واشنطن تعزز نفوذها في ليبيا عبر التدريبات المشتركة والتفاهمات العسكرية

تحركات سياسية واقتصادية متسارعة تمهّد لتوحيد المؤسسات

حفتر ومسعد بولس 24 يوليو الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني)
حفتر ومسعد بولس 24 يوليو الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني)
TT

واشنطن تعزز نفوذها في ليبيا عبر التدريبات المشتركة والتفاهمات العسكرية

حفتر ومسعد بولس 24 يوليو الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني)
حفتر ومسعد بولس 24 يوليو الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني)

لم يكن تمرين «فلينتلوك 2026» الذي شهدته مدينة سرت الليبية أخيراً، مناورة عسكرية عابرة. فنجاح واشنطن في جمع قوات عسكرية من شرق البلاد وغربها- كانت قبل سنوات تتقاتل- لم يعزز فقط الرهان على تشكيل «جيش موحد»، بل كان إعلاناً صريحاً بتصاعد النفوذ الأميركي في البلاد على حساب أدوار أخرى.

ووفقاً لمراقبين، لم تقتصر تحركات واشنطن المكثفة على التمرين العسكري؛ إذ سبقه بأيام التوصل إلى اتفاق مالي يُعدّ بمثابة أول «ميزانية موحدة» للبلاد منذ أكثر من 13 عاماً لتنظيم إنفاق عائدات النفط، المصدر الرئيسي للدخل الوطني، فضلاً عما يتداول عن رعايتها مفاوضات مرتقبة لتشكيل سلطة تنفيذية موحدة تنهي حالة الانقسام الحكومي والمؤسسي المستمرة منذ أكثر من عقد...

وأثار هذا التقدم تساؤلات حول ردود فعل موسكو، ودول أوروبية كإيطاليا وفرنسا، تمتعت لعقود بعلاقات سياسية وثقل اقتصادي، وما إذا كان بمقدور أي منهما التأثير في المشهد أم ستكتفي بدور التابع؟

ويرى عضو «لجنة الدفاع والأمن القومي» بمجلس النواب الليبي، علي التكبالي، أن تمرين «فلينتلوك الذي دُشّن الأربعاء الماضي في مدينة سرت، خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية»، مؤكداً أيضاً أنه «رسخ مسار التفاهمات بين واشنطن و(الجيش الوطني) بقيادة خليفة حفتر المتمركز شرق البلاد».

وأشار التكبالي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تلك التفاهمات «لا تعني تخلي القيادة العامة للجيش الوطني عن تحالفها مع موسكو، أو أي دول أخرى في الوقت الراهن».

ورهن التكبالي إنهاء التحالف مع الروس تحديداً، «بمدى نجاح المبادرة الأميركية في توحيد المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية، وما إذا كانت شروطها سترضي تطلعات القيادة العامة للجيش الوطني».

حفتر مستقبلاً مسعد بولس 24 يوليو الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني)

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً يتمثل في وجود حكومتين متنافستين على السلطة: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير المنطقة الشرقية بدعم من حفتر.

ولفت التكبالي، إلى أن خطوات واشنطن الأخيرة ضمنت «بروزها لاعباً رئيسياً في عموم البلاد، وبخاصة على الصعيد الاقتصادي وربما التسليحي إذا رُفع الحظر الدولي، وذلك مقابل تراجع الدور الأوروبي وبعض الأدوار الإقليمية»، مستبعداً أن «تتاح لهؤلاء فرصٌ للتدخل كما كان الحال سابقاً».

أما أستاذ العلاقات الدولية الليبي، إبراهيم هيبة، فرأى أن هدف واشنطن هو ضمان «فوز شركاتها بالنصيب الأكبر في قطاع النفط الليبي، في إطار صراعها مع الصين للسيطرة على موارد الطاقة بالعالم».

وذهب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «واشنطن رأت في الفوضى الأمنية الناجمة عن الانقسام تهديداً يقوّض استثماراتها، فسارعت للتدخل لإيجاد تنسيق بين قوات الشرق والغرب لحماية مصالحها تحت لافتة محاربة الإرهاب».

