وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

حكومة مدنية وجيش موحد وموافقة مبدئية من طرفي الصراع وخلاف حول بند الانسحابات

مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد تسريب وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية إحياء آمال السودانيين بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية توقف جانباً من معاناة المدنيين، إلا أن هذه الوثائق أثارت في الوقت نفسه جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت البلاد قد اقتربت بالفعل من إنهاء الحرب، أم أن المبادرة الجديدة ستلقى المصير نفسه الذي انتهت إليه محاولات السلام السابقة.

وذكرت وكالة «رويترز»، نقلاً عن مسؤولين سودانيين كبار، أنهم أكدوا صحة مضمون الوثائق المسربة، والتي أظهرت وجود توافق واسع بين الجانبين بشأن المبادئ العامة للمبادرة، مقابل خلاف جوهري يتعلق بمصير «قوات الدعم السريع» المنتشرة داخل المدن. وتباينت المواقف عقب تسريب الوثائق بين قبول مشروط من جانب الحكومة السودانية لفكرة الهدنة، وتصريحات أميركية بدت متضاربة؛ إذ أشارت في البداية إلى رفض الخرطوم للمقترح، قبل أن تؤكد لاحقاً قبولها له، في حين لا يزال التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الهدنة بعيد المنال.

وحسب «رويترز»، اقترحت الولايات المتحدة إعلان هدنة إنسانية فورية لمدة تسعين يوماً، تتيح وصول المساعدات الإنسانية، وتعزز حماية المدنيين، وتمهد الطريق لمفاوضات تُفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية وصولاً إلى إجراء انتخابات.

قائد الجيش السوداني رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

غير أن الحكومة السودانية، التي يقودها الجيش، ربطت موافقتها على المقترح، وفقاً للوثيقة المسربة، بانسحاب «قوات الدعم السريع» من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ الحادي عشر من مايو (أيار) 2023، بدلاً من الانسحابات المحدودة التي نص عليها المقترح الأميركي.

وأظهرت الوثيقة المنسوبة إلى الحكومة السودانية، والمؤرخة في 25 من يونيو (حزيران) الماضي، توافقاً مع المبادرة الأميركية في عدد من المبادئ الأساسية، من بينها الإقرار بعدم وجود حل عسكري للصراع، وإعلان هدنة تشمل جميع أنحاء البلاد، وتشكيل لجنة تنسيق برئاسة الولايات المتحدة، وعضوية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، إضافةً إلى إنشاء آلية أممية لمتابعة تنفيذ الاتفاق، ومراقبته، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين.

لكن الرد السوداني تضمَّن شرطاً أساسياً يتمثل في انسحاب «قوات الدعم السريع» من جميع المدن التي سيطرت عليها، على أن تشمل الترتيبات الأمنية اللاحقة سحب هذه القوات، وتسريحها، ونزع سلاحها، وإعادة دمج عناصرها تحت إشراف الأمم المتحدة، مع الإبقاء على القوات المسلحة بوصفها الجيش الوطني الموحد، ودمج بقية التشكيلات العسكرية ضمنها.

وتوضح الوثائق المسربة أن الخلاف بين الطرفين يبدو ظاهرياً محصوراً في بند واحد، إلا أنه يمس جوهر المبادرة. فالمقترح الأميركي ينص على وقف فوري لإطلاق النار، يتبعه تنفيذ انسحابات محدودة وإعادة انتشار للقوات بما يضمن وصول المساعدات الإنسانية، خصوصاً في ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان، على أن يجري التفاوض لاحقاً حول الترتيبات العسكرية ضمن اتفاق دائم لوقف إطلاق النار. أما الرد السوداني فيجعل الانسحاب الكامل لـ«قوات الدعم السريع» من المدن، وتغيير خريطة السيطرة العسكرية، شرطاً أساسياً لتنفيذ الهدنة.

أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان أخيراً (إكس)

ولا يقتصر التباين على ملف الانسحابات العسكرية؛ إذ تنص المبادرة الأميركية على تأسيس جيش وطني موحد يخضع للمساءلة أمام حكومة مدنية مستقلة ومنتخبة، في حين يربط الرد السوداني القوات المسلحة بالحكومة السودانية.

كما أشارت «رويترز» إلى أن المقترح الأميركي دعا إلى استبعاد جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب عناصر الميليشيات المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، بينما استخدمت الوثيقة السودانية مصطلحاً أشمل هو «جماعات التطرف العنيف»، من دون الإشارة إلى جماعات أو تنظيمات بعينها.

وخلال جلسة مجلس الأمن الدولي التي عُقدت في 26 يونيو الماضي، أعلن كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن مجلس السيادة السوداني رفض أحدث نسخة من مقترح الهدنة. إلا أنه عاد لاحقاً، وبعد مداخلة ممثل السودان الذي أوضح أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أرسل رداً يتضمن جدولاً زمنياً للانسحابات وخطة لإحلال السلام، ليعرب عن ترحيبه بما وصفه بقبول البرهان للمبادرة. وقال بولس: «يسعدني أن أسمع أن البرهان قبل، على ما يبدو، أحدث مقترح للسلام بدلاً من رفضه»، مضيفاً أن المبادرة أُعدت بالتشاور مع وزير الخارجية السوداني وأعضاء في مجلس السيادة، وبالتنسيق مع مصر، وحظيت بترحيب من المملكة العربية السعودية، حسب المسؤول الأميركي.

ويعكس هذا التباين اختلافاً في تفسير معنى القبول أكثر مما يعكس رفضاً كاملاً للمبادرة. فالخرطوم ترى أن موافقتها على الإطار العام، مع اشتراط انسحاب «قوات الدعم السريع» تمثل قبولاً مشروطاً للمقترح، في حين ترى واشنطن أن هذا الشرط يغيّر جوهر مبادرتها القائمة على وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار من دون شروط مسبقة. وفي ظل هذا الاختلاف، لا يزال الطرفان بعيدين عن التوافق على صيغة نهائية موحدة.

وفي أحدث ظهور إعلامي له، الجمعة، في مدينة أم درمان، لم يحسم رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، موقفه من المبادرة، سواء بالقبول أو الرفض، كما لم يكشف عن طبيعة الرد الذي قدمته حكومته. وقال، خلال مخاطبته مصلين، إن القوات المسلحة لن تقبل بأي ترتيبات تُفرض عليها أو لا تحقق الأمن والسلام للسودانيين، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية حتى القضاء على من وصفهم بـ«المعتدين والمتمردين».

وتزامن تسريب الوثائق مع جدل واسع بشأن لقاء غير معلن قيل إنه جمع عضو مجلس السيادة شمس الدين كباشي، بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في العاصمة المصرية القاهرة. وتداولت الأوساط السياسية روايتين متباينتين بشأن الاجتماع؛ إذ ذهبت الأولى إلى أن كباشي عقد اللقاء من دون علم البرهان، ولم يُطلعه على تفاصيله، بينما نقلت قناة «العربية» عن مصادر مقربة من كباشي أن الاجتماع تم بطلب من بولس، وبعلم البرهان، وأن الأخير أُحيط علماً بما دار فيه. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجانبين السوداني أو الأميركي يحسم صحة أي من الروايتين.

ويرى القيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، خالد عمر يوسف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن خريطة الطريق التي طرحتها المجموعة الرباعية تمثل «المبادرة الأهم والأكثر شمولاً وإحكاماً». واستبعد يوسف تحقيق اختراق قريب في مسار الهدنة ما لم تزداد الضغوط على الطرف الذي يعطلها.

