«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

تقرير أممي تحدث عن استمرار المقاتلين السوريين وعبور كولومبيين للسودان

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
TT

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)

يرسخ ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا حضوره بوصفه من أبرز العقد الأمنية التي تثقل المشهد الداخلي، ليس فقط لكون البلاد وجهة لاستقرار مقاتلين سوريين ومن جنسيات أخرى، بل أيضاً لأنها ممر عبور وقاعدة عمليات تمتد تداعياتها إلى بؤر نزاع إقليمية، لا سيما في السودان.

ولطالما أشارت تقارير دولية متكررة، أبرزها وأحدثها مسودة تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة حول ترسخ هذا الدور، وهو ما يعكس تشابك الساحة الليبية مع محيطها الإقليمي. كما يعد الخبراء ليبيا محوراً نشطاً في حركة المقاتلين الأجانب، ليصبح هذا الواقع جزءاً من منظومة صراع أوسع تتقاطع فيها خطوط الإمداد والتحالفات العسكرية العابرة للحدود.

ويتزامن ذلك مع عجز مستمر عن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في جنيف عام 2020، الذي نصّ على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة بحلول يناير (كانون الثاني)2021، ما يظهر استمرار الوجود الأجنبي، وتعمقه في موازين القوى الداخلية، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الاتفاق.

* أكثر من 7 آلاف مقاتل سوري

تعزز فئة المقاتلين السوريين وجودها بوصفها عنصراً مؤثراً داخل المشهد الأمني، حيث تنتشر في غرب ليبيا، خصوصاً في العاصمة طرابلس، وفي مواقع عسكرية وأمنية بارزة، بينها معسكر التكبالي ومعسكر صلاح الدين، ومنطقة أبو سليم وقاعدة اليرموك، إضافة إلى مدينة مصراتة، حسب مسودة التقرير الأممي.

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر خلال لقاء مع السفير التركي غوفين بيجيتش في بنغازي الاثنين (إعلام الجيش الوطني)

ولم يحدد الخبراء الأمميون أعداد هؤلاء المرتزقة بدقة، غير أن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» يقدر عددهم في طرابلس سابقاً بأكثر من 7 آلاف، فرّ نحو 3 آلاف منهم، وتحولوا إلى لاجئين في شمال أفريقيا وأوروبا.

ولا يقتصر دور هؤلاء على التمركز في ليبيا حسب مسودة التقرير، بل شاركوا فعلياً في مواجهات مسلحة، من بينها الاشتباكات التي وقعت في مايو (أيار) 2025 إثر مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الكيكلي، كما جرى الدفع بهم مجدداً مع تصاعد التوترات، في إطار اعتماد الفصائل المسلحة على عناصر أجنبية، بوصفها «مضاعفات قوة» جاهزة للتدخل السريع.

وتعود جذور هذا الحضور الأجنبي إلى ذروة الصراع على طرابلس عام 2019، حين دفعت تركيا بمقاتلين سوريين من فصائل معارضة، أبرزها فصيل «السلطان مراد»، بموجب تفاهمات مع حكومة «الوفاق» السابقة، برئاسة فائز السراج، لدعم صد هجوم قوات الجيش الوطني على العاصمة.

ومنذ توقف العمليات العسكرية، لم يطرأ تغيير جوهري على تموضع هذه القوات، لتصبح مع مرور الوقت من الثوابت في المشهد الأمني الليبي.

ولا يتوقف الاعتماد على المقاتلين السوريين على غرب البلاد، بل يمتد أيضاً إلى شرق وجنوب ليبيا الخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، حيث ترصد المعطيات الأممية وجودهم في مواقع استراتيجية، من بينها قاعدة معطن السارة الجوية، التي شهدت تعزيزات لدعم عناصر سبق ارتباطها بشبكات «فاغنر».

