معارك طاحنة في محور النيل الأزرق السوداني بعد «خمول» لشهور

«الدعم السريع» يقول إنه استولى على عدة بلدات و«ملكن» الاستراتيجية قرب الحدود

سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)
سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

معارك طاحنة في محور النيل الأزرق السوداني بعد «خمول» لشهور

سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)
سودانيون يصلون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان يوم 12 يناير 2026 (رويترز)

اشتعل محور القتال الجنوبي في ولاية النيل الأزرق السودانية من جديد بين الجيش من جهة وقوات «الدعم السريع» وحليفته «الحركة الشعبية» من الجهة الأخرى؛ وشهدت محلية باو معارك طاحنة بين الطرفين، صباح الأحد، وذلك بعد أن ظل هذا المحور «خاملاً» منذ استعاد الجيش مناطق وسط السودان والعاصمة الخرطوم، وطرد «الدعم السريع» منها.

وقالت «قوات الدعم السريع» في نشرة صحافية إنها سيطرت على بلدتي السلك وأحمر سيدك، إضافة إلى بلدة ملكن الاستراتيجية، وإن قوات الجيش تراجعت باتجاه مدينة الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق؛ بينما لم يعلق الجيش رسمياً على ما يحدث هناك.

وذكرت مصادر متطابقة أن «قوات الدعم السريع» وقوات «الحركة الشعبية» شنت هجوماً كبيراً على مناطق سيطرة الجيش، صباح الأحد، واستولت على بلدتي السلك وأحمر سيدك، ثم على ملكن لاحقاً.

وقالت المصادر إن قتالاً شرساً استمر ساعات عدة، استُخدمت فيه المُسيرات القتالية، والمدفعية، والعربات القتالية والمصفحة، وإن قوات الجيش المتمركزة هناك لحقت بها خسائر كبيرة في الأفراد والعتاد؛ ما اضطرها للتراجع باتجاه مدينة الدمازين.

جنود من الجيش السوداني بأحد شوارع أم درمان في ديسمبر يوم 31 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وبثت منصات «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم سيطرتها على البلدات المذكورة، واستيلاءها على عتاد عسكري قالت إنها «غنمته» من قوات الجيش المتمركزة في المناطق التي سيطرت عليها؛ بينما تحدثت منصات موالية للجيش عن صد الهجوم، دون صدور تأكيد رسمي.

ولا يشير الجيش عادة إلى خسائره، بل يعلن عن «تحرير» مناطق لم يكن قد أعلن سقوطها بيد خصومه.

عاصفة بعد هدوء

يذكر أن الجيش ما زال يسيطر على معظم ولاية النيل الأزرق، بينما تسيطر قوات الحليفين «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – تيار عبد العزيز الحلو»، على أجزاء في جنوب النيل الأزرق، بعد أن تراجعت سيطرتهما قبل عدة أشهر.

واستولت «الدعم السريع» في 2024 على عدد من مناطق ولاية النيل الأزرق، وسيطرت على بلدتي الدالي والمزموم الزراعيتين، ووصلت إلى محلية التضامن قرب الحدود مع جنوب السودان؛ بينما تسيطر قوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة جوزيف توكا، على مناطق خور البوادي، وديم منصور، وجرط غرب بمحلية الكرمك، منذ اندلاع القتال بينها والجيش في 2011.

وكان يقود قوات «الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق عبد الرحمن البيشي، الذي ينحدر من قبيلة «الرفاعيين» شديدة المراس؛ لكنه قُتل بغارة جوية في أثناء سيطرة قواته على مدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار، في 20 يوليو (تموز) 2024، وخَلَفه في قيادة تلك القوات شقيقه «الصادق».

لكن الجيش استعاد سنجة المجاورة، وعدداً من المناطق في ولاية النيل الأزرق، بما في ذلك الأجزاء الأوسع من محليات باو والكرمك، القريبة من الحدود مع دولتي جنوب السودان وإثيوبيا، وذلك قبل أن تعلن «الحركة الشعبية لتحرير السودان» التحالف مع «قوات الدعم السريع» في فبراير (شباط) 2025، ليقاتلا معاً في النيل الأزرق.