شروط «الدعم السريع»

وفي المقابل، لم تصدر «قوات الدعم السريع» أي بيان رسمي بشأن المبادرة الأميركية أو الرد المنسوب إلى الجيش. إلا أن مسؤولاً بارزاً في القوات، طلب عدم الكشف عن هويته، قال لوكالة «رويترز» إن قواته تسلمت المقترح الأميركي، ورحبت به، وقدمت رداً مكتوباً، من دون الإفصاح عن تفاصيله أو توضيح موقفها من شرط الانسحاب.

لكنّ مصدراً رفيع المستوى في «قوات الدعم السريع»، طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته، قال لـ«الشرق الأوسط» إن انسحاب قواته من المدن التي تسيطر عليها «ليس مطروحاً للنقاش»، مضيفاً أن أي هدنة ينبغي أن تقوم على تثبيت مواقع قوات الطرفين، على أن تُناقش قضايا إعادة الانتشار ونزع السلاح ضمن مفاوضات وقف إطلاق النار الدائم.

ويرى المحلل السياسي محمد لطيف أن الضغوط الأميركية والإقليمية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، واقتناع الداعمين الإقليميين للطرفين بصعوبة تحقيق حسم عسكري، إلى جانب تصاعد مطالب القوى المدنية، وازدياد المخاوف من تقسيم السودان وانهيار مؤسسات الدولة، تمثل عوامل قد تعزز فرص التوصل إلى هدنة.

لكنه حذَّر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من أن استمرار المعارك في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، التي يسعى كل طرف إلى السيطرة عليها لتحسين موقعه التفاوضي، إضافةً إلى الخلاف حول آليات الرقابة وضمان عدم استغلال الهدنة في إعادة التجنيد أو التسليح أو إعادة التموضع العسكري، قد يعرقل فرص نجاح المبادرة.

وأشار لطيف إلى أن اتساع رقعة انتشار القوات يجعل من الصعب على القيادتين السيطرة الكاملة على جميع التشكيلات المقاتلة، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار أي اتفاق نتيجة خرق محدود أو إطلاق نار من مجموعة صغيرة. كما لفت إلى أن القوى الداخلية والخارجية المستفيدة من استمرار الحرب قد تمتلك القدرة على إفشال أي هدنة إذا تعارضت مع مصالحها.

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» علي كرتي ومطالب أميركية بحظر حركته (فيسبوك)

ويخلص المشهد، وفق المعطيات المتوافرة، إلى أن السودان دخل بالفعل مرحلة تفاوض تتضمن مقترحات مكتوبة، وردوداً رسمية، واتصالات سياسية متواصلة، وضغوطاً دولية متزايدة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن وقف الحرب بات وشيكاً. فالجيش يتمسك بجعل انسحاب «قوات الدعم السريع» من المدن شرطاً أساسياً للهدنة، بينما لم تعلن «قوات الدعم السريع» موقفاً رسمياً من هذا الشرط، رغم أن المؤشرات غير الرسمية توحي برفضه.

وبناءً على ذلك، تبدو البلاد أقرب إلى جولة تفاوض أكثر جدية من سابقاتها، لا إلى اتفاق نهائي على وقف إطلاق النار. وسيعتمد نجاح هذه الجولة على قدرة الوسطاء على التوصل إلى صيغة مرحلية بشأن الانسحابات، ووضع آليات رقابة وضمانات قابلة للتنفيذ، وإقناع الطرفين بقبول هدنة لا تمنح أياً منهما مكاسب عسكرية أو سياسية مسبقة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

شمال افريقيا أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

اختار أكثر من خمسة ملايين نازح العودة إلى ديارهم في السودان، رغم الحرب الأهلية المستمرة والصعوبات القصوى، وفق ما كشفت الأمم المتحدة، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

تشديد مصري جديد على أهمية وحدة السودان في محادثات جديدة مع واشنطن

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور كور، أكد في تصريحات حديثة عن استعداد بلاده للمضي في ذلك المشروع المعروف باسم «سد فولا».