ورأى، أن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ظل توتر علاقاته مع قادة أوروبيين، ألقت بظلالها على الساحة الليبية؛ إذ «تراجع التنسيق مع الحلفاء السابقين، وباتت هناك خريطة أميركية تستهدف تعظيم مكاسبها عبر توطيد العلاقة مع القوى الفاعلة في البلاد»، حسب قوله.

وعدّ اختيار مدينة سرت القريبة من مواقع الروس في شرق ليبيا ووسطها «رسالة مناكفة أميركية، وإن كان من المستبعد جداً أن تشكل أي تهديد حقيقي لهم».

ولفت، إلى أن «أعداد القوات الروسية النظامية تراجعت مع انخراط موسكو في الصراع الأوكراني، وتركيزها على الانتشار بدول أفريقية تعد نقاط ارتكاز مستقبلية لها».

ورغم بروز أصوات عدة تعارض تحركات واشنطن وخططها في معالجة الأزمة الليبية، فإن عضو «لجنة الشؤون الخارجية» بمجلس النواب عبد النبي عبد المولى، أشار بالمقابل «إلى تطلعات شريحة واسعة من الليبيين لحل أزماتهم ودخول مرحلة استقرار، حتى لو عبر تدخل خارجي، في ظل تعثر الحلول الداخلية».

لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وأكد لـ«الشرق الأوسط»، أن«التعويل على واشنطن، تزايد مع نجاحها في إبرام اتفاق (الإنفاق الموحد)، الذي من شأنه كبح التوسع في الإنفاق الذي مارسته الحكومتان على عائدات النفط».

وعزا تخلي واشنطن عن نهجها السابق في الاعتماد على وكلاء مثل إيطاليا وتركيا لمعالجة الملف الليبي؛ «لرغبتها في تسريع النتائج فيما يتعلق بملف الطاقة، فضلاً عن فشل هؤلاء الوكلاء في حل الأزمة السياسية نظراً لتضارب مصالحهم».

وتستند المبادرة المنسوبة لمستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، إلى تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع الإبقاء على الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

في المقابل، قلل المحلل السياسي الليبي حافظ الغويل من الآراء التي تعوّل على تمرين «فلينتلوك» بوصفه خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هو تمرين دوري، وقد شاركت فيه قوات شرق ليبيا وغربها بوصفها منفصلة».

واستبعد، «أن يتمكن بولس من تمرير أجندته في ظل معارضة قوية لخطة التقارب الأميركية».

وتوسط المحلل السياسي الليبي عبد الله الكبير بين الآراء، عادَّاً أن «تمتع واشنطن بنفوذ أكبر لا يعني تجاهل بقية الحلفاء ومصالحهم». وتوقع في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تدفع واشنطن بوجوه عسكرية جديدة إلى المشهد، من ضباط مؤهلين لقيادة قوة مشتركة».


مقالات ذات صلة

طرابلس الليبية لمحاربة «السوق السوداء» للدولار بإغلاق شركات صرافة مخالفة

شمال افريقيا سوق المشير لبيع وشراء الدولار بالعاصمة الليبية طرابلس (جمال جوهر)

طرابلس الليبية لمحاربة «السوق السوداء» للدولار بإغلاق شركات صرافة مخالفة

صعّد مصرف ليبيا المركزي في مواجهة شركات الصرافة «المخالفة»، ودعا الأجهزة الأمنية إلى إغلاقها، لمنع المضاربة في العملات الأجنبية حفاظاً على الدينار المحلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه وخوري تتوسطان أعضاء لجنة «4+4» في اجتماعها الأول بروما (البعثة الأممية)

«4+4» تبحث في تونس «القضايا الخلافية» للانتخابات الليبية

على مدى 3 أيام، يتوقع أن يناقش أعضاء لجنة «4+4» الليبية في تونس القضايا الخلافية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية البرلمانية من بينها شروط الترشح.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

