مصير غامض لقوات «حفظ السلام» في الصومال مع انسحاب محتمل لأوغندا

كامبالا تساهم بأكبر عدد منذ سنوات

جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

مصير غامض لقوات «حفظ السلام» في الصومال مع انسحاب محتمل لأوغندا

جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

بات مستقبل قوات حفظ السلام الأفريقية المدعومة أممياً على أعتاب مشهد جديد في مواجهة «حركة الشباب» الإرهابية في الصومال، بعد إعلان أوغندا صاحبة العدد الأكبر أنها بصدد الانسحاب.

نقص التمويل

ذلك الإعلان المفاجئ وسط تصاعد الهجمات من «حركة الشباب» يرى خبراء في الشؤون العسكرية والصومالية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يلقي بظلال قاتمة على العمليات الدائرة، ومصير غامض بشأن البديل، داعين لحل الأسباب الرئيسية لذلك، وأبرزها نقص التمويل.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها أواخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 لفترة أولية مدتها 12 شهراً، بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد عملياتها في الصومال منذ 15 عاماً.

وأعلن رئيس أركان الدفاع الأوغندي، الفريق أول موهوزي كاينيروغابا، مساء الاثنين، عن خطة لبلاده بشأن سحب قواتها من الصومال بعد 19 عاماً من الانتشار المتواصل، دون تحديد موعد. وأشار في بيان مقتضب نُشر على حسابه الرسمي على منصة «إكس» إلى أن مهمة أوغندا في الصومال قد وصلت إلى نهايتها، وأن الاستعدادات لانسحاب كامل للقوات ستبدأ قريباً، دون تقديم سبب.

وساهمت أوغندا بأكبر قوة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (أوصوم)، حيث يقدر عدد جنودها المتمركزين حالياً في الصومال بما يتراوح بين 5000 و6000 جندي.

وانضمت أوغندا إلى قوات حفظ السلام، في الصومال مارس (آذار) 2007، بهدف دعم الحكومة الصومالية ومواجهة الجماعات المسلحة، ولعبت دوراً على مدار سنوات في تلك المواجهات، وفق إعلام صومالي.

الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، العميد سمير راغب، أوضح أن أي قوة من قوات حفظ سلام تنسحب عادة عندما يكون هناك أوضاع مخالفة لقواعد المشاركة أو نقص تمويل، أو صراع داخلي أو خارجي، أو استخدامها ورقة ضغط، محذراً من أن انسحاب أوغندا كأكبر قوة بقوات حفظ السلام يعني انهيار تلك القوات.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن إعلان أوغندا «يمثل نقطة تحول كبيرة في الملف الأمني الصومالي وقد تفتح هذه المفاجأة الباب أمام أسئلة مهمة حول المستقبل الأمني، والتمويل، وتوازن القوى مع (حركة الشباب)، ويثير مصيراً غامضاً بشأن القوات»، وأرجع ذلك لأسباب منها «حسابات أوغندا الداخلية، وتمويل البعثة الذي ما زال تحت ضغط حاد ويواجه نقصاً كبيراً من المانحين الدوليين، خاصة أن دعم الاتحاد الأوروبي تقلص، والولايات المتحدة علّقت تمويلها، ما وضع البعثة في وضع مالي هش للغاية وقد يؤثر على قدرتها في دفع مستحقات الدول المساهمة بالقوات».

مخاوف من «فجوة كبيرة»

ويعتقد بري أن «انسحاب أوغندا يخلق فجوة كبيرة، خصوصاً في المناطق الحيوية مثل العاصمة مقديشو ومحيطها، لأن قواتها كانت تمثل كتلة كبرى من القوة والقيادة داخل البعثة، ولا يوجد حتى الآن جدول زمني رسمي واضح لانسحاب كامل أو كيف سيدار هذا التحول».

وإذا لم يتم تعويض هذه الخسارة بقوات أخرى أو تعزيز قدرات الجيش الوطني، فمن المرجح أن تظهر ثغرات أمنية في مناطق كانت تحت مراقبة أوغندا، وتزداد هجمات «الشباب» لملء هذا الفراغ المحتمل، بحسب توقع بري.