محمد محمود (القاهرة )

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
TT

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)

تضع قضية تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو العلاقات بين الجزائر وإسبانيا أمام اختبار عسير، بعد أن خرجت منذ فترة قصيرة من أزمة حادة لامست القطيعة بسبب اعتراف مدريد عام 2022 بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء.

ويُعد رجل الأعمال والمعارض الجزائري واحداً من أكثر الشخصيات ملاحقة من طرف الجزائر، لارتباطه بوجهاء النظام المتهمين بالفساد خلال فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019).

أما عيسيو فقال، في تصريحات حديثة نقلتها صحيفة «ذي أوبجكتيف» الإخبارية الإسبانية، إنه يخشى أن يؤدي الإفراج عنه في إسبانيا إلى اندلاع أزمة دبلوماسية جديدة مع الجزائر. وكانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها للصحافة منذ استعاد حريته، بعد أن ظل رهن الحبس الاحتياطي في إسبانيا.

رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو (ناشطون في مجال محاربة الفساد)

وتنظر المحكمة الوطنية الإسبانية، حالياً، في طلب التسليم الذي تقدمت به الجزائر.

وكانت محاكم جزائرية قد أصدرت بحقه عدة أحكام بالسجن في عدة قضايا، أحدثها عام 2025، بتهم تتعلق بالفساد والتزوير وتبييض الأموال، غير أن عيسيو يؤكد أن الأمر برمته «ذو خلفية سياسية» مرتبطة بنشاطه الإعلامي ومواقفه المعارضة.

الملاحقة القضائية

كان قد تم توقيف رجل الأعمال الأربعيني يوم 25 يوليو (تموز) الماضي في مطار برشلونة عندما كان عائداً من المغرب. وفي 4 سبتمبر (أيلول) الحالي غادر السجن، بعد أن طلبت النيابة الإفراج عنه، وقررت استبدال عدة تدابير احترازية بالحبس الاحتياطي، من بينها سحب جواز السفر، ومنعه من مغادرة إسبانيا، وإلزامه بإبلاغ المحكمة بأي تغيير في محل إقامته، والمثول أمامها كل أسبوعين.

ومنذ أن استعاد حريته، طُرح هذا السؤال في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية: ماذا سيحدث بين إسبانيا والجزائر لو ثبّتت المحكمة قرار رفض تسليمه؟

ولا يزال يتعيّن على المحكمة الوطنية الإسبانية أن تبت في الطلب الذي قدمته الجزائر. وسيواجه عيسيو هذه المرحلة وهو طليق.

وبعد سنوات من المواجهة مع الحكومة الجزائرية، ومن تهديدات يقول إنه تعرض لها في فرنسا، ومن سجنه في إسبانيا، يرى عيسيو أن الإفراج عنه قد زاد الصراع حدة، ويؤكد أن قضيته تحولت إلى «مسألة سياسية من الدرجة الأولى» في الجزائر.

ويدفع عيسيو عن نفسه صفة «الهارب» التي تنسبها إليه الجزائر، ويقول إنه خلال السنوات الأخيرة سافر عبر بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا والسويد وإسبانيا وبلدان أوروبية أخرى، من دون اختباء أو خوف من توقيفه.

كواليس إمبراطوريته

تعود مشكلات عيسيو مع القضاء الإسباني إلى متابعات في الجزائر تتعلق بـ«التزوير وغسل الأموال»، حيث سارعت النيابة العامة الجزائرية فور توقيفه إلى إرسال ملف تسليم متكامل إلى السلطات الإسبانية المختصة.

وكان عيسيو يتنقل بحرية بين عواصم أوروبية وعربية مستعيناً بجواز سفر ووثائق ثبوتية تعود إلى جمهورية أنتيغوا وبربودا في الكاريبي، اشتراها بمبلغ 150 ألف دولار، «معتقداً أنه بمنأى عن الملاحقة القضائية»، وفقاً لما كتبته صحيفة «الوطن» الجزائرية بعد توقيفه.

