تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

نقص التمويل يهدد الغذاء... وقرب انهيار 100 شبكة إمداد خلال أسابيع

سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)
سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)
TT

تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)
سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)

ازدادت مؤشرات اقتراب السودان من انفجار أزمة إنسانية غير مسبوقة تُعدُّ الأشد خطورةً، بعدما أطلقت منظمتان تابعتان للأمم المتحدة تحذيرَين متزامنين من أن يؤدي النقص الحاد في التمويل إلى تقليص المساعدات الغذائية، وانهيار نظام رئيسي لإيصال مواد الإغاثة خلال أسابيع، في وقت يعاني فيه نحو 20 مليون شخص من الجوع الحاد.

وحذَّرت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، من أن النظام الذي تديره لإيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، وتستخدمه أكثر من 100 منظمة غير حكومية محلية ودولية، قد ينهار «خلال أسابيع» إذا لم يتوفر تمويل جديد.

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (يونيسف)

وقالت المديرة العامة للمنظمة، آمي بوب، في بيان صدر في جنيف: «قد ينهار النظام الإنساني بأكمله خلال أسابيع إن لم نتحرَّك الآن... من دون تمويل جديد لن نتمكَّن من إيصال المساعدات إلى حيث تتعاظم الحاجة إليها».

وفي تحذير متزامن، قال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، إن البرنامج قد يضطر إلى تقليص عملياته في السودان بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة؛ بسبب نقص التمويل، رغم أن البلاد تواجه ما وصفها بأنها «أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم».

وأدلى سكاو بتصريحاته للصحافة من مسقط في سلطنة عُمان، عقب زيارة إلى السودان استمرَّت 8 أيام، شملت الخرطوم والأبيض والفاشر وطويلة، وقف خلالها على أوضاع النازحين، والجوع، وصعوبات وصول المساعدات إلى مناطق النزاع.

سودانية تقوم بزرع البذور في حقل زراعي بولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

وقال إن نحو 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، بينما يبلغ عدد النازحين 14 مليوناً، ويواجه نحو 5 ملايين شخص مستوى «الطوارئ» من انعدام الأمن الغذائي، وفق المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يوجد نحو 200 ألف في المرحلة الخامسة، وهي أشد المستويات خطورة.

ويصل برنامج الأغذية العالمي إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص شهرياً، بينهم ما بين مليونَين، ومليونين ونصف المليون في المناطق التي يصعب الوصول إليها، لكن سكاو قال إن التمويل أصبح العقبة الرئيسية أمام استمرار هذه العمليات.

وأضاف سكاو: «عملياتنا تعاني نقصاً شديداً في التمويل، وهناك خطر بأن نضطر إلى تقليصها بصورة كبيرة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما لم يتوفر مزيد من التمويل».

ويتقاطع تحذير برنامج الأغذية العالمي مع أزمة مماثلة تواجه المنظمة الدولية للهجرة، التي تدير «خط الإمداد الإنساني المشترك»، وهو نظام لوجستي يمكِّن أكثر من 100 منظمة غير حكومية من إدخال المساعدات غير الغذائية، بما فيها الخيام ومستلزمات الإيواء والصرف الصحي والأدوات المنزلية الطارئة.

الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)

ووصلت المساعدات عبر هذا النظام إلى نحو مليونين و840 ألف شخص منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، لكن تراجع التمويل أدى إلى انكماش حاد في نطاق المستفيدين، من أكثر من مليون شخص عام 2024 إلى 330 ألفاً فقط خلال العام الحالي.

وحذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من أنه، من دون دعم فوري من المانحين، يتوقع أن تنفد مخزونات الملاجئ ومواد الصرف الصحي والأدوات المنزلية المخصصة للإغاثة الطارئة بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي، مشيرة إلى أنَّ التَّعرُّض الطويل للظروف الجوية القاسية والأمراض وانعدام الأمن قد يزيد مخاطر العنف.

تجربة مروعة

وتظهر آثار نقص التمويل بالفعل في بلدة «طويلة» بشمال دارفور، التي يقترب عدد الموجودين فيها من مليون شخص. وقال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي يقدِّم المساعدات إلى نحو 950 ألف شخص شهرياً هناك، لكنه لا يستطيع توفير سوى نصف الحصة الغذائية.

