انحسار النيل يكشف عن ثغرات إدارة المياه في السودان

تراجع المناسيب يسلط الضوء على تحديات تشغيل السدود والتنسيق مع إثيوبيا

صورة لقارب مهجور على ضفاف النيل الأزرق، إلى جانب قاع النهر المكشوف في الخرطوم 27 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة لقارب مهجور على ضفاف النيل الأزرق، إلى جانب قاع النهر المكشوف في الخرطوم 27 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

انحسار النيل يكشف عن ثغرات إدارة المياه في السودان

صورة لقارب مهجور على ضفاف النيل الأزرق، إلى جانب قاع النهر المكشوف في الخرطوم 27 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة لقارب مهجور على ضفاف النيل الأزرق، إلى جانب قاع النهر المكشوف في الخرطوم 27 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أثار الانخفاض المفاجئ في مناسيب مياه النيل بالسودان نقاشاً محتدماً بشأن قدرة البلاد على إدارة مواردها المائية، بعدما أدى تراجع التدفقات إلى تعطل محطات لمياه الشرب، وإثارة مخاوف بشأن الموسم الزراعي، خصوصاً في ظل الحرب التي أضعفت مؤسسات الدولة وشتتت الكوادر الفنية العاملة في قطاع الري.

صورة تكشف نهر النيل الأزرق المكشوف في الخرطوم 27 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وبينما اتجهت الأنظار إلى «سد النهضة» الإثيوبي بوصفه السبب الرئيس لانحسار المياه، فإن خبراء ومسؤولين سياسيين يرون أن الأزمة أشد تعقيداً، ولا ترتبط فقط بعمليات التخزين والتشغيل في السد، وإنما تشمل أيضاً طريقة تشغيل الخزانات السودانية، ومدى الاستفادة من التدفقات المائية المتاحة، ومستوى التنسيق وتبادل البيانات بين دول حوض النيل.

وقال الرئيس الأسبق للجنة الفنية بوزارة الموارد المائية، سيف الدين حمد، إن تصرفات المياه الخارجة من «سد النهضة» خلال النصف الأول من عام 2026 كانت تفوق احتياجات السودان الفعلية؛ إذ تراوحت بين نحو 520 مليون متر مكعب يومياً في يناير (كانون الثاني) و200 مليون متر مكعب بنهاية يونيو (حزيران) الماضي.

الانحسار وتراجع المياه في جزيرة توتي بالخرطوم (الشرق الأوسط)

وأوضح حمد، في مقالة منشورة بعنوان: «تساؤلات عن تداعيات تشغيل سد النهضة الإثيوبي وأثره على فيضان هذا العام 2026»، أنه كان من المفترض استغلال هذه التدفقات في تخزين كميات كافية بخزان الروصيرص؛ لتلبية احتياجات الري والتوليد الكهربائي، قبل بدء التخزين في «سد النهضة» مطلع يوليو (تموز) الحالي، إلا إن ذلك لم يحدث. وأضاف: «سد النهضة يخزن نحو 25 مليار متر مكعب من المياه خلال موسم (الخريف)؛ من يوليو إلى أكتوبر (تشرين الأول)، ثم يطلقها تدريجياً خلال فترة الانحسار بين يناير ويونيو، مع الاحتفاظ بمخزون استراتيجي لمواجهة فترات الجفاف الممتدة».

مراجعات إدارية مطلوبة

وأشار حمد إلى أن تشغيل السد غيّر نمط تدفقات النيل الأزرق؛ إذ أصبحت كميات كبيرة من مياه الفيضان تخزَّن داخل إثيوبيا، بدلاً من مرورها مباشرة نحو السودان والسد العالي، قبل إطلاقها خلال موسم الشح، وهو ما يفرض على السودان تعديل طريقة تشغيل خزاني «الروصيرص» و«جبل الأولياء» بما يتوافق مع النظام الجديد. ورأى أن بدء التخزين في «سد النهضة» منذ مطلع يوليو الحالي لم يكن مفاجئاً، وأنه كان متوقعاً، بموجب الترتيبات الفنية الموقعة بين السودان وإثيوبيا في أكتوبر 2022، وكان بالإمكان الحد من آثاره عبر التخزين المسبق في «الروصيرص».