وعيسيو هو صهر رجل الأعمال، عضو حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، بشير ولد زميرلي، المسجون في الجزائر بتهم «الفساد المالي»، وهو أيضاً محسوب على فريق الحكم السابق.

سقوط الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجّلت بمحاكمة رجال في دائرته بتهم فساد (الشرق الأوسط)

وشقّ عيسيو، الذي انطلق أواخر التسعينات وبداية الألفينات بائعاً للمأكولات السريعة بالعاصمة، طريق صعود لافت توَّجه بتأسيس إمبراطورية مالية وتجارية شملت الاستيراد، والزراعة، والمنتجات الغذائية، ومواد البناء، والمقاولات العقارية، بالإضافة إلى إطلاق قناة «الجزائرية وان» عام 2012، التي أُغلقت، وهي حالياً منصة رقمية يديرها عيسيو بنفسه، تنشر مقالات شديدة اللهجة ضد السلطة في الجزائر.

ومع اندلاع الحراك الشعبي سنة 2019، سارع لتهريب أمواله إلى الخارج، وتحويل أصوله نحو فرنسا وسويسرا وكندا وإسبانيا، تاركاً أشقاءه الخمسة وصهره في الواجهة لإدارة أعماله ومشروعات العقار غير المكتملة.

وأفضت التحقيقات القضائية التي أُعيد فتحها بدءاً من عام 2024 إلى كشف ثروات هائلة تعود إليه وإلى أقاربه تُقدّر بنحو 30 مليار دينار (نحو 225 مليون دولار)، شملت 17 شركة وعشرات العقارات الصناعية والزراعية والمركبات السكنية الفاخرة بالعاصمة وفي وهران.

وشكّل «ملف استعادة الأصول والممتلكات المُهربة إلى إسبانيا» محور مباحثات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مع المسؤولين الجزائريين خلال زيارته للجزائر في 20 يوليو (تموز) الماضي، متزامناً مع تعهدات بمضاعفة التعاون، استناداً إلى سابقة استعادة الجزائر فندقاً فاخراً ببرشلونة يعود إلى رجل الأعمال المدان بالفساد علي حداد.

ومنذ عام 2019، سلمت مدريد الجزائر عدداً من الرعايا المطلوبين قضائياً في قضايا فساد واختلاس، طالت على وجه الخصوص مسؤولين في شركات عمومية ومتعاملين اقتصاديين متورطين في تهريب أموال وتحويلات غير مشروعة، إلى جانب ناشطين محسوبين على معارضة الحكومة الجزائرية. كما سُلّم عسكريون معارضون، أشهرهم محمد بن حليمة ومحمد عبد الله.


الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)

اختار أكثر من خمسة ملايين نازح العودة إلى ديارهم في السودان، رغم الحرب الأهلية المستمرة والصعوبات القصوى، وفق ما كشفت الأمم المتحدة، الاثنين.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يعود كثر إلى بلدٍ ما زال يرزح تحت وطأة النزاع، حيث المنازل والمدارس والعيادات المتضرّرة غير قادرة على تلبية الاحتياجات». وأضافت: «من دون دعم عاجل، تواجه الأسر خطر النزوح مجدداً».

وتستمر الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وأسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص بحسب تقديرات عاملين في مجال الإغاثة، وتشريد أكثر من 12 مليون سوداني، في أسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو خمسة ملايين فروا إلى دول الجوار. لكن بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في العام الماضي، بدأ كثر ممن نزحوا يعودون إلى العاصمة ومناطق أخرى يعتقدون أن الوضع الأمني فيها قد تحسّن.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن بيانات جديدة تشير إلى أن 5.15 مليون شخص عادوا إلى 76 محلّة في تسع ولايات سودانية، بزيادة قدرها 4 في المائة مقارنة بالشهر الماضي.

