عودة مفاوضات رواندا والكونغو الديمقراطية... خطوة لإحياء «مسار السلام»

توافق على عقد اجتماع للتنسيق الأمني في غضون أسبوعين

جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عودة مفاوضات رواندا والكونغو الديمقراطية... خطوة لإحياء «مسار السلام»

جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

تُجرى مفاوضات جديدة للجارتين الكونغو الديمقراطية ورواندا برعاية أميركية-قطرية-أفريقية بعد نحو شهرين من الجمود في تطبيق «مسار السلام» الذي رعته واشنطن والدوحة العام الماضي، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الأوضاع الإنسانية مع انتشار فيروس «الإيبولا» في شرق الكونغو الديمقراطية.

ويرى خبير في الشؤون الأفريقية أن استئناف المفاوضات بين البلدين اللذين يبادلان الاتهامات بـ«دعم متمردين»، هي «فرصة جيدة لإعادة مسار السلام ووقف نزيف التصعيد العسكري».

وعقدت «لجنة الإشراف المشتركة» لاتفاق السلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا اجتماعها السادس في لندن، بمشاركة ممثلين عن البلدين، إلى جانب قطر والولايات المتحدة الأميركية، وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي.

وأعربت «اللجنة» حسب بيان لـ«الخارجية القطرية»، مساء الخميس، عن قلقها البالغ «إزاء تصاعد القتال، وتأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدنيين، ومسار السلام، وتفاقم الوضع الإنساني في شرق الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك استمرار تفشي فيروس الإيبولا».

ويأتي الاجتماع بعد شهرين من الاجتماع الخامس في واشنطن، الذي تلاه تصاعد عمليات القتال.

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا، عن تقدم بعد.

المحلل السياسي التشادي الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، يرى أن «استئناف المفاوضات والاتفاق على عقد اجتماع لآلية التنسيق الأمني المشتركة خلال أسبوعين، يمثلان مؤشراً إيجابياً على وجود إرادة سياسية لدى الطرفين للحفاظ على قنوات الحوار ومنع انهيار مسار السلام بشكل كامل».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن قدرة هذه الخطوات على إعادة إحياء السلام ستظل رهينة بعدة عوامل ميدانية وسياسية، حيث يشكل استمرار الاجتماعات فرصة لتعزيز بناء الثقة بين الجانبين، خصوصاً إذا نجحت آلية التنسيق الأمني في التوصل إلى ترتيبات عملية لخفض التصعيد، وضبط الحدود، ووقف الهجمات التي تستهدف المدنيين.

ويعتقد أن انخراط أطراف إقليمية ودولية مثل قطر والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأفريقي، يمنح العملية السياسية زخماً إضافياً ويوفر ضمانات دبلوماسية قد تساعد على تنفيذ الالتزامات، محذراً، من أن تصاعد القتال على الأرض، واستمرار استخدام الطائرات المسيّرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية في شرق الكونغو، كلها عوامل قد تقوّض أي تقدم سياسي إذا لم تترجم التفاهمات إلى إجراءات ميدانية ملموسة.

المتحدث باسم حركة «23 مارس» ويلي نغوما في مدينة غوما شرق الكونغو (رويترز)

ومن المقرر أن يُعقد الاجتماع المقبل لآلية التنسيق الأمني المشتركة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في غضون الأيام الـ15 المقبلة، وفق بيان «الخارجية القطرية».

وحسب إسحاق، «قد يمثل اجتماع التنسيق الأمني المرتقب نقطة انطلاق جديدة لإحياء مسار السلام، لكنه لن يكون كافياً بمفرده، إذ يتطلب نجاحه وقفاً فعلياً للتصعيد العسكري، وآليات رقابة فعالة، والتزاماً سياسياً مستداماً من جميع الأطراف المعنية».

ويتابع: هناك ملفات أمنية وخلافات ستحدد نجاح أو فشل الاجتماع الأمني المرتقب أولها، قضية الجماعات المسلحة في شرق الكونغو، الملف الأكثر حساسية، ولا سيما حركة (23 مارس)، إذ تتهم كينشاسا، رواندا بدعم الحركة عسكرياً ولوجستياً، بينما تنفي كيغالي هذه الاتهامات وتؤكد «أن مخاوفها الأمنية ترتبط بوجود جماعات مسلحة معادية لها داخل الأراضي الكونغولية، وعلى رأسها القوات الديمقراطية لتحرير رواندا». ويشير إلى أن «حسم هذا الملف سينهي كثيراً من الأزمات».

