اتهامات بـ«الهدر المالي» تلاحق حكومات ليبيا ما بعد 2011

غياب الرقابة والانقسام السياسي يوسعان فجوة الإنفاق

جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
TT

اتهامات بـ«الهدر المالي» تلاحق حكومات ليبيا ما بعد 2011

جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)

أعاد حديث رئيس «هيئة الرقابة الإدارية» في ليبيا عبد الله قادربوه بشأن مسؤولية الحكومات السابقة عن إنفاق تريليون ومليار دينار منذ عام 2011، الجدل والاتهامات المتعلقة بـ«الهدر المالي»، في ظل غياب الرقابة على المال العام.

وكان قادربوه قد وصف، خلال احتفالية أقامتها الهيئة بالعاصمة الليبية طرابلس، هذا الرقم بـ«المخيف»، ما أعاد فتح باب النقاش بشأن مصير هذه الأموال وكيف أُنفقت، بالنظر إلى محدودية عدد السكان. و(الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و8.28 دينار في الموازية).

جانب آخر من احتفالية «هيئة الرقابة» في طرابلس (الهيئة)

وفي محاولة للإجابة، أشار بعض المحللين إلى أن واقع الانقسام القائم منذ سنوات، وسعي كل حكومة للإنفاق العام «دون اهتمام بالتنمية أو تفعيل الرقابة»، أسهما في احتلال البلاد مرتبةً متقدمةً في قوائم الدول الأكثر فساداً، فيما أشار آخرون إلى أن «فاتورة التسليح، وما مرت به البلاد من فوضى أمنية، وتضخم باب الرواتب، أتت على هذه الأموال».

واعتبر وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق سلامة الغويل أن التقرير الذي استعرضته الهيئة «يمثل كشف حساب سياسياً ومالياً»، وأبدى تضامنه مع المواطن الذي قال إن «هذا الرقم يصدمه، وهو يصطف ساعات في طوابير أمام المصارف للحصول على سيولة، وأمام محطات الوقود، وينشد العلاج في الخارج».

وقدّر الغويل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «تبديد نحو 40 في المائة من الأموال المنفقة جراء الفساد بمختلف أشكاله»، مذكّراً بمقولة المبعوث الأممي الأسبق غسان سلامة: «كل يوم يولد مليونير جديد في ليبيا» جراء الفساد والتهريب.

واستند الغويل إلى «ما يُكشف من حين لآخر من شحنات وقود مهربة، وملفات فساد إداري ومالي في سفارات ليبيا»، منتقداً عدم مراجعة «الاعتمادات المستندية التي يستغلها تجار استيراد سلع غذائية بالسعر الرسمي للدولار، وبيعها بسعر السوق السوداء، فضلاً عن ضخامة الكميات بما يفوق احتياجات السوق بهدف تهريبها لمضاعفة أرباحهم».

ويتهم مراقبون، بعض الحكومات التي تعاقبت على ليبيا بـ«توظيف عوائد النفط لشراء الولاءات، لتعزيز موقعها في مواجهة خصومها».

وأقر الغويل بأن «المنافسة السياسية والعسكرية ألقت بظلالها على أموال الدولة»، معتبراً أن «ما أنفق عموماً خلال تلك الفترة، كان كفيلاً، لو وُجه بشكل صحيح لنقل ليبيا إلى مصاف الدول المتقدمة، غير أن أغلب الحكومات أدارت الوضع بشكل عشوائي دون خطط أو التزام بمعايير الشفافية».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض الجنوب، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وسجل الباحث في «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي اعتراضه على ما طرحه قادربوه، معتبراً أنه قدم خطاباً «تحركه المزايدة الشعبوية ويفتقر إلى الدقة المنهجية».

وأوضح حرشاوي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «جمع ميزانيات 15 عاماً دون التمييز بين سنوات الإقفال النفطي وسنوات الوفرة، وفي ظل تغير سعر الصرف، منهج مضلل يخدم التعمية».

ويرى أن «اتهام جميع الحكومات هو، في حقيقته، طريقة لعدم اتهام أي حكومة بعينها»، ودعا إلى «التركيز على إصدار تقارير مفصلة ومتاحة للعموم تركز على أحدث الاختلالات والتطورات، خاصةً أن التجاوزات المختلفة التي تضر بالاقتصاد الليبي باتت مقلقة».

ويعتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي أيوب الفارسي أن الرقم الذي ذكره قادربوه، رغم ضخامته، «مرشح للزيادة إذا احتُسبت ديون الدولة الداخلية»، ويرى، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «87 في المائة من هذه الأموال ذهبت للاستهلاك، ولم تنعكس في شكل تنمية حقيقية على البنية التحتية أو قطاعات الصحة والتعليم».

ولفت إلى أن «بند الرواتب وحده ناهز 73 مليار دينار في العام الماضي، جراء عمل نحو 2.6 مليون ليبي في وظائف حكومية غير منتجة في مجملها... إضافة إلى ما يخصص أيضاً لدعم المحروقات».

ووفقاً لتقرير «الهيئة الرقابية» لعام 2025، تجاوز إجمالي الدين العام 270 مليار دينار، مع توقعات بارتفاعه إلى 303 مليارات بنهاية 2026، موزعاً بين 186 مليار دينار على «مصرف ليبيا المركزي»- بنغازي، و84 مليار دينار على «مصرف ليبيا المركزي»- طرابلس.

ويرى الفارسي أن «الخلل الهيكلي في الاقتصاد الليبي يسبق عام 2011، إذ يعود إلى الاتكال على عوائد النفط منذ اكتشافه في النصف الثاني من القرن الماضي، وتقصير الدولة في تنويع مصادر الدخل»، مؤكداً أن «الاتهام الحقيقي الموجه للميزانيات الليبية هو إهمال حق الأجيال القادمة في اقتصاد قوي ومتنوع».

وألقى بعض الناشطين المسؤولية على أجهزة الرقابة، معتبرين أن دورها انحصر في تدوين خسائر الهدر بدلاً من حماية المال العام.

ووصف رئيس حزب «التجديد الليبي» سليمان البيوضي، ما تم هدره بـ«الفرصة الضائعة لبناء دولة حديثة ومتطورة»، معتبراً إياه ترجمةً واضحةً لـ«سوء إدارة الموارد الوطنية»، ومحملاً المسؤولية «لعشر حكومات تعاقبت على إدارة ليبيا»، وحذر من أن «هذا النزف لن يتوقف ما دام الفساد متجذراً في الفضاء العام».


مقالات ذات صلة

ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

شمال افريقيا جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)

ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

تصعّد الأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في ليبيا من ملاحقة المهاجرين وسط كثير من الشكاوى الحقوقية من تكدّس مراكز لاحتجازهم بالعاصمة طرابلس

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)

تشكيك متزايد بإمكانية حلحلة «النواب» و«الدولة» الأزمة الليبية

يرى سياسيون ليبيون أن منح مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» مهلة جديدة للتوافق بشأن قانوني الانتخابات العامة، يمثّل «استمراراً في إهدار الوقت وإطالةً لعمر الأزمة».

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)

خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن ستيفاني خوري، نائبة رئيس البعثة للشؤون السياسية، بحثت مع خالد حفتر رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني»، جهود دعم الاستقرار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» في 8 يونيو (المجلس البلدي لمصراتة)

رفض شعبي متصاعد في ليبيا لتدشين «إقليم رابع»

تخوفاً من تقسيم ليبيا، عبَّر محتجون من مدينة بني وليد بشمال غربي البلاد عن رفضهم لتدشين إقليم رابع تحت مسمى «الوُسطى»، كما أقدموا على إغلاق مقر بلديتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عقيلة صالح يتوسط الحضور خلال افتتاح المؤتمر العام الثاني البرلماني الآسيوي - الأفريقي في بنغازي يوم الاثنين (وكالة الأنباء الليبية)

عقيلة صالح يدعو البرلمانات الأفرو - آسيوية لمواجهة التحديات العالمية المتسارعة

افتتح رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح مؤتمر المجلس البرلماني الآسيوي - الأفريقي الذي تستضيفه مدينة بنغازي للمرة الأولى.

