عبء التاريخ وتحديات الواقع في أزمة الهجرات بين المغرب وإسبانيا

مدريد ترفض تحميل الرباط أية مسؤولية... وتهاجم الداعين لإخراجها من «شنغن»

عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
TT

عبء التاريخ وتحديات الواقع في أزمة الهجرات بين المغرب وإسبانيا

عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)
عناصر الشرطة الإسبانية خلال توقيف مهاجر سري في سبتة (رويترز)

في شهر يوليو (تموز) من العام 2002 كادت الحرب تقع بين المغرب وإسبانيا بعد أن قامت مجموعة من عناصر الدرك المغربي بـ«اجتياح» الجزيرة الصغيرة غير المأهولة، المسماة «جزيرة البقدونس» بالإسبانية، و«جزيرة ليلى» بالعربية. وردت مدريد بإرسال مجموعة كوماندوز عسكرية عمدت إلى تجريد المجموعة المغربية من السلاح، وإعادتها إلى بلادها.

وكانت حجة المغرب أن الجزيرة «تنتمي للتراب الوطني المغربي» بسبب قربها الشديد من الشاطئ المغربي. غير أن إسبانيا أكدت في المقابل أنها تقع تحت سيادتها كما هو الحال لثغر سبتة، ومدينة مليلية، اللتين تعتبرهما الرباط كذلك أراضي مغربية. لكن مدريد تؤكد سيادتها عليهما منذ 500 عام.

مهاجرون ينتظرون عند مركز لإيواء القاصرين في سبتة (أ.ف.ب)

من هنا جاء الرد الإسباني على لندن التي طالب عدد من مسؤوليها السلطات الإسبانية بوضع حد لاستعمار هاتين الجزيرتين. وقال إغناسيو مولينا، مدير الأبحاث في المعهد الملكي إلكانو بمدريد: «إن هذين الإقليمين المعترف بهما إسبانيان بموجب القانون الدولي، ويضربان بجذورهما في التاريخ تماماً كما إسبانيا نفسها»، مضيفاً أن الدعوة لإنهاء الاستعمار فيهما «لا تقل عبثية عن تخيل أن تطالب فرنسا بالسيادة على جزيرتي جيرسي وغيرنسي البريطانيتين»، الواقعتين أمام شواطئ فرنسا الأطلسية.

لذا هناك بعد تاريخي لما يجري بين البلدين الجارين يتعلق بالسيادة، ومتطلباتها. وسبق للرباط أن استخدمت هذا الواقع كورقة ضغط سياسي على مدريد، كما حصل في العام 2021. والقاعدة تقول إنه عندما تكون العلاقات جيدة من على جانبي مضيق جبل طارق، خصوصاً لجهة تبني مدريد المقاربة المغربية لملف الصحراء، تختفي هذه المشكلة لتبرز مجدداً مع تبني إسبانيا مقاربة تبتعد ولو قليلاً عن الرؤية المغربية. وهذا كان واضحاً في أزمة 2021. لكن الأزمة الأخيرة لا تدفع إلى الأمام بسبب مشابه، بينما نتائجها وتبعاتها لا تقل خطورة عما جرى في العامين 2002، و2021.

مسؤولية إسبانيا

تتمثل النتيجة الأولى في الضغوطات السياسية الفردية والجماعية التي انصبت على إسبانيا، حيث يحملها شركاؤها الأوروبيون مسؤولية ما حصل. من هنا، فالرسالة المفتوحة التي أصدرتها 22 دولة من النادي الأوروبي تتضمن دعوة لعقد اجتماع «على وجه السرعة» لوزراء داخلية الاتحاد، من أجل تنسيق المواقف، والتوافق على «خريطة طريق» لمواجهة أية موجات هجرة لاحقة.

الشرطة الإسبانية خلال تأمين عودة آلاف المهاجرين السريين إلى الأراضي المغربية من سبتة (أ.ف.ب)

واللافت أن مدريد نفسها كانت من جملة الداعين لاجتماع كهذا. وقال مصدر ديبلوماسي في باريس إن مدريد تسعى لهدفين: الأول طمأنة شركائها في الاتحاد، وتأكيد أنها نجحت سريعاً في السيطرة على الوضع، والدليل على ذلك أن ما يقارب الـ48 ألف مهاجر غير شرعي تمت إعادتهم إلى المغرب، وفق تصريحات وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلسكا. لكن هذا الرقم يحتاج إلى تأكيد، ولا يدل على أن جميع الذين اقتحموا سياج سبتة عادوا إلى بلادهم، إذ إن أرقامهم تصل، بحسب بعض التقديرات، إلى 60 ألف شخص.

