عبء التاريخ وتحديات الواقع في أزمة الهجرات بين المغرب وإسبانيا

مدريد ترفض تحميل الرباط أية مسؤولية... وتهاجم الداعين لإخراجها من «شنغن»

عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
TT

عبء التاريخ وتحديات الواقع في أزمة الهجرات بين المغرب وإسبانيا

عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)

في شهر يوليو (تموز) من العام 2002 كادت الحرب تقع بين المغرب وإسبانيا بعد أن قامت مجموعة من عناصر الدرك المغربي بـ«اجتياح» الجزيرة الصغيرة غير المأهولة، المسماة «جزيرة البقدونس» بالإسبانية، و«جزيرة ليلى» بالعربية. وردت مدريد بإرسال مجموعة كوماندوز عسكرية عمدت إلى تجريد المجموعة المغربية من السلاح، وإعادتها إلى بلادها.

وكانت حجة المغرب أن الجزيرة «تنتمي للتراب الوطني المغربي» بسبب قربها الشديد من الشاطئ المغربي. غير أن إسبانيا أكدت في المقابل أنها تقع تحت سيادتها كما هو الحال لثغر سبتة، ومدينة مليلية، اللتين تعتبرهما الرباط كذلك أراضي مغربية. لكن مدريد تؤكد سيادتها عليهما منذ 500 عام.

مهاجرون ينتظرون عند مركز لإيواء القاصرين في سبتة (أ.ف.ب)

من هنا جاء الرد الإسباني على لندن التي طالب عدد من مسؤوليها السلطات الإسبانية بوضع حد لاستعمار هاتين الجزيرتين. وقال إغناسيو مولينا، مدير الأبحاث في المعهد الملكي إلكانو بمدريد: «إن هذين الإقليمين المعترف بهما إسبانيان بموجب القانون الدولي، ويضربان بجذورهما في التاريخ تماماً كما إسبانيا نفسها»، مضيفاً أن الدعوة لإنهاء الاستعمار فيهما «لا تقل عبثية عن تخيل أن تطالب فرنسا بالسيادة على جزيرتي جيرسي وغيرنسي البريطانيتين»، الواقعتين أمام شواطئ فرنسا الأطلسية.

لذا هناك بعد تاريخي لما يجري بين البلدين الجارين يتعلق بالسيادة، ومتطلباتها. وسبق للرباط أن استخدمت هذا الواقع كورقة ضغط سياسي على مدريد، كما حصل في العام 2021. والقاعدة تقول إنه عندما تكون العلاقات جيدة من على جانبي مضيق جبل طارق، خصوصاً لجهة تبني مدريد المقاربة المغربية لملف الصحراء، تختفي هذه المشكلة لتبرز مجدداً مع تبني إسبانيا مقاربة تبتعد ولو قليلاً عن الرؤية المغربية. وهذا كان واضحاً في أزمة 2021. لكن الأزمة الأخيرة لا تدفع إلى الأمام بسبب مشابه، بينما نتائجها وتبعاتها لا تقل خطورة عما جرى في العامين 2002، و2021.

مسؤولية إسبانيا

تتمثل النتيجة الأولى في الضغوطات السياسية الفردية والجماعية التي انصبت على إسبانيا، حيث يحملها شركاؤها الأوروبيون مسؤولية ما حصل. من هنا، فالرسالة المفتوحة التي أصدرتها 22 دولة من النادي الأوروبي تتضمن دعوة لعقد اجتماع «على وجه السرعة» لوزراء داخلية الاتحاد، من أجل تنسيق المواقف، والتوافق على «خريطة طريق» لمواجهة أية موجات هجرة لاحقة.

الشرطة الإسبانية خلال تأمين عودة آلاف المهاجرين السريين إلى الأراضي المغربية من سبتة (أ.ف.ب)

واللافت أن مدريد نفسها كانت من جملة الداعين لاجتماع كهذا. وقال مصدر ديبلوماسي في باريس إن مدريد تسعى لهدفين: الأول طمأنة شركائها في الاتحاد، وتأكيد أنها نجحت سريعاً في السيطرة على الوضع، والدليل على ذلك أن ما يقارب الـ48 ألف مهاجر غير شرعي تمت إعادتهم إلى المغرب، وفق تصريحات وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلسكا. لكن هذا الرقم يحتاج إلى تأكيد، ولا يدل على أن جميع الذين اقتحموا سياج سبتة عادوا إلى بلادهم، إذ إن أرقامهم تصل، بحسب بعض التقديرات، إلى 60 ألف شخص.