رئيس الأركان التركي خلال زيارة سابقة لمركز قيادة العمليات في طرابلس (وزارة الدفاع التركية)

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، أن ملف المرتزقة لا يزال عقدة عالقة ومرشحة للاستمرار، مشيراً إلى أن ليبيا تضم مئات المرتزقة من جنسيات متعددة، من بينها روسيا وتشاد وسوريا، وأن وجودهم ليس طارئاً بل يمتد لسنوات، حيث استقر بعضهم منذ أكثر من خمس سنوات.

ويقول حرشاوي لـ«الشرق الأوسط»: «اللافت ليس ازدياد أعدادهم، بل ثباتها النسبي، ويستبعد مغادرتهم في المدى القريب»، مؤكداً أن خروج المرتزقة لن يحدث ما لم ينتهِ الانقسام الليبي.

* ليبيا نقطة لنقل المقاتلين إلى جبهات بالخارج

رغم هذا التمركز، فإن الأبعاد الإقليمية تفرض نفسها على الملف، إذ توثق المسودة الأممية استخدام الأراضي الليبية نقطة انطلاق لنقل مقاتلين إلى ساحات قتال خارجية.

وتشير المعطيات الأممية إلى أن مقاتلين من كولومبيا عبروا ليبيا في طريقهم إلى «قوات الدعم السريع» في السودان، مستفيدين من تسهيلات لوجيستية في مناطق تحت نفوذ الجيش الوطني، فيما اختصت مدينة الكفرة بمحور رئيسي ضمن هذا المسار، حسب تقديرات خبراء الأمم المتحدة.

في هذا السياق يقول حرشاوي: «يعبر الكولومبيون ليبيا إلى السودان لكنهم لا يقيمون فيها، غير أن هذا المرور يطرح معضلة أمنية إقليمية أوسع، إذ يحوّل الأراضي الليبية إلى معبر مفتوح لشبكات نقل المقاتلين الأجانب، مما يغذي تداخل مسارات النزاعات، وتدويرها عبر الإقليم».

ويشير التقرير الأممي إلى أن القوات المسلحة السودانية نفذت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 غارات جوية داخل الأراضي الليبية، استهدفت شحنات لمركبات ومقاتلين أجانب، في محاولة لقطع خطوط الإمداد الداعمة لخصومها.

ورغم تكرار الاتهامات للجيش الوطني الليبي، خلال العامين الماضيين، بتقديم دعم لأطراف في النزاع السوداني، فقد دأبت السلطات في شرق ليبيا على نفي أي ضلوع لها في الحرب الأهلية التي اندلعت في 15 أبريل (نيسان) 2023 بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو.

وسبق أن أكد رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول خالد حفتر، أن «الصراع في السودان شأن داخلي»، وأن مهمتهم تقتصر على تأمين الحدود، دون التدخل في شؤون الدول المجاورة.

في المقابل، أبعد ملف المرتزقة الأجانب في ليبيا فيما يبدو عن أجندة تحركات المجتمع الدولي ودوله المتدخلة في الشأن الليبي، وتحول أحياناً إلى صيغة بروتوكولية دون صدى على الأرض، حسب محللين.

ولا يجد المحلل السياسي حسام الدين العبدلي تفسيراً لتراجع الاهتمام بهذا الملف، سوى بوصفه «انعكاساً لغياب إرادة دولية حقيقية للحل». ويشير إلى أن استمرار وجود المرتزقة ومرورهم عبر ليبيا لا يمكن نسبته فقط إلى قادة البلاد والمتحكمين في المشهد المحلي، مرجحاً وجود «أطراف إقليمية ودولية ضالعة في هذا الملف، ما يعقد الجهود الرامية إلى إخراج هؤلاء المقاتلين».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

وسبق أن وصفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذا الملف في أغسطس (آب) الماضي بأنه «من أهم الجوانب، وأكثرها تحدياً في استعادة الاستقرار والأمن في البلاد»، مؤكدة أن بعثة الأمم المتحدة «تعمل باستمرار على معالجة هذه الظاهرة، رغم تعقيدها».