وعاد محور القتال في النيل الأزرق للأضواء مجدداً، بعد أن ظل خاملاً مدة طويلة، وذلك بعد تداول معلومات عن تحركات لـ«قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» في جنوب الولاية. وذكرت مصادر حكومية أن تلك التحركات والقوات مدعومة من دولة إثيوبيا المجاورة.

وتهدف تلك التحركات، بحسب تلك المصادر، لفتح جبهة قتال جديدة في جنوب النيل الأزرق، لتخفيف الضغط في جبهات القتال بولايتي شمال وجنوب كردفان، بعد أن سمحت لها السلطات الإثيوبية - بحسب تقارير صحافية - بإنشاء معسكرات تدريب لـ«الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» داخل حدودها، وإتاحة خطوط إمداد عبر الحدود؛ وهي اتهامات نفتها أديس أبابا بشدة.

جلسة وزارية بالخرطوم

على صعيد آخر، انعقدت جلسة لمجلس الوزراء الذي يرأسه كامل إدريس بالعاصمة الخرطوم، الأحد، حيث أكد أن أولويات حكومته تتمثل في «معاش وأمن المواطنين».

أطفال سودانيون لاجئون من الفاشر يتشاركون وجبة طعام في مخيم مؤقت للنازحين بشرق تشاد يوم 22 نوفمبر 2025 (رويترز)

واعتبر وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الأعيسر انعقاد اجتماع مجلس الوزراء تدشيناً فعلياً وعملياً لعودة الحكومة التنفيذية بجميع طاقمها للعمل من داخل الخرطوم. وقال في تصريحات صحافية عقب الاجتماع إن الجلسة تناولت جملة من القضايا شملت الجبايات على الطرق القومية والتى أعادت الحكومة النظر فيها، وستصدر قرارات بشأنها قريباً.

واستمع الاجتماع لتقارير من وزير الداخلية عن الأوضاع الأمنية في الخرطوم، كما جدد مجلس الوزراء الدعوة لكل المواطنين للعودة الطوعية إلى منازلهم في مدن الخرطوم.

وهذا هو الاجتماع الثاني لمجلس الوزراء بعد عودة الحكومة للخرطوم؛ وكان الاجتماع الأول قد انعقد في أغسطس (آب) الماضي.

وقبل 3 أيام، انعقد اجتماع مشترك لمجلسي «السيادة» و«الوزراء» بالخرطوم.


مقالات ذات صلة

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

خاص سيدتان تتجولان في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ.ف.ب)

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً، بدأت العاصمة الخرطوم تستعيد نضبها بعودة بعض الأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
أفريقيا سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

أطباء بلا حدود تفصل 18 موظفاً متهمين بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود اليوم الاثنين أن العشرات من موظفيها اتُّهموا بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات في تشاد، مشيرة إلى أنها فصلت 18 موظفاً.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب بالسودان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هجمات بمسيّرات في كردفان وترجيح مسؤولية «الدعم السريع»

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان السوداني، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات.

أحمد يونس (كمبالا)

ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)
جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)
TT

ليبيا: ازدياد تكدس المهاجرين بمراكز الاحتجاز بعد حملات توقيف مكثفة

جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)
جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس رحّل 14 مهاجراً مصرياً (الجهاز)

زادت السلطات الأمنية في غرب ليبيا وشرقها من مداهماتها لمقار تجمّعات المهاجرين غير النظاميين، وسط كثير من الشكاوى الحقوقية من تكدسهم بأعداد كبيرة في مراكز الاحتجاز، لا سيما في العاصمة طرابلس.

وأوضح الحقوقي الليبي طارق لملوم، المعني بملف المهاجرين واللاجئين، أن أحد مقار مركز احتجاز المهاجرين في منطقة تاجوراء، «شهد فجر الاثنين أعمال شغب ومحاولة لإشعال حريق، جراء التكدس الشديد، والظروف القاسية التي يشهدها المركز».