أما هدف مدريد الثاني فإنه يتمثل في الدفاع عن سياسة الهجرة التي تتبعها. لذا عجل رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في إرسال تحذير قوامه أن مواقف بعض الأوروبيين العدائية «تضرب الأهداف الجماعية للاتحاد على المدى الطويل». وفند سانشيز، بالاستناد إلى أرقام الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، أرقام الهجرات بين العامين 2021 و2026، حيث وصل 478600 مهاجر إلى إيطاليا، و340600 إلى منطقة البلقان الغربية، مقابل 234760 فقط إلى إسبانيا. وكان سانشيز بذلك يستهدف رئيسة الوزراء الإيطالية التي دعت إلى «إخراج» إسبانيا مؤقتاُ من اتفاقية «شنغن» التي تتيح التنقل الحر لمن يحصل على تأشيرة دخول من هذا النوع.

حقيقة الأمر أن حالة من «القلق» سادت العواصم الأوروبية بعد رؤية آلاف الشبان والفتيان يتسلقون السياج الشائك لمدينة سبتة. ومن هنا سارعت فرنسا وإيطاليا إلى إعادة فرض الرقابة على حدودهما الخارجية، حيث ضاعفت باريس خمس مرات عدد قواتها الأمنية على الحدود مع إسبانيا، وكذلك فعلت إيطاليا في مرافئها، ومطاراتها.

لكن ردود الفعل تفاوتت بين بلد وآخر، فإذا كانت فنلندا والدنمارك تضامنتا مع إيطاليا في ملف «شنغن»، إلا أن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز رفض هذا الاقتراح، وقال السبت إن «مسألة خروج إسبانيا من (شنغن) غير مطروحة إطلاقاً».

ووفق القراءات القانونية، لا يبدو تعليق عضوية إسبانيا أمراً سهلاً، خصوصاً أن حالة كهذه لم تطرح منذ قيام «شنغن».

تبعات سياسية

ثمة جانب آخر لا يقل أهمية في موضوع التبعات، ويتناول السياسات الداخلية. فالعديد من الدول الأوروبية تعاني من ارتفاع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة. وبرز ذلك بقوة في فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا. كما أن دولاً مثل إيطاليا والنمسا والدنمارك تعيش تحت حكم اليمين المتطرف. وتعي الأحزاب الوسطية أو التقليدية أن صور «الغزو» عل شواطئ سبتة من شأنها توفير الحجج لليمين المتطرف الذي ظل يحذر منذ سنوات من تدفق الهجرات غير الأوروبية على القارة القديمة.

السلطات المغربية وفرت حافلات لتسهيل عودة المهاجرين السريين إلى مدنهم (إ.ب.أ)

وهناك تيارات، مثل التيار الذي يقوده أريك زمور، زعيم «حزب الاسترداد» الذي يروج لنظرية «الاستبدال»، «أي حلول المهاجرين المسلمين من أفريقيا والعالم العربي محل الفرنسيين وفقدان الهوية المسيحية الفرنسية»، والتي تلاقي تقبلاً من بعض الفئات السكانية، فيما تدل استطلاعات الرأي على التقدم الكبير لمارين لوبن، مرشحة «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في فرنسا، على منافسيها للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع القادم.

وهناك ظاهرة لافتة للغاية، وفحواها أن أي دولة أوروبية، أو غير أوروبية، لم تعمد إلى تحميل المغرب المسؤولية، أو جزءاً منها، فيما حصل خلال الأيام الأخيرة. وأبرز دليل على ذلك ما قاله وزير الداخلية الإسباني، الذي صرح للصحافة السبت عند سؤاله عن مسؤولية المغرب بتأكيده أن «المغرب لا يشكل تهديداً لسبتة، ولا لباقي إسبانيا، لأنه شريك موثوق به».

