غلاء الوقود وندرته... أزمة متكررة في السودان فاقمتها الحرب

الطوابير الطويلة والسوق الموازية تستنزفان دخول السكان

محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)
محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

غلاء الوقود وندرته... أزمة متكررة في السودان فاقمتها الحرب

محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)
محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)

قبل أن تبدأ ساعات العمل، تكون طوابير السيارات في العاصمة السودانية الخرطوم قد بدأت زحفها اليومي نحو محطات الوقود، حيث يقضي سائقون ساعات في انتظار دورهم للحصول على بضعة لترات من الوقود.

ومع تحرك عقارب الساعة ببطء، يبقى أصحاب المركبات عالقين في صفوف تمتد لمسافات طويلة؛ بعضهم يخشى التأخر عن عمله، وآخرون يتخوفون من خسارة دخل يوم كامل.

ولم تعد أزمة الوقود بالنسبة إلى كثير من السودانيين تقتصر على صعوبة الحصول عليه، بل باتت عبئاً يومياً يمتد أثره إلى العمل والرزق والمواصلات واحتياجات الأسر، في وقت تزداد فيه تكاليف المعيشة، وتتراجع قدرة المواطنين على تحمل أعباء جديدة.

وبلغ سعر غالون البنزين داخل محطات الوقود نحو 37 ألف جنيه سوداني، وفق متعاملين، بينما ارتفع في السوق الموازية إلى نحو 60 ألف جنيه. وسجل غالون السولار 45 ألف جنيه داخل المحطات، مقابل نحو 56 ألف جنيه في الأسواق الموازية.

وفي سوق الصرف الرسمية، ارتفع سعر الدولار إلى نحو 5 آلاف جنيه سوداني، في حين بلغ نحو 8 آلاف جنيه في السوق الموازية.

طوابير طويلة

محمد عبد المنعم يؤكد أن أزمة الوقود أصبحت تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية (الشرق الأوسط)

وقال الموظف السوداني معز إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن ساعات الانتظار أمام محطات الوقود أصبحت جزءاً مرهقاً من يومه، وإن التأخر عن العمل بات ظاهرة جديدة في حياته، مع اضطراره إلى الانتظار في طوابير طويلة أمام محطات البنزين، الأمر الذي يؤثر في انتظامه في العمل والتزامه بدوامه اليومي.

وتابع: «لا أستطيع أن أقضي كل أسبوع ساعات طويلة أمام محطة الوقود. نحتاج إلى حل ينهي هذه الأزمة من جذورها، فحياتنا وأعمالنا لا تحتمل هذا الانتظار المتكرر».

أما السائق محمد المجتبى، فيقول: «نقص الوقود بات يتكرر بصورة شبه أسبوعية، ويضع أصحاب المهن اليومية أمام خيارين صعبين: الانتظار ساعات طويلة، أو شراء الوقود من السوق السوداء بأسعار تفوق قدرتهم».

وأوضح أن توقفه عن العمل يوماً واحداً يعني خسارة دخل يصعب تعويضه خلال فترة قد تصل إلى نحو 10 أيام، بينما لا تتوقف التزاماته اليومية المتعلقة بالطعام والعلاج وصيانة المركبة. وأضاف: «أعمل يوماً بيوم، وإذا توقفتُ خسرنا رزق اليوم، لكن مصاريف البيت لا تتوقف. الله المستعان».

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند أصحاب المركبات؛ إذ يؤكد المواطن محمد عبد المنعم أنها تنعكس على مختلف مناحي الحياة اليومية، لا سيما بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، وقال: «ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة الحصول على الوقود يؤثران بصورة مباشرة في توفير الطعام والشراب والعلاج واحتياجات الأطفال».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الوقوف في الطوابير الممتدة يعني ضياع ساعات كان يمكن استثمارها في العمل أو رعاية الأسرة، بينما يضاعف استمرار الأزمة الضغوط على مواطنين يواجهون أصلاً ارتفاعاً في تكاليف المعيشة».

تطمينات حكومية

محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)

في مقابل مشاهد الاصطفاف أمام المحطات، أكدت وزارة الطاقة والنفط توفر الوقود وانسياب الإمدادات بصورة طبيعية إلى محطات الخدمة، مشيرة إلى استمرار التنسيق مع الجهات المختصة لمتابعة عمليات الاستيراد والمناولة والترحيل والتوزيع، بما يضمن انتظام وصول الوقود إلى المحطات.

وأوضحت الوزارة، في بيان صدر في 16 سبتمبر (أيلول) الحالي، أن الاصطفاف والازدحام اللذين شهدتهما بعض محطات الخدمة خلال الأيام الماضية، لا سيما على البنزين، يعودان إلى جملة من العوامل، من بينها التذبذب والبطء في بعض التطبيقات المصرفية؛ ما أدى إلى إبطاء عمليات شراء الوقود وتراكم المركبات تدريجياً أمام المحطات.

وأشارت إلى أن التطورات الجيوسياسية في منطقة مضيق باب المندب أسهمت في تعطيل حركة بعض ناقلات النفط، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، وهو ما انعكس على مواعيد وصول بعض الإمدادات وأسعار عدد من المنتجات النفطية.

وقالت الوزارة إن هذه التطورات تمثل تحديات خارجة عن إرادة الدولة، مؤكدة أنها اتخذت، في إطار جهودها لتغطية الفجوة وتأمين الإمدادات النفطية، عدداً من الإجراءات الرامية إلى ضمان استقرار الإمدادات، والحد من ارتفاع تكلفتها.

نشاط السوق الموازية

طوابير السيارات تمتد لمسافات طويلة بانتظار حصتها من الوقود (الشرق الأوسط)

وربط الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي أزمة الوقود في السودان بتداعيات الحرب التي ألحقت أضراراً بمصفاة الخرطوم، إلى جانب صعوبات الاستيراد، ونقص النقد الأجنبي، واضطراب سلاسل الإمداد الإقليمية، فضلاً عن ضعف التوزيع والرقابة واتساع نشاط السوق السوداء في تجارة المشتقات النفطية.

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن اعتماد السودان بدرجة كبيرة على استيراد الوقود يجعله أكثر تأثراً بتقلبات أسواق النفط العالمية واضطرابات النقل والإمداد، مشيراً إلى أن الحرب أسهمت كذلك في تراجع الإنتاج المحلي في مناطق كردفان، في وقت تواجه فيه البلاد محدودية المخزون الاستراتيجي وارتفاع تكاليف الاستيراد.

ويوضح أن التوترات الإقليمية، بما فيها الاضطرابات المرتبطة بحركة الملاحة في منطقة الخليج ومضيق هرمز، تنعكس على تكاليف النقل وأسعار النفط وإمدادات الوقود؛ ما يزيد الضغوط على السوق المحلية.

ويصف فتحي أزمة الوقود بأنها من الأزمات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، إلى جانب أزمتي المياه والكهرباء، مشيراً إلى أنها تتكرر من وقت إلى آخر نتيجة عوامل إدارية وفنية ورقابية. ويضيف أن أي ضعف في المتابعة الحكومية يتيح المجال أمام شبكات السوق السوداء لاستغلال نقص الإمدادات، والتلاعب بالكميات والأسعار.

ويشير إلى أن عدم توافر مخزون استراتيجي كافٍ ومستدام، إلى جانب غياب منظومة واضحة للاستيراد وسياسة فعالة للتخزين، يجعلان السوق عرضة للصدمات المفاجئة، معتبراً أن الأزمة تحمل في جانب منها طابعاً إدارياً وفنياً، فضلاً عن تأثرها بتداعيات الحرب والظروف الاقتصادية.

ويدعو فتحي إلى تشديد الرقابة، ومكافحة السوق السوداء، واعتماد خطة للاستيراد تحدد الكميات وفق الاستهلاك المحلي الفعلي، بالتوازي مع إعادة هيكلة قطاع النفط، والتوسع في إنشاء مصافٍ حديثة، وتنويع مصادر استيراد المشتقات النفطية لتقليل مخاطر انقطاع الإمدادات المرتبطة بمصدر واحد، أو بالاضطرابات التي قد تطول عمليات النقل والتجهيز.

ومع تكرار مشهد الطوابير، تتحول أزمة الوقود من مشكلة مؤقتة إلى عبء يستنزف وقت المواطنين ودخلهم، ويضاعف تكاليف حياتهم اليومية؛ فالسائق الذي يخسر يوماً من العمل، والموظف الذي يصل متأخراً إلى عمله، والأسرة التي تدفع المزيد مقابل النقل والطعام والدواء، جميعهم يتحملون تكلفة أزمة تتجاوز حدود محطات الوقود.


مقالات ذات صلة

البرهان يرد على رفض تأشيرته: لا نخضع للابتزاز

شمال افريقيا البرهان مستقبِلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يرد على رفض تأشيرته: لا نخضع للابتزاز

أبدى رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان رفضه لما وصفه بـ«الابتزاز»، معلناً عدم رغبته في الحصول على أي «تأشيرة»، وبقاءه في السودان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا شاحنة تمر بجوار دبابة في مدخل ود مدني بالسودان خلال فبراير 2025 (أ.ف.ب)

هجمات بالمسيّرات في ود مدني ونيالا بالسودان

استهدفت طائرة مسيّرة مستودعاً للنفط في مدينة ود مدني؛ عاصمة ولاية الجزيرة بالسودان، لأول مرة منذ سيطر الجيش على المدينة العام الماضي...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب) p-circle

سودانيون عادوا إلى الخرطوم يشكون نقص مقومات الحياة

بعد فرارهم خلال الحرب، عاد قسم كبير من سكان الخرطوم إليها، لكنهم باتوا أمام خيار المغادرة مجدداً أو البقاء على مضض، في ظلِّ افتقارها لمقوّمات حياتية أساسية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يعلن استعادة سودري وتزايد النزوح إلى تشاد

شهدت ولاية شمال كردفان تحولاً ميدانياً لافتاً بإعلان الجيش استرداد مدينة «سودري» أحد معاقل «قوات الدعم السريع» ليقترب من السيطرة على عموم الولاية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)

من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

توالت المبادرات لوقف الحرب، وظلت قدرة الوسطاء على جمع طرفَي الحرب محل سؤال متجدد... فأين العقدة؟ وما الحل؟

أحمد يونس (كمبالا)

محكمة إيطالية تدين 3 مسؤولين أمنيين مصريين في مقتل الباحث ريجيني 

علم إيطاليا (أ.ف.ب)
علم إيطاليا (أ.ف.ب)
TT

محكمة إيطالية تدين 3 مسؤولين أمنيين مصريين في مقتل الباحث ريجيني 

علم إيطاليا (أ.ف.ب)
علم إيطاليا (أ.ف.ب)

أدانت محكمة إيطالية، الاثنين، 3 مسؤولين أمنيين مصريين بالتورط في خطف وقتل الباحث جوليو ريجيني عام 2016، وحكمت عليهم بالسجن 10 سنوات.

وبرأت المحكمة متهماً مصرياً رابعاً.

وكان ريجيني، وهو طالب دراسات عليا في جامعة كمبردج البريطانية، قد اختفى في العاصمة المصرية في 25 يناير (كانون الثاني) 2016، وعُثر على جثته بعد ذلك بنحو أسبوع، وأظهر تقرير الطب الشرعي أنه تعرض لتعذيب شديد قبل وفاته.


مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

تتطلّع مصر إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين، في إطار استراتيجية للتوسع في هذا القطاع وتعظيم إسهاماته في الاقتصاد الوطني، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي تطلّع بلاده إلى الارتقاء بالتعاون القائم مع شركة «أنغلو غولد أشانتي» المشغلة لـ«منجم السكري للذهب» من شراكة ترتكز على تشغيل المنجم إلى «شراكة استراتيجية أشمل» في قطاع التعدين المصري.

جاء ذلك خلال لقاء السيسي، الاثنين، مع الرئيس التنفيذي للشركة، ألبرتو كالديرون، على هامش افتتاح أعمال «منتدى مصر للتعدين 2026»، وذلك بحضور رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، وعدد من المسؤولين.

وتمتد «الشراكة الأشمل» التي تتطلّع إليها مصر إلى مجالات الاستكشاف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وأكد الرئيس السيسي تقديره للشراكة مع شركة «أنغلو غولد أشانتي»، مشدداً على «اهتمام الدولة بدعم استثمارات الشركة في مصر وتوفير البيئة الملائمة لنمو أعمالها». وشهد اللقاء أيضاً استعراضاً لتطورات أعمال الشركة وخططها المستقبلية للتوسع في السوق المصرية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون في قطاع التعدين.

من جانبه، أشاد كالديرون بالدعم المتواصل الذي توليه الدولة المصرية للشركة، وما تبذله الجهات المعنية من جهود لتذليل أي تحديات قد تواجه أنشطتها في مصر. واستعرض تطورات استثمارات الشركة الرئيسية في مصر ومختلف الدول التي تنشط بها حول العالم، مؤكداً أن مصر تمثّل إحدى الوجهات الاستثمارية ذات الأولوية للشركة.

وصرَّح بأن «أنغلو غولد أشانتي» تعتزم ضخ المزيد من الاستثمارات في عدد من المواقع الواعدة بقطاع التعدين المصري، بما يعزّز من فرص اكتشاف وتطوير مشروعات جديدة على غرار «منجم السكري».

«منجم السكري» في الصحراء الشرقية المصرية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ويقع «منجم السكري»، الذي يصفه تقرير للهيئة الوطنية للإعلام في مصر، بأنه «كنز مصر الذهبي»، في الصحراء الشرقية على مسافة 30 كيلومتراً من مدينة مرسى علم الساحلية، وتتولى تشغيله شركة «السكري لمناجم الذهب»، وهو مشروع مشترك بين الحكومة المصرية وشركة «أنغلو غولد أشانتي» التي استحوذت عام 2024 على شركة «سنتامين»، المشغل السابق للمنجم.

وحسب إفادة للمتحدث الرسمي للرئاسة المصرية محمد الشناوي، الاثنين، شهد اللقاء نقاشاً موسعاً حول آفاق توسيع برامج الاستكشاف التي تنفذها الشركة في مصر، ولا سيما في مجال تعدين الذهب.

وأكد السيسي حرص الدولة على تقديم جميع التسهيلات اللازمة لدعم أنشطة الشركة وتيسير أعمالها، في إطار استراتيجية التوسع في قطاع التعدين.


الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
TT

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)

أطلقت الجزائر «المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج»، برئاسة المدير الأسبق للمعاهد الوطنية الأميركية للصحة إلياس زرهوني، وتحت إشراف مباشر لرئاسة الجمهورية، بمشاركة 27 خبيراً جزائرياً.

ويهدف المسعى، وفق السلطات، إلى تعبئة كفاءات المهجر وربطها بالجامعات والمؤسسات الوطنية للاستفادة من خبراتها في ملفات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والصحة والأمن الغذائي، بما يعزز نقل المعرفة والتكنولوجيا ويدعم التنمية والحضور الدولي للجزائر.

الرئيس الجزائري خلال إلقاء كلمة أمام أعضاء مجلس علماء الجزائر في المهجر (الرئاسة)

ونظم الرئيس عبد المجيد تبون، الأحد، أول اجتماع مع «المجلس» بحضور جميع أعضائه، مؤكداً في كلمة بثتها الرئاسة، أن مستوى التنمية الذي تنشده الجزائر «يتطلب إشراك مختلف الكفاءات والطاقات الوطنية»، ومشيداً بـ«مساهمة أفراد الجالية العلمية الوطنية المقيمة بالخارج في الارتقاء العلمي وتطوير الكفاءات في البلاد».

وجرى اللقاء بحضور عدد من أعضاء الحكومة وكبار مسؤولي الدولة.

«من الخبرة إلى القرار»

أوضح زرهوني، منسق المجلس، في تصريح للتلفزيون العمومي، أن دور الهيئة العلمية يتمثل في «تقديم دعم استراتيجي ملموس لسياسات الدولة، وتوثيق أفضل الممارسات العالمية لتجنب تكرار أخطاء الماضي، ودعم الكفاءات الشابة التي تلقت تكوينها في الجزائر».

وتضم المجموعة أسماء بارزة؛ من بينها مريم مراد متخصصة علم المناعة وعلم الأورام بمستشفى «ماونت سيناي» بنيويورك، ويوسف كمال تومي مختص الروبوتات بمعهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا»، وياسمين بلقايد مديرة معهد «باستور» بفرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع منسق مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (الرئاسة)

وتتعلق الفكرة الأساسية للمجلس بالاستفادة من الخبرات والكفاءات العلمية الجزائرية الموجودة في الخارج، وتوظيفها لخدمة احتياجات الجزائر وأولوياتها الوطنية، وتقديم المشورة للدولة بشأن المشروعات الكبرى ذات البعد العلمي أو التكنولوجي، وتقييم مدى جدواها.

كما تهدف الفكرة إلى ربط الباحثين والعلماء الجزائريين في المهجر بالجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية في الجزائر، وتسهيل نقل التكنولوجيا والمعرفة، ومتابعة التطورات العلمية والتكنولوجية العالمية والتكنولوجيات الناشئة، والعمل على ملفات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصحة والطاقة والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى إعداد التوصيات والدراسات وخطط تطوير هذه المجالات، ورفعها مباشرة إلى رئاسة الجمهورية.

وأكدت وزارة التعليم العالي أن المجلس «ليس هيئة أكاديمية بالمعنى التقليدي، وإنما يُفترض أن يكون حلقة وصل بين الخبرة العلمية الدولية التي تمتلكها الكفاءات الجزائرية في الخارج والأولويات والمشروعات الفعلية للدولة الجزائرية». كما شدد زرهوني على ضرورة الانتقال من الاتصالات واللقاءات الظرفية مع الجالية العلمية إلى «تعاون مؤسساتي ومنظم ودائم».

رئيس مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (وزارة التعليم العالي الجزائرية)

ووضعت السلطات تصوراً لآلية عمل المجلس وهو على النحو التالي: «تحدد الدولة المشكلات والتحديات الكبرى التي تحتاج إلى حلول علمية وتكنولوجية، ثم يستعين المجلس بخبرات العلماء الجزائريين داخل الجزائر وخارجها لدراسة هذه الملفات، وتقييم الخيارات المتاحة، واقتراح الحلول والمشروعات، ثم رفع التوصيات إلى رئاسة الجمهورية، بهدف تحويل المعرفة والخبرة إلى قرارات ومشروعات عملية».

ملاحظات نقدية

اللافت أن تركيبة المجلس لا تقتصر على تخصص أكاديمي واحد أو على مجموعة من الأساتذة الجامعيين، وإنما تغطي مجموعة واسعة من المجالات المرتبطة مباشرة بالتحديات التي تواجه الجزائر؛ فهي تضم خبرات في الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي والهندسة الآلية بما يمكن أن يخدم التحول الرقمي وتطوير الصناعة الذكية.

ويمكن أيضاً للمتخصصين في علوم المواد والهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية أن يسهموا في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تقدماً، كما يمكن للخبرات الموجودة في مجالات المياه والبيئة والجيوفيزياء، أن تساعد في قضايا تحلية المياه وإدارة الموارد المائية وفهم الثروات والموارد الموجودة في باطن الأرض.

لكن على الرغم من الإشادة الكبيرة والحملة الدعائية التي رافقت إطلاق المشروع، فإنه واجه ملاحظات نقدية ومن أهل الاختصاص؛ ففي منشور طويل كتب أحمد ماحيجيبة، الباحث الجزائري في مركز الأرصاد الجوية الكندي: «هل ستكون هذه الكفاءات مجرد خزّان للخبرة التقنية؟ أم ستكون فعلاً شريكاً في صناعة القرار؟ والفرق بين الأمرين كبير».

وأشار إلى أن العالِم أو الخبير الذي عاش سنوات طويلة في منظومات ديمقراطية ومؤسساتية، يمكنه فيها انتقاد سياسة حكومته أو مؤسسته، ومناقشة القرارات التقنية، ومساءلة المسؤولين، «لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه تقديم خبرته العلمية للجزائر، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة حدود استقلاليته عندما تختلف خبرته مع القرار السياسي أو الإداري».

رئيس المجلس العالمي لجزائريي المهجر أثناء إطلاقه بباريس في مارس 2024 (حساب المجلس بالإعلام الاجتماعي)

ويعدّ «المجلس العلمي» ثاني خطوة في اتجاه جمع المهاجرين للجزائريين حول مشروع كبير يخص تطوير البلاد؛ ففي مارس (آذار) 2024 أطلقت الجزائر «مجلساً عالمياً للهجرة»، بقيادة كريم زريبي النائب بالبرلمان الأوروبي سابقاً، يضم كفاءات بالهجرة في مجالات الصحافة والفن والتجارة والمال والأعمال، بهدف صناعة تأثير إقليمي ودولي والحفاظ على مصالح الجزائر الاستراتيجية في الخارج.