والقضية الثانية وفق الخبير في الشؤون الأفريقية، تتمثل في أن مسألة وقف إطلاق النار وآليات مراقبته تشكل اختباراً حقيقياً لجدية الطرفين، ويؤكد أن «التوصل إلى تفاهمات سياسية لا يكفي إذا لم تنشأ آليات ميدانية واضحة لرصد الانتهاكات، والتحقق منها ومحاسبة الجهات المسؤولة عنها».

ويشير إلى أن هذه التفاهمات رغم أهميتها لا تزال غير كافية بمفردها، مع اعتبارها إطاراً سياسياً أولياً أكثر من كونها اتفاقاً تنفيذياً شاملاً.

ويقول: «سيظل نجاح الجهود الدبلوماسية مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات أمنية ملموسة، باعتبار أن استدامة التهدئة في الكونغو تتطلب أكثر من مجرد توافقات نظرية أو التزامات معلنة».


مقالات ذات صلة

قطر تستعد لاستضافة بطولة كأس الخليج لقدامى اللاعبين

رياضة عربية قطر تستضيف «خليجي الأساطير» بمشاركة 8 منتخبات (اتحاد كأس الخليج)

قطر تستعد لاستضافة بطولة كأس الخليج لقدامى اللاعبين

أعلن الاتحاد الخليجي لكرة القدم عن إقامة النسخة الثانية من بطولة كأس الخليج لقدامى اللاعبين خلال الفترة من 30 أكتوبر إلى 5 نوفمبر 2026 في قطر.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عربية الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني (قنا)

حمد بن خليفة رئيس الاتحاد الخليجي تحت الملاحظة الطبية بسبب وعكة صحية

كشفت مصادر عن تعرض الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني، رئيس الاتحاد الخليجي لكرة القدم ورئيس الاتحاد القطري لكرة القدم، لوعكة صحية بسيطة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

الرئيس الفرنسي في جولة خليجية موسعة «لتعزيز الشراكات الاستراتيجية»

يجري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جولة موسعة في الخليج من أجل «تعزيز الشراكات الاستراتيجية»، خصوصاً في قطاعات الدفاع، والطاقة، والتكنولوجيات المتقدمة.

ميشال أبونجم (باريس)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال ندوة تثقيفية الأربعاء في ذكرى انتصارات أكتوبر (الرئاسة المصرية)

السيسي: استهداف السعودية يؤثر على الأمن القومي المصري

أكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أن «مصر والسعودية هما قلب الأمتين العربية والإسلامية، وأن أي ضرر يصيب أياً من الدولتين سوف يؤثر على الأخرى».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
TT

المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)

تتزايد التقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل مناطق سيطرة طرفَي الحرب في السودان، كان آخرها مقتل ما لا يقل عن 80 مدنياً في هجوم بطائرة مسيّرة، مساء الأحد، استهدف تجمعاً للمواصلات العامة في منطقة الدبب بولاية غرب كردفان، في حادثة تعكس تصاعد المخاطر التي تواجه المدنيين مع اتساع نطاق الهجمات الجوية في السودان.

وبينما اتهم تحالف «تأسيس»، المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، تحدثت تقارير عن ضربات مماثلة في دارفور وأبيي، بالتزامن مع رصد مسيّرات في سماء العاصمة الخرطوم، في حين أعلن الجيش تجدّد المعارك في ولاية النيل الأزرق جنوب البلاد.

80 قتيلاً في الدبب

وقال مصدر طبي في مستشفى المجلد القريب، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الاثنين، إن 80 شخصاً قُتلوا جراء قصف بمسيّرة استهدف منطقة الدبب، الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع» في غرب كردفان.

وأكد أحمد أبكر وادي، وهو شاهد تواصل مع الوكالة عبر الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، أن الهجوم وقع مساء الأحد، واستهدف موقفاً للشاحنات ووسائل النقل العام التي يستخدمها السكان للعودة إلى قراهم بعد انتهاء أعمالهم في السوق.

