«المفقودون في ليبيا»... ملف شاهد على واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية

حديث أممي عن «تشريع» لمعالجة قضيتهم العالقة منذ 2011

ليبي يرفع لافتة تتساءل عن مصير نجله المفقود في ترهونة خلال وقفة احتجاجية... أغسطس الماضي (رابطة ضحايا ترهونة)
ليبي يرفع لافتة تتساءل عن مصير نجله المفقود في ترهونة خلال وقفة احتجاجية... أغسطس الماضي (رابطة ضحايا ترهونة)
TT

«المفقودون في ليبيا»... ملف شاهد على واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية

ليبي يرفع لافتة تتساءل عن مصير نجله المفقود في ترهونة خلال وقفة احتجاجية... أغسطس الماضي (رابطة ضحايا ترهونة)
ليبي يرفع لافتة تتساءل عن مصير نجله المفقود في ترهونة خلال وقفة احتجاجية... أغسطس الماضي (رابطة ضحايا ترهونة)

يحتفظ ملف «المفقودين» بموقعه في قلب الانقسام والصراعات، التي تراكمت في ليبيا منذ عام 2011، بوصفه شاهداً صامتاً على واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية تعقيداً، والتي باتت حلولها تتقدَّم ببطء وفق قانونيِّين وحقوقيِّين.

نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر في لقاء مع عائلة ومشايخ من قبيلة ينتمي إليها عضو البرلمان إبراهيم الدرسي مارس الماضي (إعلام القيادة العامة)

فمن ضحايا طوى المجهول مصيرهم في 3 حروب أهلية خلال سنوات 2011 و2014 و2019 إلى مقابر جماعية، وحالات اختفاء قسري، مروراً بكارثة إعصار شرق ليبيا عام 2023، وصولاً إلى مفقودين في طرق الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، تتسع دائرة الغياب، بينما تبقى آلاف العائلات عالقة أمام سؤال واحد لا يتبدَّد: أين أبناؤنا؟.

مشروع قانون للمفقودين

عاد ملف المفقودين إلى الواجهة أخيراً مع إعلان بعثة الأمم المتحدة طرح «نسخة شبه نهائية» من مشروع قانون للمفقودين برعايتها و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، في خطوة تهدف إلى معالجة مأساة إنسانية بدت، بحسب الأكاديمي وأستاذ القانون الليبي، الدكتور موسى القنيدي، أنها واجهت «عقبات معقدة ومركبة» عطَّلت تقدُّمها لسنوات.

وتشمل أبرز هذه العقبات، وفق القنيدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ضعف الإرادة السياسية سابقاً، مع تحسُّن طفيف حالياً، إلى جانب تداخل الاختصاصات بين الجهات المعنية بالملف، وتشتت التشريعات وتضاربها، فضلاً عمّا وصفه بـ«التعامل التمييزي مع بعض فئات المفقودين»، وهو ما أعاق الوصول إلى حلول عادلة وشاملة.

لا يزال مصير عشرات الليبيين غير معروف في درنة بسبب الإعصار القاتل الذي دمَّر المدينة (أ.ف.ب)

وتكشف أحدث البيانات الرسمية عن تسجيل 7169 مفقوداً في ليبيا، بحسب «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين» (حكومية)، وهو رقم يراه الناشط الحقوقي، طارق لملوم، «منطقياً»، لكنه لا يعكس الحجم الحقيقي للأزمة التي تعقدت منذ عام 2011 على وقع انقسام البلاد، وضعف الإبلاغ والتوثيق، وتردد بعض الأسر في الإبلاغ عن مفقوديها، وضعف الشفافية، وغياب قاعدة بيانات شاملة، ما يجعل الأرقام قابلة للزيادة.

النائبة الليبية المخطوفة سهام سرقيوة خلال مشاركتها بمؤتمر رعته البعثة الأممية في نوفمبر 2016 (البعثة الأممية)

وتعود جذور الظاهرة إلى ما قبل 2011، إذ سبق توثيق حكومي لنحو 10 آلاف مفقود خلال عهد نظام معمر القذافي، بينهم ضحايا نزاعات خارجية، مثل تشاد وأوغندا في السبعينات والثمانينات، ومجزرة سجن أبو سليم عام 1996، إضافة إلى حرب 2011.

كما رصدت «اللجنة الدولية للمفقودين» أكثر من 2500 حالة ما بين 2012 و2014 في مدن ليبية عدة، في حين استمرَّت الظاهرة مع اكتشاف مقابر ترهونة عام 2020، وحالات مرتبطة بالهجرة غير النظامية وكارثة «إعصار درنة».