تجويع وتعذيب ينتهي بقتل... وقائع مأساة جديدة تكشفها مديرية أمن أجدابيا في (شرق ليبيا) يتعرض لها مهاجرون غير نظاميين على يد عصابات الاتجار بالبشر.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مستقبلاً بالقاسم حفتر مساء الأحد (مجلس الوزراء المصري)

مصر تعزز حضورها في مشاريع «إعادة إعمار» ليبيا

بحث مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا»، بالقاسم حفتر، في القاهرة «سبل الاستفادة من الخبرات والشركات المصرية في تنفيذ مشروعات الإسكان والطرق والمرافق في بلاده».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)

«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

تتدفق أفواج المهاجرين غير النظاميين على شواطئ ليبيا بقصد الهجرة إلى دول أوروبية، وسط تساؤلات عن أسباب إخفاق الأجهزة الأمنية في مواجهة «مافيا الاتجار بالبشر».

جمال جوهر (القاهرة)

غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
TT

غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)

تتزايد حالة القلق والترقب داخل أسر بحارة مصريين اختطفهم قراصنة صوماليون في أثناء وجودهم على متن ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية، قبل اقتيادها لاحقاً باتجاه المياه الصومالية، في واقعة يكتنف الغموض تفاصيلها، وسط تأكيدات مصرية رسمية بمواصلة الجهود للتعامل مع الأزمة.

وظهرت مخاوف عائلات المخطوفين جلياً على نبرة صوت أميرة محمد، زوجة أحد المختطفين، التي عبّرت خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» عن قلقها إزاء مصير زوجها محمد راضي المحسب وبقية أفراد الطاقم، مشيرة إلى أن شعور القلق يتصاعد يوماً بعد يوم في ظل غياب معلومات مؤكدة أو اتصالات منتظمة من جهة الخاطفين أو الشركة المالكة للسفينة.

وأضافت أن الأسرة تلقت مكالمة هاتفية واحدة قصيرة لم تتجاوز دقيقة، لكنها كانت كافية لإثارة المزيد من القلق، وقالت إن صوت زوجها كان يشوبه توتر واضح، وأنه تحدث عن وجود مسلحين على متن السفينة، وعن تخوفه على مصير الطاقم في ظل تعثر أي مسار تفاوضي.

وذكرت أن تلك المكالمة جرت قبل أسبوع، وأن الأسرة لم تتلقَ أي اتصالات لاحقة، ما فاقم الشعور بالخوف والقلق، وسط غياب أي مؤشرات واضحة حول تطورات الوضع أو مكان الاحتجاز الفعلي.

محمد راضي المحسب أحد البحارة المصريين المخطوفين (حسابه عبر فيسبوك)

والمحسب واحد من ثمانية مصريين تعرضت ناقلة النفط «M-T Eureka» التي كانوا على متنها للخطف من قبل مسلحين مجهولين في الثاني من مايو (أيار) الماضي قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية، بحسب بيانات خفر السواحل اليمني.

والمصريون الآخرون إلى جانب المحسب هم: مؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

مطالب بتحركات أسرع

طالبت زوجة المحسب بتحرك حكومي أسرع وأكثر فاعلية، مشيرة إلى ما تعانيه أُسر المحتجزين من خوف وترقب، وسط الغموض الذي يكتنف مصير ذويها.

وتقول الحكومة المصرية إنها تتابع الحادث عن كثب، مؤكدة استمرار التنسيق مع سفارتها في مقديشو، والتواصل مع السلطات الصومالية من أجل ضمان سلامة البحارة والعمل على الإفراج عنهم في أسرع وقت ممكن.

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري حداد الجوهري في تصريحات تلفزيونية، الاثنين، أن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان سابق أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم، بحسب بيان الاثنين.

وأقر أحمد المحسب، شقيق محمد راضي المحسب، بأن الوزارة تبذل جهوداً على مختلف المستويات، لكنه قال متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» إن العائلات تعيش تحت ضغط نفسي كبير نتيجة استمرار الغموض، وتكرار المناشدات التي تعكس حجم القلق على حياة ذويها.