خالد محمود (القاهرة)

مشروع مصري لتطوير دبابات «أبرامز» يثير توجس إسرائيل

الدبابة «أبرامز» هي مدرعة القتال الرئيسية في الجيش المصري (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
الدبابة «أبرامز» هي مدرعة القتال الرئيسية في الجيش المصري (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

مشروع مصري لتطوير دبابات «أبرامز» يثير توجس إسرائيل

الدبابة «أبرامز» هي مدرعة القتال الرئيسية في الجيش المصري (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
الدبابة «أبرامز» هي مدرعة القتال الرئيسية في الجيش المصري (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

بينما يتحدث الإعلام العبري عن هواجس ومخاوف لدى إسرائيل من ازدياد قدرات الجيش المصري، أكد عسكريون سابقون أن مصر تعمل حالياً بالتنسيق مع الولايات المتحدة على زيادة قدرات قواتها المدرعة عبر إدخال تحديثات تكنولوجية ومواصفات قتالية حديثة على عدد ضخم من دبابات «أبرامز M1A1».

وحسبما نقلت منصة «ناتسيف نت» العبرية، فإن هناك مخاوف إسرائيلية كبيرة من تغيير موازين القوى في المنطقة بعد موافقة واشنطن مؤخراً على صفقة ضخمة لتطوير 555 دبابة «أبرامزM1A1 » من أصل 1130 دبابة أميركية بحوزة الجيش المصري.

ووفق ما تضمنه تقرير المنصة العبرية عن الصفقة، سيتولى مصنع 200 الحربي في منطقة أبو زعبل شمال القاهرة، وهو الوحيد خارج الولايات المتحدة المخول له إنتاج مكونات هذا الطراز، إدارة مشروع التطوير بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 4.69 مليار دولار.

وحسب بيانات وزارة الإنتاج الحربي المصرية، فإن الدبابة «أبرامز M1A1» هي مدرعة القتال الرئيسية بالجيش المصري، وتبلغ سرعتها 20 ميلاً/ساعة في المتوسط.

ماذا يشمل تطوير الدبابة؟

خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، قال إن المساعي المصرية لتطوير هذا النوع من الدبابات ليس بالأمر الجديد، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه في ثمانينات القرن الماضي «اتفقت مصر والولايات المتحدة على الإنتاج العسكري المشترك، وكانت باكورة الأعمال سنة 1992 لعملية تجميع وتركيب الدبابات (أبرامز M1A1) في مصر».

وتابع: «ثم جاءت الصفقة التي عقدتها مصر مع أميركا عام 2024، وكان أهم بنودها تطوير الدبابات (أبرامز)، وبدلاً من استيراد أسطول جديد من الدبابات وتكون التكلفة مرتفعة، تقوم مصر بتطويرها وتستفيد من السمعة الجيدة عالمياً لهذه الدبابة بوصفها دبابة سيطرة، ويكون التطوير بإدخال تكنولوجيا حديثة عليها مما يزيد من قدراتها».

وقال وكيل جهاز المخابرات المصرية السابق، اللواء محمد رشاد، لـ«الشرق الأوسط»: «تطوير الدبابة (أبرامز M1A1) كان ضرورة منذ تسلم هذه الصفقة من الدبابات، ويشمل التطوير تركيب مدفع عيار أعلى لزيادة مدى إطلاق النيران إلى عيار 105 مم، وتطوير أدوات التنشين والاستهداف باستخدام أشعة الليزر، وزيادة تدريع جسم الدبابة ضد المعارك التصادمية والأسلحة المضادة للدبابات، وتركيب مانع ارتداد على مدفع الدبابة للحفاظ على اتزانها ودقة التنشين، وتركيب موتور للدبابة ذي قدرة عالية لتحقيق السرعة والمناورة».

وأورد تقرير المنصة العبرية أن هذا التطوير «ينقل الدبابات إلى التكوين (M1A1 SA) المتقدم، ويجعلها ذات قدرات قتالية فتاكة تشمل الخرائط الرقمية للوعي الظرفي، وأنظمة الرؤية الليلية والحرارية المتطورة، وتدريعاً محصناً ضد الصواريخ، فضلاً عن محركات ونقل حركة جديدة».

وأضاف: «هذه القدرات تجعل فيلق المدرعات المصري واحداً من أكثر الجيوش تقدماً وفتكاً في المنطقة، بقدرات قتالية عالية في كل الظروف، وهو ما يثير قلق تل أبيب بشكل مباشر».

دبابة النجدة «إم 88 أ 2 هرقل» من إنتاج مصنع 200 الحربي بمصر بالتعاون مع شركة «يونايتد ديفنس» الأميركية (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

وقال اللواء عبد الواحد: «مصر تقوم بتصنيع 90 في المائة من مكونات هذه الدبابة. توطين التكنولوجيا والصناعات العسكرية في مصر أمر مهم جداً وتفضله السلطات المصرية كثيراً».

