تحول ملف رئاسة جهاز المخابرات الليبية إلى ساحة جديدة للصراع بين مؤسسات السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس، بعدما أظهرت تحركات متزامنة لرئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ونائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، تمسك كل طرف بدوره في الإشراف على أحد أكثر الأجهزة السيادية حساسية في البلاد.
ووسط تصاعد الجدل السياسي والقبلي بشأن التغييرات الأخيرة في قيادة الجهاز، استقبل الدبيبة، مساء الثلاثاء، المكلف رئاسة جهاز المخابرات عبد المجيد مليقطة في مقر وزارة الدفاع بالعاصمة طرابلس، بينما أجرى الكوني في التوقيت نفسه تقريباً، زيارة إلى مقر الجهاز، التقى خلالها مديري الإدارات والمكاتب وعدداً من الضباط، في تحرك عكس استمرار التباين والاختلاف حول إدارة المؤسسة الأمنية.

وأدرجت حكومة «الوحدة» لقاء الدبيبة مع مليقطة ضمن ما سمته «متابعة مستجدات عمل الجهاز وتعزيز جاهزيته، وبحث سبل تطوير أدائه، بما يعزز قدرته على تنفيذ مهامه الأمنية»، وذلك في أول ظهور رسمي للمسؤول الجديد بعد تكليفه.
في المقابل، شدد الكوني خلال لقائه بقيادات الجهاز على ضرورة الحفاظ على وحدة جهاز المخابرات، ورفض أي محاولات قد تؤدي إلى تقسيمه أو إضعافه، مؤكداً أنه يمثل إحدى المؤسسات السيادية الموحدة في ليبيا، وأن الحفاظ على تماسكه يمثل ضرورة لحماية الأمن القومي واستقرار البلاد.
وأوضح المجلس الرئاسي أن الكوني تلقى إحاطة حول سير عمل الجهاز وآليات مواجهة التحديات الأمنية، مشيداً بجهود منتسبيه، ومؤكداً أن المسؤولية الملقاة على عاتقهم تزداد أهمية في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.
وفي مؤشر آخر على الدعم السياسي للقيادة الجديدة، استقبل رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، برفقة عدد من أعضاء المجلس، الأربعاء، رئيس جهاز المخابرات المكلف عبد المجيد مليقطة، حيث ناقش الجانبان آخر المستجدات السياسية والأمنية، وسبل تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، ودعم جهود ترسيخ الأمن والاستقرار، وتهيئة الظروف الملائمة لدفع العملية السياسية.
ويأتي هذا الحراك بعد أيام من الجدل الذي أثاره إنهاء مهام رئيس جهاز المخابرات السابق حسين العائب، وهي الخطوة التي أعادت إلى الواجهة الخلافات القديمة بشأن الجهة المخولة بإدارة المؤسسات السيادية، وحدود الاختصاص بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة، في ظل استمرار الانقسام السياسي، وعدم حسم الإطار القانوني الناظم لهذه الصلاحيات.

وفي موازاة السجال السياسي، أخذت القضية بعداً اجتماعياً وقبلياً، بعدما عبر المجلس الأعلى لقبائل الصيعان عن قلقه، مما وصفه بسياسة الإقصاء والتهميش في إدارة مؤسسات الدولة، معتبراً أن إعفاء العائب، المنتمي إلى القبيلة، يمثل ذروة هذا النهج.
ودعا المجلس إلى اعتماد ما وصفها بأنها «معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص في شغل المناصب العليا، بدلاً من المحاصصة»، محذراً من أنه «سيدرس جميع الوسائل المشروعة للدفاع عن حقوق أبناء القبيلة، وضمان تمثيلهم داخل مؤسسات الدولة».
وفي هذا السياق، رأى الإعلامي الليبي خليل الحاسي أن تحركات أعيان من الزنتان والصيعان، دعماً لشخصيات مرتبطة بملف رئاسة جهاز المخابرات، تعكس انتقال الخلاف من نطاقه المؤسسي إلى دائرة التجاذبات القبلية، معتبراً أن استمرار هذا النهج يهدد بإخضاع المؤسسات السيادية لمنطق المحاصصة والولاءات الاجتماعية، بدلاً من معايير الكفاءة والمهنية، بحسب منشور عبر صفحته بموقع «فيسبوك».
ويرى مراقبون أن التطورات المتسارعة في جهاز المخابرات تعد انعكاساً لجانب من صراع أوسع على مراكز النفوذ في العاصمة طرابلس، حيث أصبحت المؤسسات السيادية إحدى ساحات التنافس بين مراكز القوة السياسية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تحييد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية عن الخلافات السياسية، لضمان استمرارها في أداء مهامها بعيداً عن الاستقطاب.










