ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

خالد حفتر والنمروش يلتقيان وسط آمال بتوحيد الجيش

قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
TT

ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)
قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)

احتضنت مدينة سرت الليبية لقاءً هو الثاني من نوعه بين أطراف عسكرية متنافسة، في خطوة عدّها سياسيون ومحللون ليبيون جزءاً من جهود توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها.

واجتمع الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، والفريق صلاح النمروش، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، الأحد، للمرة الأولى في مدينة سرت.

خالد حفتر مستقبلاً النمروش في سرت الأحد (من مقطع فيديو نشره مقربون من القيادة العامة بشرق ليبيا)

ووصل النمروش إلى سرت على رأس وفد عسكري؛ حيث عقد لقاءً يُنظر إليه بوصفه خطوة تُعزز الآمال في توحيد المؤسسة العسكرية وتقريب وجهات النظر بين طرفي شرق ليبيا وغربها.

ورحّب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بلقاء خالد حفتر والنمروش في سرت، التي وصفها بأنها «مدينة الوطن الجامعة». وضم الاجتماع عدداً من القيادات العسكرية الليبية، من بينهم الأمين العام للقيادة العامة الفريق خيري التميمي، بحضور أعضاء لجنتي: العسكرية المشتركة «5+5» و«3+3»، وبمشاركة البعثة الأممية.

وأشاد صدام حفتر، في منشور عبر حساب شخصي منسوب إليه على «فيسبوك»، بـ«الأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء، وما عكسته من روح المسؤولية الوطنية، والحرص الصادق على تغليب المصلحة العليا للوطن».

وقال إن اللقاء يأتي «في سياق المساعي الوطنية الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام، بدعم من الشركاء الدوليين».

كما ثمّن «الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، بما في ذلك القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى جانب البعثة الأممية، في مساندة المساعي الهادفة إلى بناء مؤسسة عسكرية ليبية موحدة ومهنية، بما يُعزز أمن ليبيا واستقرارها، ويحفظ سيادتها ووحدة أراضيها».

قوات «كتيبة السلام» التابعة لـ«الجيش الوطني» خلال انتشار في جنوب شرقي ليبيا (الجيش الليبي)

وأكد أن «توحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية يُمثل هدفاً أساسياً لحماية الوطن وصون سيادته». وأضاف: «سنواصل العمل بكل جدية ومسؤولية من أجل بناء مؤسسات قوية وفاعلة، وحماية أراضي ليبيا وحدودها، وترسيخ وحدة الصف الوطني، وصولاً إلى جيش ليبي موحد وقادر على أداء مهامه في الدفاع عن الوطن والمواطن».

ويأتي اجتماع خالد حفتر والنمروش في ظل تحركات دبلوماسية وعسكرية أميركية تهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية في ليبيا، وفق مبادرة يرعاها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وسبق أن تقاتل «الجيش الوطني» مع «قوات غرب ليبيا»، في حرب دامت نحو 13 شهراً، وانتهت على الأبواب الجنوبية لطرابلس، قبل أن تتراجع قوات الجيش إلى محور سرت-الجفرة، خارج الحدود الإدارية للعاصمة في منتصف 2020.

واحتفى سياسيون ليبيون ونشطاء ومدوّنون بلقاء خالد حفتر والنمروش، عادين أنه «خطوة جيدة تحمل دلالات قوية» من شأنها تعزيز فرص توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، مشيرين إلى أهمية الانتقال «من مرحلة الجفاء إلى لغة الحوار البنّاء، وقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية».

ووصف المحلل السياسي عمر بو أسعيدة لقاء خالد حفتر والنمروش في سرت بأنه «خطوة قيادية كبرى نحو تنسيق عسكري موحد يحمي سيادة ليبيا واستقرارها».

