بعد 100 يوم على اغتياله... ازدياد الضغوط الشعبية للكشف عن قتلة سيف الإسلام القذافي

ليبيون يرون أن استمرار الغموض حول الجريمة يثير تساؤلات واسعة لدى الرأي العام

سيف الإسلام القذافي جالساً داخل طائرة في الزنتان 19 نوفمبر 2011 (رويترز)
سيف الإسلام القذافي جالساً داخل طائرة في الزنتان 19 نوفمبر 2011 (رويترز)
TT

بعد 100 يوم على اغتياله... ازدياد الضغوط الشعبية للكشف عن قتلة سيف الإسلام القذافي

سيف الإسلام القذافي جالساً داخل طائرة في الزنتان 19 نوفمبر 2011 (رويترز)
سيف الإسلام القذافي جالساً داخل طائرة في الزنتان 19 نوفمبر 2011 (رويترز)

تصاعدت وتيرة التحركات القانونية والضغوط الشعبية داخل ليبيا، خصوصاً من أنصار النظام السابق، للمطالبة بالكشف عن ملابسات اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وذلك بعد مرور 100 يوم على مقتله في مدينة الزنتان (غرب) في 3 فبراير (شباط) الماضي.

ومنذ إعلان النائب العام الليبي، الصديق الصور، في 5 مارس (آذار) تحديد هوية ثلاثة متهمين بالضلوع في الجريمة دون الكشف عن أسمائهم، تصاعدت المطالبات الشعبية بضرورة إعلان نتائج التحقيق كاملة، وكشف الجهات التي تقف وراء الحادثة، وتقديم المتورطين إلى المحاكمة، بما يضمن الشفافية وإحقاق العدالة.

وأكد مصدر ليبي مطّلع في العاصمة طرابلس وجود تحرّكات قانونية جديدة في مسار قضية سيف الإسلام القذافي. وعلمت «الشرق الأوسط» أن خالد الزايدي، رئيس فريق الدفاع في قضية اغتيال سيف الإسلام، زار مكتب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، المستشار عبد الله أبو رزيزة، في العاصمة الليبية طرابلس، صباح الأحد، من دون الكشف عن تفاصيل الزيارة، أو طبيعة الملفات التي جرى بحثها خلالها.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

واكتفى المصدر ذاته، الذي تحفظ على ذكر اسمه، بالقول إن «هذه التحركات القانونية قد تقود إلى نتائج وتطوّرات إيجابية، من شأنها الإسهام في كشف الحقيقة، ودفع مسار القضية نحو مزيد من الوضوح خلال المرحلة المقبلة»، دون كشف المزيد.

في السياق ذاته، أطلقت مبادرة تُعرف باسم «اللجنة الوطنية للحقيقة بشأن قضية سيف الإسلام القذافي» عريضة إلكترونية شعبية، تطالب النائب العام بالكشف عن تفاصيل الجريمة، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، مؤكدةً ضرورة تطبيق القانون وضمان مبادئ العدالة.

وتصف اللجنة، التي تشكلت مؤخراً، نفسها بأنها كيان مجتمعي مستقل ذو طابع اجتماعي وإعلامي، يهدف إلى دعم الجهود المرتبطة بالقضية، دون أن يمتلك أي اختصاص قضائي أو قانوني، مشيرةً إلى أنها تعمل تحت تنسيق عام مع رئيس فريق الدفاع.

وتطالب العريضة الشعبية، التي أطلقتها اللجنة، كذلك باتخاذ إجراءات قانونية بحق الأشخاص الثلاثة، الذين أشار إليهم بيان مكتب النائب العام، مع توسيع دائرة التحقيق لتشمل كل من خطط أو شارك، أو موّل أو ساعد في تنفيذ الجريمة.

وفي تصريحات سابقة، كان خالد الزايدي قد أكد أن فريقه تقدم بـ14 طلباً رسمياً إلى النيابة العامة للكشف عن ملابسات القضية، مشيراً في أبريل (نيسان) الماضي إلى أن هذه الطلبات لم تتلقَّ أي رد، مما أدى إلى حالة من الجمود في مسار التحقيق.

بالتوازي، شهدت الساحة الليبية ازدياداً في الضغوط الشعبية، حيث طالب «مؤتمر الفعاليات الاجتماعية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني بفزان» النائب العام بتوضيح أسباب التأخر في القبض على المتهمين، معتبراً أن استمرار الغموض يثير تساؤلات واسعة لدى الرأي العام.

