الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

تقارير دولية: أكثر من خُمس سكان مناطق النزاع يعانون اضطرابات نفسية

مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
TT

الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)

مع استمرار الحرب في السودان، وتفاقم تداعياتها الأمنية والإنسانية والاقتصادية، لم تعد مأساة السودانيين تقتصر على سقوط القتلى أو معاناة الجرحى والجوعى والنازحين، بل امتدت آثارها إلى الصحة النفسية للسكان، في ظل تصاعد مقلق لمعدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة.

وتشير تقديرات منظمات دولية وخبراء محليين إلى أن البلاد تواجه أزمة نفسية متنامية، قد تترك آثاراً طويلة الأمد على المجتمع إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتوسيع خدمات الدعم النفسي والعلاج المتخصص. وكشفت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، في تقرير لها، عن انتشار واسع لحالات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة في العاصمة الخرطوم. وبلغت نسبة انتشار هذه الاضطرابات نحو 12 في المائة بين طلاب المرحلة الثانوية، فيما تجاوزت 59 في المائة بين السكان النازحين.

وأشار التقرير إلى أن النزاعات الممتدة في السودان خلّفت عبئاً متزايداً من اضطرابات الصحة النفسية، لافتاً إلى أن الأطفال يُعدّون الفئة الأكثر عرضة للخطر، إذ يواجهون مخاطر متعددة تشمل الاختطاف والعنف الجنسي والتجنيد القسري وزواج الأطفال، وهي عوامل قد تترك آثاراً نفسية عميقة وممتدة.

واجهة مستشفى د. التجاني الماحي للأمراض النفسية أشهر وأعرق المشافي النفسية في السودان (الشرق الأوسط)

وأوضحت المنظمة أن الاضطرابات الذهانية الكبرى تظل نادرة نسبياً، في حين تفتقر البيانات المتعلقة بالانتحار وتعاطي المخدرات إلى الدقة بسبب نقص المعلومات. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن أكثر من شخص واحد من كل خمسة أشخاص يعيشون في مناطق النزاع يعاني أحد اضطرابات الصحة النفسية. ويعاني السودان في الوقت ذاته نقصاً حاداً في الكوادر المتخصصة في هذا المجال، إذ لا يتجاوز عدد اختصاصيي الصحة النفسية 899 متخصصاً في مختلف أنحاء البلاد، وفق إحصائية صادرة عام 2020.

ارتفاع معدلات الأمراض النفسية

في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلنت وزارة الصحة الاتحادية في السودان عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الأمراض النفسية، مؤكدة أن تداعيات الحرب والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون ضاعفت الحاجة إلى تدخلات عاجلة. وكشفت الوزارة عن خطة اتحادية لإعادة تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز علاج الإدمان، بهدف تعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في هذا المجال. وقال وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، إن الاضطرابات النفسية تشهد تزايداً على مستوى العالم، غير أن الوضع في السودان أكثر تعقيداً في ظل الظروف الراهنة التي فرضتها الحرب.

وأشار إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، وتوسيع خدمات الاكتشاف المبكر، وتسهيل الوصول إلى العلاج، داعياً إلى تبني رؤية شاملة للصحة النفسية وتخصيص ميزانيات كافية لتطوير خدماتها ضمن النظام الصحي.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرى الوزير زيارة تفقدية لمستشفى «التيجاني الماحي» للأمراض النفسية والعصبية في أم درمان، للاطلاع على حجم الأضرار التي لحقت بالمستشفى نتيجة الحرب، حيث استأنفت بعض العنابر والعيادات عملها بطاقة تشغيلية تستقبل أكثر من 50 مريضاً يومياً.

جانب من محاضرة عن الحالات النفسية والاجتماعية في السودان بمستشفى التجاني الماحي (الشرق الأوسط)

وترى الاستشارية النفسية ابتسام محمود، أن السودان كان يعاني بالفعل من تحديات اجتماعية واقتصادية عدة قبل اندلاع الحرب، من بينها الفقر والبطالة والعنف الأسري وارتفاع معدلات الطلاق، وهي عوامل انعكست سلباً على الصحة النفسية للمجتمع. وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن الحرب فاقمت هذه الأوضاع، بما خلّفته من مشاهد خوف ورعب وانتهاكات وتدمير للممتلكات، فضلاً عن موجات النزوح واللجوء المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وشددت على ضرورة تصميم برامج شاملة لتقديم خدمات الدعم النفسي لجميع فئات المجتمع، بالتعاون بين وزارات الرعاية الاجتماعية والصحة والتربية والموارد البشرية والشؤون الدينية. كما دعت إلى تفعيل خدمات الإرشاد الأسري في المدارس والأندية الرياضية والمساجد، لما لها من دور في تعزيز التماسك الأسري والاستقرار المجتمعي.