أما هدف مدريد الثاني فإنه يتمثل في الدفاع عن سياسة الهجرة التي تتبعها. لذا عجل رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في إرسال تحذير قوامه أن مواقف بعض الأوروبيين العدائية «تضرب الأهداف الجماعية للاتحاد على المدى الطويل». وفند سانشيز، بالاستناد إلى أرقام الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، أرقام الهجرات بين العامين 2021 و2026، حيث وصل 478600 مهاجر إلى إيطاليا، و340600 إلى منطقة البلقان الغربية، مقابل 234760 فقط إلى إسبانيا. وكان سانشيز بذلك يستهدف رئيسة الوزراء الإيطالية التي دعت إلى «إخراج» إسبانيا مؤقتاُ من اتفاقية «شنغن» التي تتيح التنقل الحر لمن يحصل على تأشيرة دخول من هذا النوع.

حقيقة الأمر أن حالة من «القلق» سادت العواصم الأوروبية بعد رؤية آلاف الشبان والفتيان يتسلقون السياج الشائك لمدينة سبتة. ومن هنا سارعت فرنسا وإيطاليا إلى إعادة فرض الرقابة على حدودهما الخارجية، حيث ضاعفت باريس خمس مرات عدد قواتها الأمنية على الحدود مع إسبانيا، وكذلك فعلت إيطاليا في مرافئها، ومطاراتها.

لكن ردود الفعل تفاوتت بين بلد وآخر، فإذا كانت فنلندا والدنمارك تضامنتا مع إيطاليا في ملف «شنغن»، إلا أن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز رفض هذا الاقتراح، وقال السبت إن «مسألة خروج إسبانيا من (شنغن) غير مطروحة إطلاقاً».

ووفق القراءات القانونية، لا يبدو تعليق عضوية إسبانيا أمراً سهلاً، خصوصاً أن حالة كهذه لم تطرح منذ قيام «شنغن».

تبعات سياسية

ثمة جانب آخر لا يقل أهمية في موضوع التبعات، ويتناول السياسات الداخلية. فالعديد من الدول الأوروبية تعاني من ارتفاع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة. وبرز ذلك بقوة في فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا. كما أن دولاً مثل إيطاليا والنمسا والدنمارك تعيش تحت حكم اليمين المتطرف. وتعي الأحزاب الوسطية أو التقليدية أن صور «الغزو» عل شواطئ سبتة من شأنها توفير الحجج لليمين المتطرف الذي ظل يحذر منذ سنوات من تدفق الهجرات غير الأوروبية على القارة القديمة.

السلطات المغربية وفرت حافلات لتسهيل عودة المهاجرين السريين إلى مدنهم (إ.ب.أ)

وهناك تيارات، مثل التيار الذي يقوده أريك زمور، زعيم «حزب الاسترداد» الذي يروج لنظرية «الاستبدال»، «أي حلول المهاجرين المسلمين من أفريقيا والعالم العربي محل الفرنسيين وفقدان الهوية المسيحية الفرنسية»، والتي تلاقي تقبلاً من بعض الفئات السكانية، فيما تدل استطلاعات الرأي على التقدم الكبير لمارين لوبن، مرشحة «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في فرنسا، على منافسيها للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع القادم.

وهناك ظاهرة لافتة للغاية، وفحواها أن أي دولة أوروبية، أو غير أوروبية، لم تعمد إلى تحميل المغرب المسؤولية، أو جزءاً منها، فيما حصل خلال الأيام الأخيرة. وأبرز دليل على ذلك ما قاله وزير الداخلية الإسباني، الذي صرح للصحافة السبت عند سؤاله عن مسؤولية المغرب بتأكيده أن «المغرب لا يشكل تهديداً لسبتة، ولا لباقي إسبانيا، لأنه شريك موثوق به».