ذلك الإعلان، الذي لم تعلق عليه مقديشو، يأتي وسط تقارير ميدانية إلى تصاعد هجمات «حركة الشباب» وبعد أشهر من نداءات أفريقية ومصرية تحديداً لجلب تمويل للقوات.

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) الماضي أن بعثة «أوصوم» التي خلفت بعثة «أتميس» مطلع 2025، تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في تعزيز قدرات القوات الصومالية ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله إعلام صومالي آنذاك. وأشار رئيس مفوضية الاتحاد، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025 إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار» وقتها.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت مصر التي يترقب اشتراكها في قوات حفظ السلام، المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامته وقابليته للتنبؤ، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. وأواخر ديسمبر 2024، أعلن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في تصريحات صحافية، مشاركة مصر في البعثة التابعة للاتحاد الأفريقي بالصومال بناءً على طلب الحكومة الصومالية، وترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي.

ويشير بري إلى أن هذا التمويل غير المستقر يجعل استمرار مساهمات الدول الأخرى في البعثة أقل جاذبية، وقد يدفعها إلى إعادة النظر في أعداد قواتها أو توقيت نشرها وترقب موقف مصر. وينبه إلى أن احتمال ارتفاع خطر تجدد نشاط «حركة الشباب» يجب أن يجلب دعم الشركاء الدوليين وتعزيز قدرات الجيش الصومالي، وإعادة هيكلة البعثة وتوفير تمويل مستدام، مع شراكات جديدة سواء من دول المنطقة أو شركاء دوليين لضمان استمرار الدعم الأمني. فيما يؤكد راغب أهمية أن يتحرك الاتحاد الأفريقي سريعاً لمراجعة الأمر حتى لا يتأثر الصومال في مواجهة الإرهاب وعدم تعريض أي قوات لخطر مخاطر أكبر في مواجهة «حركة الشباب»، وعدم التعويل فقط على الدفع ببديل دون حل الأسباب الرئيسية للانسحاب.


مقالات ذات صلة

«الفراعنة» يتحدّون هيبة «التانغو» في ليلة صلاح وميسي التاريخية بالمونديال

الرياضة «الفراعنة» يتحدّون هيبة «التانغو» في ليلة صلاح وميسي التاريخية بالمونديال

«الفراعنة» يتحدّون هيبة «التانغو» في ليلة صلاح وميسي التاريخية بالمونديال

مواجهة تاريخية لمنتخب مصر أمام الأرجنتين بثمن نهائي مونديال 2026 بأتلانتا، تصادم صلاح العائد من الإصابة وميسي المتوهج في صراع الأساطير بأسلوب شيق ونادر.

كوثر وكيل (لندن)
أفريقيا لقطة جوية لمدينة غاو في وسط مالي (أ.ف.ب)

متمردون هاجموا بلدات في مالي

قالت جماعة متمردة بقيادة الطوارق، اليوم السبت، إنها شنت هجوماً على ​بلدة في شمال مالي توجد فيها قوات حكومية وقوات شبه عسكرية روسية.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
العالم العربي جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

تعاني بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال أزمات تمويلية منذ تشكيلها قبل نحو عام، غير أن أفق عمل تلك القوات ينتظر تهديداً وجودياً أكبر مع تحركات أميركية جديدة.

محمد محمود (القاهرة)
رياضة عالمية باتريس موتسيبي رئيس «كاف» إلى جوار إنفانتينو رئيس «فيفا» (أ.ف.ب)

رئيس «كاف» يشيد بنجاحات المنتخبات الأفريقية في المونديال

أكد الجنوب أفريقي باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)، أن العمل الجاد والاستثمار في الشباب والتدريب والبنية التحتية قد أثمر في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
العالم رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (صفحة الرئاسة على «إكس»)

الكونغو الديمقراطية تصعّد ضد رواندا أمام «العدل الدولية»

لجأت الكونغو الديمقراطية، للمرة الثالثة، إلى تقديم دعوى ضد رواندا تتهمها فيها بدعم جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية على أراضيها.