وأشار إلى أن الأنباء المتداولة بشأن طلب القراصنة فدية مالية كبيرة تصل لملايين الدولارات لا تزال غير مؤكدة، مضيفاً أنه «لا يوجد أي تواصل مباشر مع الخاطفين، وأن كل ما يجري تداوله في هذا الشأن مصدره وسائل الإعلام فقط، بينما تتولى الشركة المالكة للسفينة، وهي شركة إماراتية، إدارة أي تواصل غير معلن، دون إشراك أسر البحارة في التفاصيل».

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وبعدما ظل الحادث بعيداً عن التغطية الإعلامية الواسعة في بدايته في مطلع الشهر الحالي، أعاد نشر استغاثة زوجة محمد المحسب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مساء الأحد، تسليط الضوء عليه، ما دفع إلى تحرك سياسي وإعلامي، ووَصَف بعض البرلمانيين والإعلاميين ما حدث بأنه «عمل إجرامي» يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً وحاسماً.

إدانات عربية

وعلى الصعيد الإقليمي، أعربت دولة الإمارات العربية المتحدة عن إدانتها الشديدة للحادث، مؤكدة أنه يمثل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة البحرية وسلاسل التجارة الدولية، ومعلنة تضامنها الكامل مع مصر وأسر البحارة، ودعمها للجهود الرامية إلى الإفراج عنهم.

كما أصدرت وزارة الخارجية القطرية بياناً مماثلاً، شددت فيه على أهمية ضمان أمن وسلامة الممرات الملاحية الدولية باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي والدولي، وهو الموقف ذاته الذي تبنته أيضاً المملكة الأردنية الهاشمية في بيان رسمي.

ودعا رئيس البرلمان العربي، محمد بن أحمد اليماحي، المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والتحرك العاجل لوضع حد لهذه الأعمال التي تهدد أمن الملاحة الدولية وتعرض حياة المدنيين للخطر.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات.

إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


انشقاقات تضرب «الدعم السريع»... هل بدأت مرحلة التفكك؟

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

انشقاقات تضرب «الدعم السريع»... هل بدأت مرحلة التفكك؟

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية، مع دخول الحرب مع الجيش السوداني عامها الرابع وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة.

وجاء إعلان القائد الميداني البارز علي رزق الله، المعروف بـ«السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع»، ليشكل أحدث وأبرز حلقات هذا المسار، خاصة أن الرجل يعد من أبرز القادة الميدانيين الذين لعبوا أدواراً مؤثرة في معارك دارفور وكردفان خلال السنوات الماضية.

ويأتي انشقاق السافنا بعد سلسلة تحركات مماثلة خلال الأشهر الأخيرة، أبرزها انشقاق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة»، إضافة إلى القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي غادر صفوف «الدعم السريع» في شمال كردفان قبل أسابيع، قبل أن يتكشف أمره بصورة أوسع خلال الساعات الماضية. وكان قبلهم أبو عاقلة كيكل قائد قوات «درع السودان» الذي كان أول المنشقين في أواخر عام 2024.

ويرى مراقبون أن انشقاق الهويرة يحمل أهمية ميدانية خاصة، بالنظر إلى موقعه في منطقة «بارا» القريبة من مدينة الأبيض، المعقل الرئيس للجيش السوداني في ولاية شمال كردفان، فضلاً عن أن المنطقة تمثل عقدة استراتيجية تربط غرب السودان بشرقه ووسطه، كما تعد ممراً حيوياً لحركة الإمداد والوقود والمقاتلين.

وتشير تقارير متداولة إلى أن الهويرة انضم إلى الجيش السوداني برفقة قوة ميدانية تضم ما بين 11 إلى 15 عربة قتالية بكامل عتادها، في خطوة اعتبرت ضربة جديدة لـ«قوات الدعم السريع»، حتى وإن حاولت قياداتها التقليل من أثرها العسكري.