الأسباب متعددة... والنتيجة واحدة

لا يُنظَر إلى المفقودين بسبب الصراعات والكوارث في ليبيا بوصفهم كتلة واحدة، بحسب الحقوقيين، إذ تتداخل خلفيات اختفائهم بين نزاعات مسلحة، وانتهاكات حقوقية، وحالات هجرة غير نظامية، إضافة إلى كوارث طبيعية، بينما تبقى الأسئلة معلقة حول ما إذ كان بعضهم في عداد الموتى، بينما قد يكون آخرون على قيد الحياة.

غير أنَّ النسبة الأكبر ترتبط مباشرة بالصراعات المسلحة، خصوصاً منذ عام 2011، حين أدى القتال بين قوات حكومة القذافي ومسلحين إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وظهور مقابر جماعية في بنغازي والبريقة ومصراتة وتاورغاء، بحسب تصريح لملوم لـ«الشرق الأوسط». كما شهد عام 2014 موجةً جديدةً من الاختفاءات مع تجدُّد القتال، ما وسَّع نطاق هذا الملف جغرافياً وإنسانياً.

عناصر أمن تطوِّق مكاناً عُثر بداخله على جثث متفحمة بضواحي ترهونة (هيئة البحث عن المفقودين)

ولا تزال مدينة ترهونة (غرب) تجتر معاناة مفقوديها، عقب الحرب على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) 2019، خصوصاً بعد اكتشاف مقابر جماعية كشفت عن انتهاكات واسعة، شملت القتل والتعذيب والتهجير القسري، مع تقديرات بوجود عشرات المفقودين حتى الآن.

وقال عضو «رابطة ضحايا ترهونة»، عبد الحكيم أبو نعامة لـ«الشرق الأوسط»: «إنَّ 66 مفقوداً ما زال مصيرهم مجهولاً حتى الآن، في ظلِّ تعاطي حكومي ضعيف مع معاناة الأهالي». بينما يلحظ القنيدي «تحسناً نسبياً في التعاطي مع الملف بقيادة النائب العام الصديق الصور، وهيئة البحث والتعرُّف على المفقودين، التي باتت تعمل بشكل مركزي في عمليات الانتشال، وتحليل الحمض النووي بكوادر وطنية مميزة».

معاناة أسر المفقودين

في سياق أكثر تعقيداً، تستمر معاناة أسر مفقودين داخل مراكز احتجاز، تديرها جهات عسكرية وأمنية ومسلحون في طرابلس وبنغازي، حيث تشير شهادات حقوقية إلى حالات اختفاء منذ عام 2014 دون محاكمات، يُعتقد أنَّ بعضها انتهى بعمليات تصفية جسدية، وفق لملوم، الذي أقرَّ بصعوبة تحديد أعدادهم بدقة.

وليس بعيداً عن ذلك، يبرز اختفاء عضو مجلس النواب، إبراهيم الدرسي عام 2024، وعضوة المجلس سهام سرقيوة منذ 2019، إلى جانب نشطاء مدنيين، مثل عبد المعز بانون، المختفي منذ أكثر من 11 عاماً، وعبد المطلب السرحاني منذ 2017.

غير أنَّ رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا»، أحمد حمزة، يرى أنَّ الانتهاكات ما زالت مستمرة في شرق البلاد وغربها، بما يعكس استمرار الأزمة دون حلول جذرية.

ولا يقتصر الملف على النزاعات المسلحة، إذ يشمل أيضاً حالات مرتبطة بالهجرة غير النظامية عبر «المتوسط»، حيث يُفقَد عددٌ من المهاجرين خلال محاولات العبور نحو أوروبا، وإن كانت «أقل عدداً مقارنة ببقية الفئات»، وفق لملوم.

ورغم صعوبة المشهد الحقوقي، ينظر حقوقيون وأكاديميون بإيجابية إلى خطوات حكومية متفرقة، بينها تشكيل لجان للإفراج عن السجناء، وتحديد مصيرهم في شرق ليبيا، وقرار «الجيش الوطني» تشكيل لجنة لبحث مصير النائب الدرسي في مارس (آذار) الماضي، وقبل ذلك بـ5 أعوام إنشاء «هيئة البحث والتعرف على المفقودين» في غرب البلاد.