ودعا المؤتمر النائب العام إلى عقد مؤتمر صحافي موسع للكشف عن مستجدات القضية، وتوضيح الإجراءات المتخذة حتى الآن، كما طالب السلطات الأمنية بتشكيل قوة خاصة مستقلة لتعقب المتهمين، وتقديمهم للعدالة.

العجمي العتيري الآمر السابق لكتيبة «أبو بكر الصديق» أمام قبر سيف الإسلام القذافي (صفحة العتيري - فيسبوك)

من جهته، حمّل «فريق العمل الميداني» مكتب النائب العام مسؤولية ما وصفه بـ«الصمت المريب»، مطالباً بإصدار بيان رسمي يكشف عن تفاصيل التحقيق، وإصدار أوامر قبض عاجلة بحق المتهمين، محذراً من أن استمرار التعثر قد يؤثر على ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة.

كما أعربت «رابطة شباب غريان» عن استنكارها لما وصفته باستمرار الصمت الرسمي، مؤكدةً أن تأخر الكشف عن الحقائق يعزز المخاوف من تمييع القضية وإطالة أمد الغموض، وشددت على أن العدالة «واجب وطني لا يحتمل التسويف»، داعيةً إلى إعلان نتائج التحقيق بكل شفافية.

هذا الضغط الشعبي بدا من منظور الناشط السياسي المقرب من النظام السابق، الدكتور خالد الحجازي، «منطقياً» باعتبار أن «اغتيال سيف الإسلام قضية رأي عام لا يمكن تجاهلها أو التعتيم عليها». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «أهمية القضية تتضاعف نظراً إلى ارتباطها بشخصية سياسية عامة، سبق أن خاضت سباقاً رئاسياً، وتحظى بقاعدة شعبية وازنة داخل البلاد».

كان مصدر في النيابة العامة قد صرّح سابقاً لـ«الشرق الأوسط» بأن التحقيقات في القضية لا تزال متواصلة، وذلك رداً على ما يُتداول من روايات غير رسمية في الأوساط الليبية بشأن تحديد هوية الجناة ومناطقهم.

ومؤخراً، أثارت تصريحات العجمي العتيري، قائد كتيبة «أبو بكر الصديق» التي كانت تتولى تأمين سيف الإسلام في الزنتان، جدلاً واسعاً، بعدما أقر بوجود «ثغرات أمنية» خلال فترة الحراسة، وأوضح أن نجل القذافي كان يعيش في بيئة غير مستقرة أمنياً خلال سنواته الأخيرة، رغم التنبيهات المتكررة بوجود مخاطر محتملة.

وتعود خلفيات وجود سيف الإسلام القذافي في الزنتان، حيث كان مقيماً هناك تحت حراسة مشدَّدة منذ سنوات، قبل أن يبدأ في الظهور مجدداً مع تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات عام 2021، مع تنقل محدود بين الزنتان وبعض مناطق الجنوب الليبي.

يأتي ذلك وسط استمرار الغموض حول تفاصيل الجريمة، في وقت تزداد فيه الدعوات المحلية والدولية لتسريع التحقيقات والكشف عن الحقيقة، وإنهاء حالة الجدل التي رافقت القضية منذ وقوعها.


مقالات ذات صلة

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

شمال افريقيا الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

طعنت حكومة «الاستقرار» المكلّفة من مجلس النواب في شرق ليبيا برئاسة أسامة حماد فيما ورد بتقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن مواطنين، ومؤسسات ليبية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)

أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

لم يعد حضور المرأة الليبية في الحياة العامة مقتصراً على مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات رغم إرث الأزمات السياسية والأمنية الذي تواجهه البلاد منذ عام 2011

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من اجتماع مسؤولين بحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (الحكومة)

إجماع ليبي على رفض «توطين المهاجرين غير النظاميين»

بحث مسؤولون حكوميون وأمنيون بارزون في ليبيا سبل تعزيز التنسيق لضبط ملف الهجرة غير النظامية ومتابعة الإجراءات القانونية والأمنية المتعلقة بالمهاجرين.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا هانا تيتيه مع عبد السلام الزوبي (البعثة)

تيتيه تتحدث عن «تقدم» في تنفيذ «خريطة الطريق» الليبية

يترقب ليبيون خلال الشهر الحالي التقرير النهائي لـ«الحوار المهيكل» الذي يعول عليه البعض للمضي في تنفيذ باقي خطوات «خريطة الطريق» السياسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
TT

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية، الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من التداعيات الأمنية والديمغرافية للظاهرة، وسط رفض متزايد لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد.