وأوضح وادي أن المسيّرة قصفت الموقع مرتين، بفاصل زمني بلغ نحو 10 دقائق، مضيفاً أنه ساعد في دفن 50 قتيلاً في موقع الهجوم، بينهم شقيقه. وأشار إلى نقل 47 مصاباً إلى المستشفى، تُوفي 30 منهم، وفقاً للمصدر الطبي.

وفي رواية موازية، اتهم تحالف «تأسيس» الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم باستخدام مسيّرة من طراز «بيرقدار آقنجي»، وقال متحدثه الرسمي إن القصف استهدف شاحنة تقل مدنيين، وأسفر عن مقتل 80 شخصاً على الأقل وإصابة عشرات آخرين، بينهم نساء وأطفال.

وأضاف «تأسيس» أن مسيّرة أخرى استهدفت مدينة المجلد بصاروخ سقط بالقرب من مدرسة للطالبات. وأفاد المصدر الطبي بإصابة أربعة أشخاص في هجوم منفصل على المدينة، من دون توافر تفاصيل مستقلة تؤكد جميع ملابسات الضربة الثانية.

وطالب تحالف «تأسيس» المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بإجراء تحقيقات شفافة في الهجوم. ولم ترد في المعلومات المتاحة إفادة مستقلة تؤكد الجهة التي نفّذت الهجوم على الدبب.

ضربات من دارفور إلى شرق السودان

وفي سياق التصعيد، أفادت تقارير إعلامية بأن طائرات مسيّرة تابعة للجيش شنّت، في وقت مبكر من صباح يوم الاثنين، غارات على مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي تتخذها «قوات الدعم السريع» مقراً لحكومتها الموازية. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات أو تحديد حجم الخسائر الناجمة عنها.

كما تحدثت مصادر محلية عن استهداف سوق النعام في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجمهورية جنوب السودان، من دون توافر حصيلة للضحايا أو معلومات رسمية بشأن الهجوم.

وتشير هذه التقارير، في حال تأكدها، إلى اتساع رقعة المواجهات الجوية لتشمل مناطق متباعدة، في وقت باتت فيه المسيّرات أداة رئيسية في العمليات العسكرية، سواء لاستهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية أو لمهاجمة مناطق تقع خلف خطوط المواجهة التقليدية.

مسيّرات في سماء الخرطوم

أرشيفية لقوة عسكرية من الجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)

وفي العاصمة الخرطوم، أفاد سكان برصد طائرات مسيّرة تحلّق على ارتفاع منخفض فوق مناطق في شرق المدينة وضواحيها، فيما سُمعت أصوات الدفاعات الجوية بعد وقت قصير من ظهور المسيرات في السماء.

ونقلت تقارير إعلامية عن مصادر عسكرية في الجيش أن منظومات الدفاع الجوي أطلقت نيرانها باتجاه أهداف جوية، في حين لم تتوافر معلومات مؤكدة عن طبيعة الأهداف أو ما إذا كانت المنطقة قد تعرضت لضربات مباشرة.

ونُسبت المسيّرات إلى «قوات الدعم السريع»، التي لم يصدر عنها تعليق فوري بشأن تلك التقارير.

ويأتي ذلك بعد يوم من إعلان الجيش إسقاط مسيّرات انتحارية فوق مدينتي القضارف وخشم القربة، بالإضافة إلى منطقة خزان ستيت على نهر عطبرة في شرق السودان، في هجمات وُصفت بأنها من أبرز التطورات الجوية التي تشهدها المنطقة بعد فترة من الهدوء النسبي.

وخلال الأشهر الماضية، كثّفت «قوات الدعم السريع» استخدام المسيّرات بعيدة المدى لاستهداف مواقع عسكرية ومطارات ومنشآت تابعة للجيش، بما في ذلك أهداف في العاصمة. وفي المقابل، تواصل القوات المسلحة استخدام الطيران والمسيّرات في عمليات تستهدف مواقع تقول إنها تابعة للقوات المنافسة.

ويعكس هذا التصعيد تحولاً متزايداً في طبيعة الحرب، مع انتقال جانب من المواجهات إلى مسافات بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر، الأمر الذي يرفع المخاطر على المناطق المأهولة والمنشآت المدنية.