محمد محمود (القاهرة)

السيسي يعزز مكانة العاصمة المصرية الجديدة بافتتاح «الأوكتاغون»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يعزز مكانة العاصمة المصرية الجديدة بافتتاح «الأوكتاغون»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

في تعزيز لمكانة العاصمة الجديدة، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مساء السبت، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

وقال السيسي عقب التوقيع على وثيقة الافتتاح: «باسم شعب مصر العظيم، أعلن افتتاح مقر (القيادة الاستراتيجية) بالعاصمة الجديدة، لتكون صرحاً لشعب مصر العظيم، وتمثل دور مصر دولة سلام واستقرار». وتابع: «دولة قادرة على التصدي للتحديات وتحقيق التطلعات بوحدة شعبها الأبيّ وقواته المسلحة الباسلة، وبما يضمن تكامل التخطيط والتنسيق لجميع جهات القوات المسلحة، وتعزيز القدرات القتالية والاستعداد الدائم لمواجهة التحديات بفعالية وكفاءة باستخدام أحدث نظم التكنولوجيا المتطورة... وعلى النحو الذي يحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة، ويسهم في تأمين مقدراتها».

ووفق بيان لـ«مجلس الوزراء»، السبت، فإن انتقال مؤسسات الدولة السيادية إلى العاصمة الجديدة «يمثل خطوة محورية في مسار بناء الجمهورية الجديدة».

وأوضح البيان أن «مشروع العاصمة الجديدة لا يقتصر على إنشاء مدينة حديثة، بل يستهدف إعادة تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا، بما يعزز كفاءة الأداء الحكومي، ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف أجهزة الدولة، ويوفر مساحات للتوسع المستقبلي بعيداً عن التكدس الذي عانت منه القاهرة لعقود».

وأكد «مجلس الوزراء» أن «افتتاح مقر (القيادة الاستراتيجية) للقوات المسلحة (الأوكتاغون) يمثل تجسيداً عملياً لعملية الانتقال إلى العاصمة الجديدة»، موضحاً أن المقر «يضم أحدث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، ويعزز سرعة اتخاذ القرار، ويرفع كفاءة التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، ويزيد من جاهزية الدولة للتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية».

وأضاف أن «المقر يمثل إضافة استراتيجية للبنية التحتية للدولة في إطار تحديث شامل لمنظومة القوات المسلحة، بما يواكب التطورات العسكرية والتكنولوجية الحديثة».

افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية» تجسيد عملي لعملية الانتقال إلى العاصمة الجديدة (هيئة الاستعلامات المصرية)

وعدّ «مجلس الوزراء» افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» للدولة المصرية «خطوة تعكس تكاملاً استراتيجياً داخل العاصمة الجديدة، لتصبح مركزاً متكاملاً لإدارة شؤون الدولة ومؤسساتها السيادية، بما يعزز استمرارية العمل المؤسسي ويرفع كفاءته، ويجعل العاصمة الجديدة منصة حديثة لإدارة الدولة بمفهومها الشامل، بما يتوافق مع متطلبات الحاضر والمستقبل».

ومقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» يواكب أحدث النظم الدفاعية والتكنولوجية في العالم. وتم إنشاؤه ضمن خطة مصر لإنشاء عاصمة جديدة تضم كل المؤسسات الرسمية والسيادية.

وانطلق مشروع العاصمة الجديدة في مارس (آذار) 2015 بهدف تخفيف الضغط على القاهرة، على مساحة بلغت نحو 700 كيلومتر مربع؛ أي نحو 170 ألف فدان، ويتم تنفيذه على 3 مراحل؛ المرحلة الأولى منه على مساحة تقدر بنحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، ما يعادل نصف مساحة القاهرة تقريباً، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان. وعام 2024 بدأ انتقال الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، ثم تمّ نقل البرلمان.

مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية» بالعاصمة الجديدة (هيئة الاستعلامات المصرية)

وقال عضو مجلس الشيوخ المصري السابق، الخبير الاستراتيجي الدكتور عبد المنعم سعيد، إن افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» للدولة المصرية «يعد تأكيداً لمكانة العاصمة إلى جانب أحداث أخرى». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن العاصمة الجديدة شهدت خلال الفترة الأخيرة أحداثاً عدة، من بينها استضافة الجماهير لمتابعة مباريات المنتخب بكأس العالم، إلى جانب مؤتمرات وفعاليات عدة جميعها تجسد مكانتها كعاصمة جديدة للبلاد.