دعم نفسي للمتأثرين بالحرب

من جانبها، قالت اختصاصية علم النفس الدكتورة خديجة محمد الحبيب، إنه تم افتتاح وحدة للطب النفسي في مستشفى النور التعليمي بأم درمان في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بهدف تقديم الدعم النفسي للمتأثرين بالحرب.

اختصاصية علم النفس خديجة محمد الحبيب (الشرق الأوسط)

وأوضحت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن الوحدة تقدم خدمات الإرشاد والعلاج النفسي للمرضى الذين يعانون اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق، إلى جانب برامج تأهيل للأطفال المتأثرين بالألغام لدعمهم نفسياً واجتماعياً. وأضافت أن العيادة تستقبل أسبوعياً ما بين 60 و90 مريضاً، كما تقدم خدمات الدعم النفسي في دور الإيواء وتعالج حالات الإدمان، إضافة إلى تنظيم محاضرات توعوية حول مخاطر المخدرات وسبل الوقاية منها.

بدورها أكدت اختصاصية علم الاجتماع الدكتورة تقوى محمد البشرى أن وحدة الطب النفسي في مستشفى النور التعليمي لا تقتصر على تقديم العلاج النفسي فحسب، بل تنفذ أيضاً مبادرات تطوعية لدعم المتضررين من الحرب. وأشارت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذه المبادرات تشمل توفير الوجبات اليومية والملابس للأطفال، خصوصاً خلال الأعياد، إضافة إلى دعم تركيب الأطراف الصناعية وإجراء العمليات الجراحية للمصابين.

الاختصاصية الاجتماعية د. تقوى محمد البشرى (الشرق الأوسط)

وأضافت الدكتورة تقوى أن الفريق يعمل كذلك على تقديم الدعم للحالات مجهولة الهوية بالتنسيق مع إدارة المستشفى، والمشاركة في برامج الإطعام بالتعاون مع المتطوعين وقسم التغذية.

تزايد الحالات في الجزيرة

وفي ولاية الجزيرة بوسط السودان، شهدت الاضطرابات النفسية تزايداً ملحوظاً نتيجة تداعيات الحرب. وقال مدير مستشفى الصحة النفسية في ود مدني، الدكتور الأمين دياب، إنه تم افتتاح عنبر جديد للطب النفسي لتعزيز خدمات الرعاية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الولاية. وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أبرز الحالات التي يستقبلها المستشفى تشمل الاكتئاب والذهان ونوبات الهوس واكتئاب ما بعد الولادة، مشيراً إلى استقبال ما بين 15 و20 حالة أسبوعياً تحتاج إلى التنويم، مع توقعات بارتفاع الأعداد خلال الفترة المقبلة. وأكد أن المستشفى يوفر العلاج والأدوية مجاناً بدعم من منظمات إنسانية وهيئات رسمية، بهدف تخفيف العبء عن الأسر المتضررة.

ويرى مختصون أن الحرب في السودان أفرزت أزمة نفسية صامتة لا تقل خطورة عن الدمار الاقتصادي والإنساني الذي خلفته. فقد ارتفعت معدلات القلق والإدمان واضطراب ما بعد الصدمة والوسواس القهري والاكتئاب والرهاب الاجتماعي بين قطاعات واسعة من المجتمع. ويحذر خبراء من أن تجاهل ملف الصحة النفسية في هذه المرحلة قد يقود إلى تداعيات خطيرة على مستقبل المجتمع السوداني، مؤكدين أن توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي بات ضرورة إنسانية ووطنية ملحة لا تحتمل التأجيل.