معارك متجددة في النيل الأزرق

وأعلنت «الفرقة الرابعة مشاة» التابعة للجيش تنفيذ عملية عسكرية في منطقة البركة بولاية النيل الأزرق، قالت إنها استهدفت «قوات الدعم السريع» وألحقت بها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وأضافت الفرقة، في بيان، أن الجيش والقوات المساندة له تمكنوا من إحباط تحركات للقوات المنافسة ومنعها من التقدم نحو مواقعهم، ما أجبر المهاجمين على التراجع تحت ضغط النيران.

وأكدت مواصلة العمليات في القطاع الجنوبي من الإقليم، مشيرة إلى استعدادها للتعامل مع أي تحركات تستهدف مواقع المدنيين. ولم تتوافر معلومات مستقلة تؤكد حجم الخسائر التي أعلنها الجيش أو تفاصيل الاشتباكات.

ويأتي تجدد القتال في النيل الأزرق بالتزامن مع استمرار الهجمات الجوية في كردفان ودارفور ومناطق أخرى، رغم الهدوء النسبي الذي شهدته بعض جبهات القتال البرية.

تداعيات إنسانية متفاقمة

موجات النزوح تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب (مفوضية اللاجئين)

وتسيطر «قوات الدعم السريع» على ولاية غرب كردفان، في حين تتنازع مع الجيش السيطرة على بقية ولايات إقليم كردفان الثلاث، الذي يتمتع بأهمية استراتيجية لربطه العاصمة الخرطوم بإقليم دارفور غرب البلاد، فضلاً عن موارده الطبيعية وموقعه ضمن خطوط الحركة والإمداد.

وتتواصل الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، بعدما تحولت الخلافات بين الطرفَين إلى صراع مسلح واسع النطاق، أوقع عشرات الآلاف من القتلى، وشرد الملايين، وأدى إلى انتشار المجاعة وتدمير مساحات واسعة من البلاد.

ومع استمرار المعارك واتساع استخدام المسيّرات، يواجه المدنيون مخاطر متزايدة، لا سيما في مناطق النقل والأسواق والتجمعات السكانية التي يعتمد عليها السكان في تنقلاتهم اليومية وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويُعيد سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في الدبب تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية للحرب، في وقت لا تقتصر فيه المواجهات على الجبهات العسكرية، بل تمتد آثارها إلى الحياة اليومية للسكان في مناطق يصعب فيها الاستجابة الطبية العاجلة.


إضرابات قطاع الصحة تفاقم مشكلات «الوحدة» الليبية

الحراك الصحي يغلق النقابة العامة للأطباء في طرابلس يوم 19 أكتوبر (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
الحراك الصحي يغلق النقابة العامة للأطباء في طرابلس يوم 19 أكتوبر (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

إضرابات قطاع الصحة تفاقم مشكلات «الوحدة» الليبية

الحراك الصحي يغلق النقابة العامة للأطباء في طرابلس يوم 19 أكتوبر (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
الحراك الصحي يغلق النقابة العامة للأطباء في طرابلس يوم 19 أكتوبر (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

أكد «اتحاد حراك القطاع الصحي» في ليبيا استمرار اعتصام العاملين بالقطاع، مطالباً بتحسين المرتبات، وصرف المستحقات المتأخرة، وتوفير الأدوية، والمعدات الطبية، ومكافحة الفساد، وسوء الإدارة، مع التعهد بمواصلة تقديم الخدمات الأساسية والمنقذة للحياة.

وأعلن «الاتحاد»، الاثنين، إغلاق مقر النقابة العامة للأطباء بمنطقة بن عاشور في العاصمة طرابلس، من قبل أطباء، إلى حين إجراء انتخابات جديدة للنقابة. وأدرج في بيان عبر صفحته على «فيسبوك» هذا التحرك في إطار الاحتجاج على ما وصفه بـ«غياب دور النقابة في الدفاع عن حقوق الأطباء، ومتابعة معاناتهم»، داعياً إلى انتخابات عاجلة تفرز قيادة جديدة تمثل الأطباء، وتستجيب لمطالبهم.

ملصق بمطالب الأطباء المضربين عن العمل على واجهة النقابة بعد غلقها 19 أكتوبر (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

وأشار «الاتحاد» إلى بدء تجمع أطباء من مستشفيات الخضراء وشارع الزاوية والمستشفى الطبي وأبو سليم أمام مقر النقابة، داعياً بقية الأطباء إلى الانضمام إلى التحرك.