الحرب شرَّدت ملايين السودانيين بين نزوح بالداخل ولجوء في الخارج (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «نحن نوفر لهم الطعام الذي يكفيهم لأسبوعين فقط، ويتم ذلك كل شهر»، مشيراً إلى أن المنطقة تضم أعداداً كبيرة من الأسر التي تعيلها نساء، فقدت الكثيرات منهن أزواجهن وأبناءهن، وسط نقص في المأوى والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية.

وفي الفاشر، وصف سكاو مشاهداته بأنها «تجربة مروعة». وقال إن المدينة التي كانت تضم نحو مليون شخص، لم يبقَ فيها سوى عشرات الآلاف، وإنه شاهد منازل مثقوبة بالرصاص، وسيارات محترقة، وغياباً شبه كامل للأسواق والنشاط الاقتصادي.

ويقدِّم البرنامج مساعدات غذائية منقذة للحياة لنحو 20 ألف شخص في المدينة. وقال سكاو إن هذه المساعدات هي «الشيء الوحيد الذي يعتمد عليه الأشخاص الذين ما زالوا هناك».

أما مخيم زمزم للنازحين، الذي مرَّ به المسؤول الأممي في طريقه من الفاشر إلى طويلة، فوصفه بأنه «مكان مهجور بالكامل»، بعد تدمير الأكواخ والمنازل الصغيرة وخلوه من السكان.

وفي كردفان، حيث قال سكاو إن القتال يتصاعد، وإن مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان تواجه ضغطاً متزايداً جراء استمرار تدفق النازحين، مشيراً إلى تضاعف عدد سكان المدينة تقريباً مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، بينما تجاوزت مخيمات النزوح الـ8 الموجودة فيها فيها طاقتها الاستيعابية.

طوابير من النساء والأطفال لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزَّع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض بمنطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)

وبسبب نقص الموارد، قال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي أصبح مضطراً إلى إعطاء الأولوية للنازحين الجدد، مقابل وقف المساعدات عن بعض الذين نزحوا قبل 3 سنوات، رغم عدم قدرتهم على العودة إلى مناطقهم أو العثور على فرص عمل.

ولا تقتصر المخاطر على الحرب ونقص التمويل، إذ حذَّر المسؤول الأممي من جفاف في دارفور قال إن الإقليم لم يشهد مثله منذ عام 1984، وسط مخاوف من تأثيره في الزراعة والثروة الحيوانية، وبالتالي زيادة الضغط على مصادر الغذاء.

ورغم استمرار الصعوبات الأمنية والقيود على عبور خطوط القتال، قال سكاو إن البرنامج أصبح يمتلك قدرةً ميدانيةً على العمل وإيصال الغذاء إلى دارفور عبر تشاد والكاميرون، وإلى كردفان من بورتسودان والخرطوم، إلا أن نقص الأموال يمنعه من الاستفادة الكاملة من هذه القدرة، بقوله: «لدينا الآن القدرة، ولدينا الوجود، لكننا لا نستفيد بصورة كاملة من هذه المساحة بسبب نقص التمويل».

وتضع التحذيرات المتزامنة من برنامج الأغذية العالمي والمنظمة الدولية للهجرة منظومة الإغاثة أمام أسابيع حاسمة، إذ يهدِّد نقص التمويل في وقت واحد إمدادات الغذاء والمأوى والصرف الصحي والمواد الأساسية، بينما تتسع الاحتياجات بفعل النزوح والقتال والجفاف.

ودعا سكاو إلى تحرُّك سياسي لإنهاء الحرب، وإلى توفير التمويل اللازم لاستمرار المساعدات الإنسانية، قائلاً: «لا يمكننا الاستمرار في خذلان هؤلاء الناس. علينا أن نوفر لهم الأساسيات».