مقالات ذات صلة

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

شمال افريقيا تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تصاعدت العمليات العسكرية في النيل الأزرق، متزامنة مع حراك دبلوماسي وسياسي تضمن لقاءات بين الحكومة وقوى مدنية سياسية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

دعا قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي مزاعم باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يمدد عقوبات دارفور لشهر بعد خلافات على توسيعها

جدد مجلس الأمن لشهر واحد فقط العقوبات المفروضة على دارفور وتتضمن حظر الأسلحة، في عملية وصفت بأنها «فنية»، بعد خلافات على توسيعها لكل السودان.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي سابق (إعلام مجلس الوزراء) p-circle

رئيس الوزراء السوداني يصف اتهامات «الكيماوي» بالكاذبة

وصف رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، الاتهامات باستخدام أسلحة كيماوية في الحرب بأنها «ادعاءات كاذبة».

أحمد يونس (نيروبي)
شمال افريقيا أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

جدّدت «الآلية الخماسية»، المعنية بالسودان، رفضها الحل العسكري للحرب، ودعت من الخرطوم إلى مسار سياسي «موثوق وشامل»، يقود إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.

وجدان طلحة (الخرطوم)

تباين ليبي بشأن تأثير تقارب صالح وتكالة على العملية السياسية

رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة الخميس (المركز الإعلامي لصالح)
رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة الخميس (المركز الإعلامي لصالح)
TT

تباين ليبي بشأن تأثير تقارب صالح وتكالة على العملية السياسية

رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة الخميس (المركز الإعلامي لصالح)
رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة الخميس (المركز الإعلامي لصالح)

تباينت ردود الفعل الليبية حيال لقاء رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس «المجلس الأعلى للدولة» محمد تكالة، بالعاصمة التركية أنقرة يوم الخميس الماضي، الذي اتُفق فيه على استئناف اجتماعات لجنة «6+6» خلال الأيام المقبلة لاستكمال مهامها المتعلقة بالقوانين الانتخابية.

ووفقاً لأصوات سياسية ومراقبين، لا تُظهر هذه الخطوة فقط رغبة صالح وتكالة في استعادة زمام المبادرة وفرض سيطرتهما على ملف الانتخابات، بل تمثّل أيضاً رفضاً ضمنياً لاتفاق «4+4» الذي رعته البعثة الأممية، وتم توقيعه نهاية الشهر الماضي.

ويرى محمد معزب، رئيس اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، أن إعلان رئيسي المجلسين العودة لاستكمال اجتماعات لجنة «6+6» من شأنه «أن يغير قناعات عدد كبير من أعضاء (الأعلى للدولة) ممن كانوا قد قبلوا بمخرجات (4+4) لعدم وجود البديل».

ويعتقد معزب أن استكمال اجتماعات لجنة «6+6» سيؤدي فعلياً لإجراء الانتخابات العامة، مضيفاً: «من يختاره الصندوق هو من يتولى السلطة، ولن تُفرض أسماء بعينها لتولي السلطة التنفيذية».

وفي ردّه على سؤال حول توقع موقف القوى الفاعلة، وتحديداً حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، و«الجيش الوطني»، من اتفاق عقيلة وتكالة، قال: «باستثناء الدبيبة والموالين له؛ الجميع في غرب ليبيا، سواء القوى المدنية أو المسلحة، ترحب به لرفضهم جميعاً مخرجات اتفاق (4+4)، وقبله المبادرة الأميركية».

واستطرد قائلاً: «تكالة وعقيلة صالح سبق أن اتفقا مع محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي على خريطة طريق لإنهاء المرحلة الانتقالية بإجراء الانتخابات في فبراير (شباط) المقبل، وهذا دليل على رغبتهما في مغادرة المشهد».

وأضاف: «المجلسان قطعا شوطاً كبيراً في التفاهم حول القوانين الانتخابية».

يشار إلى أنه نتيجة لتعثر توافق المجلسين في إنجاز المهام المنوطة بهما في «الخريطة الأممية»، وهي حسم الخلافات حول القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس المفوضية، شكّلت البعثة الأممية في أبريل (نيسان) الماضي لجنة «4+4»، وضمّت ممثلَين اثنين عن غرب ليبيا، ومثلهما عن «الجيش الوطني».

من جهته، اعتبر المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي أن الإعلان الصادر من تركيا بعد لقاء صالح وتكالة بمثابة «رفض واضح من قِبل رئيسي المجلسين لمخرجات اتفاق (4+4) أو قطع الطريق عليه».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رئيسا المجلسين اتخذا هذا الموقف المعرقل ليس لإيجاد موقع لهما وللمجلسين في المشهد المستقبلي فقط، بل لاستشعارهما إمكانية تهميش دورهما إذا ما شُكلت سلطة تنفيذية جديدة بالتقاسم بين القيادة العامة لـ(الجيش الوطني) وحكومة (الوحدة)».