وتواصلت الأربعاء في شرق ليبيا حملة أمنية واسعة النطاق، جرى خلالها ضبط مئات المهاجرين غير النظاميين، تنفيذاً لتعليمات أصدرها الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء مظاهر الوجود غير القانوني للأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادة العامة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن «الأجهزة المختصة تمكنت من ضبط أكثر من 2000 مهاجر غير نظامي في مدينة طبرق (شرق) خلال ثلاثة أيام، في إطار عمليات تفتيش ومداهمة، شملت عدداً من الأحياء والمواقع التي يشتبه في استخدامها لإيواء مهاجرين لا يحملون وثائق قانونية».

وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على «ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة».

كما أطلقت مديرية أمن البطنان، تحذيراً إلى ملاك العقارات ومؤجري المساكن من «إيواء أو تأجير وحدات سكنية لأجانب أو مهاجرين دون استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة»، متوعدةً بـ«اتخاذ تدابير صارمة بحق المخالفين، تشمل المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات بحق العقارات، التي يثبت استخدامها لإيواء مقيمين بصورة غير مشروعة».

اجتماع وزيري الداخلية والعمل بحكومة «الوحدة» مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية لبحث ملف الهجرة غير النظامية (حكومة الوحدة)

وفي درنة، أعلنت السلطات المحلية ضبط نحو 800 مهاجر غير قانوني، فيما أسفرت حملات نفذها «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في البيضاء عن ضبط عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى رصد حالات مصابة ببعض الأوبئة والأمراض، وفق بيان للجهاز، الأربعاء.

كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا (شرق) مواصلة حملاتها الأمنية لضبط المهاجرين غير الشرعيين، مؤكدةً «وضع آليات تنظيمية وقانونية، تهدف إلى حصر المخالفين لقوانين الإقامة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر القنوات الرسمية».

وفي غرب ليبيا، تزامنت التحركات الأمنية مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم ملف الهجرة والعمالة الأجنبية. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عن اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والعمل ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، خُصص لبحث خطة وطنية متكاملة لمعالجة الملف.

وقالت «الوحدة» إن «الخطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: تعزيز أمن الحدود، وتنظيم العمالة الوافدة، وتفعيل برامج ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات أو مقترحات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، باعتبار أن ذلك يمس الأمن القومي للبلاد».

وفي إطار الإجراءات المحلية، فرضت «لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب في بلدية زوارة»، المدينة الساحلية الواقعة غرب ليبيا قرب الحدود التونسية، حظراً مؤقتاً على حركة وتجول الأجانب والمقيمين والزائرين خلال ساعات الليل، من الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

وأدرجت «اللجنة» هذا القرار في إطار «تدابير احترازية تهدف إلى حماية الأمن والسلامة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالتجمعات والتحركات الليلية»، داعيةً أصحاب الشركات والمصانع إلى «إبلاغ العمالة الأجنبية بالقرار، والتأكد من حملهم الوثائق الثبوتية اللازمة».

تأتي هذه الإجراءات في وقت يشهد فيه الشارع الليبي تصاعداً ملحوظاً في حدة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، مع ازدياد الأصوات التي تُحذر من انعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والتركيبة السكانية للبلاد.

وأعلن ما يعرف بـ«حراك أبناء سوق الجمعة»، في بلدية سوق الجمعة، إحدى كبرى بلديات العاصمة طرابلس، رفضه المطلق لأي مشاريع لتوطين المهاجرين، داعياً السلطات إلى «اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الملف». كما أصدر أهالي وأعيان عين زارة، الواقعة جنوب شرقي طرابلس، بيانات مماثلة حذروا فيها من مخاطر التوطين، مطالبين بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.