عدد من المهاجرين غير النظاميين قبيل ترحيلهم إلى بلدانهم (جهاز الهجرة بشرق ليبيا)

وقال لملوم إن حملات التوقيف الواسعة والمكثفة التي نفذتها أجهزة أمنية متعددة «تسببت في ارتفاع أعداد المحتجزين داخل المركز إلى نحو ألفي شخص؛ وسط غياب تام لآليات الفرز والتسجيل، أو تقييم الأوضاع القانونية للموقوفين قبل إيداعهم الاحتجاز».

وحسب لملوم، فإن «استمرار هذا الوضع ينذر بمخاطر أمنية وإنسانية وشيكة؛ إذ تصبح محاولات الهروب وحالات التوتر أمراً متوقعاً في ظل ظروف الاحتجاز السيئة»، ورأى أن «هذه الحوادث تستدعي المخاوف من تكرار تجارب سابقة شهدتها البلاد، حيث أدى التعامل الأمني مع مثل هذه الاضطرابات إلى استخدام القوة المفرطة وإطلاق النار، مما أسفر عن سقوط ضحايا داخل مراكز الإيواء».

وشدد لملوم على «أهمية توزيع المحتجزين على مراكز إيواء متعددة لضمان إتمام الفرز بصورة سليمة، تمهيداً للإفراج الفوري عمن يمتلكون مستندات قانونية أو مبررات تستوجب إخلاء سبيلهم، مع تسريع إجراءات العودة الطوعية لمن تنطبق عليهم الشروط».

كما تحدث مهتمون آخرون بملف الهجرة عن مركز إيواء المهاجرين في «بئر الغنم» لتجميع المهاجرين غير النظاميين، جنوب غربي العاصمة طرابلس، وقالوا إنه يعاني من تكدس المهاجرين، خصوصاً القصّر.

ترحيل 69 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة (جهاز الهجرة في شرق ليبيا)

وفي حين لم ينفِ جهاز مكافحة الهجرة في العاصمة طرابلس هذه الأنباء، أو يؤكدها أي مصدر رسمي، فإن الجهاز يعلن باستمرار مواصلة ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم وفق خطة «العودة الطوعية» بتنسيق أممي.

وفي هذا السياق، أفاد جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية (فرع شرق طرابلس)، الثلاثاء، بأنه رحّل 14 مهاجراً من الجنسية المصرية صباحاً، مشيراً إلى أنهم كانوا من بين نزلاء مركز الإيواء التابع للجهاز، حيث نُفذت عملية ترحيلهم عبر منفذ مطار معيتيقة الدولي، فور استكمال الإجراءات الإدارية والقانونية.

بالتزامن مع ذلك، قال جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في شرق ليبيا، إنه «تنفيذاً لتوجيهات القيادة العامة للحد من ظاهرة الهجرة غير المشروعة، يواصل تنفيذ حملاته الميدانية المكثفة داخل الأحياء والمناطق السكنية». موضحاً أن الحملة التي انطلقت مساء الاثنين «استهدفت عدداً من المنازل والعقارات، والأماكن المؤجرة بصورة عشوائية وغير قانونية للوافدين، وقد تسببت في كثير من المشكلات والاختناقات داخل الأحياء السكنية؛ من بينها إزعاج المواطنين، والاستهلاك العشوائي لمصادر الطاقة الكهربائية ومياه الشرب»، فضلاً عن «عدم مراعاة العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية المتعارف عليها في ليبيا».

وذكر الجهاز أنه «سبق أن وجّه عدة تنبيهات وتحذيرات لأصحاب العقارات بضرورة عدم تأجير ممتلكاتهم بصورة عشوائية للوافدين، خصوصاً العزاب، إلا بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، إلا أن بعض أصحاب العقارات لم يلتزموا بهذه الإجراءات»، مشيراً إلى أن بعض المواطنين «استغلوا عقاراتهم لإيواء أعداد كبيرة من الوافدين، الأمر الذي ترتبت عليه تداعيات أمنية واجتماعية وصحية واقتصادية، تستوجب التدخل الحازم حفاظاً على الأمن العام وسلامة المجتمع».