وقال إن «مقر (القيادة الاستراتيجية للدولة) يعد بمنزلة إضافة مؤسسة مهيبة، ويعزز مكانة العاصمة كمدينة وامتداد للقاهرة»، متوقعاً أنه «بحلول 2030 سيقطن العاصمة نحو مليون نسمة، لا سيما مع إنشاء عدة تجمعات سكنية، وعمل وسائل انتقالات للعاصمة».

ووفق «مجلس الوزراء»، فإن «إنشاء عواصم جديدة لا يهدف فقط إلى نقل مقار الحكم، بل يمتد ليشمل معالجة مشكلات الازدحام، وتحقيق التنمية المتوازنة، وتعزيز الأمن، وتجسيد رؤى سياسية واقتصادية جديدة».

وأشار «المجلس» إلى أن «مشروع العاصمة جاء استجابة للتحديات المتزايدة في القاهرة، وعلى رأسها الازدحام والتلوث والضغط السكاني، مع السعي إلى نقل جزء كبير من الوظائف الحكومية إلى مدينة جديدة مخططة بعناية».


مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

بحثت القاهرة ورام الله، السبت، التحضيرات الجارية بشأن حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال عقد مؤتمر «المانحين الدوليِّين» الأسبوع المقبل.

تلك المشاورات التي تزامنت مع محادثات مصرية - أوروبية تهدف إلى «خلق دعم دولي يساند السلطة الفلسطينية ليس فقط على مستوى التمويل، ولكن في ترسيخ وجود فلسطين دولةً مستقلةً مستقبليةً، رغم التصعيد الإسرائيلي المستمر»، بحسب عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي في حديث لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، السبت، بأنَّه جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، وتبادل الجانبان الرؤى بشأن تطورات الأوضاع في قطاع غزة. كما تناول الاتصال التحضيرات الجارية لمؤتمر الدول المانحة المقرَّر عقده في بروكسل خلال يوليو (تموز) الحالي.

وأكد عبد العاطي «دعم مصر الكامل للحكومة الفلسطينية، وأهمية حشد الدعم المالي الدولي للسلطة الوطنية الفلسطينية بما يُمكِّنها من الوفاء بمسؤولياتها، وتقديم الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني ويسهم في تعزيز صموده، ودعم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية».

ويرى حجازي أن «التحضيرات لاجتماع بروكسل الخاص بحشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية تأتي في لحظة مفصلية من تطورات الشرق الأوسط، حيث تتداخل مسارات وقف إطلاق النار في غزة، والجهود الأميركية لإطلاق ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة، والمساعي العربية لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها المدخل الحقيقي لاستقرار المنطقة».

ويؤكد أن اختزال مؤتمر المانحين في كونه مناسبةً لتوفير مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية يفقده كثيراً من دلالاته الاستراتيجية، لافتاً إلى أنَّ أهمية مؤتمر بروكسل تتجاوز حدود التمويل، ليصبح المؤتمر رسالةً سياسيةً واضحةً بأنَّ المجتمع الدولي ما زال يرى في السلطة الفلسطينية المؤسسة الشرعية القادرة على إدارة الأراضي الفلسطينية، بخلاف رسالة موازية إلى إسرائيل، بأن إضعاف السلطة الفلسطينية لم يعد خياراً مقبولاً.

وقبل نحو أسبوع، تحدَّث المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في القدس، شادي عثمان، لإذاعة «صوت فلسطين» عن بدء التحضيرات لعقد مؤتمر المانحين الدوليِّين في 12 يوليو الحالي؛ بهدف حشد الدعم لحلّ الدولتين، والمساندةِ الماليّةِ للسلطة الوطنية.