وتقع سرت على بُعد نحو 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي منتصف المسافة تقريباً بينها وبين بنغازي، وهي مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي. وقد سبق أن سيطر عليها تنظيم «داعش» عام 2015، واتخذها أحد أبرز معاقله في شمال أفريقيا.

وكان مصدر عسكري قد تحدث لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة الماضي، عن لقاءات عسكرية تستضيفها سرت هذا الأسبوع، من بينها اجتماع خالد والنمروش، متوقعاً لقاءً آخر يجمع قريباً صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة».

عنصران من الجيش الليبي في العاصمة طرابلس (رويترز - أرشيفية)

وكان اللقاء الأول الذي احتضنته سرت قد جمع صدام والزوبي على هامش تمرين «فلينتلوك 2026» في 14 أبريل (نيسان) الماضي، في خطوة غير مسبوقة لاقت تفاعلاً واسعًا بين الليبيين، الذين عدّوها «بداية محتملة» نحو توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

كما التقى صدام والزوبي مرة ثانية في مايو (أيار)، خلال مشاركتهما في فعالية بمدينة إسطنبول التركية.

وتضم سرت مقر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، ما يُفسر عقد لقاءات عسكرية بين طرفي شرق ليبيا وغربها في المدينة، التي تتمركز قوات لـ«الجيش الوطني» في محيطها منذ تراجعها عن دخول العاصمة طرابلس في يونيو (حزيران) 2020.

وأثار ظهور النمروش وخالد حفتر معًا في مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة، الذي عُقد في الثاني من الشهر الحالي بالعاصمة الأنغولية لواندا، واجتماعهما مع قائد «أفريكوم»، داغفين أندرسون، تكهنات بشأن الدفع بالجهود الأميركية نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وإبان «ثورة 17 فبراير (شباط)» 2011، كانت سرت آخر مدينة شهدت معركة حاسمة بين «كتائب القذافي» وقوات المعارضة، وفيها كُتبت النهاية الدامية للقذافي في أكتوبر (تشرين الأول) 2011؛ حيث قُتل في ضواحيها، ما تسبّب في تعرض أجزاء كبيرة منها لدمار واسع خلال المعارك، لكنها بدأت راهناً «تنهض عمرانياً»، وفق ما تعكسه الحكومة وأطياف مختلفة من سكانها.


مقالات ذات صلة

تساؤلات بشأن دخول باكستان على خط الأزمة الليبية

تحليل إخباري حفتر مستقبلاً عاصم منير في 17 ديسمبر الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

تساؤلات بشأن دخول باكستان على خط الأزمة الليبية

تباينت آراء سياسيين ومحللين ليبيين بشأن الحديث عن وساطة باكستانية لحلحلة الأزمة السياسية المعقدة بالبلاد بموازاة «مبادرة أميركية» ومساعٍ أممية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا بولس والطرابلسي يتوسطان الصورة والقائم بالأعمال الأميركي إلى اليسار (حساب بولس على «إكس»)

هل تجمع سرت أفرقاء ليبيا لوضع خريطة «توحيد الجيش»؟

بدا لكثير من الليبيين أن سرت، المطلة على البحر المتوسط، مقبلة على احتضان اجتماعات عسكرية وأمنية خلال الأيام المقبلة، تستهدف بحث آليات إنهاء الانقسام المؤسسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أعيان وحكماء من مصراتة خلال استقبال بولس 7 يوليو (صفحات موثوقة في مصراتة)

«مصراتة» لمستشار ترمب: نرفض عسكرة ليبيا

سعى مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية إلى تفكيك عملية الرفض لـ«المبادرة الأميركية» من قبل قوى عسكرية وسياسية في مصراتة

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة في اجتماع سابق مع قيادات عسكرية وأمنية (مكتب الدبيبة)

تشكيلات عسكرية وأمنية بمصراتة ترفض «احتكار السلطة» في ليبيا

رفضت خمسة تشكيلات عسكرية وأمنية في مصراتة بغرب ليبيا ما وصفته بـ«احتكار السلطة»، وأعادت قضية الاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور إلى الواجهة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا شريف مستقبلاً حفتر في باكستان في فبراير الماضي (القيادة العامة)

وساطة باكستانية بين شرق ليبيا وغربها بـ«عِلم أميركي»

تسعى باكستان إلى لعب دور في التقارب بين سلطات بنغازي وطرابلس، بالتوازي مع «مبادرة أميركية» تعمل على حلحلة أزمة الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا.