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

وعقب انشقاق «النور القُبة» في أبريل (نيسان) الماضي، اتجهت الأنظار سريعاً نحو السافنا، باعتباره المرشح الأبرز للانشقاق التالي، خاصة بعد تداول أنباء وقتها عن مغادرته مواقع القتال واتجاهه إلى خارج البلاد، قبل أن يظهر لاحقاً في تسجيل مصور نافياً تلك الأنباء، ليعود بعدها بأسابيع ويعلن انشقاقه رسمياً.

وتفيد معلومات بأن السافنا غادر جبهات القتال قبل فترة متوجهاً إلى أوغندا، ومنها إلى الهند لتلقي العلاج، قبل أن يظهر في تسجيل مصور من مكان غير معروف يُرجح أنه في الهند، معلناً خروجه من «قوات الدعم السريع».

«تأسيس» تقلل

ورغم تأكيده في التسجيل أنه لا ينحاز لأي طرف مسلح، فإن مصادر مقربة من الجيش السوداني تتوقع انضمامه رسمياً إلى القوات المسلحة في أي وقت، بينما تقول مصادر داخل «الدعم السريع» إن ما جرى يعود إلى «إغراءات مادية»، مؤكدة أن الانشقاق لا يمثل تهديداً حقيقياً لبنية القوات أو لمشروع «تحالف السودان التأسيسي – (تأسيس)» الذي تديره في مناطق سيطرتها.

وترى قيادات داخل «الدعم السريع» أن خروج بعض القادة لا يغير موازين القوى على الأرض، مشددة على أن القوات لا تزال تحتفظ بسيطرتها على المناطق التي استولت عليها خلال الحرب، وأن المجموعات الميدانية التابعة لأولئك القادة ما زالت تقاتل تحت رايتها. لكن مراقبين يعتقدون أن تأثير هذه الانشقاقات يتجاوز الجانب العسكري المباشر، نظراً إلى طبيعة تكوين «الدعم السريع» نفسها، التي تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات الولاء القبلي والتحالفات المحلية والقيادات الميدانية، خصوصاً في إقليم دارفور.

وخلافاً للجيوش النظامية ذات الهيكل المركزي الصارم، اعتمدت «قوات الدعم السريع» منذ نشأتها على تحالفات عشائرية ومجموعات مسلحة ذات ولاءات متداخلة، وهو ما منحها قدرة كبيرة على الانتشار السريع وبناء النفوذ، لكنه جعلها أيضاً أكثر هشاشة أمام الانقسامات الداخلية وتبدل الولاءات مع طول أمد الحرب. ويبرز في هذا السياق اسم الزعيم القبلي موسى هلال، الذي يُعتقد أنه لعب دوراً غير مباشر في تشجيع بعض الانشقاقات الأخيرة، خاصة أن القادة الثلاثة؛ ينحدرون من عشيرة المحاميد، أحد بطون قبيلة الزريقات التي تمثل العمود القبلي الأبرز لـ«قوات الدعم السريع» وقياداتها.

وتشير تكهنات واسعة إلى أن هلال، المعروف بولائه للجيش السوداني وعدائه القديم مع قيادة «الدعم السريع»، شكل حلقة وصل بين الجيش وبعض القادة المنشقين، خصوصاً بعد الهجوم الذي شنته «قوات الدعم السريع» على بلدته «مستريحة» في شمال دارفور، الذي أسفر عن مقتل أحد أبنائه ودفعه إلى مغادرة المنطقة باتجاه مناطق سيطرة الجيش.

ويعتبر كثيرون أن الهجوم على «مستريحة» كان نقطة تحول مهمة فتحت الباب أمام تصاعد حالة التململ والانشقاقات داخل «الدعم السريع»، خاصة وسط المجموعات القبلية المرتبطة تاريخياً بموسى هلال.

