منظمات تحذر من تعرض أطفال مهاجرين للانتهاكات في شوارع سبتة

مخاوف متزايدة من وقوع الفتيات القاصرات ضحية للعنف والاتجار والاستغلال

رئيس منظمة «فيديراسيون سور أكوخي» المعنية بحقوق المهاجرين أكد أن بعض الأطفال تعرضوا للضرب والاعتداء (أ.ب)
رئيس منظمة «فيديراسيون سور أكوخي» المعنية بحقوق المهاجرين أكد أن بعض الأطفال تعرضوا للضرب والاعتداء (أ.ب)
TT

منظمات تحذر من تعرض أطفال مهاجرين للانتهاكات في شوارع سبتة

رئيس منظمة «فيديراسيون سور أكوخي» المعنية بحقوق المهاجرين أكد أن بعض الأطفال تعرضوا للضرب والاعتداء (أ.ب)
رئيس منظمة «فيديراسيون سور أكوخي» المعنية بحقوق المهاجرين أكد أن بعض الأطفال تعرضوا للضرب والاعتداء (أ.ب)

حذّرت منظمات إغاثة من أن مئات الأطفال غير المصحوبين بذويهم يواجهون خطر التعرض للعنف والاستغلال، مع استمرار نومهم في شوارع سبتة، إثر مشاركتهم في موجة الدخول الجماعي للمهاجرين إلى المدينة التي تحتلها إسبانيا شمال المغرب قبل أسبوع. ورغم عودة معظم المهاجرين عبر الحدود إلى المغرب، تواجه السلطات الإسبانية صعوبات في توفير مأوى للأطفال المغاربة، الذين لا يزالون في سبتة، إذ لا يمكن ترحيلهم على الفور.

وقال رئيس منظمة «فيديراسيون سور أكوخي» المعنية بحقوق المهاجرين ومساعدتهم في جنوب إسبانيا، خوسيه ميغيل موراليس، إن بعض الأطفال الذين يعيشون في الشوارع تعرضوا للضرب والاعتداء.

منظمات إغاثة أعربت عن مخاوفها من استغلال الفتيات المهاجرين وتعرضن للعنف (أ.ف.ب)

وأضاف، في تصريح للتلفزيون الإسباني الرسمي: «كل يوم يمر من دون حل أو توفير مأوى آمن يترك هؤلاء الأطفال، ولا سيما الفتيات، عرضة لمختلف أشكال الانتهاكات... نحن نتحدث عن أطفال بعضهم في العاشرة من العمر أو أصغر. وكثيرون منهم دون الرابعة عشرة».

بدورها، دعت منظمة «أنقذوا الطفولة» (Save the Children) إلى تحرك عاجل لتسجيل جميع القاصرين، محذرة من أن الفتيات على وجه الخصوص يواجهن «مخاطر متزايدة من العنف والاتجار والاستغلال».

النوم في العراء

قالت الحكومة الإسبانية، الأربعاء، إن نحو 70 ألفاً من أصل 72 ألف مهاجر دخلوا سبتة من المغرب في 30 و31 من يوليوز (تموز) الماضي عادوا منذ ذلك الحين، فيما بقي نحو ألفين في الجيب الإسباني. لكن الحكومة المحلية في سبتة التي تسيطر عليها المعارضة، قالت إن العدد أكبر من ذلك، مشيرة إلى أنّه يشمل أكثر من ألف قاصر غير مصحوبين بذويهم.

وشاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» في سبتة، خلال الأيام التي أعقبت تدفق المهاجرين، أطفالاً غير مصحوبين بذويهم، يعانون نقصاً في إمكانية الحصول على الغذاء والمياه والمأوى ومرافق الصرف الصحي. كما شُوهدت مجموعات من الشبان والرجال المتحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الخميس، متجمعين بين الأشجار وعلى أحد شواطئ المدينة.

تضطر المهاجرات إلى النوم في الشوارع بعد عجز مرافق الاستقبال عن استيعاب الأعداد الوافدة (أ.ب)

وكانت مجموعة صغيرة تلعب كرة القدم قرب شاحنة للشرطة تحت أنظار عناصرها، وفيما كان آخرون يصلون على الرمال، غفا بعضهم على الشاطئ وقد غطوا وجوههم بأكياس بلاستيكية، أو قمصان لاتقاء أشعة الشمس. وقد تناثرت إلى جوارهم أحذية وقوارير مياه، وحزم صغيرة من المتعلقات الشخصية، في مشهد يعكس افتقارهم إلى مأوى دائم.