وتتزامن هذه التطورات مع دعوات لتنظيم احتجاجات شعبية، أخيراً، تحت شعار «الانتفاضة الكبرى ضد الهجرة غير الشرعية ومحاولات التوطين»، وسط مخاوف من أن تؤثر التحركات المرتقبة على عمل بعثة المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

وتحدثت وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، عن رصد عمليات نقل وثائق ومعدات من مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات للاحتجاجات المرتقبة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها المنظمة الدولية.

وكانت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شددت، مساء الثلاثاء، على أن «عمل المفوضية في ليبيا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، والحماية للفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين والمهاجرين، نافيةً وجود أي دور للمنظمة في تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وفق بيان نقله إعلام محلي».

وأعادت التأكيد على موقفها بأن «الجهود الدولية تركز على إيجاد حلول دائمة، من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية الآمنة إلى بلدان المنشأ»، مشيرةً إلى أنها «تمارس أنشطتها الإنسانية داخل ليبيا منذ عام 1991 بالتنسيق مع السلطات المختصة».

Your Premium trial has ended


مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

رغم التأكيدات الرسمية المستمرة بتكثيف جهود حصار معدلات التضخم في مصر، التي بدأت في الارتفاع مجدداً منذ اندلاع الحرب الإيرانية، فإن ذلك لم ينعكس إيجاباً على القطاع الخاص غير النفطي، الذي يعد الأكثر تأثراً وفقاً لمؤشر «ستاندرد أند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في مصر الصادر الأربعاء عن شهر مايو (أيار) الماضي.

وبحسب مسح الأعمال الخاص بالمؤشر فإن «القطاع الخاص غير النفطي في مصر ظل غارقاً في حالة الانكماش خلال شهر ​مايو، بعد أن أدى الارتفاع الجديد في تكاليف ‌المدخلات إلى تراجع الطلب، ما أجبر الشركات على رفع الأسعار بشدة، وأدى إلى أكبر موجة من تخفيضات الوظائف منذ ما يقرب من ست سنوات».

ويشير خبراء اقتصاد لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المؤشر، رغم أنه ارتفع قليلاً عن شهر أبريل (نيسان) الماضي، فإن ذلك لا يخفف من صعوبة المشكلات التي يعانيها القطاع الخاص، الذي لا يزال يعاني من توفير الفرص التي تحرك الطاقات الإنتاجية، وأن الجهود الحكومية لمواجهة التضخم لم تفلح في إنقاذه من الركود مع الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج.

واتخذت الحكومة والبنك المركزي المصري، وفق خبراء، قرارات من شأنها تخفيف وطأة معدلات التضخم المرتفعة، بينها قرارات مصرفية مثل تثبيت أسعار الفائدة، وأخرى تنفيذية من جراء توفير السلع وإتاحتها بأسعار مخفضة في بعض المنافذ على معدلات التضخم، مشيرين في الوقت ذاته إلى محدودية تأثير هذه القرارات.

وارتفع ​مؤشر «مديري المشتريات» في مصر إلى ​47.1 في مايو من 46.6 في أبريل، ⁠لكنه ظل دون عتبة 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش للشهر الخامس على التوالي، ما يشير إلى تباطؤ وتيرة نمو ​الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني مقارنة بنهاية 2025.

وأشارت نتائج المسح إلى أن أسعار مستلزمات الإنتاج ارتفعت بأسرع وتيرة لها منذ يناير (كانون الثاني) 2023، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكاليف الوقود والديزل والكهرباء، إلى جانب تأثير انخفاض قيمة العملة المحلية، وضغوط الأجور التي بلغت ذروتها منذ يناير 2018.

أحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وقالت الباحثة في الاقتصاد الدولي، سمر عادل، إن انكماش القطاع الخاص يعود مباشرة لارتفاع معدلات التضخم، وهي ناتجة عن ارتفاع مدخلات الإنتاج مع اعتماد الشركات والمصانع بشكل كبير على الاستيراد، سواء فيما يتعلق بالمواد الخام أو السلع التي ارتفع الكثير منها عالمياً بفعل حالة عدم اليقين، التي سببتها الاضطرابات السياسية والأمنية، وكان لديها تأثير قوي على بعض الاقتصاديات الكبرى.