عناصر من قسم البحث الجنائي في محاولة لجمع الأدلة بعد العثور على مقابر جماعية بترهونة (هيئة البحث عن المفقودين)

إلا أنَّ الأكاديمي الليبي، موسى القنيدي، لا يرى بديلاً عن «إصلاح المنظومة القانونية المشتتة والمتضاربة بين القوانين المدنية والجنائية، وأحكام الشريعة الإسلامية وقوانين الأحوال الشخصية، وتشريعات بعد 2011».

والقنيدي، هو واحد من بين خبراء عكفوا على إعداد مسودة قانون متكامل، عقب اجتماعات استمرت 6 أشهر بإشراف الأمم المتحدة، ومشاركة أعضاء بالبرلمان والمجلس الأعلى للدولة ومؤسسات ليبية معنية بالملف. ووصف المسودة بأنَّها «فرصة أمام مجلس النواب لتبني تشريع موحد، يعالج الملف بشكل شامل، ويعزز العدالة».

ومع ذلك، يرى حقوقيون أنَّ الحسم النهائي لمأساة المفقودين يظلُّ مرهوناً بطيّ صفحة الانقسامات والصراعات، في إطار تسوية سياسية شاملة، تُرسِّخ مسار الديمقراطية، وتضمن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.


مقالات ذات صلة

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

شمال افريقيا حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

في مشهد يطوي ذاكرة الدم، ويخفف ندوب الماضي الأليم، افتتح المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» تجمعاً سكنياً جديداً في مدينة درنة الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مؤسسة النفط الليبية يتوسط القائم بالأعمال الأميركي ونائبته (السفارة الأميركية)

محادثات ليبية - أميركية لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة

أكد جيريمي برنت، القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا، دعم بلاده المؤسسة الوطنية للنفط بوصفها مؤسسة اقتصادية حيوية، مشدداً على «ضرورة حماية استقلاليتها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)

ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

قبل أن يغادر صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي منطقة بئر الأشهب أهداه مشايخ وأعيان المنطقة «بندقية المجاهدين»، وأرجعوا ذلك لـ«مواقفه الوطنية».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)

الأزمة الليبية: تعدُّد لجان الحل... وأمل الوصول إلى الانتخابات «بعيد»

منذ أن اتجه «ملف الأزمة» الليبية إلى مدينة غدامس (جنوباً)، وهي قيد البحث حتى الآن، إمّا على طاولات خارجية، وإما عبر لجان محلية؛ سعياً للتواصل إلى حل توافقي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)

ما الخيارات المتاحة لواشنطن لتمرير «مبادرة بولس» بليبيا؟

تباينت آراء سياسيين ومحللين في ليبيا بشأن مستقبل المبادرة المنسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس لحلحلة أزمة بلدهم

جاكلين زاهر (القاهرة)

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
TT

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)

تتوسع الحكومة المصرية في المشروعات الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي، وسط تحديات نقص المياه التي تواجهها البلاد.

وفي وقت أعلنت فيه القاهرة عن «زيادة مساحة الرقعة الزراعية»، أعلنت وزارة الري، الجمعة، عن «استنفار حكومي لضمان جاهزية المنظومة المائية، وتلبية الاحتياج المرتفع للمياه خلال أشهر الصيف».

وتعهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيادة نسبة استصلاح الأراضي الزراعية إلى 4.5 مليون فدان ضمن مشروعات الدلتا الجديدة ومشروعات «جهاز مستقبل وطن»، وقال في كلمة خلال احتفال «عيد العمال»، الخميس، إن هذه المساحة «تشكل ثلث الرقعة الزراعية الموجودة في البلاد».

وتواجه مصر فترة أقصى الاحتياج المائي حالياً، وفق وزير الري، هاني سويلم، وتحدث، الجمعة، عن «حالة استنفار بجميع الجهات لضمان جاهزية المنظومة المائية بجميع مكوناتها من ترع ومصارف ومحطات رفع ومنشآت مائية، للتعامل بكفاءة مع الطلب المرتفع على المياه خلال الصيف».

وتشكو القاهرة من تحديات مائية، حيث يبلغ عجز المياه نحو 55 في المائة، وتعتمد على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه بنسبة 98 في المائة، وبحصة سنوية مقدارها 55.5 مليار متر مكعب، وفقاً لبيانات حكومية.

وحسب بيان وزارة الري، الجمعة، تشمل عمليات الاستنفار «مواصلة التصدي لأشكال التعديات على المجاري المائية وإزالتها، ومنع أي محاولات تعدٍ على منافع الري». وتستهدف الحكومة تنفيذ عديد من مشروعات معالجة المياه والتحلية للإنتاج الكثيف للغذاء لسد العجز في مواردها المائية، ونفذت 3 محطات كبرة لمعالجة المياه، هي الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة، وفق الري.