جمال جوهر (القاهرة)

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
TT

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

قال الناطق باسم «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، فريد الحميد، إن عدد المفقودين في السودان يزيد على 11 ألف شخص منذ بدء الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الرقم يمثل فقط الحالات المسجلة لدى «اللجنة» والجمعيات الوطنية المحلية، مرجحاً أن يكون عدد الأشخاص المفقودين أعلى بكثير من هذا الرقم.

وأوضح الحميد أن استمرار النزاع فاقم حركة النزوح السكاني، وأدى إلى «ازدياد عدد الأشخاص الذين يلتمسون المساعدة لإعادة الروابط العائلية أو لمعرفة مصير أحبائهم الذين انقطع بهم الاتصال؛ مما يعكس الحجم الواسع والأبعاد العميقة للعواقب الإنسانية لهذه الحرب».

وذكر أن «اللجنة» تلقّت في العام الماضي أكثر من 1682 طلبَ بحثٍ من عائلات داخل السودان، و2200 طلب من الخارج؛ للحصول على معلومات بشأن مصير وأماكن وجود أقاربها المفقودين، «بما في ذلك التأكد من سلامتهم أو معرفة ما إذا كانوا محتجزين لدى أي جهة عسكرية أو أمنية». وأفاد المسؤول الدولي بأن «اللجنة الدولية» ساعدت العائلات في توفير معلومات عن 846 من الأشخاص المفقودين.

النساء المفقودات

من جانبها، قالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية، سليمى إسحاق، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد النساء المفقودات منذ اندلاع الحرب تجاوز 600. وأضافت أن الجهات المختصة تواجه «تحديات كبيرة في الحصول على المعلومات الدقيقة بشأن أعداد المفقودات؛ إذ إن غالبية الأسر تخشى الإبلاغ عن مفقوديها الفتيات لأسباب اجتماعية بحتة متعلقة بوصمة العار».

وذكرت إسحاق أن كثيراً من النساء المفقودات خلال الحرب «تركن خلفهن مئات الأطفال في أعمار مختلفة».

وفي وقت سابق، طالبت الحكومة السودانية الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالتدخل العاجل للكشف عن مصير أكثر من 20 ألف سجين تحتجزهم «قوات الدعم السريع» في ظروف إنسانية بالغة السوء.

البحث عن الأقارب

عوضية مع بنت ابنها المفقود (الشرق الأوسط)

في الأثناء، يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا في الحرب. عوضية عباس (60 عاماً) اعتُقل ابنها مبارك من قبل «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على العاصمة الخرطوم، عندما كان في طريقه لشراء بعض الأغراض، وما زالت تبحث عنه بعد مرور نحو عامين على اختفائه قسراً.

قالت: «لا أعرف مصيره وما إذا كان حياً أم ميتاً. ما أتمناه في هذه الدنيا رؤيته قبل موتي»، مضيفة: «أترقب دخوله في أي لحظة... لكنه حتي الآن لم يرجع».

وأصيب والده مصطفى بمرض أقعده عن الحركة ثم توفى بعد 4 أشهر من غياب ابنه. ومبارك نفسه أب لـ4 أبناء، أكبرهم عمره 15 عاماً، وأصغرهم طفلة ذات 5 أعوام لا تكف عن سؤال جدتها متى يعود والدها إلى البيت.

ومنذ ذلك الوقت تتابع عائلته المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أملاً أن يكون أحدهم قد تعرف عليه في المعتقلات.

