الصين تدعو الحوثيين للتخلي عن الخيار العسكري والعودة للحوار

شاو تشنغ لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لديه ثلاث فرص وثلاثة تحديات

TT

الصين تدعو الحوثيين للتخلي عن الخيار العسكري والعودة للحوار

القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: سعد العنزي)
القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: سعد العنزي)

ترى جمهورية الصين الشعبية أن الأزمة اليمنية تمر بمرحلة حساسة وهامة يكتنفها العديد من الفرص والتحديات في آنٍ واحد، داعية الأطراف اليمنية إلى انتهاز فرص تحقيق السلام في أقرب وقت ممكن.

ووفقاً لشاو تشنغ، القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن، فإن الفرص تتمثل في رغبة وتطلعات الشعب اليمني في السلام بعد ثماني سنوات من الحرب، وتحسن العلاقات بين السعودية وإيران، إلى جانب المفاوضات القائمة بين السعودية والحوثيين.

وبالنسبة للتحديات، أوضح تشنغ في حوار موسع مع «الشرق الأوسط»، أنه يأتي في مقدمتها الثقة المفقودة بين الأطراف اليمنية، كما أن عملية تحسن العلاقات بين دول المنطقة ما زالت في بدايتها، وأخيراً الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتردية والمتفاقمة في اليمن.

المسؤول الصيني أكد أن بلاده لديها رغبة قوية في المساهمة في تحقيق السلام باليمن عبر مختلف القنوات، مشيراً إلى أهمية الأجواء الإيجابية ورياح المصالحة التي شهدتها المنطقة العربية خلال الفترة الماضية.

وشدد القائم بالأعمال الصيني على تقدير بلاده للجهود السعودية والعمانية لتحقيق السلام في اليمن، مبيناً أن جهود المملكة تحديداً وتحسن علاقاتها بإيران من شأنه أن يخلق بيئة مناسبة لحل الملف اليمني، على حد تعبيره.

وفي الوقت الذي دعا فيه شاو الحوثيين للتخلي عن الخيار العسكري والعودة إلى طاولة المفاوضات، أكد دعم بلاده الثابت لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية، ودعم سيادة اليمن ووحدته واستقراره وسلامة أراضيه.

كما تحدث تشنغ كذلك عن تاريخ التعاون بين الصين واليمن في مجال الاقتصاد والاستثمار الطويل، وما أسماه «البصمات الصينية» في اليمن، والعديد من الملفات الأخرى...

العلاقات الصينية اليمنية

يصف شاو العلاقات بين الصين واليمن بـ«التاريخية» والتي تعود إلى ما قبل آلاف السنين، وأضاف «منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الصين واليمن منذ 67 عاماً شهدت العلاقات تطورات في مختلف المجالات وأصبحت التبادلات أكبر بين الدولتين، وتوجد في اليمن الكثير من البصمات الصينية، وأشهرها الطريق والجسر الصيني (...)، لدينا علاقات طيبة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأثناء القمة الصينية - العربية التقى الرئيس الصيني نظيره اليمني، وأنا شخصياً أحتفظ بعلاقات طبية مع الرئيس العليمي والتقيت به مرات عدة، ويمكن القول إن العلاقات الصينية - اليمنية تشهد تطورات في كل المجالات بشكل كبير وصحي، ونشعر بالفخر لأن لدينا صديقاً وشريكاً كاليمن، ونتمنى أن يعود السلام والاستقرار في اليمن قريباً ليتيح البيئة المناسبة لدفع مزيد من التعاون بين البلدين».

الفرص والتحديات في اليمن

وأكد المسؤول الصيني أن بلاده تدعو منذ وقت مبكر إلى تحقيق السلام في اليمن وإيقاف الحرب المستمرة لأكثر من ثماني سنوات، مشدداً على دعم الصين مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية بشكل ثابت، ودعم سيادة اليمن ووحدته واستقراره وسلامة أراضيه.

وتابع «أعتقد حالياً أن اليمن يتمتع بالفرص ويواجه تحديات في الوقت نفسه، هناك ثلاث فرص أمامنا، الأولى بعد حرب استمرت ثماني سنوات أصبحت تطلعات الشعب اليمني للسلام أكبر فأكبر، ثانياً أصبحت العلاقات بين دول المنطقة أحسن فأحسن، حيث نجحت الصين في التوسط بين السعودية وإيران لإجراء مباحثات في بكين والتوصل لاتفاق لتطبيع العلاقات، ونأمل من قلوبنا أن يساعد تطبيع العلاقات الثنائية بين السعودية وإيران على حل مزيد من القضايا والملفات في المنطقة، ومن ضمنها الملف اليمني وتأتي بمزيد من الاستقرار والأمان في المنطقة».