جانب من محاصيل استراتيجية في سيناء قبل الحصاد (وزارة الزراعة المصرية)

ويرى أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي أن «الحكومة تتوسع في مشروعات زراعية جديدة بالاعتماد على نظم الري الحديث، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه المشروعات تواجه تحديات تتعلق بتوافر المياه، خصوصاً أنها تعتمد بشكل أساسي على المياه الجوفية ومياه الصرف المعالجة».

ويشير إلى أن «استصلاح أراضي زراعية جديدة يتنوع ما بين مشروعات تنفذها الدولة مثل (توشكي وشرق العوينات والدلتا الجديدة)، وأخرى تنفذ بشكل فردي من مستثمرين وقطاع خاص»، ويوضح أن «التحدي الأساسي في تكلفة توفير موارد مائية لهذه المشروعات خصوصاً أن معظمها يعتمد على مياه الصرف الزراعي».

وتحدث السيسي، الخميس، عن إضافة 450 ألف فدان للرقعة الزراعية بشبه جزيرة سيناء، وقال إن «تحقيق هذا الهدف استدعى إقامة محطة بحر البقر، فضلاً عن إقامة البنية الأساسية الأخرى لها».

ويعتقد شراقي أن «المشروعات الزراعية الجديدة يجب أن تغطي جزءاً كبيراً من تكاليفها، بالتوسع في استخدام محاصيل أقل في استهلاك المياه، وذات عائد اقتصادي أكبر».

مشروعات تهيئة الترع في مصر (وزارة الري)

ويرى أستاذ الاقتصاد الزراعي بمعهد «البحوث الزراعية»، مدحت عنيبر أن «الحكومة مطالبة بزيادة الرقعة الزراعية، بما يعزز قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية»، ويشير إلى أن التحدي الأساسي في «توفير المياه من موارد جديدة».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «محطات معالجة المياه التي تقيمها الحكومة توفر الاحتياج المائي للتوسع الزراعي؛ وذلك لأنها تعيد معالجة مياه الصرف 4 دورات»، ويلفت إلى أن «السياسة الزراعية التي تعمل عليها مصر والتي تشمل إقامة مشروعات جديدة مثل الصوب الزراعية، وزراعة محاصيل توفر المياه، أسهمت في تحقيق الاكتفاء من الخضر والفاكهة وزيادة الصادرات»، وفق رأيه.

عملية تجديد شبكات الصرف المغطى بمنطقة بحر البقر (وزارة الري)

وأعلنت وزارة الزراعة، الجمعة، «زيادة حجم الصادرات منذ مطلع العام الحالي بعدما سجلت إجمالي الكميات المصدرة نحو 3.7 مليون طن». وأفادت بأن «الموالح جاءت في صدارة قائمة الصادرات بكميات بلغت نحو 1.7 مليون طن».


درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
TT

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)

تغيّر وجه مدينة درنة الليبية، التي اتخذها تنظيم «داعش» معقلاً له، وأضرّ بها إعصار متوسطي من قبل، لتزدان اليوم بآلاف البنايات الحديثة والمنشآت الحكومية الجديدة، في مشهد يطوي ذاكرة الدم، ويخفف ندوب الماضي الأليم.

فبعد قرابة 6 أعوام على دحر «داعش» بشكل كامل من هذه المدينة الساحلية، ونحو 3 سنوات على «إعصار دانيال»، الذي أزال أجزاءً واسعة منها، بدأت مظاهر الحياة تدب في درنة من جديد، من خلال مشاريع ينفذها «صندوق الإعمار».

جانب من الاحتفالات المصاحبة لافتتاح المشروع السكني في درنة الليبية (صندوق الإعمار)

وفي احتفالية حضرها القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، أسامة حمّاد، إلى جانب سكان من المدينة، جرى افتتاح مشروع 2000 وحدة سكنية بحي السلام في درنة، مساء الخميس.

وقال حفتر الذي حضر الافتتاح إن مسار البناء والإعمار «يُعد واجباً أصيلاً على الدولة تجاه مواطنيها»، مضيفاً أن تلبية احتياجات المواطن وصون كرامته وضمان حقوقه «تأتي في صدارة أولويات الدولة».