من جهته، رأى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن اجتماع تركيا عزّز بدرجة كبيرة الشكوك حول فرضية تقاسم السلطة بين أبرز القوى الفاعلة، وأثبت في المقابل «قدرة أطراف أخرى على العرقلة النسبية».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن جميع السيناريوهات ستكون متاحة أمام البعثة للردّ على بيان رئيسي المجلسين، وإن الجميع ينتظر ردّ فعل حكومة «الوحدة» والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» اللذين قال إنهما «طالما تصرّفا مع المجلسين كأذرع سياسية موالية لهما».

وانتهى محفوظ إلى أن الساحة الليبية باتت «أمام معركة اصطفافات وإعادة تشكيل للتحالفات؛ حيث سينضم كل من يجد نفسه متضرراً من اتفاق (4+4) إلى مسار المجلسين، والعكس صحيح».

وخلص اجتماع صالح وتكالة في أنقرة إلى تأكيد المجلسين على أن العملية السياسية في ليبيا يجب أن تكون ضمن إطار الإعلان الدستوري والقانوني، والاتفاق السياسي المنظم لعمل المجلسين، بما يضمن احترام الاختصاصات المقررة لكل منهما.

وقال صالح وتكالة، في بيان مشترك، أصدراه مساء الخميس، إن المجلسين «يثمنان جهود تركيا، واستعدادها لاستضافة لجنة (6+6) خلال الأيام المقبلة؛ بما يمكّن اللجنة من استكمال وإنجاز مهامها المتعلقة بالقوانين الانتخابية، تمهيداً للمضي نحو إجراء الاستحقاقات الانتخابية».


محتجون يغلقون بوابة مصفاة الزاوية في غرب ليبيا للمطالبة بزيادة الرواتب

مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)
مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)
TT

محتجون يغلقون بوابة مصفاة الزاوية في غرب ليبيا للمطالبة بزيادة الرواتب

مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)
مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)

أغلق منتسبون لجهاز حرس المنشآت النفطية في غرب ليبيا، الأحد، البوابة الرئيسية لمجمع مصفاة الزاوية النفطي، في تصعيد جديد احتجاجاً على أوضاعهم المالية والإدارية، وطالبوا حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بتنفيذ مطالبهم المتعلقة بزيادة الرواتب.

ويأتي إغلاق البوابة بعد أيام من اعتصام نفذه منتسبو الجهاز أمام مصفاة الزاوية، طالبوا خلاله بتسوية أوضاعهم المالية والإدارية وتعديل رواتبهم، إلى جانب تطبيق جدول الرواتب الموحد.

وكان المحتجون قد منحوا الحكومة والجهات المعنية مهلة 48 ساعة للنظر في مطالبهم واتخاذ الإجراءات اللازمة، محذرين من خطوات تصعيدية في حال عدم الاستجابة.

ويشمل المحتجون منتسبين من جهاز حرس المنشآت النفطية في المنطقة الغربية، بينهم منتسبون لفرع المنطقة الوسطى وفرع مليتة ووحدة حماية المؤسسة الوطنية للنفط، حسب بيانات نشرت بشأن الاعتصام.

ويقول الخبير الاقتصادي في قطاع النفط، محمد الشحاتي، إن حرس المنشآت النفطية يتولى من الناحية اللوجستية تأمين ما هو خارج أسوار المصفاة، بما في ذلك خطوط الأنابيب الداخلة بالنفط الخام والخارجة بالمنتجات، وحركة السيارات والشاحنات، والتأكد من عدم وجود تهديدات طبيعية أو فنية أو تخريبية.

ولا يعرف الشحاتي على وجه التحديد الهدف الفني من إغلاق البوابة، لكنه رجح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يكون مرتبطاً بمنع حركة الدخول والخروج، وهو ما لا يؤثر كثيراً في المدى القصير، لكنه يُبقي مستوى المخاطرة مرتفعاً، وقد يدفع الفنيين إلى التوقف عن العمل.