ولجأ مهاجرون آخرون إلى النوم في شوارع أحياء سكنية بعيدة عن وسط سبتة، في وقت عجزت فيه مرافق الاستقبال في سبتة عن استيعاب الأعداد الوافدة. وافترش كثيرون الأرض خارج مركز استقبال المهاجرين في انتظار الدخول إليه، بعدما أغلقته السلطات لبلوغه طاقته الاستيعابية القصوى.

منظمات إغاثة حذرت من أن مئات الفتيات يواجهن خطر التعرض للعنف والاستغلال مع استمرار نومهن في الشوارع (رويترز)

تجاوز الطاقة الاستيعابية

قالت سلطات سبتة إن نحو 1100 طفل يحتاجون إلى الرعاية في المدينة، في حين لا تتجاوز طاقتها الاستيعابية نظرياً 90 مكاناً. ووصف نائب رئيس حكومة سبتة، أليخاندرو راميريث، في حديث لقناة «لا سيكستا» التلفزيونية الخاصة، الوضع بأنه «لا يمكن تحمله». وقال إن السلطات تعمل «بأقصى سرعة على تجهيز مرافق طارئة» في مدارس ومستودعات لإيواء الأطفال. ويعتمد الأطفال الذين يبيتون في العراء على الجمعيات الخيرية، والسكان المحليين للحصول على الطعام وغيره من الاحتياجات الأساسية. وقالت جمعية «لونا بلانكا» الخيرية، التي يوجد مقرها في سبتة وتقدم الغذاء والمساعدة الاجتماعية للفئات الهشة، إنها توزع ما بين 3500 و4000 وجبة يومياً منذ بدء تدفق المهاجرين.

من جانيه، قال رضا سعيد، وهو مهاجر مصري دخل سبتة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كانت الأيام الثلاثة الأولى بالغة الصعوبة، لا طعام ولا ماء ولا شيء. لكن بدأ الوضع يتحسن قليلاً أمس».

«تحقيق أحلامنا»

قالت حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي، بيدرو سانشيز، الثلاثاء، إنها أقرت تمويلاً بقيمة 25 مليون يورو (29 مليون دولار) لسبتة، للمساعدة في رعاية القاصرين غير المصحوبين بذويهم. لكن إعادة توزيع الأطفال على مناطق أخرى في إسبانيا، بموجب الأحكام القانونية المعمول بها، واجهت معارضة من أقاليم يحكمها حزب الشعب المحافظ المعارض، وحزب «فوكس» اليميني المتطرف المناهض للهجرة.

وحذر مسؤولون في «فوكس» بإقليمي الأندلس وإكستريمادورا، عبر منصة «إكس»، من أنهم سيعارضون نقل القاصرين المهاجرين من سبتة إلى أراضيهم. وانتقد زعيم «فوكس»، سانتياغو أباسكال، التمويل الحكومي المخصص للقاصرين، وكتب على منصة «إكس» أنه «لا ينبغي إنفاق يورو واحد من أموال الإسبان على المهاجرين غير الشرعيين». بدورهم قال مهاجرون في سبتة إنهم قدموا هرباً من الفقر، فيما أفاد باحثون الوكالة بأنهم رصدوا شائعات كاذبة على شبكات التواصل الاجتماعي تزعم أن الحدود فُتحت.

مهاجرون يحملون زميلاً لهم تعرض لإصابات خلال تدخل عنيف للشرطة الإسبانية (رويترز)

وقضى ما لا يقل عن 80 شخصاً على الجانب الإسباني من الحدود خلال موجة التدفق الرئيسية، فيما كان مهاجرون يحاولون الوصول إلى سبتة سباحة، وفق السلطات الإسبانية. فيما قالت السلطات المغربية إن 11 شخصاً لقوا حتفهم على الجانب المغربي. وقال أحمد وهو مهاجر يمني، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نريد الوصول إلى أوروبا، وتحقيق أحلامنا وأحلام عائلاتنا».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

أمرابط يتوقف عن اللعب مع المغرب «تحت قيادة وهبي»

رياضة عالمية لاعب وسط «أسود الأطلس» سفيان أمرابط «يمين» (رويترز)

أمرابط يتوقف عن اللعب مع المغرب «تحت قيادة وهبي»

أعلن لاعب الوسط سفيان أمرابط عدم استعداده لتمثيل منتخب المغرب مع انطلاق تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2027 لكرة القدم، هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
رياضة عربية لاعب الوسط المغربي عادل تاعرابت اعتزل رسمياً (رويترز)

المغربي عادل تاعرابت يعتزل كرة القدم رسمياً

أعلن لاعب الوسط المغربي عادل تاعرابت اعتزال كرة القدم رسمياً، الثلاثاء، بعد مسيرة حافلة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا عمر زنيبر السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف (متداولة)

المغرب يحشد دعم 40 دولة تؤيد سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية

تحدث عمر زنيبر، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، في كلمته نيابة عن مجموعة، تضم 40 دولة تؤيد سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية.

