حوثيون يتبادلون اتهامات بتبديد 40 مليار دولار

تقرير داخلي رصد مسارات نهب المال العام والجبايات خلال سنوات الانقلاب

يسيطر جناح محمد علي الحوثي على النسخة الانقلابية من الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة (إعلام حوثي)
يسيطر جناح محمد علي الحوثي على النسخة الانقلابية من الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة (إعلام حوثي)
TT

حوثيون يتبادلون اتهامات بتبديد 40 مليار دولار

يسيطر جناح محمد علي الحوثي على النسخة الانقلابية من الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة (إعلام حوثي)
يسيطر جناح محمد علي الحوثي على النسخة الانقلابية من الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة (إعلام حوثي)

في تطور لصراع الأجنحة الحوثية على النفوذ والفساد، اتهم تقرير داخلي، لم تنشره الجماعة، جناح القيادي أحمد حامد، مدير مكتب رئيس ما يعرف بـ«المجلس السياسي الأعلى» بنهب ما يقارب 40 مليار دولار خلال السنوات السبع الماضية.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» عن بعض مضامين التقرير الذي اتهم جناح حامد بنهب 14.111 مليار دولار، من خزينة الدولة وعدد من صناديقها وحسابات مؤسساتها مثل التأمينات والمعاشات بشكل مباشر، وبنهب أموال أخرى تقدر بنحو 13 مليار دولار، بمسميات «المجهود الحربي» ورفد الجبهات وكفالة عائلات قتلى الحرب، وعائدات إيرادات قطاع النفط والغاز، والإضافات السعرية والضريبية والجمركية.

التقرير أعده بشكل سري 5 أعضاء فيما يسمى مجلس النواب الخاضع للحوثيين وعدد من العاملين في الجهات الرقابية الانقلابية الموازية مثل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، وجميعها جهات يسيطر عليها الانقلابيون الحوثيون، بإيعاز وتشجيع من قيادات في جناح محمد علي الحوثي، حيث كانت المؤسسات العمومية التي يسيطر عليها جناح أحمد حامد والأنشطة التي يشرف عليها، موضوعاً لذلك التقرير.

وذهبت اللجنة التي أعدت التقرير إلى أن الإتاوات والجبايات المفروضة على الشركات التجارية ورجال الأعمال وأصحاب المحال التجارية والمطاعم والمزارعين وملاك العقارات والمنازل تناهز 4.2 مليار دولار، باستثناء ما يجري تحصيله للمناسبات الدينية كعيد الغدير والمولد النبوي.

مدخل البرلمان اليمني الذي يسيطر عليه الحوثيون في صنعاء (رويترز)

ووفقاً للمصادر، فإن اللجنة تحدثت عن 11 مليون دولار يتم جمعها في كل مناسبة، بينما تم نهب وبيع أصول عقارية ومنقولة من أموال الدولة بما يصل إلى 5.6 مليار دولار.

تأييد النهب ورفض الاستئثار

وأوضحت المصادر أن التقرير الحوثي تعاطى مع الممارسات غير القانونية مثل الجبايات والإتاوات غير القانونية والتبرعات الإجبارية لتمويل المناسبات الطائفية للجماعة، أو الإضافات السعرية والجمركية والضريبية؛ كإجراءات شرعية وقانونية، ووجه الاتهامات للقادة والمشرفين الموالين لجناح أحمد حامد بنهب الأموال وتوجيهها إلى حسابات بنكية خاصة، أو اكتنازها في المنازل.

وكان مقرراً أن تعرض نتائج التقرير أمام البرلمان الحوثي غير الشرعي ويتم الإعلان عنها لوسائل الإعلام، إلا أن ضغوطاً من أعلى هرم قيادة الانقلاب حالت دون ذلك، بحجة أن نتائجها وردود الفعل حولها لن تخدم الجماعة، وستؤدي إلى المزيد من الغضب الشعبي تجاهها.

وطبقاً للمصادر؛ فإن توجيهات حوثية عليا صدرت إلى محمد العماد، المحسوب على جناح محمد علي الحوثي، بعدم نشر أي أخبار أو تفاصيل عن التقرير في قناة «الهوية» التي يملكها ويديرها، خصوصاً أنه هو شقيق علي العماد الذي ينتحل صفة رئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وهو إحدى الجهات التي شاركت في إعداد التقرير.

القيادي الحوثي أحمد حامد في إحدى زياراته لدائرة حكومية تحت سيطرته (تويتر)

وبحسب معلومات المصادر، فإن التقرير حاول تبرئة جناح محمد علي الحوثي والكيانات التابعة له من الفساد، وادعى أن الجهات الإيرادية التي يديرها هذا الجناح، ومنها على سبيل المثال الأوقاف والزكاة والمنظومة العدلية، تعمل على توريد ما تتحصله من مبالغ إلى البنك المركزي، على عكس ما تفعله الجهات والكيانات التي يديرها أحمد حامد.