وأضاف فرناندو غراندي مارلاسكا قائلاً: «الأحداث تتطلب تقييماً من قبل إسبانيا، والمغرب. لكن التعاون مع جيرانها هو الذي سمح لإسبانيا بالسيطرة على الوضع في 24 ساعة».

السلطات الإسبانية قامت بتركيب حاجز احتواء على طول سياج كسر الأمواج الممتد إلى البحر (إ.ب.أ)

لكن المسؤول عن جيب سبتة، خيسوس فيفاس، كان أكثر حذراً، إذ قال إن «المدينة لم تعد بعد إلى وضعها الطبيعي». ولتجنب تكرار ما حصل، فإن مدريد قامت بتركيب حاجز احتواء على طول سياج كسر الأمواج الممتد إلى البحر، بعدما اخترق عشرات الآلاف من المهاجرين حدود الجيب الإسباني الصغير.


مقالات ذات صلة

إسبانيا تفرض سيطرتها على ميناء سبتة وسط أزمة المهاجرين

شمال افريقيا الحكومة المحلية عارضت إقامة مخيم للمهاجرين في منطقة الميناء (إ.ب.أ)

إسبانيا تفرض سيطرتها على ميناء سبتة وسط أزمة المهاجرين

فرضت الحكومة الإسبانية اليسارية في مدريد سيطرتها على الميناء، في جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، وسط خلاف بشأن إيواء المهاجرين في المدينة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شمال افريقيا  أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

انتقد الإعلام المغربي بشدّة، الجمعة، تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى «تهاون تام» للقوّات المغربية في مواجهة تدفّق عشرات آلاف المهاجرين إلى جيب سبتة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال إلقاء كلمته على أعضاء البرلمان الخميس (رويترز)

إسبانيا تنفي وجود دليل على أن المغرب دبَّر لعبور المهاجرين إلى سبتة

قال رئيس الوزراء الإسباني لأعضاء البرلمان إن إسبانيا لم تجد أي دليل على ​أن السلطات المغربية دبّرت أو نفّذت موجة عبور المهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإسباني أكد أن المغرب لم يكن مسؤولاً عن التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة (أ.ب)

إسبانيا تنفي وجود تقرير للشرطة عن ضلوع المغرب بتدفق المهاجرين إلى سبتة

نفت وزارة الداخلية الإسبانية، الأربعاء، وجود تقرير للشرطة خلص، وفق معلومات، إلى أن المغرب دبّر تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة في يوليو الماضي.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شمال افريقيا أثار ​وجود المهاجرين ‌احتجاجات ⁠شبه يومية ​من ⁠السكان المحليين على طريقة تعامل الحكومة الإسبانية مع الأزمة (أ.ف.ب)

سكان سبتة يدعون للهدوء مع تحرك إسبانيا لمواجهة أزمة مهاجرين

ناشد سكان مدينة سبتة التي تحتلها إسبانيا، شمال المغرب، التزام الهدوء في ظل التخطيط لتنظيم مئات المسيرات في جميع أنحاء البلاد، تضامناً مع هذا الجيب المحتل.

«الشرق الأوسط» (سبتة)

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
TT

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)

تحولت «التكايا»، وهي مطابخ خيرية تديرها مبادرات تطوعية لتقديم الطعام إلى المحتاجين والمتضررين من الحرب في السودان، إلى شريان حياة لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تأمين وجباتها اليومية في ظل الغلاء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وفي مدينة أم درمان، يجد نازحون وسكان أنهكتهم الحرب في هذه المطابخ ملاذاً للحصول على ما تيسر من الطعام، بعدما بات شراء الاحتياجات الأساسية يفوق قدرة كثير من الأسر، نتيجة تدنّي الدخول، وتعطل النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، لكن المبادرات التي تسد جانباً من الفجوة الغذائية باتت تواجه بدورها نقصاً حاداً في التمويل وارتفاعاً في تكاليف التشغيل؛ ما يجعل استمرارها مرهوناً بتبرعات فاعلي الخير ودعم الجهات المانحة، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر التي تعتمد عليها للحصول على وجبة يومية.