وكان «الاتحاد» قد اعتبر في بيان، الأحد، أن الاعتصام «ليس ابتزازاً للمواطن»، بل هو تحرك للدفاع عن حق المرضى في الحصول على خدمات صحية لائقة، وعن حقوق العاملين في أجور وظروف عمل تضمن لهم حياة كريمة.

ويأتي الموقف وسط استمرار الاحتجاجات في عدد من المدن الليبية، مع دخول التحرك شهره الثاني تقريباً، في وقت يشكو فيه العاملون من تدني الأجور، ونقص المستلزمات، وتدهور ظروف العمل داخل المرافق الصحية.

وتشمل مطالب الحراك زيادة الرواتب، وتفعيل العلاوات، وصرف الفروق والمستحقات المتأخرة، بما فيها مستحقات العاملين خلال جائحة كورونا، إلى جانب توفير التأمين الصحي، وتسوية الأوضاع الوظيفية، ومعالجة الاختناقات في الملاك الوظيفي، وحماية الأطقم الطبية من الاعتداءات أثناء أداء مهامها.

كما يطالب «الاتحاد» بتوفير الأدوية، والأجهزة، والمستلزمات الطبية، وتحسين بيئة العمل، وإعادة النظر في الاستعانة بالكوادر الأجنبية عندما تتوفر كفاءات وطنية قادرة على تلبية الاحتياجات.

إغلاق مقر نقابة الأطباء بطرابلس (حراك اتحاد القطاع الصحي)

وانتقد «الاتحاد» إحالة مرتبات أكتوبر (تشرين الأول) إلى منظومة الصرف دون زيادات، أو معالجة لاختلالات الأجور، مطالباً الحكومة بجدول زمني واضح لتنفيذ الإصلاحات، وآليات لمتابعة الالتزامات، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات، وتشكيل اللجان.

وقال منسق الحراك سليمان الصومادي إن موقف «الاتحاد» من الحكومة سيقاس بالإجراءات التي تنفذ على الأرض، وليس بالوعود، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين مطالب العاملين وما تحقق حتى الآن.

وفي المقابل، قالت وزارة الصحة بحكومة «الوحدة» إنها تواصل معالجة ملفات العاملين المتعلقة بالإفراجات المالية، والتسويات، والترقيات، والعلاوات، والمستحقات.

ونقلت «وكالة الأنباء الليبية» عن وزير الصحة محمد الغوج قوله مؤخراً إن الوزارة أنجزت 27 ألفاً و451 تسوية في نحو 300 جهة، وفرزت ملفات قرابة خمسة آلاف عامل خلال عام 2026، تمهيداً للإفراج عن مرتباتهم، وبالتنسيق مع الجهات المختصة.

لكن «الاتحاد» يرى أن معالجة الملفات الفردية لا تكفي، ويطالب بإصلاحات أوسع تشمل هيكل الأجور، وظروف العمل، وتوفير الإمكانات اللازمة لتقديم الخدمات الصحية.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التحركات، تجمع أفراد من الأطقم الصحية أمام مجلس مصراتة البلدي، مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية، والمهنية، وتوفير بيئة عمل آمنة، ودعم التدريب، والتطوير المهني، وضمان العدالة في التوظيف، والترقيات.

صورة نشرها حراك اتحاد القطاع الصحي لتجمع أطباء بطرابلس

وسبق أن شهدت مستشفيات في طرابلس تحركات احتجاجية، مع قصر بعض الخدمات على الحالات الطارئة، والمنقذة للحياة، بينما عمل مستشفى طرابلس المركزي جزئياً خلال الإضراب الذي بدأ في السابع من الشهر الماضي.

وكان «الاتحاد» قد أعلن مؤخراً الإفراج عن كوادر طبية وطبية مساعدة ومديري مرافق صحية قال إنهم أوقفوا على خلفية تحركات مرتبطة بالمطالب المهنية، مؤكداً أن الإفراج عنهم لا يعني انتهاء الاعتصام، أو التراجع عن المطالب.

وسبق أن رفض «الاتحاد» اتفاقات منفردة بين حكومة «الوحدة» ونقابات أخرى، معتبراً أنها لا تلزم جميع مكونات الحراك.

وبعد انتهاء مهلة منحها للحكومة مطلع هذا الشهر دون استجابة كاملة، لوح بخيارات تصعيدية قد تشمل استقالات جماعية وفق الإجراءات القانونية.