وخلال لقاء جمع قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» بقيادات عسكرية في مدينة نيالا الأسبوع الماضي، تجنب الحديث بشكل مباشر عن انشقاق النور القُبة، لكنه لمح إلى وجود اختراقات داخل قواته من قبل الجيش والحركة الإسلامية. ويعزو محللون تصاعد الانشقاقات أيضاً إلى طبيعة إدارة القيادة داخل «الدعم السريع»، حيث يحتكر حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو، القائد الميداني الأول، السيطرة على سلسلة اتخاذ القرار والتكليفات العسكرية، وسط اتهامات بتهميش بعض القيادات الميدانية وتصاعد التوترات القبلية داخل بنية القوات. ورغم أن هذه الانشقاقات قد لا تؤدي فوراً إلى انهيار موازين القوى العسكرية، فإن مراقبين يرون أنها قد تتسبب في اضطراب داخلي متزايد داخل «الدعم السريع»، وتؤثر على خطوط الإمداد وحركة المقاتلين بين الجبهات المختلفة، خصوصاً في دارفور وكردفان، بما قد ينعكس تدريجياً على تماسك القوة وتحالفاتها القبلية والسياسية.


أي وعاء ادخاري يفضله المصريون؟

البورصة المصرية تحقق نمواً في صناديق الاستثمار (البورصة المصرية)
البورصة المصرية تحقق نمواً في صناديق الاستثمار (البورصة المصرية)
TT

أي وعاء ادخاري يفضله المصريون؟

البورصة المصرية تحقق نمواً في صناديق الاستثمار (البورصة المصرية)
البورصة المصرية تحقق نمواً في صناديق الاستثمار (البورصة المصرية)

قبل ستة شهور، اتجه المحامي الثلاثيني محمد سعيد إلى الادخار في صناديق الاستثمار، فاشترى أسهماً في صندوقين، عادّاً إياها الوسيلة الأفضل بعد تراجع عوائد الشهادات البنكية، ولقدرته على تسييل الأسهم متى أراد، فضلاً عن أنه يستطيع ضخ أي مبلغ فيها.

وتُظهر بيانات رسمية حديثة أن توجُّه سعيد ليس فردياً، وسط زيادة إقبال على الاستثمار بهذه الصناديق.

وصناديق الاستثمار أوعية ادخارية تطرح أسهماً للعملاء في مجموعة من الشركات، ويتولى مديروها والعاملون بها توزيع الاستثمارات فيها وفق مؤشرات كل شركة، ويراها البعض الوسيلة الأنسب لصغار المستثمرين حديثي الصلة بالبورصة، للتحوط من تقلبات أسعار الصرف والتضخم.

وكشف أول تقرير لهيئة الرقابة المالية عن صناديق الاستثمار، عن الربع الأول من عام 2026، «تنامي جاذبية صناديق الاستثمار، وزيادة الإقبال عليها بوصفها من أهم الأدوات والخيارات الاستثمارية في السوق المصرية»، وتحقيقها «معدلات نمو قوية»، وفق بيان للهيئة.

صغار المستثمرين

وتتنوع أشكال الأوعية الادخارية للمصريين بين الشهادات البنكية ذات العوائد الثابتة، والذهب، والفضة، والعقارات والدولار أو غيره من العملات الأجنبية، غير أنه مع «تذبذب الدولار وارتفاع أسعار الذهب والعقارات، وزيادة التضخم وما ينتج عن ذلك من تراجع القيمة الشرائية للمواطنين، أصبحت الفوائض المالية لدى الطبقة الوسطى محدودة ولا يمكن توجيهها في استثمار مباشر في الذهب أو العقارات، فكان التوجه للصناديق»، وفق الكاتب الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ميزة الصناديق أنها مناسبة لصغار المستثمرين، خصوصاً الشباب، إذ يستطيعون ضخ أي فوائض مالية فيها بغرض الادخار دون الحاجة لأن تكون لديهم خبرة في البورصة»، متوقعاً أن يستمر النمو في هذا القطاع، منافساً الأسواق الأوعية الادخارية التقليدية.