وأضاف فرناندو غراندي مارلاسكا قائلاً: «الأحداث تتطلب تقييماً من قبل إسبانيا، والمغرب. لكن التعاون مع جيرانها هو الذي سمح لإسبانيا بالسيطرة على الوضع في 24 ساعة».

السلطات الإسبانية قامت بتركيب حاجز احتواء على طول سياج كسر الأمواج الممتد إلى البحر (إ.ب.أ)

لكن المسؤول عن جيب سبتة، خيسوس فيفاس، كان أكثر حذراً، إذ قال إن «المدينة لم تعد بعد إلى وضعها الطبيعي». ولتجنب تكرار ما حصل، فإن مدريد قامت بتركيب حاجز احتواء على طول سياج كسر الأمواج الممتد إلى البحر، بعدما اخترق عشرات الآلاف من المهاجرين حدود الجيب الإسباني الصغير.


مقالات ذات صلة

المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

تتجه العلاقات الاقتصادية والصناعية بين موريتانيا والمغرب إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، مع الإعلان عن مشروع لإنشاء منطقة صناعية مشتركة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عالمية مجسم ملعب الحسن الثاني في بنسليمان المرشح لاستضافة نهائي مونديال 2030 (الاتحاد المغربي)

أخنوش ينتقد إعلان لقجع إقامة نهائي المونديال في المغرب

انتقد رئيس الوزراء المغربي رئيس الاتحاد المحلي لكرة القدم بعدما أعلن أن نهائي كأس العالم 2030 سيُقام في الدار البيضاء.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا أشخاص يسيرون على الشاطئ بعد محاولتهم العبور من بلدة الفنيدق المغربية الشمالية إلى جيب سبتة الإسباني 31 يوليو 2026 (أ.ب)

المغرب ينفي أي ضلوع له في تدفق المهاجرين إلى سبتة... «لسنا كبش فداء»

أكد المغرب، الخميس، عدم وجود أي «معطيات أو وقائع» تثبت ضلوع سلطاته في تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة الإسباني في نهاية يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا شُبان مغاربة أمام حائط خُصّص لحملة الانتخابات التشريعية (أ.ف.ب)

المغرب: انطلاق حملة الانتخابات التشريعية وسط عزوف الشباب

انطلقت، الخميس، الحملة للانتخابات التشريعية، المقررة في 23 سبتمبر (أيلول) في المغرب، حيث يراهن التحالف الذي يقوده رئيس الحكومة عزيز أخنوش على تجديد دوره.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
أوروبا مهاجرون سريون ينتظرون دورهم للحصول على وجبة غذائية بعد تسللهم إلى جيب سبتة (رويترز) p-circle

«وثائق»: المخابرات الإسبانية حذرت من خطط لاقتحام سبتة

أظهرت وثائق نشرتها الحكومة الإسبانية، اليوم (الأربعاء)، أن أجهزة المخابرات الإسبانية حذرت نظيراتها المغربية ومدريد من خطط لاقتحام سبتة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)
رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)
TT

اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)
رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)

أعاد اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» إلى الواجهة الانقسام المتنامي داخل القوى المحسوبة على التيار الإسلامي في ليبيا، كاشفاً عن تباين في رؤيتها لشروط الترشح للانتخابات وحدود التسوية السياسية المقبلة.

ويعكس ذلك - بحسب متابعين لملف الإسلام السياسي في ليبيا - مساراً براغماتياً منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تراجعت خلاله وحدة الموقف داخل هذا التيار لمصلحة رؤى وتحالفات أكثر تعدداً وتبايناً.

وأثار الاتفاق، الذي وقعه ممثلو طرفي الانقسام العسكري والسياسي في شرق البلاد وغربها بطرابلس قبل نحو أسبوعين، مواقف متباينة بين قوي إسلامية محسوبة عليها، خصوصاً بشأن السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح، مع إلزام الفائز بالتخلي عن جنسيته الأخرى قبل تولي المنصب، إلى جانب السماح للعسكريين بالترشح والتصويت.

