أثار الانخفاض المفاجئ في مناسيب مياه النيل بالسودان نقاشاً محتدماً بشأن قدرة البلاد على إدارة مواردها المائية، بعدما أدى تراجع التدفقات إلى تعطل محطات لمياه الشرب، وإثارة مخاوف بشأن الموسم الزراعي، خصوصاً في ظل الحرب التي أضعفت مؤسسات الدولة وشتتت الكوادر الفنية العاملة في قطاع الري.
وبينما اتجهت الأنظار إلى «سد النهضة» الإثيوبي بوصفه السبب الرئيس لانحسار المياه، فإن خبراء ومسؤولين سياسيين يرون أن الأزمة أشد تعقيداً، ولا ترتبط فقط بعمليات التخزين والتشغيل في السد، وإنما تشمل أيضاً طريقة تشغيل الخزانات السودانية، ومدى الاستفادة من التدفقات المائية المتاحة، ومستوى التنسيق وتبادل البيانات بين دول حوض النيل.
وقال الرئيس الأسبق للجنة الفنية بوزارة الموارد المائية، سيف الدين حمد، إن تصرفات المياه الخارجة من «سد النهضة» خلال النصف الأول من عام 2026 كانت تفوق احتياجات السودان الفعلية؛ إذ تراوحت بين نحو 520 مليون متر مكعب يومياً في يناير (كانون الثاني) و200 مليون متر مكعب بنهاية يونيو (حزيران) الماضي.

وأوضح حمد، في مقالة منشورة بعنوان: «تساؤلات عن تداعيات تشغيل سد النهضة الإثيوبي وأثره على فيضان هذا العام 2026»، أنه كان من المفترض استغلال هذه التدفقات في تخزين كميات كافية بخزان الروصيرص؛ لتلبية احتياجات الري والتوليد الكهربائي، قبل بدء التخزين في «سد النهضة» مطلع يوليو (تموز) الحالي، إلا إن ذلك لم يحدث. وأضاف: «سد النهضة يخزن نحو 25 مليار متر مكعب من المياه خلال موسم (الخريف)؛ من يوليو إلى أكتوبر (تشرين الأول)، ثم يطلقها تدريجياً خلال فترة الانحسار بين يناير ويونيو، مع الاحتفاظ بمخزون استراتيجي لمواجهة فترات الجفاف الممتدة».
مراجعات إدارية مطلوبة
وأشار حمد إلى أن تشغيل السد غيّر نمط تدفقات النيل الأزرق؛ إذ أصبحت كميات كبيرة من مياه الفيضان تخزَّن داخل إثيوبيا، بدلاً من مرورها مباشرة نحو السودان والسد العالي، قبل إطلاقها خلال موسم الشح، وهو ما يفرض على السودان تعديل طريقة تشغيل خزاني «الروصيرص» و«جبل الأولياء» بما يتوافق مع النظام الجديد. ورأى أن بدء التخزين في «سد النهضة» منذ مطلع يوليو الحالي لم يكن مفاجئاً، وأنه كان متوقعاً، بموجب الترتيبات الفنية الموقعة بين السودان وإثيوبيا في أكتوبر 2022، وكان بالإمكان الحد من آثاره عبر التخزين المسبق في «الروصيرص».

بدوره، قال رئيس حزب «الأمة»، مبارك الفاضل، إن وسائل إعلام إقليمية ربطت انحسار مياه النيل بتشغيل «سد النهضة»، لكن هذا التفسير، وفق رأيه، لا يعكس الصورة كاملة. وعدّ الفاضل أن السبب الرئيس يتمثل في غياب الإدارة الفاعلة لقطاع الري بعد دمج وزارة الري مع وزارة الزراعة، إلى جانب تشتت الكوادر بسبب الحرب؛ مما انعكس على تشغيل الخزانات وإدارة الموارد المائية. وقال في تغريدة على منصة «إكس» إن التدفقات الواردة خلال النصف الأول من العام كانت تتيح تخزين كميات كافية في «الروصيرص» لتأمين احتياجات الري والكهرباء، متسائلاً عن أسباب عدم إدارتها بما يحقق الأمن المائي خلال هذه الفترة الحرجة. وأضاف أن الحرب وما ترتب عليها من ضعف في مؤسسات الدولة حالا دون استفادة السودان من الترتيبات الفنية الموقعة مع إثيوبيا، عادّاً أن استمرار القتال يفاقم الأزمات الإنسانية ويهدد الأمنين الغذائي والمائي.

وفي السياق ذاته، دعا مساعد رئيس «الكتلة الديمقراطية»، مبارك أردول، إلى إعادة وزارة الري مؤسسةً مستقلةً ضمن هيكل الحكومة الانتقالية، وإلغاء قرار دمجها مع وزارة الزراعة.
وقال أردول إن التطورات المتسارعة في ملف مياه النيل تستوجب وجود جهة فنية مختصة تمتلك الخبرة والكفاءة لإدارة الموارد المائية والتنسيق الإقليمي، مشيراً إلى أن دمج الوزارة أضعف أداء اللجان الفنية وأثر على تشغيل السدود ومتابعة المناسيب والملفات المائية.
من جانبه، قال الباحث في الإعلام التنموي إبراهيم شقلاوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن تراجع المناسيب يعود جزئياً إلى عوامل طبيعية مرتبطة بمتغيرات المناخ وبداية موسم الأمطار في الهضبة الإثيوبية، لكنه يرتبط أيضاً بالتحول الذي أحدثه «سد النهضة» في نمط تدفقات النيل الأزرق. وأوضح أن هذا الواقع يفرض على السودان مواءمة تشغيل خزاناته مع المتغيرات الإقليمية، وتعزيز تبادل المعلومات بشأن برامج التخزين والتصريف وتوقعات الأمطار، بما يحقق التوازن بين احتياجات مياه الشرب والري وتوليد الكهرباء.

وأكد الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري، أحمد المفتي، أن تشغيل خزان تتجاوز سعته 60 مليار متر مكعب من دون اتفاق مع دولتي المصب قد يؤدي إلى تقلبات حادة في المناسيب، تتراوح بين الانحسار والفيضانات. وشدد المفتي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل «سد النهضة» ويضمن تبادل البيانات والإخطار المسبق، إلى جانب معالجة قضايا أمان السد والأمن المائي. وتوقع عودة مناسيب النيل إلى معدلاتها الطبيعية مع تقدم موسم الأمطار، محذراً في الوقت ذاته من احتمال ارتفاعها سريعاً إلى مستويات فيضانية إذا أُطلقت كميات كبيرة من المياه دون تنسيق.

وقال خبير الري والموارد المائية الصادق شرفي، لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض المناسيب قبل موسم الفيضان أمر معتاد، لكنه أصبح يحدث مبكراً منذ إنشاء «سد النهضة»، مؤكداً أن إدارة المياه باتت أشد تعقيداً مع وجود السدود الكبرى.
ورغم تباين التفسيرات، فإن الخبراء يتفقون على أن تأمين مياه الشرب، وحماية الموسم الزراعي، لم يعودا يعتمدان على وفرة المياه وحدها، بل كذلك على كفاءة تشغيل الخزانات وسرعة تبادل المعلومات والتنسيق الفني، في وقت تكشف فيه الحرب عن ضعف منظومة إدارة أحد أوثق الملفات ارتباطاً بالأمن القومي والغذائي في السودان.