وأشارت إلى أن 8.58 مليون شخص ما زالوا نازحين داخلياً، موضحة أن هذا الرقم أقل بنسبة 1 في المائة عن الشهر الماضي، وأدنى بنحو الربع مقارنة بذروة الأزمة. وعلى الرغم من هذا التراجع، لفتت الوكالة إلى أن أعداد النازحين في السودان تُعد من الأكبر في العالم.

واعتبرت أن انعدام الأمن المستمر ما زال يدفع مزيداً من الناس إلى ترك ديارهم في أنحاء من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

مع ذلك، رحّبت المنظمة الدولية للهجرة بتجاوز عتبة خمسة ملايين عائد، معتبرة ذلك «علامة نادرة على إحراز تقدّم في أزمة إنسانية طويلة الأمد».

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، في بيان: «لكن الوصول إلى الديار هو مجرّد بداية». وأضافت: «إذا لم نساعدهم الآن، سيُجبر كثر على النزوح مجدداً. علينا أن نستثمر في هذه المجتمعات اليوم لكي يتمكن الناس من إعادة بناء حياتهم والبقاء».

وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا قد نزحوا داخلياً، في حين عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا. ولفتت إلى أن نصف العائدين هم دون الثامنة عشرة.


«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
TT

«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)

أبقى مجلس النواب الليبي ملف ترسيم حدودها البحرية في شرق البحر المتوسط «قيد الدراسة»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والمرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011، ما يؤجل حسم الاتفاقات البحرية ويجعلها رهناً بتوافقات داخلية وحسابات إقليمية تتجاوز الجوانب القانونية والفنية للملف.

وعادت قضية ترسيم الحدود البحرية إلى الواجهة خلال مباحثات لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الليبي مع أعضاء في البرلمان اليوناني نهاية الأسبوع الماضي في أثينا، وسط تأكيد ليبي أن اتفاقات ترسيم الحدود البحرية لا تزال قيد الدراسة داخل البرلمان في بنغازي، مع مراعاة مصالح جميع الدول المعنية بالحدود وفق الأطر القانونية ذات الصلة.

ويعكس هذا الموقف حرصاً برلمانياً على إبقاء ملف الحدود البحرية ضمن مسار مؤسسي، في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها ليبيا، وتعقيدات القضايا المرتبطة بترسيم الحدود مع دول الجوار والمتوسط.

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وعبّر نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية، حسن البرغوثي، عن هذا التوجه في بيان أصدره المجلس، قائلاً: «إن التعامل مع هذه الملفات يتطلب الحوار والهدوء، إلى حين بلوغ البلاد مرحلة أكثر استقراراً تسمح بحسمها».

«تشابك المصالح»

تكتسب المسألة حساسية خاصة بسبب تشابك المصالح الليبية مع تركيا واليونان ومصر، فضلاً عن ارتباطها باحتياطات النفط والغاز ومسارات الاستثمار في شرق المتوسط.

ويزيد الانقسام الداخلي من صعوبة بلورة موقف ليبي موحد، في وقت تتوزع فيه السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق.

وفي هذا السياق، يتبنى عضو مجلس النواب، عبد السلام نصية، وجهة النظر القائلة بأن حسم ملف الحدود البحرية وحماية الموارد الليبية «يبدأ من معالجة الانقسام الداخلي، وتوحيد مؤسسات الدولة والقرار السيادي».

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية الطويلة جعلت ليبيا ساحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية».

وذهب نصية إلى التأكيد على أن الموقف الليبي من شرق المتوسط ينبغي أن ينطلق من «المصلحة الوطنية العليا لليبيا»، وليس من الاصطفاف مع تركيا أو اليونان.

وفسّر موقفه بأن «توحيد مؤسسات الدولة وبناء قدرة وطنية على حماية الحدود وإدارة الموارد يتيحان لليبيا الدفاع عن مصالحها البحرية وفق القانون الدولي، والتعامل مع التفاعلات الإقليمية بوصفها دولة صاحبة قرار».

