الفقر... الضيف الدائم على موائد ملايين اليمنيين

أسر محرومة من الغذاء الصحي... ووجبات غايتها سد الرمق

صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

الفقر... الضيف الدائم على موائد ملايين اليمنيين

صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)
صيادون يجلبون الأسماك لبيعها في مدينة الحديدة اليمنية (أ.ف.ب)

تفقد محمد الصهيبي ما في جيبه من نقود ليرى ما إذا كانت ستكفيه ورفيقه ثمن وجبة عشاء في المطعم الشعبي الذي يقف أمامه، قبل أن يقرر دعوة رفيقه، ليشعر بعدها بتأنيب الضمير.

على الطاولة المجاورة لطاولة الصهيبي ورفيقه كان ثمة رجلان متقدمان في السن يتناولان الخبز مع «السحاوق»، وهو عصير الطماطم والفلفل الأخضر فقط، والذي يعدّ أهم المقبلات في المائدة اليمنية، وغالباً الوحيد، وعادة ما يتم تقديمه في المطاعم مجاناً رفقة الوجبات، غير أن الأوضاع المعيشية جعلته وجبة ثمينة لوحده.

بحسب الصهيبي؛ فإن الرجلين طلبا قطعة كبيرة من الخبز مع السحاوق، وعندما ألح عليهما عامل التقديم في المطعم ليطلبا أي طبق آخر؛ رفضا ذلك وهما يشعران بالخجل الشديد، وعندما وضعت الوجبة التي طلباها أمامهما؛ سارعا بالتهامها بشراهة من لم يأكل منذ وقت طويل.

عندما أكمل الرجلان وجبتهما وذهبا لدفع حسابها، وقعا في مشادة مع عامل المطعم لأنه احتسب ثمن السحاوق؛ الأمر الذي لم يتوقعاه، وكان مبرر العامل أن السحاوق يقدم مجاناً إذا كانت الوجبة تتكون من طبق أو أطباق أخرى، ولحل الخلاف أعلن الصهيبي استعداده لدفع ثمن وجبتهما إلى جانب وجبته.

عائلة يمنية في الحديدة تجمع أوراق الشجر لتناولها (تويتر)

يفيد الصهيبي بأنه بادر إلى ذلك وهو يشعر بتأنيب الضمير لأنه لم يدعهما لمشاركته ورفيقه وجبتهما التي تتكون من طبق من الفاصوليا الحمراء وآخر من الفول؛ فالمبلغ الذي يملكه لن يكفي لإضافة طبق أو طبقين، لكنه يكفي لإضافة وجبتهما البسيطة إلى الفاتورة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بهذا المبلغ الذي دفعته ثمن عشائي ورفيقي كان يمكننا قبل سبع سنوات أن نتناول الوجبة نفسها طيلة أسبوع كامل، أو يمكنني أن أتناول بها وجبتين من اللحوم والأسماك، أما الآن لا أدري كيف يستطيع الناس حتى دخول المطاعم في صنعاء».

مساعدات من تعز إلى صنعاء

خلال أبريل (نيسان) الماضي قلص الانقلابيون الحوثيون كميات المساعدات الغذائية المقدمة من برنامج الغذاء العالمي والمخصصة للموظفين العموميين، ليزيد ذلك من تضاؤل الموائد التي تتجمع حولها العائلات اليمنية، خصوصاً في مناطق سيطرة الانقلابيين، وهو ما لاحظه الصهيبي في زيارته.

كان الصهيبي عاد إلى صنعاء لقضاء بعض حاجياته؛ بعد سبع سنوات من نزوحه منها، حين تسببت الحرب بفقدان عمله؛ إلى مسقط رأسه، حيث يعمل في الزراعة والبناء وأعمال أخرى بالأجر اليومي، واستقر به الحال على الرغم من قسوة المعيشة، وخلال رحلته هذه حمل معه كيساً كبيراً مليئاً بمواد غذائية من امرأة عجوز في قريته إلى ابنها المقيم في صنعاء.

لم تكن هذه العجوز أول من يرسل مواد غذائية إلى أقاربها في العاصمة صنعاء، فمنذ سنوات تعودت الكثير من العائلات في المناطق المحررة مقاسمة أقاربها في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين ما تتحصل عليه من المساعدات الغذائية عبر المنظمات الدولية، وهذه هي طريقة المساندة الوحيدة لهم؛ نظراً لصعوبة مساندتهم بالنقود.