أوضاع معيشية قاسية

يقول الصادق صديق، المشرف على إحدى التكايا، إن مبادرته انطلقت في يونيو (حزيران) 2023 بقدر واحدة من «البليلة العدسية»، وهي وجبة شعبية تُعد من العدس، تم توزيعها على الجيران والمارة، قبل أن يقوم بإضافة قدر أخرى من الفول، بمساعدة بعض المتبرعين. ومع التعريف بأنشطة التكية عبر منصات التواصل الاجتماعي، اتسعت تدريجياً دائرة الداعمين.

مجموعة من الشباب يساعدون في توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

ويضيف صديق لـ«الشرق الأوسط» أن التكية وسّعت أنشطتها مع استمرار الحرب وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، وأصبحت تُعد يومياً نحو 20 قدراً كبيرة من الطعام للنازحين والمتضررين في أم درمان، يستفيد منها قرابة 5 آلاف شخص، ينتمون إلى نحو 700 أسرة. ويشير إلى أن نقص التمويل تسبب في توقف التكية عن العمل مرات عدة، لكنها كانت تستأنف نشاطها في كل مرة لتلبية احتياجات الأسر، فضلاً عن توفير وجبات إفطار لطلاب المدارس.

وعلى الرغم من عودة أعداد من النازحين إلى مناطقهم بعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، لا تزال الأوضاع المعيشية لكثير من الأسر بالغة الصعوبة. ويؤكد صديق أن «استمرار عمل التكية أصبح ضرورة لا غنى عنها».

ويعاني ملايين السودانيين تداعيات الحرب المستمرة، في ظل تراجع الدخول وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما دفعت الأزمة نحو نصف سكان البلاد إلى دائرة الاحتياج إلى المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات أممية.

معاناة مستمرة

من بين المستفيدين أم سترة حامد، وهي امرأة ستينية نزحت من مدينة النهود بولاية غرب كردفان. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «وصلت إلى أم درمان برفقة أطفالي الأيتام بعد رحلة طويلة وشاقة عانينا خلالها كثيراً، وأعيش حالياً في ظروف معيشية بالغة الصعوبة». وتضيف: «لا أملك مصدراً ثابتاً للدخل، ولا أستطيع توفير ما يكفي من الطعام لأطفالي؛ لذلك نعتمد بصورة أساسية على الوجبات التي تقدمها التكية. بالنسبة إلينا، لا تمثل هذه الوجبات مجرد مساعدة، بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة في هذه الظروف القاسية».

ولا تختلف معاناة فاطمة يوسف، وهي أم لسبع بنات، كثيراً عن ذلك. وتقول: «نزحت من غرب كردفان برفقة بناتي السبع، وغادرنا منزلنا بالملابس التي كنا نرتديها فقط، وسط ظروف لا إنسانية. ومنذ وصولنا، نواجه صعوبة شديدة في توفير أبسط متطلبات الحياة، وفي مقدمتها الطعام». وتضيف: «وضعنا المعيشي صعب للغاية، ولا نملك ما يكفي لإطعام بناتي. أعتمد على التكية في الحصول على الوجبات، وقد تسلمت اليوم حصتنا من حساء العدس، لكنني لا أمتلك حتى خبزاً جافاً يمكننا تناوله معه».

النازحة فاطمة يوسف تنتظر توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

بدوره، يقول الهادي البدوي، وهو أحد المستفيدين، إن التكايا وقفت إلى جانب السكان منذ اندلاع الحرب، وتحولت بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى مصدر أساسي للطعام مع التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية. ويضيف: «كنت أعتمد على الأعمال اليومية الحرة لتوفير احتياجات أسرتي، لكن الحرب وما خلفته من أوضاع كارثية أدتا إلى تراجع فرص العمل بصورة كبيرة، وأصبحت أقضي أياماً كثيرة من دون عمل أو دخل». ويتابع: «الأوضاع المعيشية متردية للغاية؛ ولذلك أصبحت الوجبات التي تقدمها التكايا سنداً حقيقياً للأسر التي فقدت مصادر دخلها، ولم تعد قادرة على توفير الطعام لأفرادها».