النيل في أدنى مستوياته عند ملتقى النيلين بمنطقة المقرن بالخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، قال رئيس حزب «الأمة»، مبارك الفاضل، إن وسائل إعلام إقليمية ربطت انحسار مياه النيل بتشغيل «سد النهضة»، لكن هذا التفسير، وفق رأيه، لا يعكس الصورة كاملة. وعدّ الفاضل أن السبب الرئيس يتمثل في غياب الإدارة الفاعلة لقطاع الري بعد دمج وزارة الري مع وزارة الزراعة، إلى جانب تشتت الكوادر بسبب الحرب؛ مما انعكس على تشغيل الخزانات وإدارة الموارد المائية. وقال في تغريدة على منصة «إكس» إن التدفقات الواردة خلال النصف الأول من العام كانت تتيح تخزين كميات كافية في «الروصيرص» لتأمين احتياجات الري والكهرباء، متسائلاً عن أسباب عدم إدارتها بما يحقق الأمن المائي خلال هذه الفترة الحرجة. وأضاف أن الحرب وما ترتب عليها من ضعف في مؤسسات الدولة حالا دون استفادة السودان من الترتيبات الفنية الموقعة مع إثيوبيا، عادّاً أن استمرار القتال يفاقم الأزمات الإنسانية ويهدد الأمنين الغذائي والمائي.

النيل يتراجع عن ضفتيه... ومجرى النهر يضيق (الشرق الأوسط)

وفي السياق ذاته، دعا مساعد رئيس «الكتلة الديمقراطية»، مبارك أردول، إلى إعادة وزارة الري مؤسسةً مستقلةً ضمن هيكل الحكومة الانتقالية، وإلغاء قرار دمجها مع وزارة الزراعة.

وقال أردول إن التطورات المتسارعة في ملف مياه النيل تستوجب وجود جهة فنية مختصة تمتلك الخبرة والكفاءة لإدارة الموارد المائية والتنسيق الإقليمي، مشيراً إلى أن دمج الوزارة أضعف أداء اللجان الفنية وأثر على تشغيل السدود ومتابعة المناسيب والملفات المائية.

من جانبه، قال الباحث في الإعلام التنموي إبراهيم شقلاوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن تراجع المناسيب يعود جزئياً إلى عوامل طبيعية مرتبطة بمتغيرات المناخ وبداية موسم الأمطار في الهضبة الإثيوبية، لكنه يرتبط أيضاً بالتحول الذي أحدثه «سد النهضة» في نمط تدفقات النيل الأزرق. وأوضح أن هذا الواقع يفرض على السودان مواءمة تشغيل خزاناته مع المتغيرات الإقليمية، وتعزيز تبادل المعلومات بشأن برامج التخزين والتصريف وتوقعات الأمطار، بما يحقق التوازن بين احتياجات مياه الشرب والري وتوليد الكهرباء.

انخفاض منسوب المياه في الخرطوم وظهور ضفاف جديدة (الشرق الأوسط)

وأكد الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري، أحمد المفتي، أن تشغيل خزان تتجاوز سعته 60 مليار متر مكعب من دون اتفاق مع دولتي المصب قد يؤدي إلى تقلبات حادة في المناسيب، تتراوح بين الانحسار والفيضانات. وشدد المفتي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل «سد النهضة» ويضمن تبادل البيانات والإخطار المسبق، إلى جانب معالجة قضايا أمان السد والأمن المائي. وتوقع عودة مناسيب النيل إلى معدلاتها الطبيعية مع تقدم موسم الأمطار، محذراً في الوقت ذاته من احتمال ارتفاعها سريعاً إلى مستويات فيضانية إذا أُطلقت كميات كبيرة من المياه دون تنسيق.

انخفاض لافت لمنسوب المياه في ذروة أشهر الأمطار (الشرق الأوسط)

وقال خبير الري والموارد المائية الصادق شرفي، لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض المناسيب قبل موسم الفيضان أمر معتاد، لكنه أصبح يحدث مبكراً منذ إنشاء «سد النهضة»، مؤكداً أن إدارة المياه باتت أشد تعقيداً مع وجود السدود الكبرى.

ورغم تباين التفسيرات، فإن الخبراء يتفقون على أن تأمين مياه الشرب، وحماية الموسم الزراعي، لم يعودا يعتمدان على وفرة المياه وحدها، بل كذلك على كفاءة تشغيل الخزانات وسرعة تبادل المعلومات والتنسيق الفني، في وقت تكشف فيه الحرب عن ضعف منظومة إدارة أحد أوثق الملفات ارتباطاً بالأمن القومي والغذائي في السودان.


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع النزوح والحشود مستمرة في جبهات السودان

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

الحرب توسّع النزوح والحشود مستمرة في جبهات السودان

لقي أكثر من 12 شخصاً حتفهم، وأصيب آخرون في شمال كردفان، فيما شنت مقاتلات حربية ومسيرات، تابعة للجيش السوداني، غارات على تجمعات لـ«قوات الدعم السريع» في الولاية.

أحمد يونس (كمبالا)
الاقتصاد غالبية إنتاج الذهب السوداني تأتي من خلال التعدين التقليدي (رويترز)

السودان يعلن الحرب على التعدين العشوائي ويستهدف تنظيم الذهب

أعلنت وزارة المعادن السودانية رفضها لاستمرار ممارسة التعدين غير المنظم «العشوائي والأهلي» للذهب، تجنباً للأضرار الكبيرة التي يخلفها على الإنسان والبيئة.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من عرض عسكري يوم 17 أغسطس 2026 في مدينة القضارف بشرق السودان خلال الاحتفالات بالذكرى الـ72 لتأسيس الجيش (أ.ف.ب) p-circle

الاتحاد الأفريقي يؤكد عدم وجود حل عسكري في السودان

جدّد «مجلس السلم والأمن» التابع للاتحاد الأفريقي دعوته إلى هدنة إنسانية في السودان تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لحوار بقيادة سودانية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:59

البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

أعلن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص بضمانات وحصانات للمشاركين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مصر تؤكد رفضها استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية

مصر تدين الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مطار «أبو الظهور» في إدلب (رويترز)
مصر تدين الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مطار «أبو الظهور» في إدلب (رويترز)
TT

مصر تؤكد رفضها استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية

مصر تدين الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مطار «أبو الظهور» في إدلب (رويترز)
مصر تدين الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مطار «أبو الظهور» في إدلب (رويترز)

أدانت مصر الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مطار «أبو الظهور» العسكري في محافظة إدلب السورية، ورأت أنه «يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة سوريا ووحدة وسلامة أراضيها، ومخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وأكدت مصر، في بيان لوزارة الخارجية، الثلاثاء، رفضها الكامل لاستمرار الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، وما تمثله هذه الاعتداءات من تصعيد خطير، من شأنه تقويض جهود دعم الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتهديد الأمن والسلم الإقليميين، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى تغليب الحلول السياسية وخفض التوتر، وتوفير الظروف المواتية لاستعادة الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على مقدرات الدولة السورية.

ومنذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من «ملف المسلحين»، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وشهد التعاون بين مصر وسوريا زخماً لافتاً خلال الفترة الماضية. وأكّد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في مقابلة مع تلفزيون «الغد» الشهر الحالي، أن «العلاقات بين مصر وسوريا طبيعية وتسير بشكل جيد»، معلناً اعتزامه زيارة دمشق. وفي يونيو (حزيران) الماضي، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع نظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة (الخارجية المصرية)

وشدّدت القاهرة، في إفادتها، الثلاثاء، على «ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته في وضع حدّ للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، ووقف سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، بما يسهم في احتواء دوائر التصعيد المتتالية التي تشهدها المنطقة».

وفي نهاية أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية – الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لمناقشة تطورات المنطقة، وتعزيز التعاون.

أعقب هذا زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في مايو (أيار) الماضي، تمخض عنها الإعلان عن تشكيل «مجلس أعمال مشترك» بين البلدين، وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.

وفي يونيو الماضي، أعربت مصر عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وما صاحبها من قصف واستهداف لمناطق في جنوب سوريا. وجدّدت، في بيان، حينها لوزارة الخارجية تضامنها الكامل مع سوريا ودعمها لكل ما يحفظ وحدتها وسيادتها.


سلطات بنغازي تشدد على التصدي للهجرة غير النظامية

عناصر من «الهلال الأحمر» بطرابلس يواصلون انتشال جثث مهاجرين غرقوا في «المتوسط» قبالة تاجوراء (الهلال)
عناصر من «الهلال الأحمر» بطرابلس يواصلون انتشال جثث مهاجرين غرقوا في «المتوسط» قبالة تاجوراء (الهلال)
TT

سلطات بنغازي تشدد على التصدي للهجرة غير النظامية

عناصر من «الهلال الأحمر» بطرابلس يواصلون انتشال جثث مهاجرين غرقوا في «المتوسط» قبالة تاجوراء (الهلال)
عناصر من «الهلال الأحمر» بطرابلس يواصلون انتشال جثث مهاجرين غرقوا في «المتوسط» قبالة تاجوراء (الهلال)

تكثف السلطات في مدينة بنغازي الليبية إجراءاتها الأمنية وعمليات الترحيل للحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تشهد فيه سواحل العاصمة طرابلس مأساة إنسانية جديدة، مع استمرار عمليات انتشال جثامين، والبحث عن مفقودين قبالة مدينة تاجوراء.

وعلى خلفية هذه التطورات الميدانية المتصاعدة، ترأس وزير الداخلية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب بشرق ليبيا، اللواء عصام أبو زريبة، الاجتماع السنوي لمراجعة الأداء الأمني بمدينة بنغازي، بمشاركة وكيل الوزارة اللواء فرج اقعيم، ورئيس جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة اللواء صلاح الخفيفي.

وشدّد الاجتماع الذي عُقد في بنغازي، الثلاثاء، على «رفع درجات الجاهزية الأمنية وتغليظ العقوبات، وتشديد الإجراءات ضد شبكات التهريب، وتأمين المنافذ والمرافق الحيوية لمكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، وترجمة هذه القرارات إلى خطط تنفيذية لحفظ الاستقرار».

وفي خطوة عملية ضمن استراتيجية الحد من الظاهرة، أعلن فرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في بنغازي ترحيل لـ174 مهاجراً من الجنسية البنغلاديشية عبر مطار بنينا الدولي.

ترحيل 24 مهاجراً غير شرعي من الجنسية الغانية (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية شرق طرابلس)

وجرت العملية بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة (IOM) في إطار «العودة الطوعية»، وبعد استيفاء الأوراق الإدارية والقانونية، بما يسهم في تنظيم ملف الهجرة، وتخفيف الأعباء الأمنية والإنسانية عن السلطات الليبية.

وقالت جمعية الهلال الأحمر الليبي (فرع طرابلس)، صباح الثلاثاء إن فرق إدارة الجثث التابعة لها تواصل عمليات المسح والبحث قبالة سواحل منطقة تاجوراء، إثر تلقي بلاغ عن غرق قارب خشبي مكتظ بالمهاجرين غير النظاميين.

ووفقاً للبيانات الميدانية، تمكنت الفرق من انتشال 9 جثامين حتى الآن، عقب الحصول على إذن النيابة العامة، واستكمال الإجراءات القانونية، بينما تواصل الفرق جهودها الحثيثة للبحث عن بقية المفقودين، وسط ظروف ميدانية معقدة.

في غضون ذلك، أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة شرق طرابلس، أنه استقبل الثلاثاء بعضاً من أعضاء سفارة الصومال في ليبيا، محمد إسحاق آدم القنصل العام بالسفارة، وإبراهيم محمد محمود، سكرتير السفارة، وذلك في إطار متابعة أوضاع الرعايا الصوماليين داخل المركز، وتعزيز التعاون والتنسيق لتسهيل إجراءات ترحيلهم وعودتهم لبلدهم خلال الشهر الحالي.

وفي إطار عملية الترحيل، قال المركز، الثلاثاء، إنه رحّل 24 مهاجراً من الجنسية الغانية، بعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية عبر مطار معيتيقة الدولي. وأشار إلى أن هذه العملية تأتي في إطار الجهود المتواصلة لتنفيذ خطط الترحيل وفق القوانين واللوائح المنظمة، وبما يعزز فرض سيادة القانون، والحد من ظاهرة الهجرة غير المشروعة.

ترحيل 174 مهاجراً من بنغلاديش عبر مطار بنينا الدولي في شرق ليبيا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية)

وكانت منظمة «إيمرجنسي» الإيطالية غير الحكومية قد أفادت بوفاة سبعة مهاجرين، وإصابة اثنين آخرين بحالة حرجة إثر غرق زورقهم قبالة السواحل الليبية، فيما أُنقذ 50 آخرون. ونقلت المنظمة عن المهاجرين الناجين، الذين كان من بينهم 29 قاصراً كانوا غير مصحوبين بذويهم، أنهم ينتمون إلى مصر والصومال.


ما تأثير طريق «القطب الشمالي» على الملاحة في قناة السويس؟

سفينة شحن خلال عبورها قناة السويس نهاية يونيو الماضي (الموقع الإلكتروني للقناة)
سفينة شحن خلال عبورها قناة السويس نهاية يونيو الماضي (الموقع الإلكتروني للقناة)
TT

ما تأثير طريق «القطب الشمالي» على الملاحة في قناة السويس؟

سفينة شحن خلال عبورها قناة السويس نهاية يونيو الماضي (الموقع الإلكتروني للقناة)
سفينة شحن خلال عبورها قناة السويس نهاية يونيو الماضي (الموقع الإلكتروني للقناة)

أثار استخدام الصين طريق «القطب الشمالي» لأول مرة لنقل الحاويات تساؤلات حول مدى تأثير استخدام هذا الطريق على حركة العبور بقناة السويس، خصوصاً وأن مسار «الدائرة القطبية الشمالية» أقصر من القناة المصرية.

ولا يعد طريق «القطب الشمالي» منافساً أو بديلاً لقناة السويس، وفق خبراء في النقل البحري أشاروا إلى أن هذا المسار «مؤقت» كون أن حركة الملاحة فيه مرهونة بفترة الصيف فقط، كما أنه لا يناسب إلا حاويات البضائع الخفيفة، مؤكدين أنه «لا غنى عن قناة السويس في نقل حاويات البضائع الثقيلة».

وقبل أيام، غادرت سفينة حاويات صينية إلى أوروبا وسلكت طريقاً يمر عبر الدائرة القطبية الشمالية، في سابقة تتجنب فيها المرور عبر الشرق الأوسط من مسار قناة السويس.

ويبلغ طول هذا المسار الذي يمر عبر «الطريق البحري الشمالي» نصف طول المسار الذي يعبر قناة السويس المصرية.

«طريق موسمي»

خبير النقل البحري، أحمد الشامي، لا يرى أي تأثير محتمل على حركة الملاحة بالقناة بعد البدء في استخدام طريق القطب الشمالي، وقال: «المسار القطبي موسمي لأنه مرتبط بحركة الملاحة خلال الصيف، وتحديداً في الفترة من شهر يوليو (تموز) حتى أكتوبر (تشرين الأول) بسبب الأحوال الجوية».

وأضاف: «حجم التجارة عبر هذا المسار ضئيلة جداً بالمقارنة بقناة السويس»، وأشار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا المسار «يتيح عبور ناقلات البضائع الخفيفة فقط، كما أن جدول التشغيل المتاح يسمح بعبور 8 رحلات في الشهر، وهذا لا يُقارن بوضع الملاحة في قناة السويس».

وسبق لشركات أخرى في قطاع الشحن البحري أن سلكت «مسار القطب الشمالي»، وكان أولها شركة «ميرسك» الدنماركية سنة 2018.

ويشير الخبير الاقتصادي وليد جاب الله إلى أن هذا المسار يُعد من المسارات الإضافية لحركة التجارة الدولية، ولا يشكل بديلاً للمرات الرئيسية ومن بينها قناة السويس، مضيفاً: «الاضطرابات التي تشهدها ممرات التجارة الدولية تدفع دولاً للبحث عن مسارات إضافية أخرى تحقق لها المرونة، لكن ذلك لا يعني تجنب مسار مثل قناة السويس بشكل دائم».

ويرى جاب الله في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن التعويل على مسار القطب الشمالي، كونه طريقاً مؤقتاً مرتبطاً بفترة زمنية محددة في السنة».

واستطرد: «لا غنى عن قناة السويس في نقل البضائع الثقيلة، ومن بينها حاويات الغاز والبترول»، مشيراً إلى أن الحكومة المصرية تسعى إلى إيجاد بدائل لحركة البضائع الخفيفة عبر الربط بين موانئ البحر الأحمر وموانئها بالمتوسط.

«مؤشرات إيجابية»

وسجلت حركة الملاحة في قناة السويس المصرية مؤشرات إيجابية خلال الشهر الماضي، تمثلت في زيادة أعداد السفن العابرة بنسبة 25 في المائة، وارتفاع الإيرادات الدولارية بنحو 36 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حسب هيئة القناة.

عبور حاملة حاويات ضخمة بقناة السويس آتية من سنغافورة في نوفمبر 2025 (هيئة قناة السويس - فيسبوك)

وباعتقاد جاب الله، فإن طريق القطب الشمالي «لا يمكنه أن يتحمل التجارة الصينية كاملة».

وقال: «الصين تريد توفير مسارات كثيرة للتجارة، بدليل أنها تعمل على مشروع (طريق الحرير) الذي تأتي قناة السويس المصرية جزءاً من مساره إلى جانب مسارات أخرى لنفاذ تجارتها لمختلف أنحاء العالم».

والشهر الماضي قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إنَّ بلاده تكبَّدت خسائر بنحو 10.5 مليار دولار نتيجة تأثر الملاحة في قناة السويس جراء الاضطرابات الإقليمية، في إشارة إلى حربَي غزة وإيران.

وتعوِّل مصر على العودة التدريجية للملاحة عبر قناة السويس.

وقال رئيس هيئة القناة، الفريق أسامة ربيع، الشهر الماضي إن توالي عبور سفن الحاويات العملاقة عبر القناة «يعطي مؤشرات إيجابية حول بدء عودة خطوط الملاحة الكبرى تدريجياً».

وتلقت قناة السويس، التي تعد إيراداتها أحد أهم مصادر العملة الصعبة بمصر، دفعة جديدة من شركة «ميرسك» عملاق النقل البحري، حين أكد الرئيس التنفيذي للشركة، فينسنت كليرك، قبل أيام أن الظروف الحالية مهيأة لاستئناف حركة الملاحة الكاملة عبر قناة السويس خلال عام 2026.