صراعات الأجنحة الحوثية تهدد مسارات التسوية في اليمن

منظر عام لمدينة صنعاء (رويترز)
منظر عام لمدينة صنعاء (رويترز)
TT

صراعات الأجنحة الحوثية تهدد مسارات التسوية في اليمن

منظر عام لمدينة صنعاء (رويترز)
منظر عام لمدينة صنعاء (رويترز)

أفادت مصادر سياسية يمنية مطلعة بأن الهدنة الأممية الأخيرة كانت على وشك الانهيار، ولهذا طُلب من وسطاء إقليميين التدخل لدى عبد الملك الحوثي لتغيير ممثليه في المحادثات الخاصة بتشغيل الرحلات التجارية من مطار صنعاء وبقية الملفات التي نصّت عليها الهدنة، وهو ما حدث وكان سبباً في صمود الهدنة وتحقيق تقدم كبير في بنودها.
وحسب المصادر، فإن كواليس الجولة قبل الأخيرة من المحادثات التي يقودها مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن عكست جانباً من التحديات التي تواجه التسوية بفعل صراع الأجنحة داخل قيادة الحوثيين وحجم المصالح التي تشكّلت وأصبحت تتحكم في الموقف من السلام.
المصادر السياسية التي تحدثت مع «الشرق الأوسط» أوضحت أنه في أثناء المحادثات الخاصة بالهدنة اتُّفق على أن تطبَّق على الرحلات التجارية المتوجهة من مطار صنعاء إلى الأردن ومصر نفس الإجراءات المتَّبَعة في المطارات التي تديرها الحكومة، ولكن عشية الموعد المحدد لانطلاق أول رحلة إلى الأردن فوجئت الحكومة اليمنية بوجود 46 راكباً يحملون وثائق سفر صادرة عن سلطة ميليشيات الحوثي، وهو ما تسبب في تأجيل انطلاق تلك الرحلة.
ووفق المصادر، دخلت الأمم المتحدة في سباق مع الزمن لتجاوز هذه الإشكالية والتي كان من شأنها أن تنسف الهدنة وكل الجهود التي بُذلت للتوافق عليها، غير أن تلك الجهود، وفق ما أكده مصدران مطلعان على المحادثات، اصطدمت بتعنت كبير المفاوضين الحوثيين عبد السلام فليتة، ما اضطر الوسطاء إلى أن يطلبوا من زعيم الميليشيات اختيار شخص آخر لاستكمال معالجة بنود الهدنة حيث تم اختيار حسين العزي نائب وزير خارجية الميليشيات، وتم خلال تلك الاتصالات التوصل إلى اتفاق قدمت خلاله الحكومة تنازلاً مهماً، سمحت بموجبه للمسافرين بحمل وثائق سفر صادرة عن سلطة الميليشيات، ولكنها أخلت مسؤوليتها من أي اختراقات أمنية أو تسلل مطلوبين إلى الخارج عبر تلك الرحلات.
لكنّ محمد العمراني وهو عضو الفريق الحكومي المفاوض يرى أنه لا يوجد غير جناح إيران المسيطر على المشهد وهذا يجعل شكل الانسجام واضحاً بين الإيقاع الإيراني والحوثي، حيث لوحظ أن إيران عندما تكون في لحظة قابلة للسلام تمضي الأمور مع الحوثيين في أكثر من موقف، ولكن عندما تكون إيران غير راضية لا يحصل مثل هذا التقدم.
ويضيف العمراني لـ«الشرق الأوسط»: «في تقديري لا توجد صقور وحمائم في الجماعة، ولكن شبكات مصالح مع عملية السلام وهم مجموعة قليلة في قيادة الحوثيين ممن لديهم مصالح تجارية ويعتقدون أن عملية السلام سوف تخدم مصالحهم مع أن ازدهار السوق السوداء يؤثر على ذلك».
وحسب العمراني فإنه لا يوجد تقسيم بالشكل المعروف، ولكن هناك سيطرة وعسكرة للمشهد، بمعنى أن شبكة العسكر التي أصبحت الحرب لديهم وسيلة للإثراء يعتقدون أن إيقاف الحرب سيكون على حسابهم ولهذا لا يريدون سلاماً.
ويرى أحد المستشارين المحليين الذي عمل لسنوات مع الأمم المتحدة، أنه كلما طال أمد الصراع تشكلت مصالح أكبر ومراكز نفوذ يصعب السيطرة عليها، ويشير إلى أن بقاء قوات عبد الله الرزامي وسط صنعاء منذ سحق الانتفاضة التي قادها الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017 تأكيدٌ على أن الرجل يبحث عن نصيبه من أي صفقة.