وبشأن ترحيل المهاجرين، أوضح الجهاز أن فرع بنغازي رحّل 69 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة خلال اليومين الماضيين، من بينهم مصريون وبنغلاديشيون وباكستانيون، وذلك بقصد «الحد من ظاهرة الهجرة غير المشروعة».

عدد من المهاجرين بعد انتشالهم من البحر في 9 مارس الماضي (حرس السواحل التابع للقيادة العامة بشرق ليبيا)

وتتدفق على ليبيا أفواج من الراغبين في العمل بالداخل أو التسلل إلى السواحل الأوروبية بطرق غير مشروعة، وعادة ما يُفقد بعض هؤلاء غرقاً في البحر المتوسط. وفي هذا الإطار، قال أطباء في العاصمة الليبية طرابلس، الاثنين، إن الأمواج جرفت جثث ما لا يقل عن 15 مهاجراً إلى الشاطئ في مدينة ساحلية شرق المدينة.

وأوضح مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة في طرابلس، أن الجثث جرفتها الأمواج إلى مدينة الخُمس، الواقعة على مسافة 118 كيلومتراً تقريباً شرق العاصمة. ونشر المركز صوراً على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يظهر فيها مسعفون وهم يحملون جثثاً في أكياس بلاستيكية باللونين الأسود والأبيض، بالإضافة إلى صور أخرى التُقطت في أثناء عمليات الدفن.

ومنذ عام 2011، أصبحت ليبيا طريق عبور رئيسياً في شمال أفريقيا لمئات الألوف من المهاجرين الفارين من الصراعات والفقر، ومعظمهم من دول جنوب الصحراء الكبرى، حيث يغامر الكثيرون بالشروع في رحلات تحفها المخاطر عبر الصحراء أو البحر المتوسط.

وعادة ما تتحدث «المنظمة الدولية للهجرة» عن تعرض المهاجرين غير النظاميين لكوارث خلال تهريبهم عبر البحر؛ وسبق لها القول في 27 فبراير (شباط) الماضي إن نحو 7667 مهاجراً لقوا حتفهم، أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال عام 2025، لافتة إلى ضرورة تكثيف الجهود الرامية لتفكيك شبكات تهريب المهاجرين، التي تستغل أوضاعهم، وتعرّض حياتهم لمخاطر جسيمة.


تشكيك متزايد بإمكانية حلحلة «النواب» و«الدولة» الأزمة الليبية

الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)
الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)
TT

تشكيك متزايد بإمكانية حلحلة «النواب» و«الدولة» الأزمة الليبية

الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)
الليبيون المشاركون في «الحوار المهيكل» عقب عرض مخرجاته 7 يونيو (البعثة الأممية)

وسط جدل ليبي متصاعد حول مخرجات «الحوار المهيكل»، الذي رعته البعثة الأممية لدى البلاد، يشكّك سياسيون ليبيون في قدرة مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» على حلحلة الأزمة السياسية، أو التوافق على قانوني الانتخابات العامة.

وانتهى «الحوار المهيكل»، الأسبوع الماضي، إلى مخرجات تستهدف كسر حالة الانسداد السياسي والتمهيد للانتخابات، ومنحت مجلسي النواب و«الدولة»، اللذين يتبادلان المسؤولية عن تعطيل الاستحقاق، مهلة 45 يوماً للتوافق بشأن قانوني الانتخابات.

خلافات المجلسين أطالت أمد الأزمة

تداول ناشطون ليبيون مقطعاً مصوراً لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وصف فيه المجلس الأعلى للدولة بأنه جسم «معرقل» أعاق الاستحقاق، مقارنة بالبرلمان، الذي أنجز ما عليه بإقرار قانوني الانتخابات، وإحالتهما إلى «المفوضية الوطنية العليا».

عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (رويترز)

ويرى مراقبون أن الخلافات الممتدة بين المجلسين أسهمت في إطالة أمد الأزمة، بينما تفاقمت معاناة المواطنين جراء الانقسام المؤسسي، واستمرار الصراع بين حكومتين متنافستين على السلطة.

وعدّ الباحث القانوني الليبي، هشام سالم الحاراتي، منح مجلسي النواب و«الدولة» مهلة جديدة، «استمراراً في إهدار الوقت، وإطالة لعمر الأزمة السياسية».

وتساءل الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن «إمكانية توافق المجلسين خلال 45 يوماً، بعدما فشلا لسنوات في تجاوز خلافات جوهرية بشأن شروط الترشح للرئاسة»، معتبراً أن «مخرجات الحوار بهذا الشكل أخفقت في تقديم حلول عاجلة لأزمة البلاد، رغم تفاقم الانقسام السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية».

من اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب.

ويعتقد الحاراتي أن التعويل الأكبر سيكون على لجنة «4+4»، التي شكلتها البعثة أواخر فبراير (شباط) الماضي «لارتباطها بالقوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها، علاوة على أنها مدعومة أميركياً». وذكر في هذا السياق أنه بعد تعثر المجلسين في إعداد الإطار التشريعي للانتخابات ضمن خريطة الطريق، التي أعلنتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، جرى تشكيل لجنة «4+4» بوصفها آلية تفاوضية تضم ممثلين عن «الوحدة الوطنية» و«الأعلى للدولة» والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» والبرلمان.

ولم تقتصر توقعات «عجز المجلسين عن التوافق» على أصوات سياسية مستقلة أو مراقبين، بل صدرت هذه الشكوك أيضاً عن أعضاء داخل مجلس النواب، إذ استبعد النائب سليمان سويكر «إمكانية تحقيق توافق حقيقي».

وأرجع سويكر ذلك إلى «عدم طرح مخرجات (الحوار المهيكل) أي جديد يمكن البناء عليه، وإعادتها القضايا الخلافية نفسها إلى المجلسين للتوافق حولها رغم فشلهما المسبق في حسمها».

ويرى سويكر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «كان يفترض على البعثة الأممية أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في تقريب وجهات النظر بين المجلسين، لا إعادة تدوير الأزمة في صورة توصيات جديدة».

أزمة ثقة

بدوره، شكك عضو مجلس النواب الليبي عمار الأبلق «في قدرة المجلسين على تجاوز أزمة الثقة والخلافات بينهما»، لافتاً إلى «تمسك البرلمان بمخرجات اللجنة المشتركة لصياغة القوانين الانتخابية (6+6)، وإقرارها كقوانين منذ أكثر من عامين، فيما طالب (الأعلى للدولة) بإجراء تعديلات عليها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (مجلس النواب)

ويُعد صمت المجلسين تجاه مخرجات «الحوار المهيكل»، وعدم وجود أي بيان رسمي بشأنها عاملاً آخر اعتبره الأبلق معززاً للاعتقاد بأن مهلة الـ45 يوماً قد لا تتحول إلى محطة لتقارب وجهات النظر.

ووفقاً لرؤيته، فإنه «لا يوجد حتى الآن مشروع وطني لحل الأزمة، وهو ما يعني أن مبادرة المستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لا تزال هي الأرجح للتطبيق نظراً لثقل واشنطن ومساعي دبلوماسييها».

وتتركز المبادرة المنسوبة لبولس على دمج السلطتين القائمتين في بنغازي وطرابلس في حكومة واحدة، وتولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، واستمرار الدبيبة في موقعه رئيساً للحكومة.

في المقابل، أكد عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن الأجواء قد تكون مهيأة للاستفادة من المهلة الجديدة، والتوصل إلى توافق حول النقاط الخلافية في القوانين الانتخابية، مشيراً إلى «وجود تفاهمات واسعة بين وفدي مجلس النواب و(الأعلى للدولة) بلجنة (6+6) خلال اجتماع لهما عُقد بالعاصمة طرابلس».