رياضة سعودية المغربي الشاب حسام الصادق (منتخب المغرب)

الفتح يقترب من المغربي حسام الصادق

أنهى نادي الفتح إجراءات التعاقد مع اللاعب المغربي الشاب حسام الصادق قادماً من اتحاد تواركة المغربي وفقاً لمصادر «الشرق الأوسط».

نواف العقيّل (الرياض)
شمال افريقيا الحكومة المحلية عارضت إقامة مخيم للمهاجرين في منطقة الميناء (إ.ب.أ)

إسبانيا تفرض سيطرتها على ميناء سبتة وسط أزمة المهاجرين

فرضت الحكومة الإسبانية اليسارية في مدريد سيطرتها على الميناء، في جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، وسط خلاف بشأن إيواء المهاجرين في المدينة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

زيارة عرو الأولى لواشنطن... «أرض الصومال» يبحث عن مكاسب دبلوماسية

رئيس إقليم «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو) - (رئاسة إقليم أرض الصومال على إكس)
رئيس إقليم «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو) - (رئاسة إقليم أرض الصومال على إكس)
TT

زيارة عرو الأولى لواشنطن... «أرض الصومال» يبحث عن مكاسب دبلوماسية

رئيس إقليم «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو) - (رئاسة إقليم أرض الصومال على إكس)
رئيس إقليم «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو) - (رئاسة إقليم أرض الصومال على إكس)

يواصل رئيس الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو) زيارته الأولى إلى واشنطن، وسط مساعٍ لنيل اعتراف جديد بالإقليم الذي يملك ميناء استراتيجياً على البحر الأحمر، بعد أول اعتراف من جانب إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

تلك الزيارة التي بدأت السبت الماضي وتمتد حتى التاسع عشر من الشهر الحالي، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تهدف إلى تحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية، حتى وإن لم ينل الإقليم اعترافاً أميركياً على الفور.

والإقليم الانفصالي يملك ساحلاً بطول 740 كيلومتراً على خليج عدن، ويحتل موقعاً استراتيجياً عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، ويمتلك ميناء بربرة الاستراتيجي بتلك المنطقة، ولم يحظَ باعتراف دولي منذ انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991 باستثناء اعتراف من إسرائيل ترفضه مقديشو تماماً وسط دعم عربي لهذا الرفض.

وتهدف زيارة عرو، الذي تولى منصبه في ديسمبر 2024، للقاء كبار المسؤولين الأميركيين، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والسعي للحصول على اعتراف دولي، بحسب بيان صادر عن رئاسة إقليم «أرض الصومال»، السبت.

وهذا المسعى لخطب ود البيت الأبيض ليس بالأول من نوعه. ففي مارس (آذار) 2022، توجه رئيس الإقليم آنذاك موسى بيهي عبدي لزيارة واشنطن، لنيل اعتراف أيضاً.

ويقول المحلل السياسي من «أرض الصومال» عبد الكريم سعيد صالح إن الزيارة تسعى لتحقيق مكاسب دبلوماسية، «حيث يُعدّ اعتراف الولايات المتحدة الهدف الأسمى»، مضيفاً أن الزيارة تهدف أيضاً إلى ترسيخ مكانة «أرض الصومال» كشريك استراتيجي للولايات المتحدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لا سيما من خلال ميناء بربرة، والأمن البحري، والتجارة، والاستثمار، والاستقرار الإقليمي.

وأمام عرو هدفان، بحسب صالح، أولهما العودة باعتراف رسمي، والثاني اقتناص شراكة تضاهي في نطاقها علاقة واشنطن مع تايوان، وتشمل الأمن، والاستخبارات، والتجارة، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتواصل الدبلوماسي، حتى وإن لم يأتِ الاعتراف الرسمي فوراً.

فيما يرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري أن الزيارة تسعى بشكل رئيسي للحصول على اعتراف أميركي واضح وصريح بالإقليم، وأن هناك مساعي إسرائيلية في ذات الاتجاه على ضوء اعترافها بالإقليم، متوقعاً أن تحقق الزيارة بعض المكاسب الدبلوماسية والسياسية، حتى وإن لم تؤدِ لاعتراف حالياً أو في الأجل القريب.