وحذَّر الخبير الاقتصادي من أن مصفاة الزاوية «لا تتوافر لها بدائل بالكفاءة نفسها، وأن توقفها قد يعني اللجوء إلى استيراد المنتجات من الخارج»، مشيراً إلى أن هذا الخيار نفسه قد يواجه مشكلات لوجستية، بينما تقع البدائل الأخرى على مسافات بعيدة وغير مجهزة بالقدر الكافي.

توترات أمنية

وتسبب الاعتصام، الأحد، في إغلاق البوابة الرئيسية لمجمع الزاوية النفطي، لكن شركة الزاوية لتكرير النفط قالت إن العمل داخل الشركة «مستمر بصورة طبيعية رغم إغلاق البوابة».

وأوضحت الشركة أن دخول المستخدمين إلى مقرها سيكون مؤقتاً عبر مدخل شركة البريقة لتسويق النفط، إلى حين إعادة فتح البوابة الرئيسية، داعية العاملين إلى الالتزام بمسار الدخول المحدد والتعاون مع الجهات المختصة لضمان انسيابية الحركة واستمرار العمل.

ويضم مجمع الزاوية النفطي مصفاة تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، ويعد من أهم منشآت الطاقة في غرب ليبيا.

وشهدت منشآت النفط في الزاوية خلال الأسابيع الأخيرة توترات أمنية واعتداءات بطائرات مسيّرة، دفعت المؤسسة الوطنية للنفط إلى التحذير من احتمال إعلان «القوة القاهرة» إذا استمرت الاعتداءات على الأصول النفطية في المدينة.

ورغم أن وحدات من حرس المنشآت النفطية في شمال غربي البلاد كانت، رسمياً، جزءاً من وزارة الدفاع، فإنها أصبحت تعتمد مالياً على المؤسسة الوطنية للنفط منذ عام 2021، وهو ما أسهم في تعقيد مسألة الرواتب والمزايا والجهة المسؤولة عن تمويلها.

إضرابات المعلمين

في غضون ذلك، شهدت عدة مدن ليبية، بما في ذلك ترهونة وطرابلس والزاوية وباطن الجبل وبني وليد، اعتصامات وإضرابات واسعة النطاق للمعلمين مع انطلاق العام الدراسي الجديد، الأحد، إذ رفضت نقابات المعلمين بدء الدراسة حتى تلبية مطالبهم المالية والوظيفية المتراكمة.

بعض منتسبي نقابة المعاهد الفنية المتوسطة بمدينة بني وليد خلال إعلانهم الاعتصام للمطالبة بتحسين رواتبهم يوم الأحد (من مقطع فيديو متداول عبر صفحات موثوقة في مواقع التواصل)

واتسعت رقعة اعتصامات المعلمين لتشمل مدناً إضافية في الغرب والشرق، إذ أعلن أعضاء هيئة التدريس في الزاوية دخولهم في اعتصام للمطالبة بحقوقهم، بينما أغلقت مدارس البيضاء أبوابها، وطالبت نقابة المعلمين في صبراتة بتعليق الدراسة أسبوعين.

وردد المعتصمون شعارات مثل «اعتصام اعتصام... لا قراية لا دوام»، في إشارة إلى رفضهم العمل قبل الاستجابة لمطالبهم.

وبينما شهدت مدينة ترهونة، إضراباً واسعاً للمعلمين، استمر اعتصام نقابة معلمي طرابلس المركز، وسط غياب كامل للمعلمين والطلبة في مدارس الزاوية، واستمرار الاعتصام في باطن الجبل دون انطلاق الدراسة.

أما في صبراتة، فطالبت نقابة المعلمين جميع المعلمين والمدارس بالالتزام بقرار تعليق الدراسة لمدة أسبوعين، مشيرة إلى أنها ستصدر قرارات لاحقة بشأن موعد استئناف الدراسة.

وأعلنت نقابات المعلمين في بلديات الغرب وعدة مناطق أخرى الدخول في اعتصام مفتوح، مطالبة بتسوية الأوضاع الوظيفية، وزيادة الرواتب التي لا تتجاوز في كثير من الحالات ألفي دينار ليبي شهرياً، وصرف الفروقات والمستحقات المتأخرة، وتوفير التأمين الصحي للمعلمين وأسرهم، وإصدار قانون لحماية المعلمين. (الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.38 دينار في الموازية).