أزمة جوع متفاقمة

في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، تظل التكايا شاهدة على وجه آخر للحرب؛ إذ أصبحت أسر كانت تعتمد على عملها ودخلها في توفير الطعام تنتظر وجبة تقدمها مبادرة خيرية. ومع اتساع دائرة المحتاجين وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تواجه هذه المطابخ بدورها خطر التوقف بسبب شح التمويل، وصعوبة توفير مستلزمات الطهي بصورة منتظمة.

صفوف طويلة من المستفيدين من التكية (الشرق الأوسط)

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده، وأثقلت كاهل مواطنيه، لم تعد وجبة الطعام بالنسبة إلى كثير من الأسر أمراً يمكن عده من المسلَّمات، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، بينما تحاول التكايا، بإمكاناتها المحدودة، سد جزء من الفجوة المتزايدة. وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد حذر، في أحدث تحديث لعملياته الإنسانية في السودان خلال أغسطس (آب) الماضي، من أن البلاد لا تزال تواجه أكبر أزمة جوع في العالم، بينما يهدد النقص الحاد في التمويل قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة عمليات الإغاثة، وسط استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد. وذكر البرنامج أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتعطل الإنتاج الزراعي، والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية.


عودة الروح إلى جامعة بنغازي الليبية عقب إعادة إعمارها

حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)
حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)
TT

عودة الروح إلى جامعة بنغازي الليبية عقب إعادة إعمارها

حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)
حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)

طوت جامعة بنغازي في شرق ليبيا صفحة آثار سنوات الحرب، التي امتدت إلى حرمها الجامعي، وأعادت فتح أبوابها بعد استكمال المرحلة النهائية من مشروع إعادة إعمارها وتأهيل مرافقها.

هذه الخطوة رآها مراقبون إعادة إلى واحد من أقدم الصروح التعليمية في البلاد دوره الأكاديمي، بعد أضرار لحقت به خلال المعارك، التي شهدتها المدينة بين «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وتنظيم «داعش»، ومجموعات متطرفة بين عامَي 2014 و2016.

ومع استكمال أعمال إعادة التأهيل، افتتح حفتر في وقت متأخر، الجمعة، المرحلة النهائية من مشروع إعادة إعمار الجامعة، في احتفال حضره رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إلى جانب مسؤولين وأكاديميين.

واستعادت كلمات المشاركين في الاحتفال جانباً من ذاكرة الحرب، التي وصلت إلى الجامعة، حيث أشار حفتر إلى أن توقفها لسنوات طويلة ترك جرحاً في ذاكرة المدينة، بينما ربط ما شهدته بنغازي خلال تلك المرحلة بالمعارك، التي خاضتها قواته ضد الجماعات المسلحة.

حفل افتتاح جامعة بنغازي في شرق ليبيا بعد إعادة الإعمار مساء الجمعة (إعلام الجيش الوطني الليبي)

من جهته، حرص عقيلة صالح على التذكير بالأضرار التي لحقت بالمنشآت التعليمية خلال النزاع، مؤكداً أن المنشآت التعليمية تُعدُّ من الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز استهدافها أو استخدامها لأغراض عسكرية في أثناء النزاعات المسلحة.

وأسهب صالح في الحديث عمّا تعرَّضت له الجامعة خلال سنوات القتال من قذائف وألغام وأعمال تخريب، طالت قاعاتها ومكتباتها ومكاتبها ومرافقها وحدائقها، في حين وصف رئيس «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، بلقاسم حفتر، عودة الجامعة بأنها بداية جديدة بعد سنوات من الأضرار التي خلفتها الحرب.

ولا ينسى أكاديميون وطلاب آثار الحرب التي بدأت تطال جامعة بنغازي في منطقة قاريونس منذ مايو (أيار) 2014، مع تصاعد المواجهات المسلحة في المدينة بين قوات الجيش الوطني والجماعات المتطرفة. وفي يونيو (حزيران) من العام نفسه، أصابت صواريخ أُطلقت خلال القتال عدداً من مباني الجامعة، وألحقت أضراراً بفصول ومعامل ومرافق تدريبية.