مقالات ذات صلة

حاكم دارفور يعلن استعادة مناطق في غرب الإقليم

شمال افريقيا رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (إعلام مجلس السيادة)

حاكم دارفور يعلن استعادة مناطق في غرب الإقليم

شن الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه هجمات ضد «قوات الدعم السريع» في محاور عدة في غرب دارفور.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

التقى مبعوث للرئيس الأميركي بقائد الجيش السوداني مطلع الأسبوع في مصر، حيث تسعى واشنطن ووسطاء آخرون إلى إنهاء حرب تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا تجمع في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 احتفالاً بعودة حاكم إقليم دارفور قائد «حركة تحرير السودان» مني أركو مناوي إلى البلاد عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (أ.ف.ب)

تمديد مهمة بعثة «تقصّي الحقائق» في السودان

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بتمديد ولاية «البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان» لمدة عام إضافي.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)

قتيل بهجوم جوي على قافلة لبرنامج الأغذية العالمي جنوب كردفان

قال برنامج الأغذية العالمي، الأحد، إن شخصاً لقي حتفه في هجوم جوي استهدف قافلة مساعدات تابعة للبرنامج في جنوب كردفان بالسودان، يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

مصر تعوّل على دعم دولي وإقليمي لدفع الحل السياسي في السودان

دعت مصر إلى ضرورة دفع الحلول السياسية للأزمة السودانية، بما يساهم في إنهاء الحرب، ورفع المعاناة الإنسانية عن الشعب السوداني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)
الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)
TT

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)
الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)

انتخب مجلس النواب الليبي - الذي يعقد جلساته في مدينة بنغازي (شرق البلاد) - النائب الصالحين عبد النبي، رئيساً له للدورة البرلمانية الجديدة، لتطوى بذلك صفحة المستشار عقيلة صالح، الذي يتولى رئاسة البرلمان منذ عام 2014.

وقال عبد الله بليحق، المتحدث باسم المجلس، مساء الثلاثاء، إن عبد النبي انتخب خلفاً لصالح، وذلك خلال جلسة عقدت برئاسة النائب الثاني لصالح، مصباح دومة. وينتسب عبد النبي إلى قبيلة العبيدات التي ينحدر منها صالح الذي ناهز 82 عاماً.

وكان مجلس النواب قد عقد جلسته، بمقره في بنغازي، برئاسة النائب الثاني؛ بقصد انتخاب هيئة الرئاسة، في أجواء سابقة على الجلسة شابتها خلافات عميقة وانقسام بين موالين لصالح من بينهم نائبه الأول فوزي النويري، وآخرين يدعون لإعادة مناقشة تعديل اللائحة الداخلية كي يتم انتخاب رئيس جديد للمجلس.

يُمثّل عبد النبي الدائرة الفرعية طبرق في مجلس النواب منذ عام 2014 (وزارة العدل بالحكومة الليبية)

يُمثّل عبد النبي الدائرة الفرعية طبرق في مجلس النواب منذ عام 2014، وتتوزع نشاطاته بين عضوية لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، ورئاسة لجنة الصداقة البرلمانية الليبية - التركية، فضلاً عن مشاركاته في لقاءات ومؤتمرات برلمانية إقليمية ودولية، وأنشطة الاتحاد البرلماني العربي.

وعقب انتخاب عبد النبي، بحضور 110 نواب، شرع المجلس مساءً الثلاثاء في انتخاب النائب الأول لرئيس المجلس من بين المرشحين: طارق الأشتر، الصديق حمودة، وعز الدين قويرب. والعبيدات، وهي إحدى أكبر وأبرز القبائل الليبية في منطقة الجبل الأخضر وطبرق وما حولها بشرق ليبيا.

ويتألف مجلس النواب الليبي قانوناً من 200 مقعد، شُغِل منها 188 مقعداً فقط في انتخابات عام 2014 تعذراً للاقتراع في بعض الدوائر لأسباب أمنية، بينما يتراجع عدد الأعضاء الممارسين فعلياً اليوم عن ذلك الرقم من جراء حوادث الوفاة والاستقالة والمقاطعة.

وكان المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، قد التقى الأسبوع الماضي عدداً من نواب البرلمان على خلفية أزمة مع رئيسه صالح، وانتهى الاجتماع بتأكيد دعم حفتر «للجهود الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، مثمناً دور مجلس النواب في المسار السياسي ومخرجات لجنة (4+4)».

وقال النائب عصام الجهاني الذي حضر اللقاء إنه «تم التوافق على دعم ما من شأنه توحيد البرلمان من أجل الإصلاحات، وعلى رأسها تعديل اللائحة الداخلية، واختيار رئاسة جديدة للمجلس، بالإضافة إلى المضي قدماً باستمرار دعم اتفاق 4+4 والتعديل الدستوري».