يمني يطهو أوراق نبتة «الحلص» لإطعام أسرته في محافظة حجة (برنامج الغذاء العالمي)

يذكر الصهيبي أن الشاب الذي حمل إليه كيس المواد الغذائية المرسل من والدته كان ممتناً جداً، وأبدى خجلاً كبيراً لأنه يفترض أن يقوم هو بكفالتها، غير أن الأوضاع المعيشية فرضت هذه الحال عليهما، فهو يعمل مدرساً في مدرسة خاصة، وراتبه الذي ينقطع خلال إجازة الصيف؛ يكفي بالكاد لدفع إيجار المنزل وإطعام عائلته الصغيرة.

«سأعزمك على الحاصل يا محمد... عصيدة من الغَرِب والوزف اللذين أرسلتهما أمي، أنت تعرف الظروف». هكذا دعا الشاب الصهيبي بخجل لتناول وجبة الغداء في منزله، حيث «على الحاصل» جملة يستخدمها اليمنيون لإزالة الحرج عند تواضع ما يقدمون من وجبات لضيوفهم وتعني المتوفر من الأكل.

والغَرِب (بفتح الغين وكسر الراء)، هو حبوب السورغم الذي يعدّ منه اليمنيون بعض المخبوزات إلى جانب العصيدة، وهي وجبة تتكون من خلط الدقيق بالماء الساخن، أما الوزف فهو الأسماك الصغيرة المجففة، والتي يصنع منها اليمنيون صوصاً يتناولونه مع العصيدة أو المخبوزات.

نبتة «الحلص» بديلاً

هذا الشاب يبدو أسعد حظاً من غيره ممن كانوا يتلقون مساعدات غذائية من أقاربهم في المناطق المحررة، فلأن أمه العجوز تعيش وحدها في قريتها في محافظة تعز؛ ولديها قطعة أرض تزرعها بالاستعانة بشباب القرية؛ يتوفر لها قدر لا بأس به من الحبوب والدقيق سواء من تلك التي تزرعها أو التي تأتي مساعدات إلى جانب بعض البقوليات.

على العكس من ذلك، يبدي نجيب طه، من أهالي مديرية الشمايتين في محافظة تعز أيضاً، أسفه من تراجع كميات المساعدات الغذائية التي تقدمها المنظمات الإغاثية إلى حد كبير، وهو ما منعه من إرسالها إلى عائلة شقيقه المتوفي، والذين يقيمون في العاصمة صنعاء.

تسببت إجراءات الحوثيين ضد المطاعم في رفع أسعار الوجبات (فيسبوك)

ففي السابق كانت عدد من المنظمات الإغاثية دولية وإقليمية تقدم سلالاً غذائية متنوعة تفيض أحياناً عن حاجة العائلات فتضطر إما إلى بيعها والاستفادة من أثمانها في شراء حاجيات أخرى كالأدوية أو المستلزمات المدرسية لأطفالها، أو ترسلها مع المسافرين أو سيارات النقل إلى أقاربها في المناطق الخاضعة للانقلابيين الحوثيين.

يذكر نجيب أن عائلة شقيقه طلبت منه مرة أن يرسل لها ما يستطيع من نبتة «الحلص» أو «الغلف» وقد شعر حينها بتأنيب الضمير؛ لأن حاجة أقاربه إلى هذه النبتة تعني أنهم لا يجدون ما يأكلونه خلال الفترة الأخيرة التي عجز فيها عن مساندتهم؛ وتقديراً منهم لظروفه القاسية، طلبوا منه هذه النبتة التي لن تكلفه إلا عناء جلبها من منابتها في الوديان وتعبئتها في أكياس وإرسالها إليهم.

وتسببت الأزمة المعيشية في اليمن بدفع اليمنيين إلى تناول هذه النبتة بكثرة، خصوصاً في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين، وبحسب ما يفيد الأهالي في محافظة حجة (شمال غرب)؛ فإن الحلص أوشك على الانقراض من الكثير من المناطق بسبب التنافس على اقتطافها، وعدم السماح لها بالنمو.

يشرح عائض علوان حيلته لإطعام أولاده الأربعة أطعمة جيدة الفوائد بأنه يضطر وزوجته إلى الصيام خلال النهار والاكتفاء بوجبتي الإفطار والعشاء اللتين تتكونان من أي نوع من أنواع الخبز إلى جانب السحاوق أو الفول أو الفاصوليا، وغالباً ما تغيب هذه الأصناف ويكتفيان بالخبز والشاي ليتركا وجبة الغداء لأطفالهما.