الفرصة الثالثة بحسب شاو هي «المفاوضات بين السعودية والحوثيين والتي حققت بعض النتائج في بعض المجالات، ونتمنى أن يأتي هذا التفاوض بمزيد من الفوائد والتقدم لكي يرسي أساساً متيناً للسلام في المستقبل».

أمام التحديات، وفقاً للنظرة الصينية، الثقة المفقودة بين الأطراف اليمنية بعد ثماني سنوات من الحرب، ويوضح: «ما زالت الثقة المتبادلة بين الأطراف المختلفة مفقودة وتحتاج إلى مزيد من الوقت لاستعادتها، ثانياً ما زالت عملية تحسن العلاقات بين دول المنطقة في بدايتها وما زالت هشة، وثالثاً ما زالت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في اليمن متفاقمة ولا يمكننا حلها بين ليلة وضحاها».

وأضاف «باختصار، اليمن حالياً في نقطة حساسة ومهمة تكتنفها الفرص والتحديات، وأتمنى للأطراف المختلفة انتهاز الفرص والتغلب على التحديات لخلق بيئة مناسبة لتحقيق السلام، ونتمنى أن نرى حل القضية اليمنية قريباً».

الجهود الصينية لحل النزاع اليمني

ولفت شاو تشنغ إلى أن الصين تعمل على تحقيق السلام في العالم عبر مبادرة الأمن العالمية التي طرحتها في السابق، مدللاً على أن نجاحها في التوسط بين السعودية وإيران لتطبيع العلاقات خير دليل على تنفيذ هذه المبادرة.

وبالنسبة لليمن، أوضح أن الصين تبذل جهوداً لحل هذا الملف، مبيناً أنها دعت الشهر الماضي المبعوث الأممي غروندبرغ إلى زيارة بكين وأجرت لقاءات معمقة معه.

وأضاف «كما نحضر اجتماعات مجلس الأمن حول اليمن ونعبّر عن موقفنا، وفي الأسبوع الماضي شاركت مرئياً في منتدى اليمن الدولي في دورته الثانية، وأكدت الموقف الصيني تجاه اليمن حول دعم المجلس الرئاسي والحكومة الشرعية اليمنية ودعم كل جهود تحقيق السلام في اليمن، كما تحافظ الصين على التواصل المستمر مع السعودية وإيران لتنفيذ الاتفاق وتحرص على تقديم المنصة للدول المختلفة لحل النزاعات والخلافات، باختصار نحن نرغب في تقديم المساهمات لحل الملف اليمني وتحقيق السلام عبر القنوات المختلفة».

الجهود السعودية - العمانية

وأشار القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن، إلى أن بلاده تقدر الجهود السعودية - العمانية ودول المنطقة لتحقيق السلام في اليمن، وقال «نتمنى أن تتقدم العملية السلمية اليمنية إلى الأمام خطوة بخطوة، نقدّر بشكل خاص الجهود السعودية في هذا المجال خلال الفترة الماضية، ونأمل من المملكة مواصلة جهودها لتحسين العلاقات مع إيران؛ لأن هذا سيخلق البيئة المناسبة لحل الملف اليمني».

خديعة الحوثيين لشركة صينية

كما جدد شاو تشنغ التأكيد على أن الحكومة الصينية لا علاقة لها إطلاقاً بالشركة الصينية التي وقّعت مذكرة تفاهم مع الحوثيين ثم ألغتها بعد اكتشافها الخديعة، وقال «أريد أن أوضح في البداية أن هذه الشركة من القطاع الخاص وليس لديها أي علاقة بالحكومة الصينية، وتعرّضت هذه الشركة للخدعة من الوكيل غير الشرعي ووقّعت مذكرة تفاهم مع الحوثيين، وبعد ذلك أعلنت أن مذكرة التفاهم غير قانونية، كما أريد التأكيد على أن الصين تدعم مجلس القيادة الرئاسي بقيادة الدكتور رشاد العليمي، ودعم سيادة اليمن واستقراره ووحدة أراضيه».

وفي سؤاله عما إذا كان لدى الحكومة الصينية أي علاقة مع الحوثيين من أي نوع، أجاب شاو بتأكيده أن «الصين تدعم الحكومة الشرعية اليمنية، وتدعو الأطراف اليمنية المختلفة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات بأسرع وقت ممكن لانطلاق مفاوضات السلام».

وبيّن أنه «يحافظ على تواصل مستمر مع مجلس القيادة الرئاسي والرئيس العليمي»، داعياً «الحوثيين إلى التخلي عن الخيار العسكري والعودة إلى الطاولة».

مستقبل الاستثمارات الصينية في اليمن

وأوضح أن تاريخ التعاون بين الصين واليمن في مجال الاقتصاد والاستثمار طويل، قائلاً: إن من أهم المشاريع الصينية في اليمن طريق الحديدة - صنعاء الذي ساعدت الصين في بنائه، ولفت إلى «فقد أكثر من 100 مهندس وطبيب صيني حياتهم أثناء شق هذه الطريق ودُفنوا في مقبرة الشهداء الصينيين في صنعاء».