وأضافت سمر عادل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن القول إن التضخم في مصر مستورد، والتعامل معه يبقى صعباً بسبب الاعتماد على استيراد كثير من السلع الأساسية، وتبقى القرارات المصرفية التي يتخذها (البنك المركزي) عبر تثبيت أسعار الفائدة أو خفضها، وكذلك توفير السلع بأسعار مخفضة في بعض المنافذ إجراءات ليست كافية».

وأبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، خلال ثاني اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، خلال الشهر الماضي، وسط مخاطر صعودية تحيط بالتضخم محلياً وعالمياً. وقررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على أسعار الفائدة للإيداع عند 19 في المائة، وسعر الإقراض عند 20 في المائة.

وتباطأ معدل التضخم في مصر على نحو طفيف في أبريل، وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.9 في المائة خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ15.2 في المائة في مارس (آذار) المنصرم.

وسبق أن توقع «المركزي» المصري ارتفاع متوسط معدلات التضخم في عام 2026 إلى ما بين 16 في المائة و17 في المائة، مقابل 11 في المائة في توقعاته السابقة، كما توقع البنك أن يصل معدل التضخم في مصر إلى ما بين 12 في المائة و13 في المائة في عام 2027، بدلاً من 8 في المائة بتوقعاته السابقة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في زيارة لأحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

من جانبها، أكدت أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، الدكتورة يمن الحماقي، أن مؤشر «مدير المشتريات» يشير إلى أن القطاع الخاص لا يجد الفرص الكافية لتحريك الطاقات الإنتاجية، وهو ينخفض بثلاث نقاط كاملة عن الوصول إلى 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش، ويبرهن ذلك على أن فرص الاستثمار ضعيفة، وقد انعكس ذلك على تسريح أكبر عدد من العمالة خلال الشهر الماضي، وهو مؤشر خطير يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر.

وأشارت الحماقي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن معدلات التضخم المرتفعة تضغط على المواطنين، ومن ثم يتأثر بها القطاع الخاص، وهو ما يتطلب إجراءات حكومية سريعة للتعامل مع الوضعية الراهنة، وفي مقدمتها التركيز على التمكين الاقتصادي للفقراء، وتحسين المناخ الاستثماري وعلاج مشاكل المصانع المتعثرة، وتفعيل الآليات المجتمعية التي تحمي المواطنين، مثل إتاحة السلع بأسعار مخفضة، والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه في حال جرى الانتقال إلى الدعم النقدي، والتأكد من كفاية ما يحصل عليه المواطنون لسد احتياجاتهم.

وتفاقمت اضطرابات سلاسل التوريد في مصر بشكل كبير خلال مايو الماضي، حيث طالت فترات تسليم الموردين بأسرع معدل منذ قرابة أربع سنوات نتيجة تقلبات الأسعار والآثار المستمرة للصراع والاضطرابات، التي تواجه حركة الشحن العالمي في المنطقة، وفقاً لمؤشر «مديري المشتريات».

وهذا الخلل في الإمدادات، بالتوازي مع تقليص القوى العاملة، أدى إلى تراكم الأعمال المعلقة بأسرع وتيرة منذ سبتمبر (أيلول) 2023. وفي محاولة للتحوط ضد القفزات السعرية المتوقعة مستقبلاً، سجلت الشركات أكبر زيادة في مخزون المشتريات منذ نحو ثلاث سنوات، رغم ضعف الطلب الحالي.


مصر واليابان... حوار استراتيجي يعزز الشراكة على وقع أزمات دولية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر واليابان... حوار استراتيجي يعزز الشراكة على وقع أزمات دولية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

استضافت طوكيو جولة ثالثة من الحوار الاستراتيجي بين مصر واليابان، اليوم (الأربعاء)، أسفرت عن التوقيع على الإطار التمهيدي للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في ظل أزمات دولية مع استمرار تداعيات حرب إيران، وفي إطار اهتمام مصري بآسيا لجذب مزيد من الفرص الاستثمارية، التي تسهم في إنعاش الاقتصاد.

وأفادت «الخارجية» المصرية، في بيان صحافي، الأربعاء، بأن الوزير بدر عبد العاطي التقى نظيره الياباني توشيميتسو موتيجي، بهدف «إطلاق الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي المصري - الياباني لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين وتفعيل مسارات التعاون المختلفة».

تفعيل محاور الشراكة

خلال اللقاء، أشاد الوزير عبد العاطي بعمق العلاقات المصرية - اليابانية، مؤكداً أهمية البناء على الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية، منذ الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في أبريل (نيسان) 2023، ومعرباً عن التطلع لتفعيل مختلف محاور الشراكة خلال المرحلة المقبلة، وانتظام انعقاد الحوار الاستراتيجي بين البلدين بصورة سنوية.

ووفقاً لبيان «الخارجية» المصرية، «شهد الاجتماع التوقيع على الإطار التمهيدي للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، استعداداً لتوقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية على المستوى الرئاسي، واتفاقية بين وزارتي الخارجية في البلدين بشأن التدريب الدبلوماسي»، دون تحديد موعد.

وسبق تلك الجولة لقاء عبد العاطي مع رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وتبادل الرؤى بشأن عدد من التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وسلم الوزير عبد العاطي رئيسة وزراء اليابان رسالة خطية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تتناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين خلال الفترة المقبلة، مشيداً بما تشهده العلاقات من تطور لافت، وما بلغته علاقات التعاون والتنسيق بين البلدين من مستويات متقدمة، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية» المصرية.

وفي هذا الصدد، يرى مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الآسيوية السفير محمد حجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة عبد العاطي إلى اليابان تأتي في توقيت دولي وإقليمي بالغ الحساسية؛ حيث تتشابك التحديات الاقتصادية مع الأزمات الجيوسياسية، وتتصاعد المخاوف العالمية بشأن أمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، واستقرار مناطق النزاع في أفريقيا والشرق الأوسط.

وتكتسب المحادثات المصرية اليابانية، بحسب حجازي، زخماً خاصاً في ظل ما تشهده البيئة الدولية من تحولات استراتيجية عميقة، دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم شراكاتها الاقتصادية، وسلاسل التوريد الخاصة بها، فضلاً عن أنها ستبحث فرص زيادة الاستثمارات اليابانية في السوق المصرية، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر بوصفها مركزاً لوجستياً وصناعياً يربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا.

محادثات مصرية يابانية تستهدف تعزيز التعاون وسط تحديات إقليمية (وزارة الخارجية المصرية)

وفي ملف سلاسل الإمداد، تبرز مصر بوصفها شريكاً مهماً لليابان في ضوء دور قناة السويس، باعتبارها أحد أهم الشرايين التجارية العالمية، بحسب حجازي، مؤكداً أن الأزمات الأخيرة، سواء المرتبطة بجائحة «كورونا» أو التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر، أظهرت أهمية تنويع وتأمين مسارات التجارة الدولية، وهو ما يمنح القاهرة موقعاً محورياً في أي استراتيجية دولية، تستهدف تعزيز مرونة سلاسل التوريد العالمية.

كما تعكس الزيارة استمرار تطور العلاقات المصرية - اليابانية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية في مجالات التعليم والبنية التحتية والنقل والصناعة، ومن أبرز نماذجها الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، فضلاً عن التعاون في مشروعات المترو والطاقة والتنمية البشرية، وفق حجازي.

محطات آسيوية «مهمة»

وتستكمل مصر واليابان، الخميس، أعمال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين، لتناول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق بيان «الخارجية» المصرية. وفي هذا الصدد، ثمّن وزير الخارجية الياباني الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتأتي الزيارة، التي بدأها عبد العاطي الأربعاء، في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران وعدم وقف الحرب بينهما، التي بدأت نهاية فبراير (شباط) الماضي، واستمرار أزمة مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي أدى غلقه منذ مارس (آذار) إلى تضرر الاقتصاد العالمي وتضرر إمدادات الطاقة والغذاء.

كما تأتي بعد أيام من زيارة عبد العاطي لكوريا الجنوبية لحضور اجتماع وزاري كوري أفريقي، وإجراء لقاءات عديدة مع مسؤولين في سيول لبحث تعزيز التعاون، «ما يعكس توجهاً مصرياً متنامياً لتعزيز الانخراط مع القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى في آسيا»، بحسب حجازي.

وأوضح حجازي أن الزيارة تستهدف أيضاً تنسيق المواقف بشأن القضايا الدولية المُلحة، بما يعزز مكانة القاهرة بوصفها فاعلاً إقليمياً ودولياً قادراً على الربط بين أفريقيا والعالم العربي وآسيا في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.