وأبدى «الحزب الديمقراطي» بقيادة محمد صوان انفتاحاً على المسار التوافقي، بينما تحفظ حزب «العدالة والبناء» على الاتفاق، داعياً إلى توسيع المشاركة، وضمان حياد المؤسسة العسكرية، واستقلال مفوضية الانتخابات، وتقليص مدة خريطة الطريق.

أما المفتي المعزول الصادق الغرياني، فتبنى موقفاً أكثر تشدداً، داعياً إلى الاحتجاج على الاتفاق، ورفض ما وصفه بـ«الخضوع لضغوط المجتمع الدولي».

ويرى محللون أن اختلاف المواقف يعكس تفاوتاً في ترتيب الأولويات داخل التيار الإسلامي؛ فبينما ينظر فريق إلى التوافق السياسي باعتباره مدخلاً لإنهاء المرحلة الانتقالية، والوصول إلى الانتخابات، يركز فريق آخر على الضمانات المحيطة بالعملية الانتخابية وشروطها، فيما يرفض الغرياني المسار برمته.

ولا تعود الخلافات إلى اتفاق «4+4» وحده؛ إذ بدأت ملامحها في الظهور منذ مرحلة ما بعد الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية عام 2015، رغم أن الإسلاميين، وفي مقدمتهم جماعة «الإخوان المسلمين»، كانوا يمثلون «كتلة واحدة متماسكة» خلال فترة «المؤتمر الوطني العام»، وهو أول مجلس تشريعي ليبي بعد سقوط نظام القذافي، بين عامي 2012 و2014، ومثَّلهم سياسياً آنذاك حزب «العدالة والبناء».

وتؤكد هذا الواقع نادية الراشد، العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني»، التي تسلط الضوء على تجربتها آنذاك بالقول إن القوى الإسلامية كانت تمضي في ذلك الحين وفق «أجندة سياسية وتشريعية متناغمة»، في مسعى للسيطرة على مفاصل الدولة الليبية.

غير أن المشهد بدأ يتغير بعد اتفاق «الصخيرات»، مع بروز اتجاهات مختلفة داخل البيئة الإسلامية، بين تيار يدفع نحو التوافق السياسي، وآخر أكثر تشدداً في التعامل مع المسارات السياسية القائمة، بحسب ما ذكرت الراشد لـ«الشرق الأوسط».

صوان خلال ترؤسه مجلس السياسات بـ«الحزب الديمقراطي» الليبي بطرابلس في أغسطس الماضي (صفحة الحزب)

وتعد استقالة عدد من أعضاء «جماعة الإخوان» في مصراتة عام 2021، وحل فرع الجماعة في المدينة وتأسيس «جمعية الإحياء والتجديد»، بالتوازي مع انشقاق محمد صوان عن رئاسة «العدالة والبناء»، وتأسيسه «الحزب الديمقراطي»، من أبرز المحطات التي أسهمت في اتساع دائرة الخلافات داخل التيار الإسلامي.

وترى الراشد أن هذه التطورات بلورت مسارين رئيسيين؛ أولهما يضم الموالين لصوان، إلى جانب عدد من أعضاء كتلة «الوفاق» في المجلس الأعلى للدولة، فيما يمثل حزب «العدالة والبناء» جانباً من الاتجاه الآخر، الذي تصفه بـ«الصقور»، مع تقاطع بعض مواقفه مع توجهات المفتي السابق الصادق الغرياني.

وعلى ذلك، لم يعد التيار الإسلامي في ليبيا «كتلة سياسية واحدة متماسكة»، وفق رؤية المحلل السياسي حسام فنيش، خصوصاً بعدما أفرزت السنوات الماضية مكونات ذات خلفيات تنظيمية وفكرية وسياسية مختلفة، إلى جانب شخصيات وتكنوقراط لا ينتمون إلى الأطر التنظيمية التقليدية.

ويرى فنيش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانقسام داخل حزب «العدالة والبناء»، وما ترتب عليه من تأسيس «الحزب الديمقراطي» بقيادة صوان، شكّل نقطة تحول أساسية، نقلت التيار من حالة أقرب إلى وحدة الموقف إلى تعدد في المشاريع والتحالفات والقراءات السياسية.

