رغم تراجع حدة المواجهات البرية الواسعة في إقليم كردفان، عقب المكاسب التي حققها الجيش السوداني خلال معارك الأسبوع الأخير من يوليو (تموز)، لا يزال المشهد الميداني بعيداً عن الاستقرار، إذ يُخيم على محاور القتال ما يمكن وصفه بـ«الهدوء الحذر»، في ظل استعدادات متواصلة من الطرفين لجولة جديدة من المواجهات.
وتمكّن الجيش خلال عملياته الأخيرة من استعادة مدن بارا وجبرة الشيخ وبلدة أم سيالة ومناطق أخرى، ما أتاح إعادة فتح طريق الصادرات، وهو تطور عزّز خطوط إمداده، وربط مدينة الأُبيّض بالعاصمة بعد أشهر من انقطاعه. ومنذ انتهاء تلك المعارك، لم تشهد خريطة السيطرة تغيرات ميدانية كبيرة أو مؤكدة، في حين انخفضت وتيرة الاشتباكات البرية الواسعة لتحل محلها مناوشات محدودة على خطوط التماس، واستهدافات متبادلة للمواقع الدفاعية المتقدمة، في إطار محاولات كل طرف اختبار دفاعات خصمه، ورصد تحركاته تمهيداً لأي عمليات أوسع.
وتُشير مصادر محلية، ومنصات تتابع التطورات العسكرية، إلى استمرار اشتباكات متفرقة غرب مدينة الأُبيّض، وأخرى قرب محلية سودري، دون أن تتطور إلى هجمات واسعة النطاق. إلا أن غياب بيانات رسمية منتظمة من الجيش أو «قوات الدعم السريع»، واعتماد معظم المعلومات على روايات محلية ومنصات موالية للطرفين، يجعل من الصعب التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه التطورات.

وفي أحدث المستجدات، تداولت منصات محلية، السبت، أنباء عن استهداف مطار الأُبيّض بطائرات مسيّرة، مع حديث شهود عن سماع انفجارات في محيطه، دون صدور أي بيان رسمي يوضح طبيعة الهجوم أو حجم الأضرار، الأمر الذي تعذّر معه التحقق من نتائجه بصورة مستقلة.
ويكتسب مطار الأُبيّض أهمية استراتيجية، باعتباره من أبرز المرافق العسكرية في شمال كردفان، إذ يمكن استخدامه لنقل القوات والإمدادات ودعم العمليات الجوية باتجاه غرب السودان، ما يجعل استهدافه جزءاً من محاولات تعطيل القدرات اللوجستية للجيش وإبطاء تحركاته، في ظل تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأخيرة.
تعزيزات في شمال كردفان
ورغم تقدم الجيش في معارك يوليو، لا تزال «قوات الدعم السريع» تحتفظ بمواقعها في محلية سودري ومدينة المزروب ومناطق غرب بارا، إضافة إلى انتشارها غرب الأبيض وجنوبها، في حين يواصل الجيش تأمين المدينة والمناطق التي استعادها، إلى جانب حماية طريق الصادرات الذي يُمثل شرياناً حيوياً للإمداد. ويؤدي هذا التداخل في مناطق السيطرة إلى تقارب خطوط التماس، بما يبقي احتمالات الاشتباكات المحدودة قائمة حتى في غياب عمليات هجومية واسعة.
وفي موازاة ذلك، تتحدّث مصادر محلية عن وصول تعزيزات عسكرية للطرفين إلى شمال كردفان، مع تحركات لآليات وقوات باتجاه الأبيض ومحاورها الشمالية والغربية، مقابل تعزيزات لـ«قوات الدعم السريع» في سودري والمزروب والمناطق الواقعة غرب وجنوب المدينة. ورغم عدم وجود تأكيد مستقل لحجم هذه القوات أو طبيعة تجهيزاتها، فإن تكرار التقارير من أكثر من محور يُشير إلى استعدادات عسكرية متبادلة لمرحلة جديدة من العمليات.
ويرى محللون أن الجيش يركز حالياً على تثبيت مكاسبه الأخيرة، وتأمين طريق الصادرات، وتوسيع نطاق الحماية حول الأبيض، تمهيداً لفتح الطريق نحو إقليم دارفور، في حين تسعى «قوات الدعم السريع» إلى الحفاظ على مواقعها وإبقاء الضغط العسكري قائماً لمنع الجيش من استثمار تقدمه أو التوسع غرب كردفان.

وفي جنوب كردفان، تراجعت بدورها العمليات العسكرية التي كانت تشهدها محاور الدلنج وكادوقلي خلال الأسابيع الماضية، بعد فترة من النشاط القتالي المكثف، ما يعكس هدوءاً نسبياً لا يلغي استمرار الاستعدادات العسكرية. وبينما تبدو الجبهات أكثر هدوءاً مقارنة بما كانت عليه قبل أيام، فإن حرب الطائرات المسيّرة لا تزال تتصاعد، بعدما أصبحت الأداة الأكثر استخداماً لاستهداف المطارات ومراكز القيادة وخطوط الإمداد، فضلاً عن تنفيذ مهام الاستطلاع وجمع المعلومات، بما يسمح للطرفين بمواصلة الضغط العسكري دون الانخراط في معارك برية واسعة.
وفي المجمل، يعكس المشهد في كردفان حالة من الهدوء الظاهري أكثر منها استقراراً حقيقياً، إذ تشير إعادة التموضع، والتحشيد المتبادل، واستمرار المناوشات، وتصاعد هجمات المسيّرات، إلى أن جبهة كردفان لا تزال مرشحة للانفجار مجدداً، مع بقاء مدينة الأبيض في قلب الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».