وسائل ادخار جديدة تجتذب المصريين (الشرق الأوسط)

وارتفعت قيمة صافي أصول صناديق الاستثمار في مصر إلى نحو 410.6 مليار جنيه (حوالي 7.7 مليار دولار) بنهاية مارس (آذار) الماضي، مقارنة مع 316 مليار جنيه بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مدفوعة بالتوسع في إطلاق الصناديق الجديدة وزيادة قاعدة المستثمرين، وتنويع المنتجات الاستثمارية المتاحة، وفق هيئة الرقابة المالية.

وأشار البيان أيضاً إلى ارتفاع إجمالي عدد الصناديق بالسوق المصرية إلى 187 صندوقاً بنهاية الربع الأول من عام 2026، مقابل 172 صندوقاً بنهاية العام الماضي.

وأرجع عبد النبي هذه الزيادة إلى إدراك أصحاب الشركات للحاجة المشتركة في جذب مستثمرين جدد، موضحاً أن الشركات تحتاج إلى أموال في ظل التضخم وتراجع قيمة الجنيه، «فكان الحل الأنسب جذب مدخرات الطبقة الوسطى التي ربما لا تستطيع شراء عقار؛ فظهر صندوق استثماري في العقارات، أو الذهب، وهكذا»، بالإضافة إلى توفر تطبيقات الاستثمار في الصناديق بسهولة، دون تعقيدات ورقية.

ثقة الأفراد

لفتت هيئة الرقابة المالية إلى استمرار استحواذ الأفراد على النسبة الأكبر من ملكية وثائق صناديق الاستثمار بنسبة بلغت 74.34 في المائة، بينما سجلت الكيانات الاعتبارية من شركات ومؤسسات نحو 15.98 في المائة، في إشارة إلى تصاعد ثقة الأفراد في الصناديق بوصفها أوعية استثمارية آمنة تخضع للرقابة الكاملة.

من بين هؤلاء محمد حسن (36 عاماً)، الذي بدأ منذ شهر الادخار في صناديق الاستثمار ضمن توجه نحو البورصة؛ وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه سمع بهذه الصناديق من صديق له، ثم بحث عنها وخلص إلى أنها الوعاء الأنسب لظروفه.

ولا يستطيع حسن، وهو صحافي غير متخصص في الاقتصاد، أن يوفر حالياً سوى 600 جنيه من راتبه شهرياً، وهو مبلغ لا يمكّنه من شراء ذهب مثلاً، لكن يتيح له شراء أسهم. ويقول: «بالتراكم وبعد فترة سأجد في محفظتي مبلغاً يعينني على تعليم ابنتي الرضيعة».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم الذي بلغ معدله 14.9 في المائة على أساس سنوي في أبريل (نيسان) الماضي، مقارنة مع 15.2 في المائة في مارس.

ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف ويليام، أن حجم الادخار في صناديق الاستثمار يظل ضئيلاً نسبياً بالنظر إلى القطاع المصرفي على سبيل المثال. وقال: «البورصة في مصر ليست الفاعل الأكبر في الاقتصاد مثلما الوضع في لندن أو نيويورك، لذا تعد البنوك وشهاداتها الاستثمارية وغيرها من الخدمات التي تقدمها هي المستحوذ الأول على أموال المصريين في الادخار».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يأتي في المرتبة الثانية، لافتاً إلى أن تخوف الأغلبية من البورصة وتفضيلهم البنوك ينتج عن رغبتهم في الشعور بالاستقرار، مشيراً إلى أن النمو في سوق الصناديق هو مجرد نمو بالمقارنة بفترات سابقة «وليس في المطلق».

وتشهد مصر تذبذباً في أسعار الذهب والدولار منذ الحرب الإيرانية، التي تسببت في ارتفاع الدولار من نحو 47 جنيهاً إلى 53 جنيهاً في المتوسط. أما الذهب، فبعدما تراجع سعره في بداية الحرب أواخر فبراير (شباط) وبداية مارس، عاد ليشهد ارتفاعات ملحوظة خلال مارس وحتى منتصف الشهر الماضي، قبل أن يعاود الهبوط في نهاية الشهر، وسجل غرام الذهب عيار (24)، الثلاثاء، 7988 جنيهاً.