واعتبرت النقابات أن التحرك ليس بهدف عرقلة التعليم، بل نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين» رغم الوعود المتكررة من الحكومات المتعاقبة.

دعوة لمظاهرة «مليونية»

وفي سياق متصل، دعا ما يسمى بـ«حراك إرادة الشعب» إلى تنظيم مظاهرة مليونية في 25 من الشهر الحالي، احتجاجاً على ما وصفه بـ«تدخل البعثة الأممية» في القرار السياسي الليبي.

واتهم الحراك، في بيان نشره مساء السبت، البعثة الأممية بالسعي إلى فرض ترتيبات سياسية وحكومات على الليبيين، ودعا إلى خروج المتظاهرين تحت شعارات ترفض التدخل الخارجي وتطالب بخروج الأجانب من ليبيا.

كما دعا إلى الاعتصام أمام مقر البعثة الأممية في حال تطلب الأمر ذلك، ولوّح بإجراءات تصعيدية ضد مقرها.


ما حقيقة استخدام أوكرانيا قاعدة ليبية لمهاجمة سفن روسية؟

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)
ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

ما حقيقة استخدام أوكرانيا قاعدة ليبية لمهاجمة سفن روسية؟

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)
ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ازدادت في ليبيا المخاوف السياسية والأمنية عقب تقارير أوكرانية أفادت باستخدام قاعدة عسكرية في مدينة مصراتة (غرباً) موقعاً لإنزال ضربات ضد سفن مرتبطة بـ«أسطول الظل» الروسي، وسط تحذيرات مراقبين من إقحام البلاد في أتون الصراع بين موسكو وكييف.

وتصاعدت تلك المخاوف في أعقاب تقرير لشبكة «سي إن إن» نقل عمَّن قالت إنه «مشغّل مسيّرة بحرية أوكراني موجود في ليبيا» أن وحدته «تستخدم قاعدة عسكرية في مصراتة كنقطة انطلاق لمهاجمة سفن مرتبطة بـ(أسطول الظل) الروسي، مقابل تدريب قوات محلية».

كما نقل التقرير، الذي نشرته الشبكة، السبت، عن «مصادر استخباراتية وعسكريين أوكرانيين»، أن «عناصر أوكرانية مختصة بالطائرات المسيّرة البحرية موجودة في غرب ليبيا منذ نهاية 2025».

وتتجنب سلطات غرب ليبيا التعليق على هذا الأمر المثار منذ أشهر، لكن وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة تخلّت عن صمتها، ونفت ما أطلقت عليه «مزاعم» تتعلق باستخدام قاعدة مصراتة العسكرية لتنفيذ عمليات عسكرية تستهدف أطرافاً أو مصالح خارجية.

وجاء رد وزارة الدفاع في أعقاب ما أوردته منصة «UNITED24 Media» الأوكرانية، في 6 سبتمبر (أيلول) الحالي، حول تقارير تزعم تنفيذ أوكرانيا هجوماً بـ12 مسيّرة أُطلقت من ليبيا، استهدف سفينة الشحن الروسية «ليدي ماريا» الخاضعة للعقوبات، في البحر المتوسط قرب جزيرة كريت.

وقالت وزارة الدفاع بـ«الوحدة» في بيان، مساء السبت: «ننفي نفياً قاطعاً وجود أي اتفاق أو ترتيب أو تنسيق يسمح باستخدام قاعدة مصراتة العسكرية، أو أي منشأة عسكرية وطنية، منصة لإطلاق هجمات أو لتنفيذ عمليات عسكرية من أي نوع خارج إطار المهام السيادية للدولة الليبية».

وهذه هي المرة الثانية منذ مارس (آذار) الماضي التي تُتداول فيها تقارير تتحدث عن استهداف سفن شحن روسية في البحر المتوسط بطائرات مُسيرة من الأراضي الليبية، في ظل مخاوف سياسية وأمنية من إقحام البلاد في أتون الصراع الروسي - الأوكراني.

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة سواحل ليبيا منذ مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)

غير أن وزارة الدفاع، التي يتولى حقيبتها عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة»، أكدت في معرض ردها على كل ما يثار أنها «لم تمنح أي طرف أجنبي إذناً باستخدام الأراضي أو المنشآت أو الأجواء أو المياه الإقليمية الليبية لتنفيذ أعمال عدائية ضد أي دولة أو جهة، وأن أياً من المنشآت العسكرية الوطنية لم يُخصَّص أو يُوظَّف لهذا الغرض».