مناطق من التجمع السكني الذي شيده صندوق الإعمار في درنة (الصندوق)

وشدد حفتر على «أهمية مواصلة العمل في مسار الإعمار، وتكثيف الجهود ليشمل مختلف المدن والقرى في جميع ربوع ليبيا»، مؤكداً أن «معيار التقييم الحقيقي هو ما يتحقق من إنجاز على أرض الواقع».

وكان «داعش» قد اتخذ من درنة معقلاً له في شرق ليبيا منذ عام 2014، وبدأ في فرض قبضته عليها عبر تحصيل الجزية، وتنفيذ الإعدامات في ساحاتها العامة بحق المناوئين، قبل أن يتمكن «الجيش الوطني» من تحريرها بشكل كامل في 28 يونيو (حزيران) 2018.

وأمام جموع كبيرة من البرلمانيين والمواطنين، أكد حفتر أن هذه المناسبة «تمثل لحظة طال انتظارها، تعود فيها البهجة إلى المدينة، وتستعيد فيها مظاهر الحياة والاستقرار»، معرباً عن تهانيه بما تحقق من إنجازات في مجالات الإعمار.

مسجد «الصحابة» في درنة بعد إعادة تجديده (صندوق التنمية)

وأشاد حفتر «بدور ضباط وجنود القوات المسلحة، ومنتسبي الشرطة والأجهزة الأمنية في تعزيز الأمن داخل المدينة، وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاح مشاريع الإعمار».

وحضر الاحتفالية رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر، ومدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر، وعدد من أعضاء مجلس النواب والوزراء، وممثلو البعثات الدبلوماسية، إضافة إلى مشايخ وأعيان وجموع من أهالي درنة.

وتحدث حماد عن دور القيادة العامة ومجلس النواب في «إرساء دعائم الاستقرار، واستمرار تدشين واستكمال المشاريع السكنية، وتوزيعها على متضرري درنة، واستمرار مشاريع التنمية في مختلف ربوع البلاد، عبر إرادة وطنية صادقة وتمويل وطني».

مدرسة حديثة تم تشييدها لتلاميذ المدينة (صندوق التنمية)

واختتم حماد كلمته باعتبار درنة «نموذجاً وطنياً لمرحلة التعافي وإعادة البناء، عبر النوايا الصادقة والإرادة الحقيقية، التي تحققت من خلال التكامل بين مؤسسات الدولة لتنهض مجدداً، وتعود المدينة الزاهرة في أبهى إطلالاتها».

من جهته، قال بلقاسم حفتر إن «ما تحقق في درنة يمثل تحولاً حقيقياً من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز»، مشدداً على أن «معيار التقييم هو ما يُنفذ على الأرض لا ما يُعلن»، وموضحاً أن المشروع «لا يقتصر على توفير وحدات سكنية، بل يقدم نموذجاً عمرانياً متكاملاً، يعكس توجه الدولة نحو بناء مدن حديثة، وفق معايير تخطيط متقدمة».

وعاش سكان درنة معاناة مضاعفة؛ مرة في مواجهة التنظيم الإرهابي الذي اضطرّهم إلى النزوح بسبب التنكيل والإعدامات، ومرة أخرى بفعل الإعصار المتوسطي، الذي ضرب المدينة في 9 من سبتمبر (أيلول) 2023، متسبباً في كارثة إنسانية غير مسبوقة إثر انهيار سدين.

وفي فبراير (شباط) 2021، أُقيم معرض للكتاب بمدينة درنة في ساحة شاسعة، كان «داعش» يتخذها مقراً لقطع رؤوس معارضيه، قبل أن يفر ما تبقى من عناصره أمام ضربات «الجيش الوطني».

وفي خطوة عُدت «إضافة نوعية لقطاعي التعليم والصحة بالمدينة»، افتتح حماد مستشفى جامعة درنة العلاجي التعليمي بحي السلام، وسلمه إلى جامعة درنة.

وعدّ رئيس مجلس النواب ما تشهده درنة «من نهضة عمرانية، وتسليم للوحدات السكنية لمستحقيها دليلاً قاطعاً على أن العمل الجاد والتعاون الصادق قادران على تطويع التحديات، وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس يخدم الوطن والمواطن».

وقال صالح في كلمته إن تسليم هذه الوحدات لسكان درنة «يعكس التزام الدولة بمسؤولياتها في توفير المسكن اللائق كحق طبيعي، بهدف تعزيز أمن الأسرة وطمأنينتها، ورفع أعباء الإيجار عن كاهل المواطنين». مبرزاً أن هذه الخطوة «ليست نهاية المطاف، بل هي انطلاقة لبرنامج إسكاني واسع، سيشمل العديد من المدن والقرى الليبية، استجابةً للحاجة المتزايدة للسكن الصحي، خصوصاً لفئة الشباب الراغبين في بناء حياة مستقرة».