وفيما يتعلق بالناحية الاقتصادية من الزيارة، قال البحيري إنها تسعى إلى «ضخ بعض الاستثمارات الأميركية في الإقليم، سواء في مجال البنية التحتية وتطوير الموانئ البحرية وخاصة ميناء بربرة. ويعزز من هذا التوجه الوجود الإسرائيلي الحالي في الإقليم، ووجود مصالح استراتيجية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإقليم أرض الصومال بهذا الميناء».

وأكد أن موقع الإقليم الاستراتيجي المطل على باب المندب ومنه إلى البحر الأحمر وخليج عدن، يحمل أهمية بالغة بالنسبة للاستراتيجية الأميركية الحالية في ظل الحرب على إيران ووكلائها بالمنطقة، وخاصة جماعة الحوثي في اليمن.

رئيس إقليم «أرض الصومال» خلال لقاء مع نائب رئيس البعثة الأميركية في هرجيسا يونيو الماضي (رئاسة إقليم أرض الصومال على إكس)

واستبقت هيئة البث الإسرائيلية الزيارة مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي بالإعلان أن عرو سيصل إلى واشنطن في أول زيارة رسمية لإقناع واشنطن بالاعتراف بالإقليم.

وفي أواخر أغسطس (آب) الماضي، تحدث عرو لمجلة «إيكونوميست» البريطانية عن تقديم مزايا أمنية لواشنطن وكذلك إسرائيل، قائلاً إن حكومة الإقليم مستعدة لتوفير قواعد عسكرية في مدينة بربرة الساحلية لإسرائيل والولايات المتحدة «إذا كانتا مهتمتين بذلك». ولم يصدر تعليق أميركي على هذا العرض.

وكان الحضور الأميركي بالإقليم لافتاً، لا سيما في يونيو (حزيران) 2025، بعدما كشفت «رئاسة أرض الصومال» عبر حسابها بمنصة «إكس» عن أن حكومة الإقليم «استقبلت وفداً رفيع المستوى من الولايات المتحدة برئاسة السفير ريتشارد رايلي، بمشاركة قائد القيادة الأميركية في أفريقيا مايكل لانغلي، وتمت مناقشة المصالح الأمنية والبحرية والدفاعية المشتركة، فضلاً عن زيارة مدينة بربرة الساحلية لتقييم قدرات البنية التحتية اللازمة لتعزيز التعاون الأمني والقدرات الدفاعية».

وفي يونيو الماضي، استقبل عرو نائب رئيس البعثة الأميركية والقائم بالأعمال جاستين ديفيز، وجرت مباحثات ركزت على تعزيز التعاون في مجالات الأمن والتجارة والاستثمار، إلى جانب المصالح الاستراتيجية المشتركة.

وسبق أن رفضت مقديشو استئجار إثيوبيا ميناء بربرة بالإقليم؛ وحذّر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» في فبراير (شباط) 2024، من أن بعض المقربين من ترمب يسعون إلى دفعه للاعتراف رسمياً بـ«أرض الصومال»، مؤكداً أن «هذا قد يشكّل تهديداً لتغيير حدود القارة الأفريقية».

وفي ضوء أهمية ورقة الميناء تلك، يقر صالح بأن استعداد واشنطن للاعتراف بالإقليم صراحة أو لبحث ذلك، يعكس الأهمية الاستراتيجية المتنامية بالنسبة للمصالح الأميركية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهو ما يدركه «أرض الصومال» ويتحرك من خلاله لتحقيق مكاسب دبلوماسية.

ورغم تلك الورقة، يرى البحيري أن بعض التحديات قد تواجه اعتراف الإدارة الأميركية بالإقليم في الوقت الراهن، وعلى رأسها تبني الإدارة الحالية سياسة خارجية تهدف إلى إقامة علاقات متوازنة مع دولة الصومال، في ظل دعمها ضد إرهاب حركة «الشباب»، بالإضافة لعدم رغبة واشنطن حالياً في إثارة مواقف من شأنها إغضاب الدول العربية والإسلامية المؤيدة لوحدة وسيادة الأراضي الصومالية.


قمة مصر واليونان وقبرص... حفاظ على الشراكة رغم مستجدات المصالح

الرئيس المصري يستقبل نظيره القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني في العلمين الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يستقبل نظيره القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني في العلمين الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصر واليونان وقبرص... حفاظ على الشراكة رغم مستجدات المصالح

الرئيس المصري يستقبل نظيره القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني في العلمين الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يستقبل نظيره القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني في العلمين الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

عُقدت قمة ثلاثية بين مصر واليونان وقبرص، في مدينة العلمين بشمال غربي مصر الثلاثاء، في خطوة يقول خبراء ومحللون إنها تبرز حرص القاهرة على تنويع علاقاتها وشراكاتها مع جميع الدول واستمرار دبلوماسية «الاتزان الاستراتيجي».