وتصاعدت المواجهات حول الحرم الجامعي في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، مع استمرار القتال بين قوات حفتر ومقاتلي «مجلس شورى ثوار بنغازي» و«داعش»، وتشكيلات مسلحة أخرى. ومع امتداد المعارك، تعرَّضت أجزاء من الجامعة لأضرار إضافية، بينما استُخدمت بعض مرافقها خلال العمليات العسكرية.

وفي عام 2015، اتسعت رقعة الأضرار التي لحقت بالحرم الجامعي، قبل أن تعلن القوات التابعة لحفتر في 17 أبريل (نيسان) 2016 السيطرة على الجامعة، بعد معارك مع «داعش» وتشكيلات مسلحة أخرى. وأعقبت ذلك عمليات لإزالة الألغام وتأمين المباني، تمهيداً لاستئناف النشاط الجامعي.

ويرى المحلل السياسي الليبي، عمر بوسعيدة، أن استحضار تجربة الحرب في لحظة احتفال الجامعة بإعادة تأهيلها «لا يعني بالضرورة التوقف عند الماضي»، عادّاً أنه «يمكن أن يُشكِّل جزءاً من ذاكرة المدينة وتجربتها مع العنف المسلح، خصوصاً أن انتهاء المعارك لا يعني بالضرورة زوال آثارها الاجتماعية والسياسية».

ويقول بوسعيدة لـ«الشرق الأوسط» إن تذكّر تلك المرحلة يمكن أن يسهم في تعزيز الوعي بمخاطر عودة الجماعات المتطرفة، عادّاً أن المجتمعات التي مرت بتجارب عنيفة تحتاج إلى الاحتفاظ بذاكرتها، مع تحويلها من تجربة مؤلمة إلى درس يساعد على تجنب تكرارها.

وقبل نحو 3 أعوام، انطلق مشروع إعادة إعمار بنغازي، وشمل جامعة بنغازي بوصفها أحد المرافق الرئيسية في المدينة. وتضمنت أعمال المشروع إعادة تأهيل مرافق أكاديمية وحيوية وتاريخية، إلى جانب تطوير أجزاء من الحرم الجامعي.

وشملت أعمال التأهيل تنفيذ الطرق الداخلية، وتطوير المباني الأكاديمية والقاعات الدراسية، إلى جانب أعمال التجهيز والتأثيث، ورفع جاهزية عدد من مرافق الحرم الجامعي، بما يسمح باستعادة النشاط الأكاديمي في بيئة أكثر ملاءمة.

جامعة بنغازي في شرق ليبيا بعد إعادة الإعمار (إعلام الجيش الوطني الليبي)

وتحظى جامعة بنغازي بمكانة بارزة في تاريخ التعليم العالي الليبي، إذ تعود نشأتها إلى 15 ديسمبر (كانون الأول) 1955، عندما صدر قانون إنشاء «الجامعة الليبية» في بنغازي. وافتُتحت الجامعة رسمياً في 22 يناير (كانون الثاني) 1956، وبدأت الدراسة في اليوم التالي بكلية الآداب والتربية، التي استقبلت 31 طالباً، بحسب الموقع الرسمي للجامعة.

وفي أغسطس (آب) 1973، تغيَّر اسم الجامعة إلى «جامعة بنغازي»، ثم انتقلت في عام 1974 من مقرها القديم داخل المدينة إلى مقرها الحالي في منطقة قاريونس. وفي عام 1976 تغيَّر اسمها إلى «جامعة قاريونس»، قبل أن يعود اسم «جامعة بنغازي» إليها في 17 فبراير (شباط) 2011، بالتزامن مع إعادة ضم الكليات الطبية إليها.

وبعودة الدراسة إلى مبانيها التي أُعيد تأهيلها، تستعيد جامعة بنغازي جزءاً من دورها الذي امتد لأكثر من 7 عقود، بينما تبقى آثار الحرب جزءاً من تاريخ المكان وذاكرة المدينة.


استعداد مصري لمواجهة تداعيات الدعم الإسرائيلي المعلن لإثيوبيا

مباحثات بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مباحثات بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

استعداد مصري لمواجهة تداعيات الدعم الإسرائيلي المعلن لإثيوبيا

مباحثات بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مباحثات بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

تحركت إسرائيل لدعم إثيوبيا في توقيت يتزامن مع أسابيع من التصعيد المصري في الخطاب تجاه أديس أبابا، على خلفية أزمة مياه النيل والمخاوف من تضرر حصة مصر المائية جراء عدم الاتفاق على ملء وتشغيل «سد النهضة».

تلك التحركات قلل وزير الخارجية الأسبق، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، رئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير محمد العرابي، من تداعياتها مشيراً إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر، بحسب تصريحات لـ«الشرق الأوسط».

دعم إسرائيلي لإثيوبيا

أكد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نغوسي، أن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية».

وأوضح السفير الإسرائيلي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إثيوبية، الجمعة، «أن التعاون بين إثيوبيا وإسرائيل من شأنه، أن يساعد أديس أبابا في الاعتماد على قدراتها الذاتية، والحفاظ على سيادتها، وتعزيز اقتصادها»، معرباً عن اعتقاده «أن هذا التعاون سيزداد قوة واستمراراً عبر الأجيال الجديدة».

وذكر أن العلاقات بين الطرفين «تقوم على 4 محاور رئيسية، من بينها التعاون والدعم المتبادل في المحافل الدولية على أساس المصالح المشتركة، وتعزيز التعاون الحكومي بين البلدين، إضافة إلى توسيع نطاق الاستثمارات الخاصة».

ويؤكد العرابي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون بين إثيوبيا وإسرائيل ليس جديداً وهو قائم منذ مدة طويلة، وما نشهده حالياً من نشاط إثيوبي مكثف وتحركات نحو عدة أطراف دولية وإقليمية، يأتي في إطار محاولات تغطية أزماتها ومشكلاتها الداخلية، وسعياً لتعزيز موقفها والظهور بمظهر القوة الإقليمية الكبرى في أفريقيا، وهو ما يخالف الواقع الفعلي».

ويؤكد «أن هذه السلوكيات والتوجهات السياسية للحكومة الإثيوبية تتناقض تماماً مع طبيعة وجود مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا؛ ما يتطلب إعادة التفكير والبحث في خيارات مختلفة خلال الفترة المقبلة بشأن ملاءمة استمرار مقر الاتحاد هناك».

بدوره، يرى أحمد علاء فايد، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الدولة المصرية تتابع وتراقب بشكل جيد للتحركات الإسرائيلية في المنطقة، ومنها التحركات مع إثيوبيا.

وشدد على أنه «لو تجاوز هذا التعاون الإثيوبي الإسرائيلي، للمساس بالمصالح المصرية بشكل مباشر أو غير مباشر، بالتأكيد ستسلك القاهرة كل المسارات التي تحفظ حقوقها».

موقف مصر

يأتي هذا الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا، وسط لهجة حادة مصرية تجاه إثيوبيا بشأن «سد النهضة»، وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر، وأن القاهرة قادرة على الدفاع عنه»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة (سد النهضة)».

«سد النهضة» (صحفة رئيس الوزراء الإثيوبي على «فيسبوك»)

وبعد نحو أقل من عقد من الزمن، تمَّ تجميد المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا، التي تُعدُّ دولة منبع، إبرام اتفاق، وتأكيدها على أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

وعن تأثير ذلك التعاون الإسرائيلي الإثيوبي في مصر أضاف العرابي أن مصر «تتحرك بكل ثبات في وسط إقليم مضطرب وغير مستقر يشهد تغيرات وتحالفات متسارعة، وتدير هذه المتغيرات بكل حكمة ورصانة بما يحمي مصالحها الوطنية وأمنها القومي، وقادرة على إدارة على الموقف، ولن ينال ذلك التعاون أو يغير من مواقفها».

وشدد على أن «أي تنامٍ في العلاقات أو التحالفات الإقليمية بين إثيوبيا وإسرائيل لن ينال بأي حال من الأحوال من المواقف المصرية في إدارة علاقاتها، ولن ينال من وضع مصر ووزنها الإقليمي على الإطلاق».

من جانبه، يرى أحمد علاء فايد أن «القاهرة قادرة على حفظ أمنها وحقوقها، ولن تقبل بالمساس بها، خصوصاً وهي متفقة مع القوانين والأعراف الدولية، سواء في ملف (سد النهضة) أو غيره وإثيوبيا وإسرائيل تعلمان ذلك».