جانب من الوحدات السكنية الحديثة التي تم تشييدها (صندوق التنمية)

وانتهى صالح مشيداً «بالدور الفعال للشركات الليبية والمصرية والتركية، والفرق الهندسية والعمالية، التي أسهمت في استكمال مشاريع كانت متوقفة منذ زمن طويل».

وكان «داعش» يسيطر أيضاً على مدينة سرت (450 كيلومتراً شرق طرابلس)، قبل أن تدحره قوات «البنيان المرصوص»، وتعلن حكومة طرابلس حينها تحرير المدينة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2016.


«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
TT

«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)

انتقد «اتحاد الشغل» التونسي «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم الوطني، وقال أمين عام اتحاد الشغل التونسي، صلاح الدين السالمي، في كلمته خلال تجمع عمالي، الجمعة، بمناسبة إحياء عيد العمال العالمي إنّ «الظرف صعب، ولا يحتمل المزايدات ولا المجاملات، وليس لنا من خيار تجاهه إلاّ التحلّي بالشفافية وروح المسؤولية والمصارحة بحقيقة الأوضاع»، مضيفاً أننا «جميعاً متضرّرون من الوضع الحالي، ولا مفرّ لنا من مواجهة هذا الوضع إلا بالعمل الجماعي المشترك».

وأشار السالمي في كلمته إلى ما وصفه «بالوضع الصعب الذي يعيشه العمّال بالفكر والساعد، والمتقاعدون على حدّ سواء، جرّاء الارتفاع الجنوني لتكلفة المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية بسبب الارتفاع الكبير لأسعار المواد الأساسية، في وقت تتّسع فيه دائرة الهشاشة لتشمل فئات أوسع من الطبقة الوسطى، وتفاقم نسب البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب بمن في ذلك حاملو الشهادات، وتصاعد ظاهرة هجرة الإطارات من ذوي الاختصاص»، وفق تعبيره.

وأوضح السالمي أنّ مواجهة هذه الأوضاع «لن تنجح إلاّ عبر حوار يعيد الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة، ويوفّر إطاراً صلباً لصياغة الحلول والشروط الضرورية، بما تقتضيه المرحلة من إصلاحات عادلة وعاجلة ومنصفة»، معتبراً أنّ 'التقدّم في مواجهة الصعوبات «لن يتحقّق إلاّ باستكمال الشروط اللازمة لإحلال مناخ سليم للتنمية المستدامة والعمل اللائق، لا مكان فيه للتهرّب الضريبي، ولا لأشكال العمل الهجينة والمارقة على القانون، والتي يكرّسها اليوم الاقتصاد الموازي والمنصّات الرقمية التي خلقها الواقع الجديد للعمل، ومناخ يسوده العدل والإنصاف، ويعود فيه الدعم لمستحقّيه دون غيرهم، وتحكمه مبادئ المساءلة والمحاسبة وعلوية القانون»، وفق تعبيره.

في سياق ذلك، رأى السالمي أن الزيادة الأخيرة في أجور القطاعين العام والخاص كانت أحادية الجانب، مشدداً على أنها لا تلبي الحاجيات الفعلية للعمال. وقال إن العمال في حاجة إلى زيادات في الأجور مهما كانت قيمتها، ودعا إلى ضرورة تفعيل مؤسسة الحوار الاجتماعي، بهدف معالجة الملفات العالقة للعمال والمؤسسات.

وجاءت هذه التصريحات بعد أن نشرت الحكومة التونسية، الخميس،زيادات في الأجور لموظفي الدولة والقطاعين العام والخاص والمتقاعدين، في مسعى لدعم القدرة الشرائية، في ظل ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة. وتقدر الزيادة بنسبة 5 في المائة في الأجر الأساسي، على أن يبدأ سريانها بأثر رجعي في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026. ويتضمن مشروع قانون المالية لعام 2026 زيادات في الأجور على مدى 3 سنوات، بين 2026 و2028، بتكلفة تفوق 300 مليون دولار أميركي، لكن «اتحاد الشغل»، النقابة الكبرى في تونس، انتقد إقرار السلطة لزيادات خارج المفاوضات الاجتماعية، كما حذر من غياب سياسات فعالة للسيطرة على الأسعار وغلاء المعيشة.