ويفسر علوان ذلك بأنه يسعى جاهداً لتوفير دجاجة أو اثنتين وتقسيمهما على وجبات غداء عدة كل أسبوع، وحرمان نفسيهما منها مقابل أن يستمتع الأطفال بأكبر قدر ممكن منها، فبعد ارتفاع أسعار اللحوم والأسماك والدجاج؛ لم يبقَ أمامه إلا هذه الحيلة للحفاظ على صحة أطفاله من سوء التغذية.

عائلة يمنية بلا مأوى تتناول وجبتها في الشارع (رويترز)

ويحذر الطبيب على الموشحي من آثار كارثية على صحة اليمنيين بسبب سوء التغذية الحاصل حالياً، وخصوصاً لدى الأطفال والرضع، فالعادات الغذائية التي انتشرت بسبب الفقر والبطالة تضر بصحة الجميع، إلا أن الأطفال هم الفئة الأكثر ضعفاً، وتبدأ معاناتهم من عدم تلقي الأمهات تغذية صحية خلال فترتي الحمل والرضاعة، وعندما يبدأ الطفل بالأكل فإن فقر العائلات لا يسمح لها بتقديم وجبات صحية له.

ويشير الموشحي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى زيادة احتمال إصابة الجيل الحالي من الرضع بالتقزم وضعف البنية الجسدية واختلالات في المناعة وهشاشة العظام وضعف الإدراك، ويؤكد أنه لن ينجو من طائلة هذه الأمراض حتى أولئك الأطفال الذين يملك آباؤهم جينات مقاومة للأمراض.


مقالات ذات صلة

مجلس الأمن الدولي يدين الهجمات الحوثية ضد السعودية

الخليج من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول اليمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

مجلس الأمن الدولي يدين الهجمات الحوثية ضد السعودية

أدان أعضاء مجلس الأمن الدولي بأشد العبارات الهجمات الحوثية ضد السعودية، بما فيها التي طالت الطيران المدني والبنية التحتية للطاقة، وأسفرت عن وفاة وإصابة مدنيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم العربي قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

شنَّت الميليشيا الحوثية هجوماً بالصواريخ على محيط قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من الحراسة الرئاسية وإصابة آخرين.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)

نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

تزداد المخاوف من موجات النزوح في تعز مع استمرار الهجمات الحوثية بالتزامن مع ارتفاع حالات الكوليرا إلى 8034 إصابة مشتبه بها باليمن وتراجع الخدمات الصحية 

محمد ناصر (عدن)
المشرق العربي آلاف المرضى في تعز مهددون بتوقف الرعاية ونقص الأدوية جراء الحصار الحوثي (رويترز)

الحصار الحوثي على تعز يفاقم المعاناة الإنسانية

الحكومة اليمنية تحذر من تفاقم الأزمة في تعز بسبب الحصار، والقصف الحوثي، فيما طالب الاتحاد الأوروبي الحوثيين برفعه، وضمان وصول الغذاء، والدواء، والمياه

«الشرق الأوسط» (عدن)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

وكانت ولاية الرئيس حسن شيخ محمود قد انتهت في وقت سابق من هذا العام، في حين أعلنت حكومته في مايو (أيار) «فترة انتقالية» رغم وجود اتفاق مع المعارضة على إجراء الانتخابات.

وسعى حسن شيخ محمود إلى تحويل الصومال نحو نظام انتخابات ديمقراطية، بديلاً عن النظام القائم على شيوخ العشائر، إلا أن مساعيه قوبلت بمعارضة من قادة الأقاليم، معتبرين أنها محاولة للاستحواذ على السلطة.

وفي ظل سيطرة «حركة الشباب» المتمردة على أجزاء واسعة من البلاد، لم يُحرَز سوى تقدم محدود في تنظيم الانتخابات خارج عدد قليل من المناطق المحلية. غير أن لجنة الانتخابات أعلنت في بيان أن الانتخابات البرلمانية ستُجرى في 15 أبريل (نيسان) 2027، على أن تليها انتخابات رئاسية مقررة في 15 مايو.

وقالت إن الانتخابات الرئاسية ستُجرى وفقاً لقانون «ينص على أن مدة ولاية الرئيس هي خمس سنوات، تبدأ بتاريخ أداء الرئيس اليمين لتولي المنصب».

