كلما حلّت كارثة بدولة ما، عربية كانت أو غربية، يتم استحضار النموذج الليبي للبرهنة على استمرار الصراع، والتفرقة بين أفرقاء البلد الذي يعاني اضطراباً سياسياً منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عام 2011. وفي مثال بسيط على ذلك فقد صرّح وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قبل أيام قائلاً إن «ليبيا ليست هي الصومال أو لبنان أو اليمن»، و«ليبيا ليست سوريا»، وأخيراً «فنزويلا ليست مثل العراق وأفغانستان وليبيا»، وذلك في معرض رده حول إمكانية أن تنقل الولايات المتحدة السلطة بشكل كامل إلى المعارضة الفنزويلية.

وأضاف روبيو، خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، موضحاً أن فنزويلا «ليست الشرق الأوسط»، وأشار إلى «ليبيا والعراق وأفغانستان»، وقال إن «فنزويلاً دولة غنية جداً وتقع في نصف الكرة الغربي. ومهمتنا هنا مختلفة تماماً، فنحن نتعامل مع ما يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية».
ليبيا مضرب للأمثال
باتت ليبيا حاضرة على ألسنة عدد من المسؤولين الدوليين بوصفها مضرباً للأمثال منذ رحيل نظام القذافي، وهو ما يُشعر جلّ مواطنيها بالغضب والسخط على من تولّوا إدارة شؤونها من الساسة على مدار أكثر من 14 عاماً.
في هذا السياق يرى فتحي الشبلي، رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، أن ما قاله وزير الخارجية الأميركي «لا يمكن التعامل معه بوصفه جملة عابرة، أو بتوصيف دبلوماسي محايد، بل هو خطاب سياسي مُحمَّل بالدلالات، ويستحق التوقف عنده بجدية».
وذهب الشبلي، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «خطورة هذا التصريح لا تكمن في المقارنة ذاتها، بل في ترسيخ اسم ليبيا بوصفها مرجعاً جاهزاً للفوضى والانهيار في القاموس السياسي الدولي». وقال موضحاً: «حين يُقال إن دولة ما ليست مثل ليبيا، فهذا يعني أن الأخيرة لم تعد تُعرف بذاتها، بل بوصفها نموذجاً تحذيرياً يُستدعى لتبرير السياسات، أو لطمأنة جمهور معين. وهنا يفقد الاسم معناه السيادي، ويُختزل في صورة نمطية أُنتجت سياسياً وإعلامياً».
وقبل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، كانت أميركا ترى عدم حلّ القضية عسكرياً، وهو ما عبّر عنه وزير خارجيتها الأسبق جون كيري في يونيو (حزيران) 2013، حين قال: «لا يوجد حل عسكري في سوريا»، و«سوريا ليست ليبيا، إنهما حالتان مختلفتان في أوجه كثيرة جداً».

وأمام معضلة الحل في ليبيا، تخوّف مسؤولون دوليون من «صوملة» ليبيا، في إشارة إلى ما يجري في دولة الصومال. وقد سبق أن حذّر وزير الخارجية الإيطالي السابق، باولو جنتيلوني، من تحوّل ليبيا إلى «صومال ثانية»، ما لم يتم التوصل «خلال أسابيع» إلى اتفاق بين الليبيين عبر محادثات السلام، التي ترعاها الأمم المتحدة، إلا أن الأزمة لا تزال على حالها. وقال جنتيلوني حينها: «إما أن نصل إلى اتفاق خلال أسابيع، وإما سنجد أنفسنا أمام صومال جديدة على بُعد خطوات من شواطئنا، وعندها سنكون مجبرين على التحرك بطريقة أخرى».
«صوملة» ليبيا
لم تكن المخاوف من «صوملة» ليبيا نابعة من أوروبا فقط، بل إن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عبّر بدوره عن ذلك في منتصف يوليو (تموز) 2020، عندما قال إن «محاولة إقحام القبائل الليبية في حمل السلاح أمر خطير»، مشيراً إلى أن «هناك أطرافاً تريد أن تحمل القبائل الليبية السلاح، وهذا سيؤدي إلى صوملة ليبيا، أو إلى سيناريو مشابه لما حدث في سوريا».

وهنا يلفت الشبلي إلى أن «إدراج ليبيا إلى جانب سوريا في هذا السياق يحمل إيحاءً بأن الفوضى قدرٌ محتوم، وأن ما جرى كان نتيجة تدخلات خارجية؛ فليبيا لم تنزلق إلى الحرب الأهلية بالمنطق السوري ذاته، ولم تعرف الانقسام الطائفي، ولم يكن انهيارها حتمياً لولا تدخلات دولية وإقليمية كثيفة».
ويرى الشبلي أن الأخطر من الخطاب الخارجي «هو تطبيع هذا الوصف داخلياً؛ وذلك حينما يردّد الساسة والإعلاميون الليبيون هذه المقارنات - دفاعاً أو تبريراً - فإنهم يسهمون، دون وعي في تثبيت وترسيخ هذه الصورة التي صُنعت عنا في الخارج، ويحوّلونها إلى جزء من الوعي الوطني المشوَّه».

وتتباين آراء محللين ليبيين ومسؤولين دوليين بشأن مدى تشابه ما يجري في ليبيا، من تشرذم وانقسام سياسي ومؤسسي مع حالات أخرى، فيما قال مسؤول بشرق ليبيا لـ«الشرق الأوسط» إن جهود «الجيش الوطني» منعت تحوّل البلاد إلى أفغانستان جديدة، مشيراً إلى أن التضحيات التي قدمتها قواته منذ عام 2014 «حالت دون تمكّن الجماعات الإرهابية التي تسربت إلى ليبيا من حدودها، وأطاح بها». معتقداً أن الحكومات التي تناوبت على إدارة ليبيا «لم تعمل على حل أزمتها، بقدر ما كرّست لها بالجهوية والمحاصصات».

وتعمل الدبلوماسية الأميركية بنشاط ملحوظ في ليبيا للتقريب بين الأفرقاء السياسيين، والسعي من أجل حلحلة أزمتهم المستعصية. وكانت زيارة البارجة الحربية الأميركية «ماونت ويتني» إلى ليبيا في أبريل (نيسان) 2025 قد أثارت أسئلة كثيرة في أوساط الليبيين حول مغزى إبحارها إلى البلاد، واستعاد بعضهم «ذكريات سيئة» لمشاركة الأسطول السادس في ضربات عسكرية سابقة على بلدهم.