ويضع استمرار الاحتجاجات السلطات الصحية أمام تحدي الاستجابة لمطالب العاملين، مع ضمان عدم تضرر المرضى، خصوصاً أصحاب الحالات الحرجة، والمزمنة.

وبحسب مراقبين محليين، تعكس الأزمة مشكلات أوسع يعاني منها القطاع الصحي الليبي بعد سنوات من الصراع، والانقسام السياسي، تشمل نقص الأدوية، والمعدات، وتفاوت توزيع الكوادر والإمكانات بين المناطق، وصعوبة الاحتفاظ بالكفاءات المؤهلة.

وبجانب إضراب القطاع الصحي، يواصل المعلمون إضرابهم المفتوح في ظل تعطيل العملية التعليمية في غالبية مدن ليبيا.

ودخل مجلس النواب، الاثنين، في أولى جلساته الرسمية برئاسة الصالحين عبد النبي، في مقر المجلس بمدينة بنغازي في شرق البلاد، على ملف أزمة المرتبات، وإضراب المعلمين، في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً لإيجاد تسوية تعيد انتظام الدراسة، وتضمن معالجة المطالب المالية، ومطالب العاملين في قطاع التعليم.

ودعا المجلس، في بيان الاثنين، المعلمين والمعلمات إلى العودة إلى مدارسهم، واستئناف التدريس، مؤكداً استمرار جهوده لضمان حقوقهم المالية، والوظيفية، في ظل استمرار الاحتجاجات المطالبة بتحسين الأجور، وظروف العمل.

وقال المجلس إنه بدأ إجراءات تفعيل التأمين الطبي للمعلمين، وأسرهم، بهدف توفير الرعاية الصحية، وتخفيف الأعباء المعيشية عنهم، وأوضح في بيان أن إجراءات جدولة المستحقات والفروقات المالية وصرفها على دفعات مرحلية بدأت اعتباراً من الشهر الجاري، بالتوازي مع استكمال عمليات التدقيق، والمراجعة.


خطة نتنياهو لإنشاء «مناطق عازلة»... هل تنتهك اتفاقية السلام مع مصر؟

جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

خطة نتنياهو لإنشاء «مناطق عازلة»... هل تنتهك اتفاقية السلام مع مصر؟

جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

قبيل انتخابات إسرائيلية مصيرية، استبق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المشهد متحدثاً عن خطة محتملة لإنشاء مناطق عازلة في دول عدة، بينها مصر التي تجمعه معها اتفاقية سلام وُقّعت عام 1979، لا تتضمن إمكانية تدشين تلك المناطق.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن «بناء حواجز أو مناطق عازلة انتهاك لاتفاقية السلام حال مس حدود مصر»، وأشاروا إلى أن ما أعلنه نتنياهو «ضمن مسار التصعيد بهدف انتخابي».

ووقّعت مصر وإسرائيل في مارس (آذار) 1979 معاهدة سلام برعاية أميركية، غير أن العلاقات الثنائية لا تزال محصورة في الجوانب الرسمية، سواء دبلوماسياً أو أمنياً، قبل أن تشهد منذ «حرب غزة» في 2023 توتراً متواصلاً مع تعنت إسرائيلي في إنهاء الحرب بالقطاع، كما ترغب القاهرة التي تقود دور الوساطة مع قطر وتركيا والولايات المتحدة.

وأوضح نتنياهو عبر تصريحات له، الأحد، أن «إسرائيل تعمل على إقامة مناطق عازلة وحواجز أمنية على حدودها مع دول بينها مصر، بعد نشر وثيقة بشأن الأمن القومي».

وتنص الوثيقة التي نقلتها «القناة الـ14» على «ضرورة أن تستعد إسرائيل لوقف أي عمليات توغل عند حدودها، والحفاظ على مناطق عازلة حسب الحاجة، وحماية الجبهة الداخلية من الهجمات التي قد تنطلق من داخل البلاد أو خارجها».

وتأتي هذه التصريحات بعد أن أعلن نتنياهو خلال زيارة إلى الحدود الأردنية في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي أن «إسرائيل تقيم حاجزاً حدودياً جديداً، وتعمل على تعزيز قدراتها لمواجهة تهديدات الطائرات المُسيَّرة ومخاطر التسلل».