واستطرد قائلاً: «سيتم تطوير 555 دبابة من الدبابات أبرامز الموجودة بمصر، بحيث يكون هناك تغيير في الموتور وفي ناقل الحركة وفي أجهزة الرؤية لهذه الدبابات، خصوصاً للقائد والرامي. وتم البدء أيضاً في وضع أجهزة استشعار جديدة بها، وبالتالي تكون موازية لدبابات الجيل الجديد مع ميزة أن لها قوة ردع عالية، حيث بها دروع قوية للغاية، ولديها قدرة على القتال في البيئة الصحراوية بفضل التعديلات التي أدخلتها عليها مصر، وكل ذلك بالاتفاق مع واشنطن».

فيما أكد اللواء رشاد أن هذا التطوير «يؤدي إلى زيادة القدرة القتالية لسلاح المدرعات المصري الذي يُعد القوة الضاربة للقوات البرية والقيام بعمليات الاختراق بعيدة المدى والالتفاف والتطويق».

مزاعم إسرائيلية ونفي مصري

كثيراً ما تحدثت تقارير عبرية على مدى العامين الماضيين عن قلق إسرائيلي كبير بسبب ما وصفته بأنه «رصد تشييد بنى تحتية لوجستية ضخمة ومستودعات وقود في شبه جزيرة سيناء»، حسب مزاعمها التي تقول فيها إنها خطوات تتيح للقوات المصرية حركة سريعة وواسعة نحو الشرق، مما يفرض على إسرائيل مراقبة دقيقة ومستمرة لتوزيع وانتشار القوات المصرية رغم اتفاقية السلام.

وقد نفت مصر هذا مراراً، مؤكدةً أن ما تقوم به في سيناء ليس سوى إنشاءات بغرض التنمية، وأن أي انتشار للجيش هو لحماية الحدود والأمن القومي.

وحسب بنود اتفاقية السلام الموقَّعة بين البلدين عام 1979، تنقسم سيناء إلى ثلاث مناطق رئيسية (أ، ب، ج) لتحديد حجم القوات والأسلحة المسموح بوجودها. والمنطقة «ج» المتاخمة للحدود الإسرائيلية منزوعة السلاح تماماً، باستثناء قوات الشرطة المدنية.

ونظراً إلى التحديات الأمنية المشتركة، مثل مكافحة الإرهاب في شمال سيناء والتهريب، اتفقت مصر وإسرائيل على نشر قوات إضافية تتجاوز بنود المعاهدة الأصلية لتأمين المنطقة، وتتولى «القوة متعددة الجنسيات في سيناء» مراقبة الالتزام بهذه القيود عبر نقاط التفتيش المنتشرة.

إلا أن اللواء رشاد يرى أن القلق الإسرائيلي سواء من تحديثات الجيش المصري أو تطوير الدبابة «أبرامز» سببه الأساسي «الخوف من رفع كفاءة القوات المدرعة المصرية لتكون نداً للمدرعات الإسرائيلية التي تتباهى تل أبيب بقدراتها نتيجة عمليات التطوير المستمرة للأسلحة والمعدات القتالية بوصفها سابع دولة على مستوى العالم في تصنيع وتصدير الأسلحة ومعدات القتال».

Your Premium trial has ended


ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)
جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)
TT

ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)
جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)

زادت السلطات الأمنية في غرب ليبيا وشرقها من مداهماتها لمقار تجمّعات المهاجرين غير النظاميين، وسط كثير من الشكاوى الحقوقية من تكدسهم بأعداد كبيرة في مراكز الاحتجاز، لا سيما في العاصمة طرابلس.

وأوضح الحقوقي الليبي طارق لملوم، المعني بملف المهاجرين واللاجئين، أن أحد مقار مركز احتجاز المهاجرين في منطقة تاجوراء، «شهد فجر الاثنين أعمال شغب ومحاولة لإشعال حريق، جراء التكدس الشديد، والظروف القاسية التي يشهدها المركز».