بعد خسارة أبرز حلفائه... ماذا ينتظر آبي أحمد في ولايته الجديدة؟

رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

بعد خسارة أبرز حلفائه... ماذا ينتظر آبي أحمد في ولايته الجديدة؟

رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد في أثناء أداء اليمين الدستورية الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بدأ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ولاية جديدة، متمسكاً بمشروعه التوسعي في البحر الأحمر، ووحدة البلاد أمام ما يعدها «تهديدات خارجية»، مع خسارة أبرز حلفائه في الولاية السابقة، دولة إريتريا، وتحولها إلى خصم.

وستركز الولاية الجديدة على التجاوب مع احتياجات الشعب والأقاليم، وطرح حلول سلمية لأي نزاعات، مع فتح حوار مع دول الجوار لتبادل المنفعة والعطاء لا سيما في منفذ البحر الأحمر، حسبما يعتقد باحثان إثيوبيان تحدّثا إلى «الشرق الأوسط».

وأدى آبي أحمد (50 عاماً) اليمين الدستورية، الاثنين، ليبدأ رسمياً ولايته الثانية، ولترسم جلسة تشكيل الحكومة فصلاً جديداً في مسيرة بلاده السياسية والمؤسسية، عقب الانتخابات العامة السابعة التي جرت في الأول من يونيو (حزيران) الماضي، وشارك فيها أكثر من 54 مليون إثيوبي.

وقالت «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الثلاثاء، إن الحكومة الجديدة «ترث مجموعة من الإصلاحات وبرامج التنمية التي نُفّذت في مختلف قطاعات الاقتصاد والقطاع العام خلال السنوات الأخيرة».

القضايا الداخلية

تولى آبي أحمد منصبه أول مرة في أبريل (نيسان) عام 2018 كولاية انتقالية أكمل فيها مدة سلفه المستقيل هايلي مريام ديسالين، كما يوضح الباحث الإثيوبي في العلاقات الإثيوبية - العربية زاهد زيدان.

وكانت الولاية الأولى الرسمية بالانتخابات المباشرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 لمدة خمس سنوات، وذلك بعد فوز حزبه «الازدهار» في الانتخابات التشريعية، وكانت الثانية في أكتوبر الجاري بعد فوز الحزب أيضاً بالأغلبية.

ويقول زيدان: «هناك قضايا داخلية تفرض نفسها بعد تسمية الحكومة برئاسة آبي أحمد مجدداً، مثل محاربة الغلاء، ودعم احتياجات الأقاليم، مع تداعيات الأزمات العالمية التي تؤثر في إثيوبيا بطريقة مباشرة، مثل أزمة مضيقي هرمز وباب المندب مع ارتفاع أسعار النفط».

لكنه يلفت إلى أن آبي أحمد «لم يخسر كل حلفاء الأمس، لأن هناك انشقاقات داخل تلك الحركات، وهناك جزء منها مؤيد للحكومة».

رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد وعدد من وزرائه (أرشيفية - وكالة الأنباء الإثيوبية)

أما الكاتب والباحث السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، فيقول إن الحكومة الجديدة «تستحضر ثقل ومسؤولية الثقة التي أعطاها الشعب الإثيوبي»، وإنها «ستواصل مسيرة الإصلاحات الشاملة».

ويشير إلى أن معالجة التحديات الداخلية وتحويلها إلى فرص من أبرز المهام أمام الحكومة المقبلة، مع المضي في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية ومعالجة ما ينتج عنها من آثار اجتماعية وسياسية.

منفذ البحر الأحمر

وتتضح خريطة آبي أحمد للسنوات الخمس المقبلة من تصريحاته الأولى عقب توليه المنصب، إذ عبَّر عن التمسك بالوحدة واستكمال مسار الوصول إلى منفذ البحر الأحمر، وذلك رغم معارضة مصرية - إريترية لافتة لهذا المسار.

وإثيوبيا دولة حبيسة بلا منفذ بحري منذ استقلال إريتريا عنها عام 1993.