ويرى معزب لـ«الشرق الأوسط» أن «التعديلات المحتملة على القانونين قد لا تستغرق وقتاً طويلاً، خاصة مع الاستفادة من بعض توصيات اللجنة الاستشارية التي شكلتها البعثة الأممية مطلع عام 2025»، معتقداً أن «ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للرئاسة لا يزال من أكثر الملفات تعقيداً».

انتهى «الحوار المهيكل» إلى مخرجات تستهدف التمهيد للانتخابات (مفوضية الانتخابات)

وأعرب معزب عن أسفه لتصريحات صالح الأخيرة و«تكرار اتهاماته للمجلس الأعلى للدولة»، ورغم ذلك قال إن مجلسه «منفتح وجاد للحوار مع البرلمان بما يفضي إلى الوصول لإجراء الانتخابات، في ضوء ما نص عليه الاتفاق السياسي الليبي من ضرورة الاتفاق بينهما لاعتماد أي قاعدة دستورية أو قوانين منظمة للاستحقاق».

واختتم معزب بأن «التشكيك في قدرة المجلسين على التوافق خلال المهلة المحددة صادر عن اليائسين والشامتين والساعين لتشكيل لجنة حوار سياسي ليكونوا أعضاء بها».


موريتانيا وسيراليون تبحثان أمن الساحل وغرب أفريقيا

رئيس دولة سيراليون جوليوس مادا بيو خلال لقائه مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة الموريتانية)
رئيس دولة سيراليون جوليوس مادا بيو خلال لقائه مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا وسيراليون تبحثان أمن الساحل وغرب أفريقيا

رئيس دولة سيراليون جوليوس مادا بيو خلال لقائه مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة الموريتانية)
رئيس دولة سيراليون جوليوس مادا بيو خلال لقائه مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة الموريتانية)

أجرى رئيس سيراليون جوليوس مادا بيو، زيارة عمل لموريتانيا، بدأت الاثنين، واختُتمت الثلاثاء، أجرى خلالها محادثات معمقة مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني حول الوضع الأمني في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

ورغم أنه لم يُصدر أي بيان رسمي مع نهاية الزيارة، فإنها حظيت باهتمام كبير لأن رئيس سيراليون يتولى الرئاسة الدورية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وهي منظمة إقليمية تضم 15 دولة أفريقية، لها وزن اقتصادي وديمغرافي كبير، خصوصاً أنها تضم دولاً مثل نيجيريا وغانا وكوت ديفوار (ساحل العاج). لكن المنظمة الإقليمية، التي أُسست قبل خمسين عاماً، تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، خصوصاً بعد انشقاق مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي تحكمها مجالس عسكرية محسوبة على روسيا.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني مستقبِلاً رئيس سيراليون (الرئاسة الموريتانية)

وفي ظل تصاعد حالة التشرذم التي تعيشها المنظمة الإقليمية، يتصاعد خطر المجموعات الإرهابية في منطقة الساحل، التي بدأت تتوسع نحو دول جديدة في غرب أفريقيا، علاوة على خطر الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية.

حسب مصادر شبه رسمية، فإن رئيس سيراليون أجرى في نواكشوط محادثات مع نظيره الموريتاني، تركزت حول الوضع الأمني في منطقة الساحل الأفريقي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف والجريمة المنظمة العابرة للحدود والاتجار غير المشروع بالبشر والسلاح، والهجرة غير النظامية.

وأضافت المصادر نفسها أن المشاورات بين الرئيسين بدأت على انفراد، قبل أن تتوسع لتشمل أعضاء حكومتي البلدين، كما شارك فيها رئيس مفوضية «إيكواس» عمر عليو توراي، الذي يعد أهم شخصية في المنظمة الإقليمية.