سحر هارون مثالُ آخر... فقدت زوجها واثنين من إخوانها منذ منتصف مارس (آذار) 2024. قالت لـ«الشرق الأوسط»: «علمنا بأن (قوات الدعم السريع) تحتجزهم في سجن سوبا شرق العاصمة الخرطوم، وذهبنا مرات عدة، لكن لم يسمحوا لنا بزيارتهم».

وبعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم وخروج «قوات الدعم السريع» منها، قالت سحر إن بعض المعتقلين الذين أُطلق سراحهم أبلغوها بترحيل أفراد أسرتها إلى غرب السودان، لكن حتى الآن لا تتوفر أي معلومات عن مكانهم.

ابتزاز الفدية

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي ظل هذه الظروف، وقع كثير من العائلات ضحايا للابتزاز المالي، حيث كانوا يتلقون مكالمات هاتفية من أشخاص يزعمون أنهم يحتجزون أقرباءهم، ويطلبون فدية للإفراج عنهم مقابل إطلاق سراحهم، مهددين بقتلهم إذا لم تستجب الأسر.

وتعرض آلاف المعتقلين، في مراكز احتجاز منتشرة بالخرطوم، لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وفق شقيق فتاة مفقودة بعد اقتيادها من منزلها في الخرطوم. وقال إن الأسرة لا تزال تترقب عودتها في أي لحظة، رغم انقطاع الاتصال بها أكثر من 8 أشهر.

واعتقل المئات من المدنيين؛ غالبيتهم من الشباب، عند نقاط التفتيش التي كانت تقيمها «قوات الدعم السريع» في المناطق التي كانت تسيطر عليها داخل ولايتي الخرطوم والجزيرة في وسط البلاد، دون إخطار عائلاتهم، بينما تشير أنباء عن مقتل أعداد كبيرة منهم داخل معتقلات التعذيب والتجويع المتعمد.


وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، لتركيا، تأتي وسط توترات تشهدها المنطقة مع عودة التصعيد الأميركي-الإيراني، وقلق إسرائيلي متصاعد من تقارب القاهرة وأنقرة.

تأتي هذه الزيارة الرسمية بعد توالي التدريبات العسكرية المشتركة، وتؤشر، حسب خبراء في مصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التنسيق العسكري وصل لمرحلة متقدمة للغاية، وسيعزز فرص تعزيز الاستقرار بالمنطقة ومواجهة أي توترات إقليمية.

كما أكد الخبراء أيضاً «أن إسرائيل ستظل تنظر لهذا التقارب بريبة كبيرة دون أي تدخل مباشر، خصوصاً ونحن إزاء دولتين كبيرتين بالمنطقة عسكرياً وحسابات المواجهة معهما معقدة».

أول زيارة منذ 13 عاماً

وأعلن الجيش المصري، في بيان الأحد، أن الوزير زاهر، «غادر أرض الوطن متوجهاً إلى دولة تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى في زيارة رسمية بدعوة من وزير الدفاع التركي يشار غولر لإجراء عدد من المباحثات لدعم آفاق التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين في العديد من المجالات».

وهذه أول زيارة من نوعها لوزير الدفاع المصري الحالي الذي تم تعيينه في منصبه في فبراير (شباط) الماضي، والأولى لوزير دفاع مصري يقوم بزيارة رسمية لتركيا منذ 2013، ففي 8 مايو (أيار) من ذلك العام، قام وزير الدفاع المصري وقتها عبد الفتاح السيسي بزيارة رسمية لتركيا، والتقى وقتها عصمت يلمظ وزير الدفاع الوطني التركي آنذاك.

وفي نهاية أبريل (نيسان) 2024، أعلن صالح موتلو شن، السفير التركي في القاهرة، أن رئيس أركان الجيش المصري وقتها الفريق أسامة عسكر، زار تركيا بدعوة من رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول متين غوراك، وأجرى محادثات هناك، في أول زيارة لمسؤول عسكري مصري رفيع المستوى لتركيا منذ توتر العلاقات بين البلدين عام 2013.

