هدوء في كردفان... وحشود تُنذر بجولة قتال جديدة

انحسار المعارك الواسعة... وبقاء الأُبيّض في قلب الصراع

«مخيم الرحمانية» للنازحين على أطراف مدينة الأُبيِّض في شمال إقليم كردفان يوم 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
«مخيم الرحمانية» للنازحين على أطراف مدينة الأُبيِّض في شمال إقليم كردفان يوم 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

هدوء في كردفان... وحشود تُنذر بجولة قتال جديدة

«مخيم الرحمانية» للنازحين على أطراف مدينة الأُبيِّض في شمال إقليم كردفان يوم 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
«مخيم الرحمانية» للنازحين على أطراف مدينة الأُبيِّض في شمال إقليم كردفان يوم 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

رغم تراجع حدة المواجهات البرية الواسعة في إقليم كردفان، عقب المكاسب التي حققها الجيش السوداني خلال معارك الأسبوع الأخير من يوليو (تموز)، لا يزال المشهد الميداني بعيداً عن الاستقرار، إذ يُخيم على محاور القتال ما يمكن وصفه بـ«الهدوء الحذر»، في ظل استعدادات متواصلة من الطرفين لجولة جديدة من المواجهات.

وتمكّن الجيش خلال عملياته الأخيرة من استعادة مدن بارا وجبرة الشيخ وبلدة أم سيالة ومناطق أخرى، ما أتاح إعادة فتح طريق الصادرات، وهو تطور عزّز خطوط إمداده، وربط مدينة الأُبيّض بالعاصمة بعد أشهر من انقطاعه. ومنذ انتهاء تلك المعارك، لم تشهد خريطة السيطرة تغيرات ميدانية كبيرة أو مؤكدة، في حين انخفضت وتيرة الاشتباكات البرية الواسعة لتحل محلها مناوشات محدودة على خطوط التماس، واستهدافات متبادلة للمواقع الدفاعية المتقدمة، في إطار محاولات كل طرف اختبار دفاعات خصمه، ورصد تحركاته تمهيداً لأي عمليات أوسع.

وتُشير مصادر محلية، ومنصات تتابع التطورات العسكرية، إلى استمرار اشتباكات متفرقة غرب مدينة الأُبيّض، وأخرى قرب محلية سودري، دون أن تتطور إلى هجمات واسعة النطاق. إلا أن غياب بيانات رسمية منتظمة من الجيش أو «قوات الدعم السريع»، واعتماد معظم المعلومات على روايات محلية ومنصات موالية للطرفين، يجعل من الصعب التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه التطورات.

حطام مسيَّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)

وفي أحدث المستجدات، تداولت منصات محلية، السبت، أنباء عن استهداف مطار الأُبيّض بطائرات مسيّرة، مع حديث شهود عن سماع انفجارات في محيطه، دون صدور أي بيان رسمي يوضح طبيعة الهجوم أو حجم الأضرار، الأمر الذي تعذّر معه التحقق من نتائجه بصورة مستقلة.

ويكتسب مطار الأُبيّض أهمية استراتيجية، باعتباره من أبرز المرافق العسكرية في شمال كردفان، إذ يمكن استخدامه لنقل القوات والإمدادات ودعم العمليات الجوية باتجاه غرب السودان، ما يجعل استهدافه جزءاً من محاولات تعطيل القدرات اللوجستية للجيش وإبطاء تحركاته، في ظل تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأخيرة.

تعزيزات في شمال كردفان

ورغم تقدم الجيش في معارك يوليو، لا تزال «قوات الدعم السريع» تحتفظ بمواقعها في محلية سودري ومدينة المزروب ومناطق غرب بارا، إضافة إلى انتشارها غرب الأبيض وجنوبها، في حين يواصل الجيش تأمين المدينة والمناطق التي استعادها، إلى جانب حماية طريق الصادرات الذي يُمثل شرياناً حيوياً للإمداد. ويؤدي هذا التداخل في مناطق السيطرة إلى تقارب خطوط التماس، بما يبقي احتمالات الاشتباكات المحدودة قائمة حتى في غياب عمليات هجومية واسعة.