عدد من المهاجرين غير النظاميين قبيل ترحيلهم إلى بلدانهم (جهاز الهجرة بشرق ليبيا)

وقال لملوم إن حملات التوقيف الواسعة والمكثفة التي نفذتها أجهزة أمنية متعددة «تسببت في ارتفاع أعداد المحتجزين داخل المركز إلى نحو ألفي شخص؛ وسط غياب تام لآليات الفرز والتسجيل، أو تقييم الأوضاع القانونية للموقوفين قبل إيداعهم الاحتجاز».

وحسب لملوم، فإن «استمرار هذا الوضع ينذر بمخاطر أمنية وإنسانية وشيكة؛ إذ تصبح محاولات الهروب وحالات التوتر أمراً متوقعاً في ظل ظروف الاحتجاز السيئة»، ورأى أن «هذه الحوادث تستدعي المخاوف من تكرار تجارب سابقة شهدتها البلاد، حيث أدى التعامل الأمني مع مثل هذه الاضطرابات إلى استخدام القوة المفرطة وإطلاق النار، مما أسفر عن سقوط ضحايا داخل مراكز الإيواء».

وشدد لملوم على «أهمية توزيع المحتجزين على مراكز إيواء متعددة لضمان إتمام الفرز بصورة سليمة، تمهيداً للإفراج الفوري عمن يمتلكون مستندات قانونية أو مبررات تستوجب إخلاء سبيلهم، مع تسريع إجراءات العودة الطوعية لمن تنطبق عليهم الشروط».

كما تحدث مهتمون آخرون بملف الهجرة عن مركز إيواء المهاجرين في «بئر الغنم» لتجميع المهاجرين غير النظاميين، جنوب غربي العاصمة طرابلس، وقالوا إنه يعاني من تكدس المهاجرين، خصوصاً القصّر.

ترحيل 69 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة (جهاز الهجرة في شرق ليبيا)

وفي حين لم ينفِ جهاز مكافحة الهجرة في العاصمة طرابلس هذه الأنباء، أو يؤكدها أي مصدر رسمي، فإن الجهاز يعلن باستمرار مواصلة ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم وفق خطة «العودة الطوعية» بتنسيق أممي.

وفي هذا السياق، أفاد جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية (فرع شرق طرابلس)، الثلاثاء، بأنه رحّل 14 مهاجراً من الجنسية المصرية صباحاً، مشيراً إلى أنهم كانوا من بين نزلاء مركز الإيواء التابع للجهاز، حيث نُفذت عملية ترحيلهم عبر منفذ مطار معيتيقة الدولي، فور استكمال الإجراءات الإدارية والقانونية.

بالتزامن مع ذلك، قال جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في شرق ليبيا، إنه «تنفيذاً لتوجيهات القيادة العامة للحد من ظاهرة الهجرة غير المشروعة، يواصل تنفيذ حملاته الميدانية المكثفة داخل الأحياء والمناطق السكنية». موضحاً أن الحملة التي انطلقت مساء الاثنين «استهدفت عدداً من المنازل والعقارات، والأماكن المؤجرة بصورة عشوائية وغير قانونية للوافدين، وقد تسببت في كثير من المشكلات والاختناقات داخل الأحياء السكنية؛ من بينها إزعاج المواطنين، والاستهلاك العشوائي لمصادر الطاقة الكهربائية ومياه الشرب»، فضلاً عن «عدم مراعاة العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية المتعارف عليها في ليبيا».

وذكر الجهاز أنه «سبق أن وجّه عدة تنبيهات وتحذيرات لأصحاب العقارات بضرورة عدم تأجير ممتلكاتهم بصورة عشوائية للوافدين، خصوصاً العزاب، إلا بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، إلا أن بعض أصحاب العقارات لم يلتزموا بهذه الإجراءات»، مشيراً إلى أن بعض المواطنين «استغلوا عقاراتهم لإيواء أعداد كبيرة من الوافدين، الأمر الذي ترتبت عليه تداعيات أمنية واجتماعية وصحية واقتصادية، تستوجب التدخل الحازم حفاظاً على الأمن العام وسلامة المجتمع».

وبشأن ترحيل المهاجرين، أوضح الجهاز أن فرع بنغازي رحّل 69 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة خلال اليومين الماضيين، من بينهم مصريون وبنغلاديشيون وباكستانيون، وذلك بقصد «الحد من ظاهرة الهجرة غير المشروعة».