وفي مايو الماضي، أجرى رئيس أركان الجيش المصري، الفريق أحمد خليفة، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي الفريق أول متين غوراك، ضمن فعاليات الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة بين البلدين، وتم بحث سبل تطوير التعاون العسكري، لا سيما في مجالات التدريب وتبادل الخبرات.

وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

ويرى المستشار في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء عادل العمدة، أن الزيارة غير المسبوقة «تأتي ضمن التقارب العسكري المصري-التركي وتطوره إلى تعاون عسكري مؤسسي شمل اتفاقات دفاعية واجتماعات دورية وتدريبات مشتركة للقوات المسلحة، بما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة التعاون العملي».

ويشير العمدة إلى أن الزيارة «تحقق أهدافاً على ثلاثة محاور، أولها استراتيجياً باعتبار أن مصر وتركيا تمتلكان أكبر قوتين عسكريتين في شرق المتوسط، وبالتالي فإن أي تقارب بينهما يغيّر ميزان القوى الإقليمي، وأمنياً مع وجود مصالح مشتركة في تأمين شرق المتوسط والبحر الأحمر وليبيا ومكافحة الإرهاب وتأمين خطوط الملاحة، وصناعياً مع التوجه للتعاون نحو الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات، والتدريب وربما التصنيع المشترك لبعض المعدات العسكرية مستقبلاً».

تعاون يتنامى

ويرى الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو أن هذا التعاون المصري التركي «يتصاعد على كل المستويات وبدأ ينمو عسكرياً في الفترة الأخيرة، ما يشكل تحولاً مهماً في مسار العلاقات بعد سنوات من الفتور»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني وجود رغبة بين البلدين لخدمة مصالحهما المشتركة وسط تطورات وتعقيدات إقليمية ستدفعهما لمزيد من التنسيق».

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل الزيارات الرئاسية؛ ما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة»، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، كما انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

وقد عُرضت نماذج لطائرات بيرقدار (Bayraktar) التركية المسيّرة خلال معرض الصناعات الدفاعية «إيديكس 2025» في القاهرة، وظهرت الطائرات والذخائر وهي تحمل العلم المصري.

وفي فبراير 2026، وقّعت مصر وتركيا «اتفاقية تعاون عسكري» في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب إردوغان، الذي كان يزور العاصمة المصرية آنذاك.

ووقّعت مصر وتركيا، في أغسطس 2025، اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.

جانب من تدريب «نسر الأناضول» نهاية يونيو الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وفي ضوء ذلك، يرى طه عودة أوغلو، «أن الزخم الكبير في التعاون العسكري، يحمل إشارة واضحة على وجود تنسيق متزايد بين البلدين، تترجمه المناورات والاتفاقيات والزيارات بشكل لافت في العامين الماضيين».

وعن مستقبل التعاون العسكري، يتوقع اللواء عادل العمدة أنه «إذا استمرت العلاقات السياسية في مسارها الحالي فمن المتوقع زيادة المناورات البرية والبحرية والجوية المشتركة، وتوسيع التعاون في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، وتنسيق أكبر بشأن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط».

تخوف إسرائيلي

هذا التصاعد في التعاون المصري التركي تتخوف منه إسرائيل، وزعمت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية يونيو (حزيران) الماضي أن المخابرات الأميركية رصدت نشاطاً غير عادي، مفاده أن مصر وتركيا «تعملان بهدوء على تعزيز تعاون عسكري واسع النطاق قد يشمل صفقات أسلحة تغير موازين القوى».