وجاءت تلك التصريحات غداة زيارة أجرتها المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا سويتشا، إلى مدينة رام الله، وذلك في إطار جولة إقليمية لبحث الشراكة الأوروبية - الفلسطينية، والأوضاع الراهنة في قطاع غزة والضفة الغربية.

فتاة تستريح على حبل يثبت خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد بخان يونس (أ.ف.ب)

وشدَّد رئيس الوزراء الفلسطيني وقتها لسويتشا على أنَّ «الحصار المالي والاقتصادي، يُشكِّل تهديداً خطيراً لقدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار، حيث تواصل إسرائيل حجز عائدات الضرائب الفلسطينية بصورة غير قانونية، لتصل قيمتها إلى نحو 6 مليارات دولار، إضافة إلى تجميد نحو 5 مليارات دولار أخرى من أموال البنوك الفلسطينية يرفض البنك المركزي الإسرائيلي استلامها، ما يكلِّف الاقتصاد الفلسطيني خسارةً تصل إلى 11 مليار دولار سنوياً».

وكانت القضية الفلسطينية حاضرةً على مائدة مشاورات سياسية بين وزير الخارجية المصري والمفوضة الأوروبية للمتوسط، دوبرافكا سويتشا، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، السبت.

وأكد عبد العاطي «أهمية إعادة تركيز الجهود الدولية على القضية الفلسطينية، بما يهيئ الظروف لاستكمال التنفيذ الكامل لاستحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام - التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 - والانتقال إلى المرحلة الثانية».

في حين يرى حجازي أنَّ التَّحرُّكات المصرية والأوروبية تؤكد أنَّ دعم السلطة الفلسطينية أصبح جزءاً من معادلة إعادة بناء الإقليم، وليس مجرد استجابة لأزمة مالية، باعتبار أنه لا يمكن الحديث عن شرق أوسط أكثر استقراراً بينما تنهار المؤسسات الفلسطينية، ولا يمكن بناء تحالفات اقتصادية وأمنية طويلة الأجل بينما يظل قطاع غزة مُدمَّراً.

ويبرز الدور المصري بوصفه الأكثر اتساقاً مع متطلبات المرحلة، فمنذ اندلاع الحرب، رفضت القاهرة الفصل بين المسار الإنساني والمسار السياسي. وأكدت أنَّ وقف إطلاق النار يجب أن يقترن بخطة لإعادة الإعمار، وتمكين السلطة الفلسطينية، والحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض التهجير، وإطلاق عملية سياسية جادة تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، واليوم تتحرَّك مصر في الاتجاه ذاته، من خلال دعم مؤتمر بروكسل بوصفه خطوةً تأسيسيةً، تمهِّد لمؤتمر دولي أكبر لإعادة إعمار غزة فور تثبيت وقف إطلاق النار. وفق حجازي.

وشدَّد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» على أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع مليارات الدولارات، وإنما في بناء إرادة دولية تحوِّل هذه الموارد إلى فرصة تاريخية لإعادة إطلاق المشروع الوطني الفلسطيني، وإحياء حل الدولتين، وإعادة دمج القضية الفلسطينية في صلب ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة.

وأوضح أنَّ المؤتمر المقبل إما أن يكون بداية انتقال من «إدارة الصراع» إلى «بناء السلام»، ومن «الإغاثة المؤقتة» إلى «التنمية المستدامة»، ومن ردود الفعل إلى رؤية استراتيجية متكاملة، وإما أن يظلَّ مجرد محطة مالية عابرة في مسلسل الأزمات المتكررة.


ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
TT

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة، في اعتراض عسكري منظم على المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، والهادفة إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

ويحمل موقف مصراتة ثقلاً خاصاً، بالنظر إلى كونها أحد أبرز مراكز النفوذ العسكري والسياسي في غرب ليبيا، فضلاً عن أنها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وتمثل منذ عام 2011 أحد أهم موازين القوى في المشهد الليبي، مستندة إلى تشكيلات مسلحة مؤثرة، وسيطرتها على مرافق اقتصادية واستراتيجية، بينها الميناء والمنطقة الحرة والمطار.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

وأعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه القاطع للمبادرة الأميركية وللأسماء المتداولة في إطارها، كما رفض زيارة مرتقبة لبولس إلى المدينة، مؤكداً أنه «لن يرضى إلا بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحق الشعب الليبي»، في إشارة فيما يبدو إلى الحرب التي شنها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس (2019-2020).