فإلى جانب أن ابن الرزامي -حسب المستشار- «يتولى مهمة الاستيلاء على الأراضي والمباني الفخمة في الأحياء الراقية من العاصمة فإنه يترأس اليوم الفريق الحوثي في محادثات فتح الطرق إلى تعز وبقية المحافظات، كما أن بقاء فليتة على رأس الفريق المفاوض في الملفات السياسية رغم ما ظهر من مواقف تهدف إلى إفشال جهود السلام يشير إلى أننا مقبلون على مرحلة من المواجهات الداخلية وسيكون لها تأثير واضح على مسار التسوية ونجاحها من عدمه».
ويؤكد المستشار، الذي طلب عدم ذكر اسمه لأنه لا يزال يعمل ضمن الجهات المساعدة للأمم المتحدة، أن قادة الأجنحة الحوثية توزعوا الغنائم بشكل جليّ في مناطق سيطرتهم.
لكنّ وزيراً سابقاً في الحكومة اليمنية يقول لـ«الشرق الأوسط» إن ما حدث يعكس جانباً بسيطاً من التحديات التي تواجه عملية التسوية، بسبب تعدد الأجنحة داخل قيادة الميليشيات، وحجم مصالحها حيث يقيّم كل جناح أي اتفاق بمدى تضرر مصالحه منه.
وأعاد الوزير اليمني السابق التذكير بمحادثات الكويت منتصف عام 2016 حيث تم الاتفاق على جميع بنود السلام وإيقاف الحرب ومعالجة موضوع الأسلحة والجماعات المسلحة، وعززت باتفاق ظهران الجنوب الذي وقِّع عن الجانب الحكومي والحوثيين ولكن في اللحظات الأخيرة يتلقى ممثل الميليشيات توجيهات بعدم التوقيع على مسودة اتفاق الكويت، وأعقب ذلك إزاحة القيادي الحوثي حمزة الحوثي من فريق المفاوضين، وتعيينه مسؤولاً عن مراقبة من تصفهم الجماعة بـ«الطابور الخامس» وغاب عن المشهد تماماً منذ عدة سنوات.
ويضيف: «يعرف جميع السياسيين والإعلاميين في صنعاء أن أحمد حامد مدير مكتب رئيس مجلس الحكم الحوثي، هو من يدير الجناح الأساسي المسيطر على الوظائف الحكومية وعائدات الدولة والعلاقات مع التجار والجبايات ويضم هذا الجناح رئيس فريق المفاوضين الذي يترأس شبكة القنوات الفضائية ويدير أخوه شركتين لاستيراد النفط والغاز ومعه صالح مسفر الشاعر رئيس ما تسمى هيئة الدعم اللوجيستي، وهو في الأساس تاجر سلاح أُوكلت إليه مهمة إدارة الشركات والأموال التي تم الاستيلاء عليها من المعارضين».
ووفق ما ذكره الوزير الذي فضّل حجب اسمه، فإن عبد الكريم الحوثي وهو عم زعيم الميليشيات، استولى على مجموعة من ممتلكات المسؤولين السابقين، وتجار يعارضون الانقلاب، إلى جانب استيلائه على موازنة وزارة داخلية الانقلاب التي عُيّن فيها، وكذا جهاز المخابرات الذي يشرف عليه، ويحصل على نصيبه من الجبايات التي تؤخذ من التجار في مناطق التّماس، حيث استحدث منافذ جمركية على الحدود مع مناطق سيطرة الحكومة.
والأمر كذلك -وفقاً لحديث الوزير- فإن محمد علي الحوثي والذي حاول طوال أربع سنوات تقديم نفسه كزعيم لجناح الاعتدال أصبح منهمكاً الآن بملف الأراضي سواء المملوكة للدولة أو تلك التي يريد انتزاعها من ملاكها وتحكمه المطلق بعملية بيع وشراء العقارات في مناطق سيطرة الميليشيات عبر ما تسمى المنظومة العدلية.
ويرى مراقبون سياسيون أن إقدام الميليشيات على تحويل جزء من سواحل مدينة الحديدة إلى منطقة عسكرية، ومنع الصيادين من العمل في مسافة تزيد على 17 كلم هو انعكاس لهذا الصراع المتنامي بين أجنحة الميليشيات، حيث أدت هذه الخطوة إلى حرمان الصيادين من العمل وضيّقت عليهم فرص العيش، في وقت لا تشهد المحافظة أي مواجهات، وهناك فريق مراقبة يتبع الأمم المتحدة يتولى متابعة وقف إطلاق النار حيث يتعرض الصيادون لإطلاق النار مباشرةً أو يتم جرهم إلى السجون.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.