وفي موازاة ذلك، تتحدّث مصادر محلية عن وصول تعزيزات عسكرية للطرفين إلى شمال كردفان، مع تحركات لآليات وقوات باتجاه الأبيض ومحاورها الشمالية والغربية، مقابل تعزيزات لـ«قوات الدعم السريع» في سودري والمزروب والمناطق الواقعة غرب وجنوب المدينة. ورغم عدم وجود تأكيد مستقل لحجم هذه القوات أو طبيعة تجهيزاتها، فإن تكرار التقارير من أكثر من محور يُشير إلى استعدادات عسكرية متبادلة لمرحلة جديدة من العمليات.

ويرى محللون أن الجيش يركز حالياً على تثبيت مكاسبه الأخيرة، وتأمين طريق الصادرات، وتوسيع نطاق الحماية حول الأبيض، تمهيداً لفتح الطريق نحو إقليم دارفور، في حين تسعى «قوات الدعم السريع» إلى الحفاظ على مواقعها وإبقاء الضغط العسكري قائماً لمنع الجيش من استثمار تقدمه أو التوسع غرب كردفان.

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

وفي جنوب كردفان، تراجعت بدورها العمليات العسكرية التي كانت تشهدها محاور الدلنج وكادوقلي خلال الأسابيع الماضية، بعد فترة من النشاط القتالي المكثف، ما يعكس هدوءاً نسبياً لا يلغي استمرار الاستعدادات العسكرية. وبينما تبدو الجبهات أكثر هدوءاً مقارنة بما كانت عليه قبل أيام، فإن حرب الطائرات المسيّرة لا تزال تتصاعد، بعدما أصبحت الأداة الأكثر استخداماً لاستهداف المطارات ومراكز القيادة وخطوط الإمداد، فضلاً عن تنفيذ مهام الاستطلاع وجمع المعلومات، بما يسمح للطرفين بمواصلة الضغط العسكري دون الانخراط في معارك برية واسعة.

وفي المجمل، يعكس المشهد في كردفان حالة من الهدوء الظاهري أكثر منها استقراراً حقيقياً، إذ تشير إعادة التموضع، والتحشيد المتبادل، واستمرار المناوشات، وتصاعد هجمات المسيّرات، إلى أن جبهة كردفان لا تزال مرشحة للانفجار مجدداً، مع بقاء مدينة الأبيض في قلب الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يخطط لتأمين مناطق استعادها بشمال كردفان

شمال افريقيا حاكم إقليم شمال كردفان عبد الخالق عبد اللطيف (إعلام مجلس السيادة الانتقالي السوداني) p-circle

الجيش السوداني يخطط لتأمين مناطق استعادها بشمال كردفان

قال حاكم إقليم شمال كردفان، عبد الخالق عبد اللطيف، إن الجيش السوداني بدأ تنفيذ خطة عسكرية عاجلة لتأمين المدن والبلدات التي استعادها من «الدعم السريع».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب)

حميدتي يتوعد بـ«استعادة الخرطوم»

توعد قائد «الدعم السريع» باستعادة الخرطوم مجدداً، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها قواته في شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائدون من مصر إلى السودان (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

تسهيلات جديدة تعزز «العودة الطوعية» للسودانيين من مصر

يتوقع مسؤولون وخبراء أن تعزز تسهيلات جديدة أقرتها الحكومة السودانية لعودة مواطنيها من مصر الإقبال على رحلات «العودة الطوعية».

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا طائرتا «بوينغ 727» في مطار نجامينا بتشاد في 4 يونيو 2025 تقول «رويترز» إن لهما علاقة بنقل الأسلحة لـ«الدعم السريع» (رويترز)

تقرير أممي يكشف جسراً جوياً لصالح «قوات الدعم السريع»

قال تقرير للأمم المتحدة إن خبراء المنظمة خلصوا إلى أن طائرات من طراز «بوينغ 727» نقلت مقاتلين مرتزقة وأسلحة وطائرات مسيرة لصالح «قوات الدعم السريع» السودانية

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص صورة لقارب مهجور على ضفاف النيل الأزرق، إلى جانب قاع النهر المكشوف في الخرطوم 27 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

خاص انحسار النيل يكشف عن ثغرات إدارة المياه في السودان

أثار انخفاض مناسيب مياه النيل في السودان نقاشاً بشأن قدرة البلاد على إدارة مواردها المائية، بعد أن أدى لتعطل محطات لمياه الشرب، ومخاوف تحيط بالموسم الزراعي...

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)