وامتد هذا التحول إلى المجلس الأعلى للدولة؛ إذ لم تعد القوى المحسوبة على البيئة الإسلامية تتحرك بوصفها كتلة متجانسة، وظهرت مواقف متباينة حيال القوانين الانتخابية ومخرجات لجنة «6+6» ومسار «4+4»، فضلاً عن تقييم أدوار الأمم المتحدة والقوى الإقليمية، بحسب فنيش.

ويقول فنيش إن ما يجري يتجاوز الخلاف التنظيمي إلى «إعادة تشكل سياسي وفكري أوسع»، أصبحت معه المواقف تتحدد بدرجة أكبر وفق التحالفات والملفات المطروحة، وليس وفق الانتماء التنظيمي وحده.

ومع ذلك، لا يعني تباين المواقف، وفق الراشد، غياب المصالح المشتركة؛ إذ ترى أن «هذه القوى، رغم خلافاتها، تسعى إلى الحفاظ على حضورها في ترتيبات المرحلة المقبلة، في ظل تراجع شعبية (جماعة الإخوان) وغياب هيكل تنظيمي موحد يجمع مكوناتها».

وتضيف أن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة سعى خلال السنوات الأخيرة إلى «تقليم أظافر الإخوان وتحجيم نفوذهم السياسي»، وهو ما أسهم، من وجهة نظرها، في إعادة توزيع النفوذ داخل البيئة السياسية المحسوبة على الجماعة.

في المقابل، يرى فنيش أن إعادة ترتيب المشهد «لا تعني خروج القوى الإسلامية من المعادلة، وإنما تغير طبيعة حضورها، مع تزايد أهمية التحالفات، والقدرة على التأثير في مسارات التسوية والانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة».

ويفتح اتفاق «4+4» بين «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» باب الترشح للانتخابات الرئاسية أمام العسكريين ومزدوجي الجنسية، مع إلزام الفائز مزدوج الجنسية بالتخلي عن جنسيته الأجنبية قبل أداء اليمين الدستورية، فيما يعتمد القانون رقم 10 لسنة 2014 أساساً للانتخابات البرلمانية، مع السماح لأعضاء الأحزاب بالترشح بصفاتهم الفردية.


حظر احتفالات «مخالفة للثقافة المصرية» بالمدارس الدولية يثير جدلاً

وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)
TT

حظر احتفالات «مخالفة للثقافة المصرية» بالمدارس الدولية يثير جدلاً

وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم خلال لقاء مع إعلاميين وخبراء (وزارة التربية والتعليم)

أثار إعلان وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في مصر عن حظر احتفالات اعتُبرت «مخالفة للثقافة المصرية» في المدارس الدولية، حالةً واسعةً من الجدل.

وبينما أثنى البعض على القرار وعدّوه «خطوة في اتجاه تعميق حس الانتماء لدى النشء في البلاد»، رأى آخرون فيه «نوعاً من فرض الوصاية على الجيل الجديد، على نحو يحدّ من قدرة هؤلاء على التواصل مع العالم من حولهم»، وفق تعليقات لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

وجاء القرار على خلفية تشديد حكومي على الاهتمام بـ«مواد الهوية» ضمن مقررات المناهج الدراسية في تلك المدارس؛ حيث أكد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، أن «المدارس الدولية باتت ملزمة منذ أغسطس (آب) 2024، بأن تجعل مادتي اللغة العربية والتاريخ تمثلان 20 في المائة من إجمالي مجموع درجات الطلبة، بعد أن كانت المادتان خارج المجموعة، ومن ثم لا يتم الاهتمام بهما».

وأضاف عبد اللطيف، في تصريحات على هامش لقاء جمعه بإعلاميين وأكاديميين وشخصيات عامة، رفقة ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، أن «الاحتفالات التي تنظمها المدارس الدولية لإحياء مناسبات لا نعرف عنها شيئاً، ولا تتوافق مع ثقافتنا، تُعد غير مقبولة»، وفق تعبيره.

