالمي والمخصصة للموظفين العموميين، ليزيد ذلك من تضاؤل الموائد التي تتجمع حولها العائلات اليمنية، خصوصاً في مناطق سيطرة الانقلابيين، وهو ما لاحظه الصهيبي في زيارته.

كان الصهيبي عاد إلى صنعاء لقضاء بعض حاجياته؛ بعد سبع سنوات من نزوحه منها، حين تسببت الحرب بفقدان عمله؛ إلى مسقط رأسه، حيث يعمل في الزراعة والبناء وأعمال أخرى بالأجر اليومي، واستقر به الحال على الرغم من قسوة المعيشة، وخلال رحلته هذه حمل معه كيساً كبيراً مليئاً بمواد غذائية من امرأة عجوز في قريته إلى ابنها المقيم في صنعاء.

لم تكن هذه العجوز أول من يرسل مواد غذائية إلى أقاربها في العاصمة صنعاء، فمنذ سنوات تعودت الكثير من العائلات في المناطق المحررة مقاسمة أقاربها في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين ما تتحصل عليه من المساعدات الغذائية عبر المنظمات الدولية، وهذه هي طريقة المساندة الوحيدة لهم؛ نظراً لصعوبة مساندتهم بالنقود.

يمني يطهو أوراق نبتة «الحلص» لإطعام أسرته في محافظة حجة (برنامج الغذاء العالمي)

يذكر الصهيبي أن الشاب الذي حمل إليه كيس المواد الغذائية المرسل من والدته كان ممتناً جداً، وأبدى خجلاً كبيراً لأنه يفترض أن يقوم هو بكفالتها، غير أن الأوضاع المعيشية فرضت هذه الحال عليهما، فهو يعمل مدرساً في مدرسة خاصة، وراتبه الذي ينقطع خلال إجازة الصيف؛ يكفي بالكاد لدفع إيجار المنزل وإطعام عائلته الصغيرة.

«سأعزمك على الحاصل يا محمد... عصيدة من الغَرِب والوزف اللذين أرسلتهما أمي، أنت تعرف الظروف». هكذا دعا الشاب الصهيبي بخجل لتناول وجبة الغداء في منزله، حيث «على الحاصل» جملة يستخدمها اليمنيون لإزالة الحرج عند تواضع ما يقدمون من وجبات لضيوفهم وتعني المتوفر من الأكل.

والغَرِب (بفتح الغين وكسر الراء)، هو حبوب السورغم الذي يعدّ منه اليمنيون بعض المخبوزات إلى جانب العصيدة، وهي وجبة تتكون من خلط الدقيق بالماء الساخن، أما الوزف فهو الأسماك الصغيرة المجففة، والتي يصنع منها اليمنيون صوصاً يتناولونه مع العصيدة أو المخبوزات.

نبتة «الحلص» بديلاً

هذا الشاب يبدو أسعد حظاً من غيره ممن كانوا يتلقون مساعدات غذائية من أقاربهم في المناطق المحررة، فلأن أمه العجوز تعيش وحدها في قريتها في محافظة تعز؛ ولديها قطعة أرض تزرعها بالاستعانة بشباب القرية؛ يتوفر لها قدر لا بأس به من الحبوب والدقيق سواء من تلك التي تزرعها أو التي تأتي مساعدات إلى جانب بعض البقوليات.

على العكس من ذلك، يبدي نجيب طه، من أهالي مديرية الشمايتين في محافظة تعز أيضاً، أسفه من تراجع كميات المساعدات الغذائية التي تقدمها المنظمات الإغاثية إلى حد كبير، وهو ما منعه من إرسالها إلى عائلة شقيقه المتوفي، والذين يقيمون في العاصمة صنعاء.

تسببت إجراءات الحوثيين ضد المطاعم في رفع أسعار الوجبات (فيسبوك)

ففي السابق كانت عدد من المنظمات الإغاثية دولية وإقليمية تقدم سلالاً غذائية متنوعة تفيض أحياناً عن حاجة العائلات فتضطر إما إلى بيعها والاستفادة من أثمانها في شراء حاجيات أخرى كالأدوية أو المستلزمات المدرسية لأطفالها، أو ترسلها مع المسافرين أو سيارات النقل إلى أقاربها في المناطق الخاضعة للانقلابيين الحوثيين.