مقالات ذات صلة

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

شمال افريقيا الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

لم يضع قرار حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا برفع رواتب موظفي الدولة حداً للاحتجاجات والانتقادات لتردي الأوضاع المعيشية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)

«الجيش الوطني» لاحتواء خلافات قبلية محدودة بالجنوب الليبي

أقر «الجيش الوطني الليبي» تشكيل لجنة للمصالحة في جنوب البلاد بهدف احتواء الخلافات الفردية والمحدودة التي تنشأ بين أبناء قبائل إقليم فزان

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مشاورات بين مسؤولين مصريين وإيطاليين في روما يناير الماضي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر وإيطاليا تشددان على مشاركة الأطراف كلها بالحل الليبي

بدا الموقفان المصري والإيطالي أكثر تمسكاً بضرورة إشراك الأطراف الليبية كلها في أي مسار يستهدف إنهاء الأزمة وإجراء الانتخابات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

طوى مجلس النواب الليبي مرحلة المستشار عقيلة صالح برئاسته الممتدة منذ 2014، بانتخاب النائب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً للمجلس في جلسة عقدت ببنغازي.

جمال جوهر (القاهرة)

الحديث عن «قوات إريترية» في «تيغراي» يفاقم التوتر مع إثيوبيا

طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

الحديث عن «قوات إريترية» في «تيغراي» يفاقم التوتر مع إثيوبيا

طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
طفلة على سرير المستشفى بجوار والدها في مستشفى «أيدر» جراء القصف في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

يشهد ميدان اشتباكات «جبهة تحرير تيغراي» والحكومة الفيدرالية الإثيوبية تطورات متلاحقة، وسط حديث عن ظهور قوات إريترية بشمال الإقليم، نفاه مصدر إريتري مسؤول، ما ينذر بالتحول إلى حرب إقليمية أوسع.

تلك الأحاديث المتزامنة مع استمرار الاشتباكات في إقليم تيغراي، تحمل، بحسب خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث إلى «الشرق الأوسط»، نذير صدام بين إثيوبيا وإريتريا وتوسيع دائرة الصراع بالمنطقة واستمرار المواجهات بشمال البلاد.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، عن شهود عيان أن «قوات إريترية انتشرت في الأيام الأخيرة حول مدينة أديغرات في شمال إقليم تيغراي، وهي منطقة قريبة من إريتريا، ويبدو أن القوات الإثيوبية تتجه نحوها، وذلك في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة بين إثيوبيا وإريتريا».

وأشار كذلك مسؤول محلي وسكان إلى وجود قوات إريترية في أديغرات التي تبعد نحو 40 كيلومتراً إلى الجنوب من الحدود الإريترية، وقالوا إن بعض هذه القوات تتجه جنوباً نحو ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي التي كانت القوات الفيدرالية الإثيوبية وميليشيا متحالفة معها من تيغراي قد سيطرتا عليها، السبت، من دون قتال بعد انسحاب متمردي «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها، بحسب الوكالة.

ونقلت الوكالة عن مسؤول محلي في أديغرات، طلب عدم كشف هويته، أن «هناك جنوداً إريتريين في أديغرات منذ أربعة أيام، والسكان قلقون للغاية».

كما أفاد شاهد عيان بأنه رأى قوات «ترتدي زياً عسكرياً إريترياً» تتجه جنوباً على الطريق الرئيسي في أديغرات، وقال آخر إن «قوات إريترية تحمل أسلحة ثقيلة على متن شاحنات كبيرة ومركبات دورية وآليات أخرى كانت تتجه نحو بلدة إداغا حموس، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوبي المدينة».

ورداً على ذلك، نفى مصدر إريتري مسؤول لـ«الشرق الأوسط» وجود قوات لبلاده في إقليم تيغراي، لكنه لم يستبعد الصدام مع إثيوبيا لو مسَّت حدود بلاده.

وقال المصدر، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه: «لا قوات إريترية في تيغراي، ولكن الاحتكاك والصدام وارد، إذا تم المساس بالحدود الإريترية، فهذا طبيعي».