عدد من المهاجرين بعد انتشالهم من البحر في 9 مارس الماضي (حرس السواحل التابع للقيادة العامة بشرق ليبيا)

وتتدفق على ليبيا أفواج من الراغبين في العمل بالداخل أو التسلل إلى السواحل الأوروبية بطرق غير مشروعة، وعادة ما يُفقد بعض هؤلاء غرقاً في البحر المتوسط. وفي هذا الإطار، قال أطباء في العاصمة الليبية طرابلس، الاثنين، إن الأمواج جرفت جثث ما لا يقل عن 15 مهاجراً إلى الشاطئ في مدينة ساحلية شرق المدينة.

وأوضح مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة في طرابلس، أن الجثث جرفتها الأمواج إلى مدينة الخُمس، الواقعة على مسافة 118 كيلومتراً تقريباً شرق العاصمة. ونشر المركز صوراً على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يظهر فيها مسعفون وهم يحملون جثثاً في أكياس بلاستيكية باللونين الأسود والأبيض، بالإضافة إلى صور أخرى التُقطت في أثناء عمليات الدفن.

ومنذ عام 2011، أصبحت ليبيا طريق عبور رئيسياً في شمال أفريقيا لمئات الألوف من المهاجرين الفارين من الصراعات والفقر، ومعظمهم من دول جنوب الصحراء الكبرى، حيث يغامر الكثيرون بالشروع في رحلات تحفها المخاطر عبر الصحراء أو البحر المتوسط.

وعادة ما تتحدث «المنظمة الدولية للهجرة» عن تعرض المهاجرين غير النظاميين لكوارث خلال تهريبهم عبر البحر؛ وسبق لها القول في 27 فبراير (شباط) الماضي إن نحو 7667 مهاجراً لقوا حتفهم، أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال عام 2025، لافتة إلى ضرورة تكثيف الجهود الرامية لتفكيك شبكات تهريب المهاجرين، التي تستغل أوضاعهم، وتعرّض حياتهم لمخاطر جسيمة.


تشكيك متزايد بإمكانية حلحلة «النواب» و«الدولة» الأزمة الليبية

الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)
الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)
TT

تشكيك متزايد بإمكانية حلحلة «النواب» و«الدولة» الأزمة الليبية

الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)
الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)

وسط جدل ليبي متصاعد حول مخرجات «الحوار المهيكل»، الذي رعته البعثة الأممية لدى البلاد، يشكّك سياسيون ليبيون في قدرة مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» على حلحلة الأزمة السياسية، أو التوافق على قانوني الانتخابات العامة.

وانتهى «الحوار المهيكل»، الأسبوع الماضي، إلى مخرجات تستهدف كسر حالة الانسداد السياسي والتمهيد للانتخابات، ومنحت مجلسي النواب و«الدولة»، اللذين يتبادلان المسؤولية عن تعطيل الاستحقاق، مهلة 45 يوماً للتوافق بشأن قانوني الانتخابات.

خلافات المجلسين أطالت أمد الأزمة

تداول ناشطون ليبيون مقطعاً مصوراً لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وصف فيه المجلس الأعلى للدولة بأنه جسم «معرقل» أعاق الاستحقاق، مقارنة بالبرلمان، الذي أنجز ما عليه بإقرار قانوني الانتخابات، وإحالتهما إلى «المفوضية الوطنية العليا».

عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (رويترز)

ويرى مراقبون أن الخلافات الممتدة بين المجلسين أسهمت في إطالة أمد الأزمة، بينما تفاقمت معاناة المواطنين جراء الانقسام المؤسسي، واستمرار الصراع بين حكومتين متنافستين على السلطة.

وعدّ الباحث القانوني الليبي، هشام سالم الحاراتي، منح مجلسي النواب و«الدولة» مهلة جديدة، «استمراراً في إهدار الوقت، وإطالة لعمر الأزمة السياسية».

وتساءل الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن «إمكانية توافق المجلسين خلال 45 يوماً، بعدما فشلا لسنوات في تجاوز خلافات جوهرية بشأن شروط الترشح للرئاسة»، معتبراً أن «مخرجات الحوار بهذا الشكل أخفقت في تقديم حلول عاجلة لأزمة البلاد، رغم تفاقم الانقسام السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية».

من اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب.