ويأتي هذا الموقف في وقت تثير فيه المبادرة الأميركية جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية الليبية؛ إذ تستهدف، وفق ما يُتداول في البلاد، تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإنهاء الانقسام المؤسسي. وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وهو ما أثار اعتراضات من أطراف ترى أن أي تسوية ينبغي أن تقود مباشرة إلى انتخابات عامة.

ورأى الناشط السياسي، سليمان البيوضي، أن التحركات السياسية والعسكرية في مصراتة تشهد تصاعداً متسارعاً، معتبراً أن رئيس الحكومة «لم يعد يملك الحلفاء القادرين على الدفاع عن أي صفقة سياسية داخل المدينة»، وأن القوى الفاعلة في غرب البلاد تعيد رسم تحالفاتها من خلال لقاءات ومصالحات غير معلنة.

وأضاف البيوضي أن فرص تطبيق مبادرة بولس تبدو محدودة في ظل موازين القوى الحالية، محذراً من أن أي زيارة إلى مصراتة من دون تفاهمات مسبقة قد تفضي إلى توترات يصعب احتواء تداعياتها، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك».

الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري في الدوحة (حكومة الوحدة)

وفي خضم هذه التفاعلات، لم يصدر أي تعليق من الدبيبة أو حكومته بشأن الجدل الدائر، في حين واصل الدبيبة تحركاته الخارجية بإجراء زيارة إلى قطر، لتكون ثاني محطة خليجية له بعد زيارته الأخيرة إلى الإمارات، في إطار مساعٍ لتعزيز علاقات حكومته مع دول الخليج، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وقال الدبيبة إنه بحث، السبت، في الدوحة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتشجيع الاستثمارات القطرية في ليبيا، إلى جانب مناقشة آليات تطوير الشراكة بين البلدين في عدد من القطاعات ذات الأولوية، مبرزاً أن المحادثات تناولت أيضاً تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لدعم المسار السياسي، فضلاً عن التعاون في قطاع النقل الجوي، بالتزامن مع اقتراب افتتاح مطار طرابلس الدولي.

ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري تجديد موقف الدوحة الثابت الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها نحو الاستقرار والتنمية، مؤكداً دعم بلاده الكامل للمسار السياسي الليبي، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وكل الحلول السلمية التي تصون سيادة ليبيا وتحافظ على وحدتها.

وفي موازاة السجال السياسي، برزت مؤشرات على استمرار مساعي توحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ أكد رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، أهمية مواصلة العمل على توحيد المؤسسة العسكرية، ورفع مستوى التأهيل والتدريب لمنتسبيها، إلى جانب تسوية الأوضاع المالية للعسكريين النظاميين في المنطقة الغربية، وضمان استفادتهم من منظومة التأمين الصحي.

رئيسا أركان شرق وغرب ليبيا مع قائد «أفريكوم» الجمعة (الجيش الوطني)

وجاءت تصريحات حفتر خلال لقائه قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، داغفين أندرسون، على هامش مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، الجمعة، بحضور رئيس أركان المنطقة الغربية، صلاح النمروش، حيث أشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، والدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وفي مؤشر على استمرار التنسيق العسكري بين الشرق والغرب رغم الخلافات السياسية، أفادت وسائل إعلام محلية بأن رئيسَي أركان القوات في المنطقتين الشرقية والغربية يعتزمان عقد اجتماع في مدينة سرت الأسبوع المقبل، لبحث الخطوات التنفيذية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل غرفة أمنية وعسكرية مشتركة، في وقت تبدو فيه المبادرة الأميركية أمام اختبار صعب مع اتساع دائرة التحفظات داخل أحد أبرز معاقل النفوذ العسكري في غرب البلاد.

وتعيش البلاد في ظل انقسام حكومي وعسكري بين حكومتين؛ إحداهما «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان وتسيطر على شرق وأجزاء واسعة من جنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من «الجيش الوطني».