يذكر نجيب أن عائلة شقيقه طلبت منه مرة أن يرسل لها ما يستطيع من نبتة «الحلص» أو «الغلف» وقد شعر حينها بتأنيب الضمير؛ لأن حاجة أقاربه إلى هذه النبتة تعني أنهم لا يجدون ما يأكلونه خلال الفترة الأخيرة التي عجز فيها عن مساندتهم؛ وتقديراً منهم لظروفه القاسية، طلبوا منه هذه النبتة التي لن تكلفه إلا عناء جلبها من منابتها في الوديان وتعبئتها في أكياس وإرسالها إليهم.

وتسببت الأزمة المعيشية في اليمن بدفع اليمنيين إلى تناول هذه النبتة بكثرة، خصوصاً في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين، وبحسب ما يفيد الأهالي في محافظة حجة (شمال غرب)؛ فإن الحلص أوشك على الانقراض من الكثير من المناطق بسبب التنافس على اقتطافها، وعدم السماح لها بالنمو.

يشرح عائض علوان حيلته لإطعام أولاده الأربعة أطعمة جيدة الفوائد بأنه يضطر وزوجته إلى الصيام خلال النهار والاكتفاء بوجبتي الإفطار والعشاء اللتين تتكونان من أي نوع من أنواع الخبز إلى جانب السحاوق أو الفول أو الفاصوليا، وغالباً ما تغيب هذه الأصناف ويكتفيان بالخبز والشاي ليتركا وجبة الغداء لأطفالهما.

ويفسر علوان ذلك بأنه يسعى جاهداً لتوفير دجاجة أو اثنتين وتقسيمهما على وجبات غداء عدة كل أسبوع، وحرمان نفسيهما منها مقابل أن يستمتع الأطفال بأكبر قدر ممكن منها، فبعد ارتفاع أسعار اللحوم والأسماك والدجاج؛ لم يبقَ أمامه إلا هذه الحيلة للحفاظ على صحة أطفاله من سوء التغذية.

عائلة يمنية بلا مأوى تتناول وجبتها في الشارع (رويترز)

ويحذر الطبيب على الموشحي من آثار كارثية على صحة اليمنيين بسبب سوء التغذية الحاصل حالياً، وخصوصاً لدى الأطفال والرضع، فالعادات الغذائية التي انتشرت بسبب الفقر والبطالة تضر بصحة الجميع، إلا أن الأطفال هم الفئة الأكثر ضعفاً، وتبدأ معاناتهم من عدم تلقي الأمهات تغذية صحية خلال فترتي الحمل والرضاعة، وعندما يبدأ الطفل بالأكل فإن فقر العائلات لا يسمح لها بتقديم وجبات صحية له.

ويشير الموشحي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى زيادة احتمال إصابة الجيل الحالي من الرضع بالتقزم وضعف البنية الجسدية واختلالات في المناعة وهشاشة العظام وضعف الإدراك، ويؤكد أنه لن ينجو من طائلة هذه الأمراض حتى أولئك الأطفال الذين يملك آباؤهم جينات مقاومة للأمراض.


مقالات ذات صلة

بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

تحليل إخباري أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال لقاء مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان (سبأ)

بدعم سعودي... اليمن يرتب أوراقه لإنجاز التوافق جنوباً واستعادة الدولة شمالاً

شهد اليمن تحولات سياسية حاسمة شملت تغييراً في مجلس القيادة وتكليف رئيس حكومة جديد، بدعم سعودي يهدف لاستقرار الجنوب وتمهيد الطريق لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب

علي ربيع (عدن)
العالم العربي حشد سابق في عدن دعا له المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل (رويترز)

سلطات عدن ولحج تشدد على القانون... وتحذر من استغلال المظاهرات

تأكيد رئاسي يمني على التزام الدولة بحل منصف للقضية الجنوبية، بالتزامن مع تشديد سلطات عدن ولحج على رفض الفوضى وتنظيم حق التعبير ضمن القانون.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مسلحون حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)

حراك رئاسي يمني يربط جوهر الأزمة بالتهديد الحوثي محلياً ودولياً

يسعى الحراك الرئاسي اليمني لتعزيز الاستقرار ويربط الدعم الدولي بالإصلاحات، ويؤكد أن الحوثيين يمثلون جوهر الأزمة وتهديداً محلياً ودولياً، مع دعم للحوار الجنوبي.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

يُعدّ الفريق الركن محمود الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث

«الشرق الأوسط» (عدن)

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.