وتولى حسن شيخ محمود السلطة عام 2022، لكنه يعتبر أنه مُنح عاماً إضافياً في الرئاسة بعد إقرار البرلمان في وقت سابق من هذا العام تعديلاً دستورياً وضع إطاراً للانتخابات، ومدّد الاستحقاق الانتخابي. وقاطعت أحزاب المعارضة ذلك التصويت ورفضت التعديلات.


هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
TT

هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

شنَّت الميليشيا الحوثية، الخميس، هجوماً بالصواريخ على محيط قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من الحراسة الرئاسية وإصابة آخرين، ووقوع أضرار مادية في المنشأة.

وبينما أقرَّت الجماعة بتنفيذ الهجوم، أكدت وزارة الإعلام اليمنية سلامة رئيس الوزراء شائع الزنداني وأعضاء الحكومة، مشيرة إلى أنهم لم يعودوا يعقدون اجتماعاتهم داخل القصر بصفة دائمة تحسباً لهذه الهجمات.

واطمأن رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي، في اتصالات هاتفية، على سلامة عضوي مجلس القيادة الفريق الركن عبد الرحمن المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وأعضاء الحكومة، عقب الهجوم الإرهابي، حيث استمع إلى تقرير أولي بشأن آثاره، والإجراءات المتخذة للتعامل مع تداعياته.

وأكد العليمي أن الهجوم الحوثي على القصر يمثل امتداداً لنهج الميليشيات في الاعتداء على المطارات والمنشآت النفطية والأعيان المدنية في اليمن والسعودية، وتهديد أمن المنطقة وممراتها المائية، ويكشف مجدداً عن الطبيعة الإرهابية للحوثيين، وعجزهم عن مواجهة إرادة اليمنيين في استعادة المؤسسات الوطنية.

وشدَّد الرئيس على أن الدولة ستواصل أداء مسؤولياتها الدستورية بكل حزم، وأن حماية منشآتها السيادية، ومواطنيها مسؤولية لا تقبل المساومة، مُوجِّهاً الجهات العسكرية والأمنية المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة والتصدي للتهديدات الإرهابية، والرد المناسب على مصادر التهديد، وفقاً للقانون وبما يكفل حماية المدنيين والأعيان المدنية.

العليمي اطمأن هاتفياً على المحرمي والصبيحي والزنداني وأعضاء الحكومة عقب الهجوم (سبأ)

بدوره، أكد مجلس الوزراء أن الاعتداء على قصر معاشيق بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يكشف عن النهج الإرهابي للحوثيين وإمعانهم في استهداف المدنيين، مشدداً على أنه لن يثني الحكومة عن أداء مسؤولياتها، وواجباتها تجاه المواطنين، ومواصلة معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب التي تمضي بها عملية «فجر اليمن».

وأوضح المجلس، في بيان، أن هذا الاستهداف يأتي في سياق نمط متصاعد من الإرهاب الحوثي الذي لم يقتصر على استهداف مؤسسات الدولة، بل امتد إلى الاعتداءات على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية في السعودية، وقصف الأحياء السكنية بمحافظتي تعز ولحج، بما يعرض حياة المدنيين للخطر ويضاعف معاناتهم.

ونوَّه البيان إلى أن الحوثيين يمثلون تهديداً مباشراً لأمن اليمن وجواره، وللاستقرار الإقليمي والمصالح الحيوية في المنطقة، مضيفاً: «لن يكون مستقبل اليمن رهناً لميليشيا تحمل السلاح في وجه شعبها، وتستهدف أمن جيرانها، وتراهن على العنف لتعويض رفض اليمنيين لمشروعها الانقلابي».

ودعا المجلس المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف واضح وحازم إزاء هذه الاعتداءات، وعدم التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة عن سياقها، وممارسة الضغوط اللازمة لوقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن عدم إفلاتهم من المساءلة.

وأشار البيان إلى مُضي الحكومة في أداء واجباتها، ومساندة القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية والمقاومة الشعبية في معركة استعادة سلطة الدولة، وتعزيز حضور مؤسساتها وخدماتها، وحماية المواطنين، بالتوازي مع مواصلة الجهود السياسية والاقتصادية والإنسانية اللازمة لتخفيف معاناة الشعب اليمني.


نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
TT

نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)

تزداد المخاوف في ظل تصاعد أعداد النازحين الجدد في اليمن مع استمرار الحوثيين في استهداف التجمعات السكنية بمدينة تعز وأريافها، في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بفعل ارتفاع الإصابات المشتبه بها بالكوليرا، وتراجع قدرة المرافق الصحية على تلبية الاحتياجات المتنامية، وسط صعوبات تواجه وصول المساعدات إلى مناطق النزوح.

وتتداخل تداعيات القتال مع المخاطر الصحية التي تلاحق الفارين من منازلهم، إذ لا تنتهي معاناة الأسر بمغادرة مناطق المواجهات، بل تبدأ رحلة أخرى لتأمين المأوى والمياه النظيفة والرعاية الطبية، في ظل اكتظاظ مواقع النزوح ومحدودية الخدمات الأساسية.

وتحذر البيانات الإنسانية من أن استمرار الأعمال العدائية في تعز، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، قد يدفع مزيداً من السكان إلى الفرار، بينما تزداد المخاطر الناجمة عن انتشار الأمراض في بيئات تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ارتفع إجمالي حالات الكوليرا المشتبه بها والمبلّغ عنها في اليمن خلال عام 2026 إلى 8034 حالة، بينها 27 وفاة. وسُجّل نحو ربع الحالات خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد القتال واستمرار نزوح السكان.

الحوثيون يواصلون استهداف التجمعات السكنية في تعز وأريافها (إعلام محلي)

وتتركز 92 في المائة من الحالات المبلّغ عنها في خمس محافظات هي أبين ولحج والضالع وتعز وعدن، وهي مناطق تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، ما يزيد الضغوط على الخدمات الصحية وشبكات المياه والإصحاح البيئي.

ولا تقتصر التداعيات الصحية على الأراضي اليمنية؛ إذ أبلغت السلطات الصحية في جيبوتي عن 44 حالة إسهال مائي حاد، ووفاة واحدة بين اللاجئين اليمنيين هناك، في مؤشر على اتساع الاحتياجات الإنسانية والصحية المرتبطة بحركة السكان.

وتحذر المنظمة من أن الاكتظاظ في مواقع النزوح، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة، وتعطل الخدمات الصحية، عوامل تزيد احتمالات انتقال الأمراض، بما فيها الكوليرا والحصبة، وغير ذلك من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنسبة إلى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً أن الإصابة بالمرض قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة عندما يتعذر الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على مياه آمنة، فيما تواجه الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها صعوبات في تحمل تكاليف العلاج وتأمين احتياجاتها اليومية.

تعز في صدارة النزوح

تظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين بفعل التصعيد الحوثي بلغ 217 ألفاً و303 أشخاص حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتستضيف محافظة تعز 55 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنحو 45 ألفاً و390 نازحاً، ثم عدن بـ26 ألفاً و112 شخصاً.

وفي تعز، تعد مديريات جبل حبشي والمعافر والشمايتين من أكثر المناطق استضافة للنازحين، بأعداد بلغت، على التوالي، 32 ألفاً و346، و31 ألفاً و230، و24 ألفاً و942 شخصاً. وشهدت هذه المديريات أيضاً بعضاً من أشد الأعمال العدائية خلال الأيام الأخيرة.

وتزداد صعوبة الاستجابة الإنسانية مع تعذر الوصول إلى معظم مواقع النزوح في تعز بسبب استمرار الصراع، الأمر الذي يضع أعداداً كبيرة من الأسر أمام احتمالات نقص المساعدات والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الناجمة عن النزوح وتفشي الأمراض.

الفارون من هجمات الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية ما ساعد على تفشي الأمراض المعدية (إعلام محلي)

وتحذر منظمة الصحة العالمية كذلك من الضغط المتنامي على المرافق الطبية التي تستقبل آلاف المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن نحو 500 مرفق صحي في تسع محافظات متضررة من تصاعد النزاع يفتقر إلى دعم الشركاء.

ويعني استمرار هذا النقص أن قدرة النظام الصحي على التعامل مع الإصابات الناجمة عن القتال والأمراض المعدية تواجه تحديات متزامنة، في وقت تحتاج فيه مناطق النزوح إلى استجابة تجمع بين توفير الخدمات العلاجية والمياه النظيفة وتحسين الظروف الصحية في أماكن الإيواء.