وعدّ الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس وأحد الحضور في لقاء الوزير، مواد الهوية، مثل اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية، بمثابة «المواد المظلومة في التعليم المصري بكل مراحله وأنماطه، سواء الحكومي أو الخاص أو الدولي؛ حيث تعرضت للإهمال والتهميش وغاب الاهتمام بها، وهو ما أدى إلى تخريج أجيال لا تمتلك الحد الأدنى من الثقافة الوطنية، وتخطئ في أبسط قواعد نطق العربية الفصحى والإملاء».

الوزير تحدث عن جهود تطوير التعليم (وزارة التربية والتعليم)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «إهمال مثل هذه المواد يُعد مخالفة صارخة لمواد الدستور المصري، لا سيما المادة (24) التي تنص على أن اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني مواد أساسية في التعليم قبل الجامعي، فضلاً عن المادة (19) التي تجعل التعليم حقّاً وتُحدد أهدافه، ومن بينها بناء الشخصية المصرية والحفاظ على الهوية الوطنية، وكذلك المواد الدستورية المتعلقة بالثقافة واللغة العربية».

ورغم أن وزير التعليم المصري لم يضرب أمثلة محددة بالاحتفالات «المرفوضة»، فإن تعليقات عديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي أشارت إلى «الهالووين» و«الفالنتين» و«الكريسماس»، معتبرة أن «هناك حالة من الحرص المبالغ فيه من جانب إدارات بعض المدارس والطلبة وأولياء الأمور على إحياء مثل هذه المناسبات، وكأنها أعياد قومية، رغم أنها تقليد أعمى لما يحدث في الغرب»، وفق آراء.

الوزير استعرض خطوات لتطوير التعليم (وزارة التربية والتعليم)

وعدّت نهاد أبو القمصان، المحامية والناشطة الحقوقية، القرار الوزاري بمثابة «انتكاسة»، قائلة إن «من بين الأهداف الأساسية لإلحاق الأطفال بالمدارس الدولية إتاحة الفرصة أمامهم للتعرف إلى التنوع الثقافي والاختلاف، وتأهيلهم للتعامل مع مجتمعات وثقافات متعددة».

وأوضحت، في مقطع فيديو بثته عبر صفحتها بموقع «فيسبوك»، أن «إطلاع الأطفال على ثقافات مختلفة منذ الصغر يساعدهم على فهم العالم من حولهم، ويجنبهم التعرض للصدمات الحضارية في مراحل لاحقة، خصوصاً إذا خاضوا تجارب الدراسة أو العمل خارج مصر».

في المقابل، رأى شوقي أن «مثل هذه الاحتفالات من شأنها أن تزيد من أزمة الاغتراب وعدم الانتماء لدى أبناء الجيل الجديد الذي ينشأ على الثقافة الغربية والجهل بثقافته الوطنية، ما يجعله هدفاً سهلاً للغزو الثقافي»، مشيراً إلى أن «الانفتاح على الآخر ونشر ثقافة التسامح يكون بدراسة الثقافة الغربية وإتقان لغاتها وفهم تطورها التاريخي، وليس بتبني الاحتفال بأعيادها وإحياء مناسباتها».


مصر تراهن على «بريكس» لجذب الاستثمارات... والترويج لـ«فرصها الواعدة»

السيسي يلتقي رئيس وزراء الهند على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)
السيسي يلتقي رئيس وزراء الهند على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تراهن على «بريكس» لجذب الاستثمارات... والترويج لـ«فرصها الواعدة»

السيسي يلتقي رئيس وزراء الهند على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)
السيسي يلتقي رئيس وزراء الهند على هامش قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)

تطلعات مصرية للحصول على مكاسب من مشاركتها الثالثة في قمة تجمُّع «بريكس» التي تحتضنها العاصمة الهندية، نيودلهي، وسط ترويج للاستثمار، والاستفادة من فرصها الواعدة، وتطلعها لرئاسة التَّجمُّع الذي انضمَّت له عام 2024.