ويعتقد الحاراتي أن التعويل الأكبر سيكون على لجنة «4+4»، التي شكلتها البعثة أواخر فبراير (شباط) الماضي «لارتباطها بالقوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها، علاوة على أنها مدعومة أميركياً». وذكر في هذا السياق أنه بعد تعثر المجلسين في إعداد الإطار التشريعي للانتخابات ضمن خريطة الطريق، التي أعلنتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، جرى تشكيل لجنة «4+4» بوصفها آلية تفاوضية تضم ممثلين عن «الوحدة الوطنية» و«الأعلى للدولة» والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» والبرلمان.

ولم تقتصر توقعات «عجز المجلسين عن التوافق» على أصوات سياسية مستقلة أو مراقبين، بل صدرت هذه الشكوك أيضاً عن أعضاء داخل مجلس النواب، إذ استبعد النائب سليمان سويكر «إمكانية تحقيق توافق حقيقي».

وأرجع سويكر ذلك إلى «عدم طرح مخرجات (الحوار المهيكل) أي جديد يمكن البناء عليه، وإعادتها القضايا الخلافية نفسها إلى المجلسين للتوافق حولها رغم فشلهما المسبق في حسمها».

ويرى سويكر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «كان يفترض على البعثة الأممية أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في تقريب وجهات النظر بين المجلسين، لا إعادة تدوير الأزمة في صورة توصيات جديدة».

أزمة ثقة

بدوره، شكك عضو مجلس النواب الليبي عمار الأبلق «في قدرة المجلسين على تجاوز أزمة الثقة والخلافات بينهما»، لافتاً إلى «تمسك البرلمان بمخرجات اللجنة المشتركة لصياغة القوانين الانتخابية (6+6)، وإقرارها كقوانين منذ أكثر من عامين، فيما طالب (الأعلى للدولة) بإجراء تعديلات عليها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (مجلس النواب)

ويُعد صمت المجلسين تجاه مخرجات «الحوار المهيكل»، وعدم وجود أي بيان رسمي بشأنها عاملاً آخر اعتبره الأبلق معززاً للاعتقاد بأن مهلة الـ45 يوماً قد لا تتحول إلى محطة لتقارب وجهات النظر.

ووفقاً لرؤيته، فإنه «لا يوجد حتى الآن مشروع وطني لحل الأزمة، وهو ما يعني أن مبادرة المستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لا تزال هي الأرجح للتطبيق نظراً لثقل واشنطن ومساعي دبلوماسييها».

وتتركز المبادرة المنسوبة لبولس على دمج السلطتين القائمتين في بنغازي وطرابلس في حكومة واحدة، وتولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، واستمرار الدبيبة في موقعه رئيساً للحكومة.

في المقابل، أكد عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن الأجواء قد تكون مهيأة للاستفادة من المهلة الجديدة، والتوصل إلى توافق حول النقاط الخلافية في القوانين الانتخابية، مشيراً إلى «وجود تفاهمات واسعة بين وفدي مجلس النواب و(الأعلى للدولة) بلجنة (6+6) خلال اجتماع لهما عُقد بالعاصمة طرابلس».

ويرى معزب لـ«الشرق الأوسط» أن «التعديلات المحتملة على القانونين قد لا تستغرق وقتاً طويلاً، خاصة مع الاستفادة من بعض توصيات اللجنة الاستشارية التي شكلتها البعثة الأممية مطلع عام 2025»، معتقداً أن «ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للرئاسة لا يزال من أكثر الملفات تعقيداً».

انتهى «الحوار المهيكل» إلى مخرجات تستهدف التمهيد للانتخابات (مفوضية الانتخابات)

وأعرب معزب عن أسفه لتصريحات صالح الأخيرة و«تكرار اتهاماته للمجلس الأعلى للدولة»، ورغم ذلك قال إن مجلسه «منفتح وجاد للحوار مع البرلمان بما يفضي إلى الوصول لإجراء الانتخابات، في ضوء ما نص عليه الاتفاق السياسي الليبي من ضرورة الاتفاق بينهما لاعتماد أي قاعدة دستورية أو قوانين منظمة للاستحقاق».

واختتم معزب بأن «التشكيك في قدرة المجلسين على التوافق خلال المهلة المحددة صادر عن اليائسين والشامتين والساعين لتشكيل لجنة حوار سياسي ليكونوا أعضاء بها».