وأكد آبي أحمد أمام البرلمان، الاثنين، أن بلاده «مستعدة تماماً لمواجهة وصد التهديدات الموجهة ضدها»، متعهداً بأن تظل «قيادة دولة التآزر والوحدة المنشأة حديثاً ملتزمة بحزمٍ بحماية المصالح الوطنية لإثيوبيا والمضي قدماً في تحقيق تطلعاتها».

كما لفت إلى أن إدارته «ستسعى بنشاط إلى تأمين منفذ إلى البحر من خلال الحوار والمنفعة المتبادلة والأخذ والعطاء، مع مواصلة دفع عجلة التنمية الوطنية ومشاريع البنية التحتية الكبرى».

توترات واتهامات

يأتي هذا بعد نحو أسبوع المعارك التي اندلعت بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، مما أثار مخاوف من عودة الحرب الأهلية المدمِّرة التي شهدتها إثيوبيا بين عامي 2020 و2022، ومن اتساع نطاق النزاع.

فيما تخشى إريتريا من أن تجتاح إثيوبيا أراضيها للنفاذ إلى المياه والسيطرة على ميناء عصب المطل على البحر الأحمر.

وتتهم إثيوبيا كلاً من إريتريا ومصر والجيش السوداني بدعم «جبهة تحرير شعب تيغراي»، رغم نفي هذه الأطراف؛ فيما تشهد العلاقات بين إثيوبيا ومصر توتراً على خلفية بناء أديس أبابا «سدّ النهضة» على نهر النيل والذي تخشى مصر أن يؤثر في حصتها المائية.

ويعتقد عبد الصمد أن أولويات آبي أحمد خارجياً «ستشمل استكمال تعزيز العلاقات مع دول الجوار، وتحويل مشروع المنفذ البحري بالتوافق إلى واقع يلبّي احتياجات إثيوبيا ومتطلباتها».

من جانبه يرى زيدان أن حكومة آبي أحمد «ستتجه إلى حلول سلمية خارجياً، وستنتهج الحوار مع مصر وإريتريا وغيرهما، وسترفض أي ضغوط سياسية وإعلامية لأنها لن تؤثر في الواقع الإثيوبي أو تغيّر حقوق أديس أبابا».


تراشق سموتريتش و«مؤثرين» مصريين يُشعل الاحتفال بـ«ذكرى أكتوبر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

تراشق سموتريتش و«مؤثرين» مصريين يُشعل الاحتفال بـ«ذكرى أكتوبر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تصدر التراشق بين وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش ومصريين المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع احتفالات القاهرة بالذكرى الـ53 لانتصار حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 على إسرائيل، التي حلت، الثلاثاء.

ذلك التراشق طال سيناء التي كانت تحت احتلال إسرائيل عام 1967، وتم تحريرها في حرب أكتوبر 1973، وتعيش حالياً على مقربة تهديدات كونها متاخمة لقطاع غزة الذي يشهد عدواناً إسرائيلياً وتوترات متصاعدة مع مصر.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن التصريحات العدائية الأخيرة الصادرة عن سموتريتش بخصوص سيناء وحرب أكتوبر لا يمكن التعامل معها كتعليق فردي أو عابر، بل تعبر عن موقف يتسق مع توجهات حكومة الاحتلال وبضوء أخضر من رئيسها بنيامين نتنياهو.

وأشار إلى أن هذه التصريحات تعكس حالة من الانفصال عن الواقع ومحاولة للمزايدة قبيل الانتخابات المقررة هذا الشهر في إسرائيل على حساب أمن المنطقة واستقرارها.

تراشق مصري إسرائيلي

وعشية احتفال مصر بالذكرى الـ53 لانتصار أكتوبر، قال سموتريتش خلال مقابلة مع الموقع الإلكتروني الحريدي «هاشتيبلاخ»: «ما الذي سيجعل مصر لا تهاجمنا؟ إنهم إذا هاجمونا فلن تكون هناك سيناء، على الأقل، لكن لا، لن يحدث ذلك مرة أخرى».

وحرك ذلك التلويح من سموتريتش، بحق سيناء موجة غضب بين مصريين على منصات التواصل وإعلاميين مقربين من السلطات المصرية.

