تُجرى مفاوضات جديدة للجارتين الكونغو الديمقراطية ورواندا برعاية أميركية-قطرية-أفريقية بعد نحو شهرين من الجمود في تطبيق «مسار السلام» الذي رعته واشنطن والدوحة العام الماضي، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الأوضاع الإنسانية مع انتشار فيروس «الإيبولا» في شرق الكونغو الديمقراطية.
ويرى خبير في الشؤون الأفريقية أن استئناف المفاوضات بين البلدين اللذين يبادلان الاتهامات بـ«دعم متمردين»، هي «فرصة جيدة لإعادة مسار السلام ووقف نزيف التصعيد العسكري».
وعقدت «لجنة الإشراف المشتركة» لاتفاق السلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا اجتماعها السادس في لندن، بمشاركة ممثلين عن البلدين، إلى جانب قطر والولايات المتحدة الأميركية، وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي.
وأعربت «اللجنة» حسب بيان لـ«الخارجية القطرية»، مساء الخميس، عن قلقها البالغ «إزاء تصاعد القتال، وتأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدنيين، ومسار السلام، وتفاقم الوضع الإنساني في شرق الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك استمرار تفشي فيروس الإيبولا».
ويأتي الاجتماع بعد شهرين من الاجتماع الخامس في واشنطن، الذي تلاه تصاعد عمليات القتال.
ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.
وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا، عن تقدم بعد.
المحلل السياسي التشادي الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، يرى أن «استئناف المفاوضات والاتفاق على عقد اجتماع لآلية التنسيق الأمني المشتركة خلال أسبوعين، يمثلان مؤشراً إيجابياً على وجود إرادة سياسية لدى الطرفين للحفاظ على قنوات الحوار ومنع انهيار مسار السلام بشكل كامل».
ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن قدرة هذه الخطوات على إعادة إحياء السلام ستظل رهينة بعدة عوامل ميدانية وسياسية، حيث يشكل استمرار الاجتماعات فرصة لتعزيز بناء الثقة بين الجانبين، خصوصاً إذا نجحت آلية التنسيق الأمني في التوصل إلى ترتيبات عملية لخفض التصعيد، وضبط الحدود، ووقف الهجمات التي تستهدف المدنيين.
ويعتقد أن انخراط أطراف إقليمية ودولية مثل قطر والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأفريقي، يمنح العملية السياسية زخماً إضافياً ويوفر ضمانات دبلوماسية قد تساعد على تنفيذ الالتزامات، محذراً، من أن تصاعد القتال على الأرض، واستمرار استخدام الطائرات المسيّرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية في شرق الكونغو، كلها عوامل قد تقوّض أي تقدم سياسي إذا لم تترجم التفاهمات إلى إجراءات ميدانية ملموسة.

ومن المقرر أن يُعقد الاجتماع المقبل لآلية التنسيق الأمني المشتركة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في غضون الأيام الـ15 المقبلة، وفق بيان «الخارجية القطرية».
وحسب إسحاق، «قد يمثل اجتماع التنسيق الأمني المرتقب نقطة انطلاق جديدة لإحياء مسار السلام، لكنه لن يكون كافياً بمفرده، إذ يتطلب نجاحه وقفاً فعلياً للتصعيد العسكري، وآليات رقابة فعالة، والتزاماً سياسياً مستداماً من جميع الأطراف المعنية».
ويتابع: هناك ملفات أمنية وخلافات ستحدد نجاح أو فشل الاجتماع الأمني المرتقب أولها، قضية الجماعات المسلحة في شرق الكونغو، الملف الأكثر حساسية، ولا سيما حركة (23 مارس)، إذ تتهم كينشاسا، رواندا بدعم الحركة عسكرياً ولوجستياً، بينما تنفي كيغالي هذه الاتهامات وتؤكد «أن مخاوفها الأمنية ترتبط بوجود جماعات مسلحة معادية لها داخل الأراضي الكونغولية، وعلى رأسها القوات الديمقراطية لتحرير رواندا». ويشير إلى أن «حسم هذا الملف سينهي كثيراً من الأزمات».
والقضية الثانية وفق الخبير في الشؤون الأفريقية، تتمثل في أن مسألة وقف إطلاق النار وآليات مراقبته تشكل اختباراً حقيقياً لجدية الطرفين، ويؤكد أن «التوصل إلى تفاهمات سياسية لا يكفي إذا لم تنشأ آليات ميدانية واضحة لرصد الانتهاكات، والتحقق منها ومحاسبة الجهات المسؤولة عنها».
ويشير إلى أن هذه التفاهمات رغم أهميتها لا تزال غير كافية بمفردها، مع اعتبارها إطاراً سياسياً أولياً أكثر من كونها اتفاقاً تنفيذياً شاملاً.
ويقول: «سيظل نجاح الجهود الدبلوماسية مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات أمنية ملموسة، باعتبار أن استدامة التهدئة في الكونغو تتطلب أكثر من مجرد توافقات نظرية أو التزامات معلنة».