تعقيدات قانونية وسياسية

يعود أصل الخلاف إلى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين حكومة «الوفاق» السابقة في غرب ليبيا وتركيا عام 2019 إبان حرب العاصمة طرابلس، والتي اعترضت عليها سلطات شرق ليبيا حينذاك، وجوبهت برفض اليونان لما تقول إنه تأثير على حقوق الجزر اليونانية، خصوصاً كريت، بينما تتمسك أنقرة بمفاعيلها القانونية.

وخلال العامين الأخيرين، وتوازياً مع تحسن العلاقات بين شرق ليبيا وتركيا، اتخذت الخلافات مساراً أكثر تعقيداً حول طريقة احتساب الحدود البحرية، خصوصاً في خليج سرت، والأثر القانوني للجزر. وبدا ذلك جلياً مع تصاعد التوتر في يونيو (حزيران) 2025 بعد طرح اليونان مناطق للاستكشاف جنوب كريت؛ مما دفع حكومة حماد للاعتراض والمطالبة بالحوار ومراجعة الاتفاقات.

أما حكومة الدبيبة، فقد سبق وانخرطت في جولات حوار مع الجانب اليوناني بهدف حلحلة النقاط العالقة في ملف الحدود البحرية، وهي الجولات التي واكبتها تقارير إعلامية ليبية ويونانية تشير إلى وجود تعقيدات قانونية وسياسية تعرقل التقدم السريع في المفاوضات.

فقانونياً، يُعد ملف ترسيم الحدود البحرية من القضايا الشائكة التي تتطلب دراسة قانونية وفنية وسياسية متأنية قبل أن يتخذ مجلس النواب موقفاً نهائياً من الاتفاقية الموقعة مع تركيا، وهي الرؤية التي يؤيدها الدبلوماسي وأستاذ القانون الدولي الدكتور محمد الزبيدي.

ويضيف الزبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المدخل الأساسي لحل هذه التعقيدات يتمثل في فحص مدى اتساق ترتيبات ترسيم المناطق البحرية مع قواعد القانون الدولي للبحار، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلى جانب مراجعة الإحداثيات وخطوط الترسيم الواردة في الاتفاق، والاستعانة بخبراء متخصصين في القانون الدولي وقانون البحار.

ويحذر الزبيدي من أن سيناريو تمرير الاتفاقيات البحرية برلمانياً «قد يُدخل البلاد في نزاعات بحرية يمكن أن تصل إلى القضاء أو التحكيم الدولي، وتحديداً محكمة العدل الدولية، في حال تضرر إحدى الدول».

أبعاد جيوسياسية

ولا تبدو الإشكالية قانونية فحسب؛ إذ ترتبط -وفق رأي الزبيدي- بأبعاد سياسية وجيوسياسية بالنظر إلى موقع ليبيا في وسط البحر المتوسط وتشابك مصالحها البحرية مع دول المنطقة، خصوصاً مصر واليونان ومالطا وتركيا، ويقول: «أي ترتيب بحري بين ليبيا وتركيا يمكن أن تكون له انعكاسات على مصالح دول أخرى».

وتطرق الزبيدي إلى وجود ضغوط تركية مستمرة لتمرير المذكرة البحرية بالنظر إلى نفوذها العسكري في غرب ليبيا، لكنه أشار إلى أن تأجيل الحسم لا يعني بالضرورة إغلاق الملف، وإنما إبقاءه في مرحلة الدراسة والمراجعة إلى حين توافر ظروف سياسية أكثر استقراراً تسمح ببلورة موقف ليبي موحد.

ويبدو أن المصلحة الليبية، من منظور الزبيدي ودبلوماسيين ليبيين، «تقتضي عدم اختزال القضية في حسابات سياسية آنية»، بل موازنة الاعتبارات القانونية والفنية مع علاقات ليبيا بدول الجوار والمتوسط.

Your Premium trial has ended