وخلال القمة التي شارك فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره القبرصي نيكوس كريستودوليدس، ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، أكدت الدول الثلاث على محورية الشراكة والالتزام باستمرارها، وفق بيان للرئاسة المصرية.

ووصف السيسي تلك الشراكة بأنها «تمثل نموذجاً يُحتذى به للتعاون الإقليمي الهادف إلى تحقيق الاستقرار والتنمية في منطقة شرق المتوسط، مؤكداً أهمية مواصلة العمل على الارتقاء بالتعاون البنّاء في إطار الآلية الثلاثية».

بدورهما، أكد الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني حرصهما على تعزيز التعاون الثلاثي، مشيرَين إلى أن الآلية أصبحت «منصة رائدة لترسيخ السلم ودعم الأمن الإقليمي بما يحقق مصالح الدول الثلاث وشعوبها».

وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون في المجالات التجارية والاستثمارية، وقطاعات الطاقة والسياحة والتعليم والثقافة، فضلاً عن التعاون في مجالات الهجرة والعمل وانتقال العمالة المصرية الماهرة إلى البلدين، مع التأكيد على محورية التعاون الأمني لمواجهة التحديات المشتركة مثل الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة، وتم الاتفاق على مواصلة التشاور والتنسيق السياسي بين الدول الثلاث تعزيزاً للاستقرار الإقليمي.

جانب من المؤتمر الصحافي للرئيس المصري ونظيره القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

وفي مؤتمر صحافي بختام المحادثات، قال السيسي: «أثبتت تجربتنا أن ما يجمع بين مصر واليونان وقبرص، هو إرادة مشتركة لبناء نموذج إقليمي، تتأسس ركائزه على تحقيق الاستقرار والتنمية، ويقدم حلولاً عملية لاحتواء دوائر التوتر».

وأضاف: «أؤكد التزامنا بمواصلة تطوير هذا الإطار المؤسسي، وتعزيز آلياته، بما يتلاءم مع أهمية هذه الشراكة، وما توفره من فرص لتلبية تطلعات شعوبنا، نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً».

وركز البيان المشترك للبلدان الثلاثة على التمسك بالحفاظ على الشراكة، وجاء به: «آلية التعاون الثلاثي منذ إنشائها في القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، أصبحت نموذجاً ناجحاً للتعاون الإقليمي. وإننا نظل ملتزمين بمواصلة تطويرها، استناداً إلى مبادئ الثقة والاحترام والتعاون. ونؤكد أهمية احترام سيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها، والامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها، والالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة».

وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، وأمين برنامج «المشاركة المصرية - الأوروبية» السابق، السفير جمال بيومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن انعقاد القمة الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص يأتي استكمالاً وترسيخاً للتحالف الاستراتيجي الممتد بين الدول الثلاث، ونفياً لما يُثار حول تأثر هذه العلاقات بأي تجاذبات أو تقاربات إقليمية أخرى.

وأشار بيومي إلى أن هذه الشراكة ستستمر؛ كونها امتداداً طبيعياً للتعاون المؤسسي الذي أثمر عن تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» ومقره القاهرة، ووجود علاقات مصرية تاريخية وثابتة مع قبرص واليونان.

قمة مصرية - يونانية - قبرصية في العلمين الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

ويرى نائب مدير تحرير «مجلة الديمقراطية» وخبير الشؤون الإقليمية كرم سعيد أن عقد القمة الثلاثية يعكس حرص مصر على إرساء سياسة «التوازن الاستراتيجي» في التعاطي مع القوى الإقليمية ومحيطها الجغرافي، مشدداً على أن هذه الشراكة «تُعد نقطة استناد جوهرية لضبط بوصلة الأمن والتوازن في منطقة شرق المتوسط».

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن مصر «تسعى لبناء شبكة مصالح إقليمية متوازنة لا تستهدف الإضرار بأي طرف، مع الالتزام الصارم بثوابتها القائمة على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتفعيل الخيارات الدبلوماسية لحل النزاعات».

تأتي تلك القمة في ظل تقارب مصر وتركيا وتنامي التعاون الدفاعي بين اليونان وإسرائيل. وقبل يوم واحد من انعقادها، تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً من نظيره التركي هاكان فيدان، تناول سبل مواصلة تعزيز العلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب، ومواصلة البناء على ما تشهده من زخم متنام خلال الفترة الأخيرة والعمل على تعزيز التعاون في مختلف المجالات، خاصة التجارية والاستثمارية، والتحضير للاجتماع المقبل لمجلس التعاون الاستراتيجي في تركيا.