ما الجهة المسؤولة؟

يصف الباحث العسكري، شرف الدين علي العلواني، مدناً بالغرب الليبي، من بينها طرابلس ومصراتة والزاوية، بأنها «دولة داخل دولة»، مشيراً إلى أن جماعات وميليشيات «وكل المستفيدين من الوضع الراهن، لديهم مفاتيح سوق السلاح المفتوحة لمن يدفع، ليس لتجارة السلاح والمُسيرات الأوكرانية فحسب، بل لإنعاش سوق سوداء جعلت كل شيء مباحاً».

ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لن ينتهي هذا الواقع إلا بنجاح المساعي لتوحيد المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا، وجعل كل مخازن السلاح تحت راية القيادة العامة».

وكانت حكومة «الوحدة» في طرابلس قد تحدثت في 6 سبتمبر الحالي عن «تفكيك خلية تخريبية منظمة تورطت في هجمات بالمسيّرات الانتحارية استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية».

ووسط حالة من «الجدل والشك»، لا سيما في صفوف مناوئيها، ذكرت «الوحدة» حينها أن «نتائج العملية الأمنية والاستخباراتية النوعية التي نفذتها وزارة الدفاع أسفرت عن القبض على 5 عناصر، ليبيين وأجانب، وتفكيك خلية تخريبية منظمة تورطت في هجمات بالمسيّرات الانتحارية استهدفت خزانات النفط».

وسبق أن استبعد وزير الدفاع الليبي الأسبق، محمد البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تكون المسيّرات الـ12 التي تردد أنها استهدفت سفينة الشحن الروسية «ليدي ماريا» الخاضعة للعقوبات في المتوسط قرب جزيرة كريت قد انطلقت من الأراضي الليبية.

ورجح البرغثي «أن تكون هذه المسيَّرات قد انطلقت من فوق متن سفينة في البحر، كونها لا تحتاج إلى مدارج إقلاع أو مصاعد أرضية لتشغيلها». وبجانب ما ذهب إليه البرغثي، يرى متابعون أمنيون أنه «لا توجد براهين حقيقية تدل على انطلاق هذه المسيرات من ليبيا».

وسبق أن استهدفت «مسيَّرات مجهولة» منشآت نفطية في طرابلس والزاوية، بجانب محطة كهرباء بالزاوية، في ظل حالة من الغموض والتساؤلات عن الجهة التي تقف خلف هذه الطائرات التي تتوجه إلى منشآت حيوية في غرب ليبيا فقط دون باقي مناطق البلاد.

حادث مارس

وكانت الناقلة الروسية «أركتيك ميتاغاز» قد تعرضت لأضرار بالغة قبالة سواحل البلاد في بدايات مارس (آذار) الماضي. وأعلنت وزارة النقل الروسية، حينها، أن الناقلة التي كانت تحمل غازاً طبيعياً مسالاً من ميناء مورمانسك في القطب الشمالي «تعرضت لهجوم بطائرات مسيّرة تابعة للبحرية الأوكرانية»، وأن الأسلحة «أُطلقت من الساحل الليبي».

ونقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء آنذاك عن نيكولاي باتروشيف، أحد مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قوله إن موسكو تعدّ الهجوم على ناقلة غاز طبيعي مسال روسية في البحر المتوسط «عملاً إرهابياً دولياً».

وأمام حالة «التشكيك»، ولقطع الطريق أمام أحاديث تتعلق بوجود أوكراني في غرب ليبيا، تشدد وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» على أن «جميع أشكال التعاون العسكري والتدريب الفني مع الدول الصديقة تخضع للأطر الرسمية والقانونية المعتمدة»، وتؤكد «التزامها الكامل بسيادة الدولة الليبية، ورفضها استخدام الأراضي الليبية منطلقاً لأعمال من شأنها تعريض الأمن القومي الليبي أو علاقات ليبيا الخارجية للخطر».

وفي أبريل (نيسان) الماضي، سلط تحقيق استقصائي أعدته «إذاعة فرنسا الدولية» الضوء على أبعاد «المواجهة الخفية» بين أوكرانيا وروسيا في أفريقيا، مؤكداً أن ليبيا تحولت إلى مسرح جديد لهذه المواجهة.