نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

وسط تساؤلات حول فاعلية القوى الإقليمية والدولية في كسر الجمود

المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
TT

نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)
المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)

يستعيد «مسار برلين» حضورَه في المشهد الليبي عبر نشاط دبلوماسي يهدف إلى حلحلة الأزمة وكسر الجمود السياسي في البلاد، فيما تواصل البعثة الأممية تحركاتها لاستكمال مراحل «خريطة الطريق»، التي تعمل عليها.

ويستند المسار إلى مبادرة دولية انطلقت قبل 5 سنوات في ألمانيا، وتضم دولاً غربية وإقليمية لدعم الحل السياسي في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ويرى دبلوماسيون وسياسيون ليبيون أن «مسار برلين»، الذي انطلق منذ عام 2020، «لعب دوراً محورياً» في إعادة هيكلة المؤسسات السياسية الليبية، ووضع اللبنات الأساسية لحكومة «الوحدة الوطنية»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة. غير أن تساؤلات مستمرة لا تزال تحيط بمدى قدرته على تحويل هذه الجهود الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

سامي المنفي مستشار رئيس المجلس الرئاسي خلال لقاء مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير في باريس الاثنين (إعلام المجلس الرئاسي)

ويرى الدبلوماسي الليبي والقائم السابق بأعمال السفارة الليبية لدى سوريا، محمد المرداس، أن «مسار برلين» هو «الأهم في الحالة الليبية»، معيداً التذكير بأن مؤتمر 2020 وأعضاء مساره «وضعوا الأساس» لخريطة الطريق، التي انتهى إليها اجتماع جنيف، وأسفرت عن تشكيل المجلس الرئاسي الحالي وحكومة «الوحدة»، بما يمنحه تأثيراً ملموساً لدى الأطراف الليبية.

وفي امتداد للرؤية نفسها، يشدِّد عضو الأمانة العامة لحزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «مسار برلين يجمع معظم القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، ما يمنحه ثقلاً سياسياً يتيح تنسيق مواقفها، والحد من تضارب السياسات داخل الساحة الليبية».

ووفق هذا التقدير، ينظر مراقبون باهتمام إلى اجتماع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، مع سفراء دول «مسار برلين» قبل أسبوع، حيث كانت أبرز مخرجاته تأكيد حرص الأطراف الدولية على تكثيف الدعم للمسار السياسي، بما يعكس استمرار دوره المحوري في المشهد السياسي الليبي، رغم الانشغال العالمي بالتطورات الإقليمية.

الكوني نائب رئيس المجلس الرئاسي في لقاء مع السفير البريطاني بتاريخ 11 مارس الحالي (مكتب الكوني)

ويضم «مسار برلين» مجموعةً واسعةً من الدول والمنظمات الدولية، منها ألمانيا، والولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، ومصر، والجزائر، وتونس، وتركيا، والصين، وهولندا، والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية. ويختلف حضور بعض الدول بحسب طبيعة الاجتماعات وتطورات الملف الليبي.

وتتميَّز باريس بنشاط ملحوظ ضمن «مسار برلين»، حيث التقى في باريس باول سولير المبعوثُ الخاص للرئيس الفرنسي، سامي المنفي مستشارَ رئيس المجلس الرئاسي وشقيقه؛ وذلك بهدف دعم توحيد المؤسسات، في صدارة المخرجات.

وسبقت ذلك لقاءات للسفير الفرنسي تيري فالا والمنفي ونائبه موسى الكوني، ومع وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، بما يعكس حرص باريس على تعزيز تأثيرها في المسار، وفقاً لمتابعين.

واستكمالاً لذلك، شهدت ألمانيا، صاحبة المبادرة الأولى للمسار، نشاطاً دبلوماسياً تَمثَّل في اجتماع السفير الألماني رالف تراف، قبيل إجازة عيد الفطر، مع مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه. كما حرصت الصين على تسجيل حضورها في المشهد عبر لقاء سفيرها ما شيوي ليانغ مع تيتيه؛ سعياً إلى مواصلة التنسيق بين القوى الدولية ضمن المسار، مع الحفاظ على الدور المحوري للبعثة الأممية.

ومع ذلك، يبقى التساؤل قائماً حول مدى فاعلية «مسار برلين» على الأرض. وفي هذا السياق يعتقد المرداس أن «الضغوط الدولية على الأطراف الليبية، بالتوازي مع ضغط الشارع، سيكون لها تأثير قوي على المواقف السياسية».

تيتيه مستقبلة السفير الألماني لدى ليبيا رالف تراف في 18 مارس الحالي (البعثة الأممية)

من جهته، يعتقد الباحث السياسي الليبي مصطفى الفيتوري أن «مسار برلين جمع بين الإيجابيات والسلبيات، إذ أسهم في تفكيك جزء من الأزمة، لكنه فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية عبر مسارات موازية، رغم اعتماد مجلس الأمن منذ 2015 على مبدأ أن الحل بيد الليبيين».

وقال الفيتوري، لـ«الشرق الأوسط»، إن المسار «يفتقر إلى أدوات تأثير حقيقية على الأرض، ولا يملك قدرةً تنفيذيةً واضحةً حتى داخل البعثة الأممية، رغم تبني بعض مخرجاته في ملفات الاقتصاد وحقوق الإنسان والحوكمة».

ووفق رؤية فنيش، فإنَّ «المشهد الليبي اعتاد على موجات من النشاط الدبلوماسي تتبعها فترات من الجمود»، ويرى أن «السؤال الحقيقي ليس عن كثافة اللقاءات، بل حول قدرتها على إنتاج تفاهمات واضحة حول قواعد العملية السياسية وآليات تنفيذها».

يُشار إلى أن «مسار برلين» استأنف اجتماعاته في يونيو (حزيران) الماضي بصيغة لجنة متابعة دولية، بعد غياب دام أكثر من 4 سنوات عن التحركات الدولية في المشهد الليبي. ووجَّه المشاركون حينها رسائل تحذيرية بأن «مَن يعرقلون العملية السياسية ستتم مساءلتهم، بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة».


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» (قناة «ليبيا الحدث» المقربة من «الجيش الوطني»)

تعويل أميركي على «فلينتلوك 2026» لتحقيق التكامل العسكري بليبيا

عدّ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، انطلاق تدريب «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات في ليبيا، خطوة مهمة للأمام في سياق العمل على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.