وذكرت المصادر أن قياديين حوثيين فيما يسمى الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والهيئة العليا لمكافحة الفساد، وهي الجهات التي تخضع لجناح الحوثي، التقوا مهدي المشاط، رئيس ما يعرف بالمجلس السياسي الأعلى (مجلس حكم الانقلاب)، وأبلغوه بما ورد في التقرير، في مساعٍ منهم لإحداث خلاف بينه وبين مدير مكتبه أحمد حامد؛ إلا أن المشاط رد عليهم بأنه سيحيل كل ما ورد في التقرير إلى حامد، وهو ما عده هؤلاء القياديون استفزازاً لهم ودافعاً للكشف عن نتائج التقرير.

اعتراف بما هو معروف

«الشرق الأوسط» عرضت ما توافر لها من بيانات عن التقرير على خبراء اقتصاديين لاستطلاع آرائهم حوله، حيث رأوا أنه لا يكشف جديداً، لكنه وبحكم أنه أعد لأجل الابتزاز والمزايدة بين طرفين يتنافسان على النفوذ والفساد، فإنه يعد اعترافاً من داخل الميليشيات بفسادها.

واكتفى الباحث وأستاذ الاقتصاد في جامعة تعز محمد علي قحطان بالتقليل من أهمية التقرير أو الاعتماد عليه كمرجعية، نظراً لعدم منطقية تقديراته أو استنادها لأي مرجعية، ويؤكد أن الممارسات المشهودة للميليشيات الحوثية تكفي لفضح فسادها من دون تقديرات كمية منسوبة إلى تقرير لم يتم الإعلان عنه بحسب رأيه.

بدوره، أكد الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي أن مؤشرات الفساد الحوثي واضحة، ولا تحتاج إلى العناء لكشفها؛ إذ إن دولة بكامل مواردها الطبيعية يتم تحصيلها وبكفاءة لصالح الجماعة، وفي المقابل لا يتم إعادتها إلى الشعب.

القيادي محمد علي الحوثي في اجتماع مع قيادة هيئة الأوقاف التي أنشأها للسيطرة على العقارات (تويتر)

ووصف المساجدي ما يجري في مناطق سيطرة الميليشيات بالاختلال العميق في توزيع الثروة، وهو ما تكرسه العقيدة المالية للميليشيات المتمثلة في احتكار القوة والمال وتجويع الناس، وتدمير مراكز القوى الاقتصادية واستهداف رؤوس الأموال، ومصادرة ونهب أموال التأمينات وصناديق المعاشات والتقاعد، وتجميد أرصدة البنوك.

ونوه إلى أن الموارد الحوثية المالية يجري تحصيلها بالقوانين النافذة، وبالقوانين والأعراف غير الدستورية التي سنتها الميليشيات منذ انقلابها، وتضاف لها التبرعات الإجبارية في المناسبات الطائفية المختلفة، وتأميم ومصادرة الممتلكات بالاستعانة بالحارس القضائي أو النيابة الجزائية المتخصصة أو بمؤسسات الدولة الأخرى.

وأشار إلى أن أحد تقارير فريق خبراء لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن وثّق نهب الحوثيين 1.8 مليار دولار في عام واحد، بما يؤكد أن متوسط ما نهبه الحوثيون يتجاوز 14 مليار دولار، وهذه الأموال تم غسلها على شكل استثمارات جديدة، وشراء عقارات وأراضٍ، وجزء منها ذهب للكسب السياسي والمجهود الحربي.

ويفيد باحث اقتصادي يمني، طلب التحفظ على بياناته لإقامته في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، بأن هدف التقرير الحوثي كما هو واضح هو المكايدة بين جناحين يتنافسان على نهب موارد البلاد وقوت اليمنيين، ويشير إلى أنه بقدر ما يملك معدو التقرير جزءاً من الحقيقة، إلا أنهم يخفون أجزاء أخرى وأشياء ربما تكون أكثر خطورة من الفساد.

وبحسب الباحث؛ فإن أجنحة الانقلاب الحوثي تتنافس على النفوذ والثروات، لكنها تتفق على تدمير مؤسسات الدولة وإفراغها من مضمونها وعزلها عن المواطن وحرمانه من خدماتها، وتحويلها لخدمة مشروع الانقلاب الحوثي بطائفيته وسلاليته، وفي سبيل ذلك أسست اقتصادها الطفيلي، وأنشأت كيانات بديلة لمؤسسات الدولة، وهو ما لم يتعرض له التقرير.

وتابع: بالتأكيد لن يتطرق التقرير إلى نهج الميليشيات في تدمير مؤسسات الدولة، وقصر وجودها على خدمة مشروعها الطائفي والمناطقي التشطيري، وتقويض كيان الدولة اليمنية وقوانينها وأنظمتها، ونهب المساعدات الدولية الموجهة إلى المتضررين من الأزمة الإنسانية التي صنعتها الميليشيات بانقلابها وحربها.

ويختم الباحث الاقتصادي بالقول «إن ما يكشفه التقرير ليس أكثر مما يعرفه الجميع، ففساد الميليشيات وإثراء قادتها لا يخفى على أحد، وقد وصلت إلى أنها لم تبقِ لليمنيين سوى الفتات، وحتى هذا الفتات تنازعهم عليه».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».