وأضاف: «إريتريا مستعدة للدفاع عن نفسها، لكن لا تعتدي على أي حد»، لافتاً إلى أن خطاب تنصيب رئيس الوزراء آبي أحمد لولاية جديدة، الاثنين، تضمن تهديداً صريحاً بالحرب ضد أسمرة عندما أكد أن إثيوبيا ستصل إلى منفذ بحري.

وأشار المصدر إلى أن مثل هذه الأحاديث تستهدف إبعاد الأنظار عن الاشتباكات الدائرة بين الحكومة الإثيوبية و«جبهة تحرير تيغراي»، خاصة أن الحكومة لم تحسم بعد الصراع لصالحها.

عناصر من الجيش الإثيوبي أمام مطار «ألولا أبا نيغا» في ميكيلي عاصمة تيغراي بعد استعادة السيطرة عليه الثلاثاء (أ.ف.ب)

وقبل أقل من أسبوع، وجهت إثيوبيا اتهامات لإريتريا بارتكاب أعمال «عدائية وعنف»، بعدما طردت عشرة دبلوماسيين إريتريين وأغلقت سفارتها في أسمرة، فيما ردت إريتريا بأنها ستقطع «جميع العلاقات الدبلوماسية».

وبلغت التوترات القائمة منذ فترة طويلة بين البلدين الجارين مرحلة حرجة مع تجدد الاشتباكات في شمال إثيوبيا، حيث اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم «جبهة تحرير تيغراي». وتخشى إريتريا أن تكون إثيوبيا، وهي دولة حبيسة، تخطط لغزو أراضيها للحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

وقال الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية أنور إبراهيم: «أديس أبابا لم تؤكد حتى الآن هذه التحركات»، لافتاً إلى أنه في حال ثبوت دخول قوات إريترية إلى الأراضي الإثيوبية، فإن ذلك قد يؤدي إلى رد فعل حكومي أو دولي سريع ويصل لحرب ويفاقم التوتر.

وأضاف: «ما يثار ينذر بتطورات عسكرية خطيرة قد تشعل مواجهة واسعة النطاق بين الطرفين في المنطقة»، متوقعاً اتضاح معالم الموقف أكثر خلال الساعات القليلة المقبلة، واتخاذ تحركات دولية للتهدئة إن صح ذلك، «وإلا فالحرب أقرب مجدداً».

والعلاقات بين إثيوبيا وإريتريا متوتّرة منذ استقلال الأخيرة عام 1993. وبين عامي 1998 و2000 اندلعت بينهما حرب دامية على خلفية نزاعات إقليمية، قبل أن يبرم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اتفاق سلام مع الرئيس الإريتري آسياس أفورقي عام 2018.

وتجدد التوتر بوضوح بين الجانبين عقب توقيع إثيوبيا اتفاق «بريتوريا للسلام» مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، من دون مشاورة حلفائها في الحرب التي استمرت عامين كاملين (2020 - 2022).

وازدادت حدة التوتر بعد إعلان أديس أبابا عن رغبتها في امتلاك منفذ على البحر الأحمر، واتهمتها أسمرة بالتطلع إلى ميناء عصب الإريتري.


ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

لم يضع قرار حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا، القاضي برفع أجور موظفي الدولة، حداً للاحتجاجات والانتقادات لتردي الأوضاع المعيشية، حيث واصلت قطاعات حكومية عدة التمسك بمطالبها، فيما قرر معلمون الاستمرار في الإضراب، معتبرين أن الزيادة المعلنة «لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا تعالج تراجع قدرتهم الشرائية».

وفي خطوة جاءت في خضم الاحتجاجات، أعلنت حكومة «الوحدة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الثلاثاء، اعتماد جدول موحد للرواتب لجميع الموظفين في القطاعات والوحدات الإدارية العامة، الممولة من الخزانة العامة، بزيادة قدرها 10 في المائة مقارنة بالجدول السابق، وقالت إن القرار يأتي في إطار «تحقيق العدالة الاجتماعية»، وتحسين أوضاع العاملين في الدولة.

جانب من إضراب المعلمين في طرابلس الأحد الماضي (نقابة معلمي طرابلس المركز)

وبحسب الأرقام المعلنة، يبدأ الراتب الأساسي للدرجة الأولى من 825 ديناراً ليبياً، بينما يصل إلى 4219 ديناراً للدرجة السادسة عشرة. (سعر الدولار يبلغ نحو 6.42 دينار في السوق الرسمية و9.68 دينار في السوق الموازية).

لكن مستويات الأجور الجديدة أثارت انتقادات من اقتصاديين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام محلية، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية للدينار. وفي هذا السياق، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، علي الشريف، إن «الأرقام المتداولة لا تتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية»، داعياً إلى مراجعة شاملة لسلم الأجور وربطه بمستويات الأسعار.

أقسام فارغة في بنغازي بسبب إضراب المعلمين (رويترز)

من جهته، اعتبر الباحث الاقتصادي عبد الحميد الفضيل أن متوسط الأجور لا يزال وفق الأرقام المتداولة دون مستوى «الفقر المطلق»، بينما حذر عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، مراجع غيث، من أن زيادة الأجور من دون معالجة تراجع القوة الشرائية للدينار قد تقود إلى ارتفاع الأسعار، بما يعيد الموظفين إلى المطالبة بزيادات جديدة.

ولم تؤد الزيادة الحكومية المعلن عنها إلى إنهاء إضراب قطاعات من الموظفين، وفي مقدمتها قطاع التعليم، الذي أدى تعليق العمل فيه إلى توقف الدراسة في عدد من المناطق.

ورغم استئناف الدراسة في مصراتة (غرب)، الأربعاء، في المؤسسات التعليمية التابعة للبلدية، وإعلان استئنافها في المدارس العامة والخاصة بمدينة البيضاء (شرق) اعتباراً من الأحد المقبل، فقد تمسك «حراك المعلمين في ليبيا» بمواصلة الإضراب والاعتصام داخل المؤسسات التعليمية إلى حين تنفيذ مطالبه.

ورفض الحراك مخرجات اجتماع ممثليه مع الدبيبة، مؤكداً رفض أي اتفاق لا يتضمن معالجة شاملة وملزمة لمطالب المعلمين، مع المطالبة بقرارات تنفيذية واضحة، وجدول زمني محدد لتنفيذها.

جانب من إضراب المعلمين في طرابلس أواخر الشهر الماضي (أ.ف.ب)

وأعلن رئيس الحراك أشرف الهادي استمرار موقف المعلمين، بعد اتفاق ممثلين عن مناطق الشرق والوسط والجنوب والغرب على مواصلة الإضراب، وتنظيم وقفات احتجاجية. كما أعلن «حراك معلمي الزاوية» رفضه مخرجات الاجتماع الذي جمع النقابة العامة للمعلمين والحكومة.

في السياق ذاته، أعلنت النقابة العامة للتفتيش والتوجيه التربوي استمرار تعليق العمل الميداني إلى حين تلبية مطالب العاملين في القطاع.

وكان الدبيبة قد أعلن، الثلاثاء، استئناف العملية التعليمية اعتباراً من الأربعاء، عقب اجتماعه مع النقابة العامة لمعلمي ليبيا، مؤكداً أولوية حق الطلاب في التعليم وضرورة انتظام الدراسة. وقال خلال الاجتماع إن حكومته بدأت «المباشرة في تحقيق العدالة في المرتبات، وفق رؤيتنا لتحقيق العدالة الاجتماعية».

وفي وقت لاحق، الأربعاء، أعلنت النقابة العامة للمعلمين إحالة المخصصات المالية الخاصة بعلاوة الحصة للمعلمين وعلاوة مديري المدارس، ونوابهم من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة المالية، لاستكمال الإجراءات المالية تمهيداً لصرفها.

ولا تقتصر الاعتراضات على قطاع التعليم؛ إذ امتدت إلى قطاعات أخرى، بينها الصحة، حيث وجه «اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا» رسالة إلى الحكومة، اعتبر فيها أن اعتماد جدول جديد للمرتبات لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة الموظفين.

وذهب «الاتحاد» إلى القول إن الموظف لا ينظر إلى قيمة الراتب «على الورق»، وإنما إلى قدرته على تلبية احتياجاته، في ظل ارتفاع تكاليف الإيجارات والنقل والغذاء والالتزامات الأسرية، منتقداً طرح زيادة المرتبات بمعزل عن معالجة الأسعار وسعر صرف الدينار.

واعتبر أن «الزيادة التي لا تحسن حياة الموظف لا تعتبر حلاً»، مطالباً بتحسين القوة الشرائية، وإصلاح الاقتصاد وخفض الأسعار، بدلاً من الاكتفاء بتغيير الأرقام الواردة في جداول الأجور.

يشار إلى أن الموظفين الحكوميين في ليبيا باتوا يمثلون أكثر من 85 في المائة من إجمالي القوى العاملة في البلاد، بحسب تقديرات ديوان المحاسبة (أكبر جهاز رقابي ليبي)، وهم يفوقون بمراحل المعدل العالمي البالغ 11 في المائة فقط، بحسب الديوان.

واستحوذت رواتب موظفي القطاع الحكومي على نحو 53.6 في المائة من إجمالي الإنفاق العام في ليبيا خلال 2025، إذ بلغت نحو 73.3 مليار دينار، من إجمالي إنفاق قدره 136.8 مليار دينار، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي.


رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
TT

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي، وأعلنوا التوجه لعقد جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، في خطوة تثير تساؤلات حول ما إذا كان الخلاف سيبقى داخل المجلس أم سيتطور إلى مسار انقسامي.

وانتُخب عبد النبي خلال جلسة عُقدت في بنغازي، الثلاثاء، بحضور 111 نائباً، كما انتخب المجلس طارق الأشتر نائباً أول للرئيس، ومصباح دومة نائباً ثانياً، وزايد هدية مقرراً، ومحمد تامر نائباً للمقرر، إلى جانب ثلاثة مراقبين للمجلس.

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

وجاء انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة بعد تصويت 98 نائباً من أصل 102 حضروا جلسة سابقة يوم الاثنين على تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، في خطوة مهّدت لإعادة تشكيل هيئة الرئاسة، وإنهاء الترتيب السابق الذي ظل قائماً منذ انتخاب أول هيئة للمجلس في عام 2014، ولم تخلُ من جدل برلماني.

وبحسب مراقبين، قاد فريق من النواب تحركاً رافضاً لانتخاب هيئة الرئاسة الجديدة، برز من بينه عضو مجلس النواب عن الزاوية علي بوزريبة، الذي وصف جلسة بنغازي، وما نتج عنها من قرارات، بأنها «غير شرعية»، معلناً عن جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، مع توقع مشاركة أكثر من 60 نائباً، وفق تصريحات لقناة محلية.

من جهته، انتقد النائب عبد النبي عبد المولى ما اعتبره تدخلاً في خيارات النواب من جانب أطراف في السلطة في شرق البلاد. وقال، في تصريحات صحافية، إن إصلاح المجلس يجب أن يتم من داخله، رافضاً أي ضغوط خارجية، ومشدداً على ضرورة خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة التشريعية.

من عملية فرز أصوات النواب الليبيين خلال جلسة انتخاب رئيس جديد للمجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي للمجلس)

ويمثل هذا التحرك أول اختبار للرئاسة الجديدة، ليس فقط لجهة قدرتها على تثبيت نتائج جلسة بنغازي، وإنما أيضاً في التعامل مع كتلة نيابية، ترى أن تغيير هيئة الرئاسة جرى وفق إجراءات غير قانونية.

ورغم الهوة بين كتلتين في مجلس النواب، فإن تقديرات سياسيين ومحللين تستبعد أن يتجه المشهد البرلماني للانقسام بين طرابلس وبنغازي، علماً بأن ليبيا تعيش تنازعاً على السلطة بين طرفين في المدينتين الرئيسيتين في غرب البلاد وشرقها منذ أكثر من 12 عاماً.

وجهة النظر السابقة تبناها المحلل السياسي الليبي عمر أبو سعيدة، الذي أدرج مواقف النواب الرافضين في إطار «الضغط والمناورة» لتحسين شروط التفاوض بشأن توزيع المناصب واللجان وآليات إدارة المجلس، أكثر من كونها خطوة أولى لتقسيم المؤسسة التشريعية.

وبحسب أبو سعيدة، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن الدعوة إلى عقد جلسة في طرابلس يمكن أن تستخدم لإظهار قدرة بعض الكتل على تحريك المشهد السياسي في غرب ليبيا، والضغط على الرئاسة الجديدة، عبر مسألة النصاب ومكان انعقاد الجلسات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى إنشاء جسم برلماني موازٍ.

الرؤية نفسها التي تستبعد حدوث انقسام برلماني أيدها أيضاً المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة السنوسي إسماعيل، الذي نسب إلى مصدر لم يسمه القول بأن عقيلة صالح هنأ الصالحين عبد النبي بتولي رئاسة المجلس، ورفض أي انقسام داخله، وأوضح أنه يعتزم الاستمرار عضواً في المجلس والعمل مع زملائه وهيئة الرئاسة الجديدة بصورة اعتيادية.

وبحسب ما نسبه السنوسي إسماعيل إلى المصدر، فإن صالح يرفض أيضاً عقد اجتماع في طرابلس لمناقشة ما جرى، كما يرفض أي وساطة دولية للتدخل في الخلاف، المتعلق بإبعاده من رئاسة المجلس.

ووسط هذه التطورات التي بدا أنها كانت متوقعة، حاول الرئيس الجديد لمجلس النواب توجيه رسالة احتواء مبكرة إلى أعضاء المجلس، مؤكداً أنه سيكون «رئيساً لكل أعضاء مجلس النواب»، وأنه حريص على أن تكون المؤسسة التشريعية «جامعة»، وأن تعبّر عن تطلعات الليبيين بمختلف مكوناتهم.

لكن اختيار طرابلس لعقد الجلسة يضيف بُعداً آخر إلى الخلاف، في ظل الترتيبات السياسية الأوسع التي تشهدها ليبيا. وهنا يرى الباحث السياسي حسام فنيش أن اللقاءات التي أجراها أعضاء من مجلس النواب مع ممثلين عن حكومة عبد الحميد الدبيبة حول عقد جلسة في طرابلس لا ينبغي تفسيرها تلقائياً باعتبارها مشروعاً لتقسيم المجلس.

عقيلة صالح (النواب)

ويربط فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا التحرك بالسياق السياسي لاتفاق «4+4»، الذي وقعته أطراف الصراع في نهاية أغسطس (آب) الماضي، ويتضمن ترتيبات بشأن عقد جلسات مجلس النواب والسلطة التنفيذية بصورة دورية بين طرابلس وبنغازي وسبها.

ومن هذه الزاوية، قد يكون عقد جلسة في طرابلس جزءاً من تهيئة سياسية ومؤسسية لمسار أوسع، يتعلق بتوزيع نشاط مؤسسات الدولة بين المدن الليبية، وفق فنيش، ومن دون أن يمثل بالضرورة تطبيقاً مباشراً للاتفاق أو إعلاناً عن انقسام المجلس.

وتبقى المسألة الأهم هي ما إذا كانت جلسة طرابلس، في حال انعقادها، ستظل تحركاً سياسياً داخل المؤسسة التشريعية، أم تتحول إلى مسار مؤسسي مستقل عن رئاسة المجلس المنتخبة في بنغازي.

وهنا يرى أبو سعيدة أن حسم هذه المسألة يرتبط بمدى الالتزام بالقواعد الإجرائية للمجلس، مستخلصاً أن أي جلسة أو قرارات جديدة تحتاج إلى توافر الشروط القانونية للنصاب والانعقاد حتى تكتسب أثراً مؤسسياً.