جاء ذلك قبل نحو أسبوع من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر الحالي.

الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، اللواء سمير فرج، يرى أن الأنباء المتداولة بشأن قيام تل أبيب بتنفيذ خطة لإنشاء مناطق عازلة وحواجز أمنية متطورة على الحدود مع مصر والدول المجاورة «لا تمس ولا تنتهك اتفاقية السلام المبرمة بين الجانبين ما دامت لم تمس حدودها».

اتفاقيات صارمة

ويؤكد أن «الحدود المصرية والترتيبات الأمنية في شبه جزيرة سيناء خاضعة لاتفاقيات دولية صارمة بضمانة ورعاية أميركية، ولا يمكن الخروج عليها أو التلاعب ببنودها، ولو خالف نتنياهو ذلك سيُرَد عليه بالمثل، بخلاف الإجراءات المتبعة حسب ما تنص عليها الاتفاقية بالرجوع للجنة بخصوص أي خروق».

ويوضح فرج أن «هذه الأحاديث والتحركات تأتي في إطار المزايدات والاستهلاك الإعلامي الموجه للداخل والشارع الإسرائيلي لأغراض انتخابية؛ بهدف إعطاء إيحاءات أمنية وهمية للحماية والتأمين».

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

من جانبه، يعتقد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن هذا التوجه الإسرائيلي «يمثل انتهاكاً صارخاً بكل تأكيد إذا تضمن دخول أسلحة ثقيلة كالمدفعية والدبابات، ويمس اتفاقية السلام مع مصر».

أجواء عدائية

ويؤكد أن «هذه السياسات التي تتغذى على تصريحات متطرفة كاشفة عن توجهات توسعية، تعكس أجواء عدائية ومحاولات لكسب تأييد قبيل الانتخابات».

وتأتي هذه التوجيهات الإسرائيلية رغم تعليق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال ندوة للقوات المسلحة المصرية، الأربعاء الماضي، على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن سيناء، والتي زعم فيها أن «مصر لا تهاجم إسرائيل خوفاً من عودة احتلال سيناء»، قائلاً إنه «سمع وتابع تصريحات الوزير الإسرائيلي عن سيناء».

وأكد السيسي أن «الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها»، لافتاً إلى أن «الدولة المصرية لا تحمل أي أجندات خفية»، وأن «أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي في إطار من السلام والاستقرار».

وأضاف الرئيس المصري أن «معاهدة السلام» الموقَّعة بين مصر وإسرائيل عام 1979 تمثل إطاراً حاكماً للعلاقات بين الجانبين، موضحاً أنه «لا توجد لمصر أي مطامع تجاه أحد».

صورة للحدود بين مصر وإسرائيل (رويترز)

كما قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في حوار تلفزيوني، نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إن العلاقة مع إسرائيل «شهدت احتقاناً شديداً بسبب حرب غزة، وترك ذلك انعكاسات على التواصل»، مشدداً على «وجود فارق بين إدارة العلاقات ومستواها وتبادلها، ومعاهدة السلام». وقال إن «المعاهدة قائمة وملزِمة للبلدين، والبلدان يحترمان التزاماتهما طبقاً للمعاهدة».

أجواء استفزازية

حول الخيارات المصرية للتعامل مع هذه المخططات حال تنفيذها، يوضح أنور أن «القاهرة تضع السيناريوهات كافة في الحسبان لمواجهة حكومة إسرائيلية متطرفة، من الردع لحماية السلام لتكثيف التواصل مع القوى الإقليمية والدولية لشرح الموقف المصري وتوضيحه أمام المجتمع الدولي»، وفق قوله.

ويحذّر من أن «هذه التحركات الإسرائيلية تفاقم التوتر مع مصر وتخلق أجواء تصعيدية واستفزازية وتبعد المنطقة عن مفهوم السلام».

عن موقف القاهرة، يشدد فرج على أن «إسرائيل تدرك تماماً طبيعة ونوعية رد الفعل المصري حال ارتكاب أي مخالفة، وهناك لجنة مراقبة وتفتيش أميركية موجودة بالفعل، ويتم إبلاغها فوراً بأي تجاوزات لمنعها»، كما يشير إلى أن «سيادة الدولة المصرية على حدودها وسيناء كاملة وغير قابلة للمساس تحت أي ذريعة».