تلك التحركات المصرية يراها خبير اقتصادي تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» قابلة للتنفيذ في ظلِّ موقع مصر الاستراتيجي، القادر على الوصول لأسواق تضم أكثر من 1.3 مليار مستهلك، داعياً إلى إجراءات سريعة في هذا الصدد أبرزها إطلاق منصات ترويج استثماري متخصصة وموجَّهة لمجتمعات الأعمال في دول «بريكس»، وتسريع وتيرة التَّحوُّل الرقمي، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية.

تطلعات مصرية

وقال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في كلمته بالقمة: «إن مصر تنظر إلى (بريكس) بوصفه فرصةً واعدةً، وإطاراً فعالاً لبناء شراكات عملية، وتطوير منظومة اقتصادية دولية، أكثر توازناً وقدرة على تلبية تطلعات دولنا وشعوبنا».

وأكد السيسي «استعداد مصر لمواصلة الإسهام بصورة بنّاءة، من خلال دعم المشروعات المشتركة، وتعزيز الشراكات، والاستفادة من موقع مصر الاستراتيجي، في دعم التجارة والاستثمار، والربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا».

مصر تتطلع لرئاسة التَّجمُّع الذي انضمَّت له عام 2024 (الرئاسة المصرية)

وتستطيع مصر تحويل عضويتها في تكتل «بريكس» إلى أداة اقتصادية قوية لجذب رؤوس الأموال وتحفيز الاستثمارات الإنتاجية، مستفيدة من التَّوسُّع الكبير في علاقاتها الاقتصادية مع دول المجموعة، بحسب تقدير رئيس «مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية»، خالد الشافعي، في حديث لـ«الشرق الأوسط».

ويؤكد الشافعي «قدرة مصر على استثمار هذه العضوية في التحول من مرحلة التبادل التجاري التقليدي، إلى مرحلة تعميق الشراكات الاستثمارية والهيكلية»، لافتاً إلى أن العضوية توفر آليات تمويلية ميسرة عبر «بنك التنمية الجديد (NDB)» التابع للتكتل، والذي يتيح تمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة بعيداً عن شروط المؤسسات الدولية التقليدية، فضلاً عن إمكانية تنفيذ المعاملات والمشروعات المشتركة بالعملات المحلية لتخفيف الضغط عن الاحتياطي الأجنبي وتقليل مخاطر سعر الصرف.

تطوير الشراكات

وعن أهم الفرص الاستثمارية التي يمكن أن تجذبها القاهرة، يعتقد الشافعي، أن الفرص الأكثر جاذبية لدول «بريكس» تتركز في قطاعات حيوية عدة، يأتي في مقدمتها قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتمتلك مصر محطة «بنبان» للطاقة الشمسية وقدرات هائلة في مشروعات طاقة الرياح بخليج السويس، مما يتيح فرصاً استثمارية واعدة للشراكات مع الصين والهند لإنتاج وتصدير الوقود الأخضر.

يلي ذلك قطاع النقل واللوجستيات والصناعة عبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي تمتلك استثمارات إنتاجية ضخمة مثل المنطقة الصناعية الروسية (TIZ)، والمشروعات الصناعية الصينية في منطقة «تيدا»، وفق الشافعي.

جانب من مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمة «بريكس» (الرئاسة المصرية)

ولتعزيز قدرتها التنافسية وسط المنافسة المحتدمة بين دول التكتل لاستقطاب رؤوس الأموال، يرى خالد الشافعي، أن مصر تحتاج إلى مواصلة العمل على محاور إجرائية واقتصادية عدة، «أبرزها تسريع وتيرة التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتفعيل الرخصة الذهبية بشكل أوسع للمشروعات الاستثمارية».

وأظهرت بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بمصر ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين مصر ودول مجموعة «بريكس» لتصل إلى 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 29.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 7.4 مليار دولار، وبنسبة ارتفاع بلغت 25.5 في المائة.

وسجَّلت قيمة الواردات المصرية من دول المجموعة نحو 30.1 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 21.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 8.2 مليار دولار، وبنسبة ارتفاع بلغت 38.1 في المائة، بينما بلغت قيمة الصادرات المصرية لدول مجموعة «بريكس» 6.6 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026 مقابل 7.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025 بنسبة انخفاض قدرها 11.6 في المائة.