وأضاف «قبل بضعة أشهر زرت المكلا وشاهدت جسر الصداقة الصيني الذي يربط الجانب الشرقي بالغربي للمدينة، أعتقد أنه يرمز لصداقة بين الشعبين الصيني واليمني، كذلك قدمت الصين الكثير من المساعدات الطبية لليمن وساعدت على بناء المستشفيات والعيادات، وأرسلت نحو 3500 طبيب لليمن قدموا دعماً في عمليات الولادة والعمليات الجراحية».

100 مشروع صيني عملاق في اليمن

وبحسب القائم بأعمال السفارة الصينية، بلغ عدد المشاريع الصينية العملاقة في اليمن قبل حرب 2015 نحو 100 مشروع، لافتاً إلى أن هذه الشركات اضطرت إلى الانسحاب بعد الحرب. وكشف عن أن الشركات الصينية لديها رغبة في المشاركة في إعادة إعمار اليمن.

وتابع «حالياً يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3 مليارات دولار، في حين يبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية أكثر من 400 مليار دولار، هناك العسل اليمني بين الأفضل في العالم، وهناك قهوة المخا أيضاً بين الأفضل في العالم، إلى جانب الاستكوزا اليمنية المميزة، وهنا ندعو اليمن للمشاركة في معرض الصين الدولي للاستيراد الذي سيعقد في شنغهاي نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وفي الوقت نفسه تعلن الصين مبادرات مهمة عدة، مثل مبادرة الحزام والطريق ومبادرة التنمية العالمية، نأمل أن يشارك اليمن في هذه المبادرات، حالياً يوجد نحو 30 ألف يمني في الصين معظمهم من التجار يشكلون جسراً يربط الصين باليمن، كما نريد أن نرى مزيداً من البصمات الصينية في الأراضي اليمنية».

شاو تشنغ القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن (تصوير: سعد العنزي)

وتعهد المسؤول الصيني بتقدم «مزيد من التسهيلات والدعم للسفر إلى الصين وجذب مزيد من التجار العرب واليمنيين للاستثمار في الصين». قائلاً «نسمع أن أكثر من 70 - 80 في المائة من البضائع في اليمن صينية، ونرغب في المساعدة والدعم للتنمية الاقتصادية في اليمن».

رؤية الصين للقضية الجنوبية

وحول رؤية بلاده للقضية الجنوبية، أجاب القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن بقوله «نحن دائماً ندعم سيادة اليمن ووحدته واستقرار وسلامة أراضيه، ودائماً ندعم مجلس القيادة الرئاسية بقيادة الدكتور رشاد العليمي، وندعو الأطراف اليمنية المختلفة إلى الحفاظ على الوحدة لتقديم المساهمة المشتركة لتحقيق السلام في اليمن، ثماني سنوات من الحرب طويلة سواء بالنسبة للأشخاص أو بالنسبة للبلد، ونتمنى من الأطراف المختلفة أن تسمع أصوات الشعب اليمني الحقيقية لتحقيق السلام».

عشق المندي والاستكوزا

على الجانب الشخصي، يحب شاو تشنغ القراءة كثيراً، مبيناً أنه يقرأ حالياً كتاب الرئيس الصيني شي جينبينغ حول الحكم والإدارة والذي يحمل مفاهيم مهمة عدة حول مجتمع البشرية للمستقبل المشترك والترابط والحوار بين الثقافات والحضارات المختلفة.

كما يحب الأكلات اليمنية، وفي مقدمتها «المندي»، على حد قوله، وأضاف (ضاحكاً) بقوله «أثناء زيارتي للمكلا أعجبت بالمأكولات البحرية خاصة الاستكوزا، كما أهدوني العسل اليمني وأستخدمه في الرياض لإعداد الكيك».


مقالات ذات صلة

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ) p-circle

خاص مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثيين إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية لجعل المدارس مكاناً لتشكيل الوعي والاستقطاب والتجنيد.

عاصم الشميري (جدّة)
العالم العربي دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

أعلنت «أسبيدس» تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

يثير انخراط الحوثيين لنصرة إيران نقاشاً واسعاً بين اليمنيين وتتفاوت ردود الفعل بين قلق من التبعات وتوقعات بتأثير هذه الخطوة على مستقبل الجماعة الانقلابية.

وضاح الجليل (عدن)
شؤون إقليمية قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني يتحدث خلال حفل أقيم في طهران، 14 أبريل 2022 (رويترز)

قاآني: الجماعات المدعومة من طهران أسهمت في «نظام جديد» بالمنطقة

أشاد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، بجهود التنظيمات المسلحة المدعومة من طهران التي أنتجت ما وصفه بـ«النظام الجديد في المنطقة».

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended