موريتانيا: سياسيون وحقوقيون يوقعون ملتمساً لتعديل الدستور

جدل متفاقم بعد مطالب بتمييز إيجابي لأبناء العبيد السابقين

حقوقيون يؤكدون أن العبودية لا تزال موجودة في المناطق النائية حيث تغيب الدولة (الشرق الأوسط)
حقوقيون يؤكدون أن العبودية لا تزال موجودة في المناطق النائية حيث تغيب الدولة (الشرق الأوسط)
TT

موريتانيا: سياسيون وحقوقيون يوقعون ملتمساً لتعديل الدستور

حقوقيون يؤكدون أن العبودية لا تزال موجودة في المناطق النائية حيث تغيب الدولة (الشرق الأوسط)
حقوقيون يؤكدون أن العبودية لا تزال موجودة في المناطق النائية حيث تغيب الدولة (الشرق الأوسط)

احتدم جدل حاد في موريتانيا، بعد أن دعا أكثر من مائتي شخصية سياسية وحقوقية، الاثنين، إلى مراجعة الدستور من أجل الاعتراف بشريحة اجتماعية تدعى (الحراطين)، وهي الفئة التي ينتمي إليها أبناء العبيد السابقين، واعتماد تمييز إيجابي لصالح أفراد هذه الشريحة.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

جاء ذلك في «ملتمس» وقّع عليه أكثر من 242 شخصية، جميعها من شريحة أبناء العبيد السابقين، وضمت شخصيات سياسية وفاعلين حقوقيين، وناشطين في المجتمع المدني، بالإضافة إلى صحافيين وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن هذا الملتمس واجه رفضاً واسعاً من عدد من السياسيين والحقوقيين، ووصفت مطالبهم بأنها تفتح الباب أمام دولة «طائفية»، قد تواجه في المستقبل خطر التفرقة الاجتماعية والحروب الأهلية، بسبب الخلافات العرقية.

تمييز إيجابي

دعت المجموعة إلى «مراجعة الدستور حتى يتضمن الاعتراف بجميع المكونات الوطنية، ومن ضمنها مكون (الحراطين)، والتأكيد على كل الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية لهذه الفئة»، بالإضافة إلى «اعتماد التمييز الإيجابي لصالح هذا المكون عبر السياسات والبرامج الوطنية القطاعية».

وأضافت المجموعة أن الهدف من سياسة التمييز الإيجابي هو إعطاء أبناء الشريحة، التي تعرضت لظلم تاريخي، «فرصة اللحاق بالمكونات الأخرى، ولن يكون ذلك إلا عدلاً ورجوعاً إلى الحق»، مؤكدة أن هذه السياسة يجب أن «تضمن دمج أطرهم في الإدارة الإقليمية والقضاء، والأسلاك الأمنية والعسكرية والدبلوماسية والإعلام، وفي المؤسسات الكبرى والمشاريع التنموية».

البرلمانيتان مريم الشيخ وقامو عاشور اشتهرتا بالتنديد بتهميش أبناء العبيد السابقين (متداولة)

كما دعت إلى «سن قوانين فيما يتعلق بالوظائف الانتخابية المحلية (البلديات والجهات) والتشريعية (النواب)»، حتى يحصل أبناء العبيد السابقين على نسبة تمثيل خاصة بهم.

وتأتي هذه الدعوة في وقت تستعد فيه موريتانيا لتنظيم حوار وطني بين الأطراف السياسية، جرى التحضير له على مدى أكثر من عام، ويسعى لفتح ملفات مهمة وحساسة تتعلق بآليات تنظيم الانتخابات، وملفات الإرث الإنساني والعبودية.

لعنة الماضي

وبرر الموقعون على الملتمس طلبهم بما قالوا إن «الأوضاع التي يعيشها مكون (الحراطين) في موريتانيا، وما يلاحقهم من لعنة الماضي المؤلم بسبب العبودية والتهميش والإقصاء والغبن والازدراء، قبل وبعد قيام الدولة الحديثة، والذي ما زال متواصلاً دون انقطاع».

وأوضح الموقعون أن أبناء العبيد السابقين يعانون من «الفقر المدقع وفقدان وسائل الإنتاج، مما سبب شح وصعوبة حياتهم المعيشية»، مشيرين إلى ما قالوا إنه «نزع ملكية الأراضي الزراعية منهم كملاك أصليين لصالح أبناء القبائل النافذين». كما تحدثوا عن تعرضهم للإقصاء على مستوى مسابقات ولوج الإدارة والقضاء والمدارس العسكرية وشبه العسكرية، وعراقيل كبيرة وضعت أمام حصولهم على الوظائف السامية في الدولة، ومراكز القيادة والترقية فيها، ومنعهم من مصادر رأس المال، مثل البنوك وريادة الأعمال والقروض، كذا والصفقات العمومية ورخص الصيد والتعدين.

وحذر الموقعون على الملتمس من خطورة هذه الأوضاع على «الوحدة الوطنية»، وشددوا على أهمية الانتباه لها من طرف السلطة الحاكمة، داعين «أصحاب الضمائر الحية والمدافعين عن الحقوق والحريات، أن ينضموا إلينا للتوقيع على هذه المطالب المشروعة».

معارضة الملتمس

في تعليق على المطالب، قال النائب البرلماني ورئيس منظمة «إيرا» الحقوقية، بيرام الداه اعبيدي، وهو أحد أشهر المناهضين للعبودية في موريتانيا، إن «دولة القانون لا يمكن أن تقوم على محاصصة مجتمعية للمسؤوليات العامة»، رافضاً تعديل الدستور لهذا الغرض.

بيرام الداه اعبيدي أحد أشهر المناهضين للعبودية في موريتانيا (أ.ف.ب)

وأوضح ولد اعبيدي، في بيان صحافي، أن الولوج إلى الوظيفة العمومية والقضاء والقوات المسلحة، وقوات الأمن والدبلوماسية ومختلف مسؤوليات الدولة «يجب أن يكون مضموناً بالقانون والكفاءة والاستحقاق، وآليات شفافة لمكافحة التمييز».

وأضاف ولد اعبيد أن «الجمهورية لا يمكن أن تطلب من كل مواطن أن يقدم نفسه أولاً بوصفه ممثلاً لمجموعته حتى يحصل على حقوقه. فالدولة يجب أن تعترف بالمواطنين، لا أن توزّع المواطنين بين المكوّنات».

وحذر ولد اعبيد من أن تتحول قضية العبيد السابقين إلى ظلم للآخرين، مبرزاً أن «المكوّنات الأخرى للأمة لا ينبغي أن تخشى أن يتحول إنصاف الحراطين إلى ظلم بحقها. فالعدالة يجب أن تكون قوة توحيد، لا موضوع تنافس».

من جهة أخرى، أعلن «حراك النهوض»، وهي مجموعة من الناشطين الشباب، رفضه القاطع لكل الدعوات والمقترحات التي من شأنها تكريس التفرقة بين أبناء الشعب الموريتاني، أو السعي إلى تقنينها أو دسترتها.

وقالت المجموعة إن «معالجة آثار الغبن والظلم التاريخي لا تكون بإنتاج تفرقة جديدة، أو تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى قواعد دستورية وقانونية دائمة، وإنما بسياسات عادلة وفعالة للإنصاف وتكافؤ الفرص»، مؤكدة أن «التمييز الإيجابي لا يستلزم بالضرورة تعديلاً دستورياً، وأن معالجة آثار الغبن والحرمان يمكن أن تتم من خلال السياسات والبرامج والإجراءات العمومية، التي تضمن تكافؤ الفرص وتحقق الإنصاف».

ورغم أن العبودية حاضرة بقوة في النقاش العام الموريتاني، فإن الدولة منعتها بشكل رسمي عام 1981، وجُرمت بقانون عادي عام 2007، ثم عادت الدولة عام 2012 لتعديل الدستور من أجل إضافة مادة تجريم العبودية، حيث نصت المادة الـ13 على أن العبودية «جريمة ضد الإنسانية».

ومع ذلك، تعترف الحكومة بأن آثار العبودية لا تزال موجودة، وتعلن أنها تتبنى سياسات لمعالجة هذه الآثار، فيما يقول حقوقيون إن العبودية لا تزال موجودة في المناطق النائية حيث تغيب الدولة.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: لجنة من 20 شخصية للإشراف على الحوار الوطني

شمال افريقيا اجتماع أحزاب الأغلبية الرئاسية مساء الخميس (حزب الإنصاف الحاكم)

موريتانيا: لجنة من 20 شخصية للإشراف على الحوار الوطني

اتفقت الأطراف السياسية في موريتانيا، أمس (الخميس)، على تشكيل لجنة تتولى الإشراف على الحوار السياسي المرتقب، تتكون من 20 عضواً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

الرئيس الجزائري يجري تعديلاً وزارياً جزئياً

أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، تعديلاً وزارياً جزئياً شمل أربع حقائب، وذلك بعد استشارة الوزير الأول، بحسب بيان لرئاسة الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا إخماد حريق غرب تونس «الحماية المدنية»

إجلاء 100 شخص في حرائق غابات بولاية سليانة التونسية

أجلت السلطات في ولاية سليانة شمال تونس 100 شخص على الأقل بسبب حرائق غابات اندلعت، منذ أول من أمس الأحد في جبل بولمان بولاية سليانة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا جانب من المظاهرة المطالِبة بتطبيق قانون توظيف العاطلين «إ.ب.أ»

المعطلون في تونس يتظاهرون للمطالبة بتطبيق قانون توظيفهم

تجمع مئات التونسيين من أصحاب الشهادات العليا ممن طالت بطالتهم لأكثر من عشر سنوات، اليوم الثلاثاء، في وقفة احتجاجية قبالة مقر الحكومة التونسية.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا بسبب الحر الشديد تقلص منسوب المياه في الوديان وأصبح المزارعون يقطعون مسافات طويلة للحصول على المياه (أ.ب.إ)

تونس: وفيات في المستشفيات والسجون بسبب الحر الشديد

أبلغت منظمات حقوقية و«المنظمة التونسية للأطباء الشبان»، فجر اليوم السبت، عن حالات وفاة في المستشفيات بسبب موجات الحر، إلى جانب تسجيل وفيات في صفوف سجناء.

«الشرق الأوسط» (تونس)

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
TT

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)

أعرب الاتحاد الأوروبي، الجمعة، عن قلقه بعد أن أيدت محكمة النقض التونسية الأحكام المشددة الصادرة بحق نحو 40 شخصاً، بينهم معارضون بارزون، في قضية «التآمر على أمن الدولة».

ومن بين المسجونين في القضية المعارض المخضرم أحمد نجيب الشابي، والمحامي العياشي الهمامي، والقيادي البارز السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، والوزير السابق الوسطي غازي الشواشي، والناشطة شيماء عيسى.

وقال المتحدث باسم الشؤون الخارجية في المفوضية الأوروبية كريستيان فيغاند في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «تابع الاتحاد الأوروبي بقلق الأحكام التي أيدتها محكمة التعقيب التونسية في 3 سبتمبر (أيلول) فيما يُعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، والتي أسفرت عن أحكام بالسجن لفترات طويلة بحق العشرات من الشخصيات السياسية، والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين»، مضيفاً أن «بعض الأسئلة لا تزال قائمة بشأن الامتثال الكامل لضمانات المحاكمة العادلة».

وتابع المتحدث موضحاً: «يستنكر الاتحاد الأوروبي استخدام الاتصالات مع الدبلوماسيين المعتمدين في تونس، بمن فيهم الأوروبيون، أساساً لتوجيه اتهام أو دليلاً يدين المتهمين».

واختتم فيغاند قائلاً: «ندعو السلطات التونسية إلى إعادة تهيئة الظروف اللازمة حتى تسهم التعددية والأصوات المستقلة في تنمية البلاد». ورفضت محكمة النقض التي تسمى في تونس محكمة التعقيب، الخميس، الطعون المقدمة في هذه القضية، ما جعل الأحكام القاسية التي تصل إلى السجن لمدة 45 عاماً نهائية. وأثار تحديد موعد الجلسة انتقادات حادة؛ إذ ندّد عدد من المحامين بالإعلان عنها قبل أيام قليلة من انعقادها، ما حال دون إعدادهم لدفاعهم بالشكل الملائم في قضية تنطوي على رهانات سياسية كبيرة.

وقبل الجلسة، حضّت «منظمة العفو الدولية» السلطات التونسية على إلغاء أحكام الإدانة، التي عدّتها «ظالمة»، والإفراج عن المسجونين في هذه القضية. ومنذ استئثار الرئيس قيس سعيّد بالسلطة في 25 يوليو (تموز) 2021، تندد المعارضة والمجتمع المدني بتراجع الحقوق والحريات في تونس.


الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
TT

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)

انتقد الإعلام المغربي بشدّة، الجمعة، تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى «تهاون تام» للقوّات المغربية في مواجهة تدفّق عشرات آلاف المهاجرين إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب في أواخر يوليو (تموز).

وكان أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة يومَي 30 و31 يوليو الماضي، في موجة غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة حول حاجز بحري.

وأشار تقرير للشرطة الإسبانية -اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأربعاء- إلى «تهاون تام» في استجابة الشرطة المغربية، ما سهّل تدفق المهاجرين، مع قيام بعض العناصر بتوجيههم نحو المياه.

وذكر التقرير، الذي استند إلى صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو متاحة للعموم وشهادات المهاجرين، أن أعداد الشرطة حول المعبر الحدودي كانت «أقل بكثير من المعتاد»، وأن الشرطيين «لم يبذلوا أي محاولة جدية» للحدّ من الحشود.

ولطالما تجنّبت الحكومة اليسارية في إسبانيا تحميل المغرب المسؤولية، فيما أمضت سنوات تحاول تحسين علاقاتها المعقّدة تاريخياً معه، لا سيما بشأن وضع سبتة ومليلة.

وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الخميس، عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطّط أو دبّر تدفق المهاجرين. ولم يصدر بعد أي تعليق رسمي عن المغرب على هذا التقرير، غير أن وسائل إعلام مغربية عدّة انتقدت مضمونه. واعتبر موقع «هسبريس» أن النصّ «يكشف عن بناء سردي هشّ، يفتقر إلى الأدلة المادية، ويعج بتناقضات صارخة تدحض فرضيات التقرير نفسه». ورأى فيه الموقع «محاولة يائسة لتحويل المغرب من شريك استراتيجي موثوق في إدارة الحدود إلى كبش فداء لتصفية حسابات سياسية وقضائية بحتة في مدريد». أما «لوديسك»، فندّد من جهته بـ«مستند أُنجز على عجالة»، مشيراً إلى عدّة وقائع خاطئة مثل ذكر تاريخ 30 يونيو (حزيران) بدلاً من 30 يوليو. كما لفت إلى أن مصطلحي «الدولة» و«الحكومة المغربية» غير واردين في التقرير عند بيان المسؤوليات.

واعتمدت أسبوعية «تيل كيل» الموقف عينه، مشيرة إلى أنه خلافاً لما تمّ تداوله على نطاق واسع في الإعلام، لا ينسب التقرير مسؤولية «التخطيط والتنفيذ» إلى المغرب، ولا يحدّد أي مسؤول مغربي بالاسم.

وأكّد الموقع الإخباري الاقتصادي «ميديا 24» من جهته «ضرورة إلقاء نظرة مغربية» على هذا التقرير، الذي حظي بمتابعة واسعة في إسبانيا، لا سيّما من وسائل إعلام مواقفها «معادية للمغرب»، حسب الموقع الذي ندّد باستخدام مصطلح «تهاون» باعتبار أن التقرير قائم على «صور أقمار اصطناعية تجسّد لحظة آنية لا غير».

وفي مطلع أغسطس (آب)، أكّد مسؤول مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه، أنه لم يسجَّل أيّ تقصير في التدابير الأمنية المغربية.


تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
TT

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة» يُضاف إلى دعم صيني لحقِّ مصر في نهر النيل، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي»، ما عدَّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، خطوةً تعزِّز الرهان على إمكانية تعظيم الضغوط على أديس أبابا، والدفع نحو حلول عادلة تنصف الحقوق المصرية.

وشدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، في ختام محادثاتهما في القاهرة، الخميس، على «أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر، ومبدأ رفض أي إجراءات أحادية، والتعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي المصري» وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين، مؤكداً استعداد بلاده «للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة، وتيسير هذا الحوار خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغبت مصر وإثيوبيا في ذلك»، بحسب وسائل إعلام مصرية.

ويُضاف هذا المسعى الإيطالي، إلى تأكيد صيني لحقِّ مصر في أمنها المائي، وتأييدها الالتزام بالقانون الدولي من جانب دول حوض النيل، وذلك في ختام زيارة الرئيس شي جينبينغ القاهرة، الثلاثاء الماضي.

وسبقت ذلك، مساعٍ أميركية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتَّوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية.

النيل لم يعد قضية ثنائية

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن التطورات الأخيرة، «تعكس حقيقة مهمة، وهي أن أزمة النيل لم تعد قضية ثنائية يمكن تركها رهينة للجمود أو لإدارة الأمر الواقع، وإنما أصبحت قضية استقرار إقليمي تستوجب تحركاً مسؤولاً من القوى الصديقة، والشركاء الدوليين».

ويؤكد حجازي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان للأصدقاء دور مطلوب في هذه المرحلة، فهو ليس الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما مساعدة الجميع على إدراك حقيقة بسيطة أن الاتفاق العادل هو انتصار للجميع، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على سياسة الأمر الواقع»، مؤكداً أن «الرهان الأهم اليوم هو أن تتحول علاقات مصر الاستراتيجية مع أصدقائها وحلفائها إلى قوة دفع حقيقية نحو استئناف مفاوضات جادة، تستند إلى ما تم إنجازه سابقاً، ولا تبدأ من الصفر، وتستهدف التَّوصُّل إلى اتفاق شامل وملزم يحقِّق مصالح الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)».

وزيرا خارجية مصر وإيطاليا خلال المشاركة في أعمال «منتدى الأعمال المصري - الإيطالي» بالقاهرة (الخارجية المصرية)

من جانبه، يرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن ذلك الحراك المطروح من وروما وبكين وقبل ذلك واشنطن، «يشير بوضوح إلى وجود توجه نحو دعم الموقف المصري، وضرورة التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة».

وعن الدور المتوقع من «أصدقاء مصر» أشار حليمة، إلى أنه «من الممكن تدشين وساطة من خلال تحركات فردية أو جماعية أو تنسيق مشترك؛ بهدف التواصل مع الأطراف كافة» لافتاً إلى «أن الحديث عن إمكانية تقديم حوافز أو استثمارات لإثيوبيا من قبل الصين أو إيطاليا أو غيرهما لتغيير موقفها، أمر يعود لرؤية كل طرف، لكن مصر تريد الالتزام بالقوانين، وتغليب لغة التعاون بدلاً من التصادم».

تلويح مصري بالتصعيد

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

وبعد نحو أقل من عقد من الزمن، تمَّ تجميد المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا التي تُعدُّ دولة منبع، إبرام اتفاق، وتأكيدها على أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

جانب من المحادثات بين الرئيس المصري ونظيره الصيني في القاهرة (الرئاسة المصرية)

ويعتقد حجازي «أن الموقف المصري المتصاعد، والدعم الدولي لإبرام اتفاق بين مصر وإثيوبيا يؤكدان أن القاهرة لن تقبل بإدارة أديس أبابا للنيل بشكل أحادي... القاهرة تريد الوصول إلى معادلة عادلة، تضمن التنمية دون الإضرار بالآخرين، وتحوِّل النيل من مصدر محتمل للتوتر إلى مجال للتعاون المشترك».

وأوضح أن «دور الأصدقاء الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على التدخل عندما تقترب الأزمة من حافة الخطر، بل العمل من الآن على منع الوصول إلى تلك الحافة، عبر دعم حل عادل يضمن حق إثيوبيا في التنمية، ويحمي في الوقت نفسه، الحقوق المائية والأمن الوجودي لمصر والسودان».

ويشير حليمة، إلى أن «هناك تحديات وصعوبات، والأمر يحتاج إلى جهود كبيرة نظراً لتباعد مواقف الطرفين خصوصاً في ظلِّ تسييس إثيوبيا ملف المياه».