ورغم أن موريتانيا ليست عضواً في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، فإنها سبق أن كانت عضواً في المنظمة ثم انسحبت عام 2000، وفي السنوات الأخيرة وقَّع الطرفان اتفاقيات للتبادل التجاري والإعفاء الجمركي، حيث تعد موريتانيا إحدى البوابات المهمة، التي تربط منطقة غرب أفريقيا بشمال أفريقيا وأوروبا.

لكن مع تصاعد خطر الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، أصبحت موريتانيا شريكاً مهماً لدول غرب أفريقيا في القضايا الأمنية ومحاربة الإرهاب، بالإضافة إلى ملفات أخرى تشمل الحرب على شبكات تهريب البشر والسلاح، والمخدرات التي تنتشر في غرب أفريقيا.

دبلوماسية نشطة

قال مصدر دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس سيراليون يقود منذ توليه رئاسة منظمة (إيكواس) قبل عام من الآن، حراكاً دبلوماسياً كبيراً من أجل ترميم الصف الداخلي للمنظمة، وتعزيز علاقاتها بدول الجوار، والتي من أبرزها موريتانيا.

الهجرة السرية وضبط الحدود شكَّلا محور محادثات الرئيسين (وزارة الصيد الموريتانية)

وأضاف المصدر نفسه أن رئيس سيراليون يسعى أيضاً إلى تعزيز دور بلاده في المنظمة الإقليمية، ورفع مستوى حضورها في قضايا الأمن الإقليمي، وهي التي عاشت حرباً أهلية عنيفة في السابق، وأسهمت المنظمة في إنهاء هذه الحرب والعودة إلى السلم.

وحسب المصدر ذاته فإن بيو يتبنى منذ مطلع العام الحالي «دبلوماسية وقائية نشطة جداً»، تجلَّت بوضوح في طروحاته خلال منتدى داكار في أبريل (نيسان) الماضي، تحت شعار «الوقاية قبل التدخل»، وأكد الأطروحة نفسها خلال مشاركته في مؤتمر أكسفورد في مايو (أيار) الماضي.

مقاربات بديلة

تأتي تحركات رئيس «إيكواس» في وقت تواجه فيه المنظمة الإقليمية تحديات وجودية معقدة، تتمثل في «تصدع المنظومة»، بعد انشقاق دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي دول تمثل قلب الساحل الجغرافي، وتحكمها مجالس عسكرية اتجهت لبناء تحالفات أمنية جديدة، ومحسوبة بشكل مباشر على موسكو؛ مما أفقد «إيكواس» نفوذها في خطوط المواجهة الأمامية مع الجماعات المسلحة.

وأمام هذه الوضعية يبحث رئيس سيراليون عن «مقاربات بديلة»، من خلال توسيع شبكة علاقاته، وبناء تحالفات أمنية مرنة خارج الإطار التقليدي لمنظمة «إيكواس»، وهو ما يفسِّر مشاركة رئيس مفوضية المنظمة، عمر عليو توراي، في جزء من المحادثات الموسعة بنواكشوط لتقديم الغطاء المؤسسي لهذه التحركات.

بحث الرئيس الموريتاني مع نظيره السيراليوني في قضية تأمين الحدود (جهاز الأمن الموريتاني)

وتقول المصادر إن موريتانيا هي «الشريك الحتمي لدول غرب أفريقيا في أي معادلة أمنية»، وذلك بالنظر إلى خبرة موريتانيا في مواجهة الجماعات الإرهابية، ونجاح نواكشوط في تحصين حدودها الشاسعة ضد تمدد الجماعات المرتبطة بـ«القاعدة» و«داعش»، كما أن موريتانيا تملك حدوداً برية طويلة ومشتعلة مع جمهورية مالي؛ مما يجعلها في عين عاصفة اللجوء والهجرة.

وأمام هذه المعطيات تحدثت مصادر غير رسمية عن إمكانية أن تلعب نواكشوط «دور الوسيط الهادئ» بين العسكريين في دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) ومنظمة «إيكواس»، في إطار المساعي لترميم تصدعات البيت الداخلي للمنظمة الإقليمية.