ويعتقد العمدة «أن إسرائيل تتابع هذا التقارب باهتمام في ظل حديث مستمر منها عن قلق من تنامي العلاقات المصرية–التركية، وتضع في حساباتها أنهما قوتان عسكريتان وإقليميتان مؤثرتان وأي تنسيق بينهما قد يغيّر الحسابات الأمنية في شرق المتوسط»، مستدركاً «لكن لا توجد مؤشرات معلنة على وجود تحالف عسكري موجه ضد إسرائيل، خصوصاً أن السياسة المصرية تقوم على تنويع الشراكات العسكرية مع الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي، ما يجعل التعاون بينهما قائماً على المصالح المشتركة أكثر من كونه تحالفاً شاملاً».

ويتفق معه الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، قائلاً: «إسرائيل ترى أن التقارب المصري التركي عسكرياً يؤثر على موازين القوى في المنطقة، لكن ذلك لا يعني تشكيل حلف ضد إسرائيل كما تسوق تل أبيب عادة، بل محاولة من البلدين لتعزيز التنسيق في المنطقة ولعب أدوار مهمة في تهدئة التوترات».


حكم غيابي بإعدام قائد «الدعم السريع» في السودان

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)
قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)
TT

حكم غيابي بإعدام قائد «الدعم السريع» في السودان

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)
قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

أصدرت محكمة سودانية، يوم الأحد، حكماً غيابياً بإعدام قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، وآخرين لاتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، في وقت دخلت الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» عامها الرابع.

ويأتي الحكم على خلفية اتهام حميدتي وشقيقيه عبد الرحيم والقوني دقلو و13 آخرين بقتل والي ولاية غرب دارفور و15 ألفاً من سكان مدينة الجنينة عاصمة الولاية، حسب تلاوة القاضي للحكم الذي نشرته «وكالة الأنباء السودانية» الرسمية.

ويتهم دقلو وشقيقاه بقتل والي غرب دارفور، خميس أبكر، ضمن هجمات عنيفة لـ«قوات الدعم السريع» على مدينة الجنينة عام 2023 شهدت أيضاً مذابح ضد قبيلة المساليت غير العربية، أسفرت عن مقتل ما بين 10 آلاف و15 ألف شخص. ووجّهت المحكمة بمخاطبة الشرطة الدولية (الإنتربول) للتواصل مع الدول التي يوجد فيها المدانون لتسليمهم.

وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قد أصدر في أغسطس (آب) 2024 قراراً بتشكيل لجنة للتحقيق فيما يقول الجيش إنها جرائم «قوات الدعم السريع»، برئاسة النائب العام، وقدمت اللجنة بدورها الدعوى إلى المحكمة في عام 2025. وتنفي «قوات الدعم السريع» ضلوعها في جرائم الإبادة الجماعية.

واندلعت الحرب بين الجيش بقيادة البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة حميدتي النائب السابق للبرهان، في أبريل (نيسان) عام 2023، وأسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، ما تسبب في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وفق تصنيف الأمم المتحدة.

وكان البرهان وحميدتي حليفين في انقلابهما عام 2021 على الحكومة الانتقالية المدنية التي جاءت في أعقاب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير الذي حكم السودان لمدة 30 عاماً بمعاونة «الحركة الإسلامية»، ثم أطاحته احتجاجات شعبية واسعة في أبريل عام 2019. وخلال الأشهر الأولى لتحالفهما صدرت الوثيقة الدستورية لعام 2019 التي استبدلت الدستور السوداني، وجعلت «قوات الدعم السريع» جزءاً من «مجلس السيادة» الذي حكم البلاد خلال الفترة الانتقالية عقب الانقلاب.

غير أن خلافات حول دمج «قوات الدعم السريع» في الجيش أشعلت نزاعاً بين القائدين سرعان ما تحوّل إلى معارك دامية قبل أكثر من 3 سنوات. وفي مارس (آذار) 2025، أصدر البرهان تعديلاً على وثيقة عام 2019 تضمن حذف «قوات الدعم السريع» من المواد الدستورية المنظِّمة لـ«مجلس السيادة» والمحاكم العسكرية.