وفي برنامجه المسائي بفضائية «صدى البلد» (خاصة) بمصر، استنكر الإعلامي أحمد موسى تصريحات سموتريتش بشأن سيناء، مضيفاً: «إذا تهورت إسرائيل فلن يكون هناك كيان إسرائيلي، انتهى الموضوع، أنت بتتكلم (تتحدث) عن مصر وعن سيناء، أنت بتتكلم عن حرب».

وأوضح موسى: «قواتنا المسلحة على أهبة الاستعداد للدفاع عن الوطن في كل زمان وتحت أي ظرف، إذا تهور الكيان الصهيوني فستكون نهايته، وأنت لو تهورت فلن تكون هناك إسرائيل، متقدروش تقربوا من شبر من سيناء، وما حصل في 67 لن يتكرر مرة أخرى مع مصر».

وأكد أن مصر «دعاة سلام، لكن بعض المتطرفين في إسرائيل لا يريدون السلام»، معتبراً أن حديث سموتريتش عن الحصول على سيناء يمثل «تحرشاً» وتهديداً لمصر.

من جانبه، قال النائب البرلماني بمجلس النواب والإعلامي مصطفى بكري، إن سموتريتش الصهيوني المتطرف يهدد مصر بالسيطرة على سيناء... مسكين هذا البلطجي، يظن أن مصر ساحة مستباحة... أتمنى أن تقرأ كيف سحقنا جيشك أيها الجاهل، الذين فعلوها مرة قادرون علي تكرارها مجدداً.

وأضاف بكري: «جيش مصر مستعد لمواجهة وسحق كل من تسول له نفسه المساس بالأمن القومي.. حتماً ستكون أسيراً ونلقي بك في مستشفى المجانين بالخانكة... إياك أن تتطاول مرة أخري أيها المجنون».

واتهم المؤثر المصري، لؤي الخطيب، في تغريدة بمنصة «إكس» سموتريتش بأنه «مثال للجنون السياسي»، و«لا يملك فهماً سياسياً».

معبر رفح أحد عوامل التوتر بين مصر وإسرائيل (الهيئة العامة للاستعلامات)

ووجه المؤثر المصري محمد نور رسالة حادة قائلاً: «إلى وزير المالية للكيان الصهيوني، قاتل الأطفال، مغتصب الأراضي ومجرم الحرب: مصر طاهرة ومقدسة أكثر من أن يخرج اسمها من فمك. سيناء، كما هي كنزٌ لنا، ستكون أيضاً مقبرتكم إذا حاولتم الاقتراب منها»، مضيفاً: «صدقني: إذا أردتم في المعركة المقبلة، فستكون في شوارع إسرائيل — ولن تكون أبداً في سيناء».

خيار السلام والمواجهة

وقبيل تصريح المسؤول الإسرائيلي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، إن «في مثل هذا اليوم الخالد (6 أكتوبر 1973)، سطر المصريون صفحة ناصعة في سجل المجد الوطني، حين انتفضت الإرادة المصرية لتؤكد للعالم أجمع أن مصر لا تفرط في أرضها»، وأكد أن «القوات المسلحة المصرية تقف على أهبة الاستعداد للدفاع عن مصر ومقدراتها وأمنها القومي، في كل زمان وتحت أي ظرف».

وفي 26 مارس (آذار) 1979، وقّعت مصر وإسرائيل في واشنطن معاهدة سلام بين البلدين، في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد» بين الجانبين عام 1978، ومن أبرز بنودها وقف حالة الحرب، وتطبيع العلاقات، وسحب إسرائيل الكامل لقواتها المسلحة والمدنيين من شبه جزيرة سيناء، وإبقاء المنطقة منزوعة السلاح.

ويعتقد أحمد فؤاد أنور أن تجديد مصر تأكيدها على السلام كخيار استراتيجي، والاستعداد لأي مواجهة إدراك لأبعاد هذه الأطماع الإسرائيلية، واستعداد مبكر لجميع السيناريوهات لحماية سيادتها، مشدداً على أن التاريخ أثبت قدرة مصر على ردع أي عدوان حتى في أصعب الظروف.

وأشار أنور إلى أن محاولات إسرائيلية للتملص من آثار هذه التصريحات العدوانية للوزير المتطرف أو تقليل تداعياتها لن تمحو خطورتها؛ إذ تعكس توتراً عميقاً ومكتوماً في العلاقات الرسمية حالياً، وقد يمتد بعد الانتخابات المقبلة.