وفي أواخر أغسطس (آب) الماضي، شهد التعاون الدفاعي بين اليونان وإسرائيل تطوراً بارزاً بتوقيع صفقة عسكرية بقيمة 3 مليارات يورو (نحو 3.48 مليار دولار)، ستنشئ تل أبيب بموجبها منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات في اليونان. وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إن هذه «أكبر صفقة تصدير دفاعية في تاريخ العلاقات بين إسرائيل واليونان، وواحدة من أكبر الصفقات في تاريخ إسرائيل».

ويعتقد بيومي أن التقارب المصري - التركي الحالي لا يؤثر بأي حال على قوة ومتانة العلاقات المصرية - اليونانية، مشدداً على أن سياسة مصر الخارجية «تتميز بالثبات والرزانة والرؤية طويلة المدى والتوازن، وأنها حريصة على تقوية وتنسيق شراكاتها الاستراتيجية بما يحقق الاستقرار في المنطقة ومصالحها الاستراتيجية».

ويتفق معه سعيد الذي يؤكد أن التقارب المصري مع تركيا لا يتناقض مطلقاً مع الشراكة مع اليونان وقبرص؛ مشيراً إلى أن مصر «تطرح موقفاً حاسماً يرتكز على ضرورة الالتزام بتعيين الحدود البحرية وفق أطر القانون الدولي، بما يضمن الاستغلال العادل لثروات المنطقة لصالح جميع شعوبها».


الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)

يبدأ يوم السودانية سهام الضي باكراً، وحينها تقصد المرأة الستينية سوق أم درمان، وليس في يدها قائمة مشتريات، إنما بحثاً عن عمل يتيح لها توفير طعام اليوم، فأحياناً تنظف جوالاً من الفول مقابل 5 آلاف جنيه (أقل من دولار)، وتشتري بعائده شيئاً من العدس والدقيق لإعداد «القراصة» (خبز محلي)، أما إذا لم تجد عملاً فتسلك طريقاً آخر... وهو التسول.

تذهب سهام إلى إحدى الجزارات، لتلقي التحية، وتنتظر الجزار الذي يمد يده إليها بقطعة شحم، وأحياناً يضيف إليها عظماً. «إحساس قاتل»، تقول سهام لـ«الشرق الأوسط» وهي تنظر إلى الأرض، ثم تضيف: «أحاول إقناع نفسي بأن هذا أفضل من السرقة».

خلال 40 دقيقة قضتها «الشرق الأوسط» أمام ست جزارات في الجانب الشمالي من سوق أم درمان، جاءت ثلاث نساء إلى المكان نفسه والهدف نفسه. ويقول تجار إن نساء ورجالاً باتوا يقصدونهم طلباً للشحوم والعظام التي كانت تُلقى في السابق للكلاب الضالة. ولم يعد يوم سهام استثناء في بلد أنهكته حرب دخلت عامها الرابع، ودفعت كثيرين إلى البحث عن قوتهم في ما كان يُرمى جانباً.

جزار في «سوق أم درمان» (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى ملايين السودانيين، أصبح تدبير الضروريات نفسها يستنزف ساعات اليوم: ماء يجب العثور عليه، وخبز ينبغي حساب ثمنه، طعام تتقلص مكوناته كلما ارتفعت الأسعار، ودواء قد يضطر المريض إلى تأجيل شرائه.

البحث عن الماء

إذا كان يوم سهام في أم درمان يبدأ بالبحث عن عمل يوفر لها الطعام، فعلى بعد مئات الكيلومترات يبدأ يوم آخر بالبحث عن الماء، ففي مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، تخرج فاطمة، ذات الـ15 عاماً، في انتظار نصيب أسرتها من المياه. وثقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» في يوليو (تموز) الماضي معاناة هذه الفتاة، وقالت إنها تقضي الفترة من الصباح حتى الظهر في الانتظار أمام خزانات المياه، وإذا نفدت المياه قبل أن يصل دورها، تضطر إلى المشي أكثر من ساعة بحثاً عن مصدر آخر.

أشخاص يصطفون لإعادة ملء خزانات المياه التي تجرها الحمير خلال أزمة المياه في بورتسودان (أ.ف.ب)

وتشير تقارير إنسانية إلى أن بعض أسر المدينة باتت تقضي نحو نصف يومها في البحث عن الماء، وحتى حين تحصل فاطمة على القليل منه، لا تنتهي المهمة، إذ تبدأ مفاضلة أخرى داخل المنزل: «أيذهب الماء للشرب أم للطبخ، وماذا يتبقى لغسل الملابس وبقية الاحتياجات».

لكن الحصول على الماء ليس سوى أول حسابات اليوم، فمع حلول الصباح، يأتي حساب الخبز، ففي العاصمة الخرطوم، لا توجد حالياً أزمة في توفره، حسب محمد عوض جبران، نائب الأمين العام لاتحاد أصحاب المخابز السودانية، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن معظم المخابز عادت إلى العمل، والإنتاج متوافر، ولا توجد صفوف أو مناطق تعاني نقصاً، ويحصل المستهلك على ثلاثة أرغفة بألف جنيه (الدولار يساوي 7 آلاف جنيه)، بوزن يتجاوز عادة 60 غراماً للرغيف الواحد.

مخبز لبيع الخبز السوداني... وفرة وقلة شرائية بسبب الغلاء (الشرق الأوسط)

غير أن وجود الخبز في المخبز لا يعني بالضرورة أن المشكلة انتهت، يقول جبران: «المشكلة مشكلة اقتصاد وليست مشكلة مخابز»، ويوضح أن تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية انعكس على مختلف مدخلات الإنتاج. يقول جبران إن سعر جوال الدقيق، وفقاً لاتفاق مع الجهات الحكومية، أصبح نحو 87 ألف جنيه، بينما تجري مشاورات مع الوزارة لتقليل تكاليف الإنتاج، ويتابع: «رغم التحسن النسبي لسعر صرف الجنيه خلال اليومين الماضيين، أخشى أن تعيد تقلبات العملة الضغط على الرغيف مجدداً»، ويحذر من أن الحفاظ على السعر الحالي سيصبح صعباً إذا عاود الجنيه التراجع: «إذا تراجع سعر الصرف، سيؤثر على سعر الخبز».

ومن المخبز ينتقل حساب اليوم إلى السوق، حيث لا تكمن المشكلة دائماً في ندرة السلع، بل في مقدار ما يستطيع الجيب شراءه منها. ففي سوق أم درمان، الذي يُفترض أن تبلغ حركته ذروتها صباحاً، لم يتجاوز عدد المترددين على ست جزارات خلال أربعين دقيقة نحو عشرين شخصاً، غالبيتهم من الرجال.

يقول الجزار محمد جمعة لـ«الشرق الأوسط»، إن سعر كيلو لحم الضأن ارتفع من 38 ألف جنيه إلى 48 ألفاً، ولحم العجل من 33 ألفاً إلى 38 ألفاً، فيما قفز سعر الكبدة من 48 ألفاً إلى 60 ألف جنيه. لكن ما يلفت جمعة أكثر من ارتفاع الأسعار هو تقلص الكميات التي يطلبها المشترون. يقول إن الإقبال ازداد على ما يُعرف محلياً بـ«مس كول»، وهي تسمية ساخرة يطلقها السودانيون على شراء مقادير متناهية الصغر من السلع، مثل «نصف ربع» كيلو من اللحم، أي نحو 125 غراماً فقط.

مقاطعة للخضروات

بالقرب من الجزارات، يبدو الركود أشد وضوحاً في سوق الخضراوات، إذ يجلس فتح الرحمن عبده في انتظار زبائن يتأخر حضورهم. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما في زبائن... منذ الصباح شربت ثلاثة أكواب من القهوة حتى أقاوم النعاس». ولا يواجه عبده ضعف المشترين فقط؛ فالأسعار التي يشتري بها بضاعته تتحرك بسرعة أيضاً، يقول إنه اشترى كرتونة الطماطم بمبلغ 160 ألف جنيه، ثم وجد سعرها في اليوم التالي قد قفز إلى 200 ألف.

أما سليمان آدم فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه ظل يعمل في السوق منذ عام 1969، فيقيس الأزمة بما شاهده خلال أكثر من نصف قرن خلف بضاعته، يقول إنه لم يشهد طوال تلك العقود ضعفاً مماثلاً في إقبال المواطنين على الشراء.

بائع خضراوات يشكو من انعكاس ضعف القوة الشرائية على تجارته (الشرق الأوسط)

الراتب يكفي أسبوعاً واحداً

مع اقتراب الظهيرة، تنتقل حسابات السوق إلى مكان آخر هو «مطابخ المنازل»، فما لم يستطع الجيب شراءه في الصباح، لن يصل إلى قدر الغداء، وتعرف هدية موسى هذه المعادلة جيداً، فهي قد عادت إلى السودان من رحلة لجوء إلى مصر قبل سبعة أشهر، ومنذ عودتها تراقب قائمة الأشياء التي تستطيع أسرتها شراءها وهي تتقلص.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أصبحت أطبخ في الغالب من غير لحم»، قبل أن تضيف: «كيلو الطماطم وصل 15 ألف جنيه، كيف أطبخ؟ كيف أطعم عيالي؟».

ولا تقيس هدية الأزمة بسعر الطماطم واللحم وحدهما، وإنما بعدد الأيام التي يستطيع دخل الأسرة أن يصمد خلالها، تقول: «قبل الزيادات الأخيرة كان المرتب لا يكفي حتى نهاية الشهر، الآن يكفي أسبوعاً واحداً».

حركة البيع في سوق أم درمان 27 أغسطس (أ.ف.ب)

أما عماد علي، فقد أعاد ترتيب مائدة أسرته على أساس ما يستطيع تحمله. اختصر شراء اللحم إلى ربع كيلو مرة أو مرتين في الأسبوع عندما تسمح الظروف، بينما تعتمد الأسرة في بقية الأيام على العدس والبطاطس وسلطة الباذنجان، كما تخلى عن الحليب الطازج لمصلحة مسحوق الحليب.

فاتورة المدارس

ولم يقتصر التقشف على داخل المنزل، بل وصل إلى حقيبة المدرسة، فقد بات أطفال عماد يحملون معهم سندوتشات الطعمية بصورة شبه يومية، باعتبارها خياراً أقل تكلفة. لكن الحساب الاقتصادي الذي يفهمه الأب لا يعني الكثير للأطفال، الذين احتجوا عليه أخيراً قائلين: «ما ممكن نأكل طعمية كل يوم».

وما يظهر في مطبخ هدية وحقيبة أطفال عماد هو الوجه اليومي لأزمة أوسع، إذ يواجه نحو 19.5 مليون سوداني مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق أحدث التقديرات المتاحة، فيما لا تزال أسعار المواد الغذائية الأساسية عند مستويات مرتفعة بصورة استثنائية.

ومع مرور ساعات اليوم، يمكن للأسرة أن تؤجل شراء اللحم، وتستبدل صنفاً من الطعام بآخر، وتقلل الكميات أو تكرر الوجبة نفسها، لكن ثمة حساباً يصبح أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالمرض.

تشير أحدث البيانات الصحية إلى أن نحو 37 في المائة من المرافق الصحية في السودان لا تعمل، فيما يحتاج نحو 21 مليون شخص إلى خدمات صحية، وسط نقص في الأدوية وارتفاع تكلفة الوصول إلى العلاج.

سوق شبه خالية في الخرطوم (الشرق الأوسط)

في دارفور، وثقت منظمة «أطباء بلا حدود» حالات يضطر فيها المرضى إلى السفر لساعات للوصول إلى منشأة صحية عاملة، وبالنسبة إلى بعضهم، لا تبدأ تكلفة العلاج عند باب المستشفى، إذ قد يبلغ ثمن المواصلات وحدها ما يعادل أجر يومين لبعض العمال. وهنا تعود القصة إلى سهام، فهي لا تحتاج إلى قطع ساعات بحثاً عن مستشفى حتى تواجه المفاضلة نفسها، لكن زوجها مريض، ولديها فاتورة دواء بقيمة 25 ألف جنيه لم تستطع توفيرها.

وفي اليوم الذي تجد فيه عملاً في سوق أم درمان، قد تحصل على خمسة آلاف جنيه من تنظيف جوال الفول، لكن هذه النقود نفسها هي التي تحتاج إليها لشراء العدس والدقيق حتى تعد طعاماً للأسرة.

وبذلك تصبح المسألة بالنسبة إليها أقل ارتباطاً بما تحتاج إليه الأسرة، وأكثر ارتباطاً بما يمكن تأجيله: «الطعام لا ينتظر، لكن المرض أيضاً لا ينتظر».

وحين تميل الشمس إلى الغروب، يكون يوم السوداني الذي بدأ بالبحث عن الماء أو الخبز أو فرصة عمل قد تحول إلى سلسلة طويلة من الحسابات: «كم رغيفاً يستطيع شراءه؟ كم غراماً من اللحم؟ ماذا يحذف من وجبة الغداء؟ هل ينفق ما بقي على الطعام أم يحتفظ به للعلاج؟».

أما سهام، فتعود مساء إلى منزلها بما استطاعت تدبيره، وفي يدها قطعة شحم حصلت عليها من الجزار من دون مقابل، بعدما كانت مثلها تُرمى في زمن مضى للكلاب الضالة، بينما ينتظرها في المنزل ينتظر زوجها المريض، وتظل فاتورة الدواء، البالغة 25 ألف جنيه، بلا سداد، ليأتي صباح جديد، لتخرج سهام مرة أخرى، وتبدأ الحسابات من البداية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended