لماذا تثير زيارة مستشار ترمب إلى ليبيا هواجس السياسيين؟

بولس عقد لقاءات مع مسؤولين في طرابلس وبنغازي

الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
TT

لماذا تثير زيارة مستشار ترمب إلى ليبيا هواجس السياسيين؟

الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مستقبلاً بولس في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري (مكتب الدبيبة)

خلّفت زيارة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، إلى طرابلس وبنغازي عدة أسئلة في الأوساط السياسية الليبية، وزادت من «هواجس» البعض، لا سيما بعد توقيع اتفاقية نفطية ضخمة.

وفي طرابلس، لفت مراقبون إلى اللقاء الذي عقده بولس على هامش قمة الطاقة التي عقدت في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري، مع رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، حيث جرى توقيع اتفاقية نفطية طويلة الأمد لتطوير قطاع النفط مع شركتي «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، باستثمارات أجنبية تتجاوز 20 مليار دولار.

وفي الشرق الليبي، التقى بولس، رفقة القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيرمي برنت، مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» بالقاسم حفتر، وبحثا آليات التنسيق، والإعداد للنسخة الثانية من المنتدى الليبي–الأميركي، المزمع عقده في مايو (أيار) المقبل بمدينة بنغازي.

وفي الشرق أيضاً، التقى بولس نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر، في خطوة عدت تأكيداً على حرص واشنطن على بناء علاقات متوازنة مع القوى المسلحة في شرق البلاد وغربها، «بما يضمن بيئة آمنة للاستثمارات الأميركية، ويحد من نفوذ المنافسين، لا سيما الدور الروسي».

وبحسب محللين وسياسيين، فإن إعطاء الأولوية لـ«الصفقات الاقتصادية النفطية، والملفات الأمنية»، ضاعف هواجس «تعاطي المقاربة الأميركية ببرغماتية كبيرة مع واقع الانقسام الراهن، على حساب العملية السياسية».

في هذا السياق يعتقد عضو مجلس النواب الليبي، سليمان سويكر، أن زيارة بولس «لا تفتح أفقاً لتسوية سياسية حقيقية، بقدر ما تكرس واقعاً قوامه ليبيا المنقسمة سياسياً، الموحدة نفطياً، والمنضبطة أمنياً».

رئيس الوحدة الليبية خلال استقبال بولس في طرابلس (أ.ب)

وحذر سويكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن هذا النهج «قد يوفر هدوءاً مؤقتاً، لكنه يؤسس لأزمة طويلة الأمد، ويبقي أسئلة الدولة الموحدة، والسيادة، والشرعية مؤجلة إلى أجل غير معلوم»، مؤكداً أن «الخطر لا يكمن في استمرار الانقسام فحسب، بل في تحوله إلى صيغة مقبولة دولياً تدار من خلالها ليبيا كملف مصالح، لا كمشروع دولة».

وتتنازع حكومتان في ليبيا؛ الأولى «الوحدة» المؤقتة التي تتخذ من العاصمة طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

وفي يوليو (تموز) 2025 تكررت تلك الهواجس عقب زيارة بدأها بولس من طرابلس، وختمها في بنغازي، تاركاً وراءه «أسئلة وشكوكاً» متعددة.

واعتبر المحلل السياسي الليبي، صلاح البكوش، أن زيارة بولس «أكدت استمرار تركيز المقاربة الأميركية، منذ العام الماضي، على ملف الاقتصاد، ولا سيما دعم مؤسستي النفط والمصرف المركزي، مع تعزيز التنسيق بين القوى المسلحة في الشرق، والغرب».

ورأى البكوش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة «أعادت إنتاج المقاربة ذاتها، عبر التركيز العملي على الاقتصاد، والأمن، وتكرار حديث بروتوكولي عن دعم خريطة البعثة الأممية، دون اهتمام فعلي بالانتخابات، أو بتشكيل حكومة جديدة».

ورغم إقراره بأن «الاهتمام الأميركي بالاقتصاد الليبي ينطلق من مصلحة ذاتية»، أشار البكوش إلى أن واشنطن تسعى في الوقت ذاته إلى «احتواء تطورات سلبية متسارعة قد تقود إلى انهيار الدولة».

ورجح البكوش «وجود موافقة ضمنية من القوى الفاعلة في الشرق على الاتفاقيات النفطية، بما يضمن استمرارها وعدم عرقلة الإنتاج»، لافتاً إلى «اختفاء أي اعتراضات علنية من قبل أصوات سياسية وازنة في الشرق الليبي حولها، كما كان الحال مع أي اتفاق تعقده حكومة «الوحدة».

من جانبه، رأى هاني شنيب، رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية–الليبية، أن واشنطن باتت تتعامل مع الخلاف السياسي بوصفه «ملفاً طويل الأمد، جرى ترحيله لصالح دعم الاقتصاد بهدف تحقيق حد أدنى من الاستقرار، قد يفتح لاحقاً المجال لاستئناف التفاوض السياسي».

وأوضح شنيب لـ«الشرق الأوسط» أن العقود النفطية الموقعة لا يمكن وصفها بـ«المثالية»، غير أن الأطراف الليبية «لم تكن في موقع يسمح لها برفضها، أو إعادة التفاوض عليها»، مرجعاً ذلك «لوضعية الانقسام، وتدهور القطاع النفطي، والحاجة للدعم الأميركي».

وأشار شنيب إلى أن بولس «يركز على إبراز الحضور الأميركي في ليبيا، ومنع تحولها إلى ساحة نفوذ روسي خالص»، معتبراً أن ذلك «مكسب سياسي لا يقل أهمية عن العوائد الاقتصادية».

وفيما يتعلق بالمكاسب الليبية، لفت شنيب إلى أن «عودة الشركات الأميركية تمثل تحولاً مهماً في تبديد صورة الفوضى الأمنية، وعدم الاستقرار، وهو ما سيشجع دولاً أخرى على القدوم، والاستثمار بالبلاد، فضلاً عن رفع الإنتاج النفطي».

ويقترب إنتاج النفط في ليبيا من 1.4 مليون برميل يومياً، بمتوسط إيرادات يبلغ نحو 20 مليار دولار سنوياً، غير أن تحفظات المستثمرين لا تزال قائمة خشية تأثر الإنتاج بالإغلاقات المتكررة للحقول نتيجة الخلافات السياسية.

أما أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة، الليبي إبراهيم هيبة، فوصف زيارة بولس بكونها «فرصة جديدة لواشنطن لتعظيم مصالحها الاقتصادية في ظل توظيفها للانقسام القائم». وقال هيبة لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف القوى الليبية دفعها إلى تلبية الشروط الأميركية، مما أتاح توقيع اتفاقيات طويلة الأمد قد يصعب تعديلها مستقبلاً».

ورغم التركيز على الصفقات، رجح هيبة أن «تكون مباحثات بولس مع القوى الفاعلة في شرق وغرب البلاد تناولت مجدداً الدعوة إلى حكومة مشتركة بينهما، دون الاقتراب من ملف الانتخابات، الذي لا يبدو أولوية في المرحلة الراهنة».


مقالات ذات صلة

غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

شمال افريقيا وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

تعكس شهادات مواطنين ليبيين عمق الأزمة المعيشية؛ إذ تضطر أسر لتقليص الطعام والاقتراض، أو العمل بوظيفتين للتكيف مع الغلاء وسط مخاوف من بلوغ الدولار 10 دنانير.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا حذَّرت المؤسسة الوطنية للنفط من عمليات الإغلاق لضمان سلامة القطاع الذي يُعد المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية (أ.ف.ب)

مؤسسة النفط الليبية تلوِّح بإعلان «حالة القوة القاهرة»

قالت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، اليوم (الثلاثاء)، إنه جرى تعليق الإنتاج والعمليات في 3 حقول نفطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من جلسة مجلس النواب في بنغازي أمس الاثنين (مجلس النواب)

اعتماد اتفاق «4 + 4» يفاقم الخلاف على «النصاب» داخل «النواب» الليبي

تعمّق الانقسام السياسي بشرق ليبيا عقب اعتماد مجلس النواب لاتفاق «4 + 4»، إثر تشكيك عشرات النواب في نصاب الجلسة، وتلويحهم بالطعن القضائي.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

تكثف الأمم المتحدة تحركاتها في ليبيا لدفع التوافق الوطني والتمهيد للانتخابات، عبر توحيد المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية بالتنسيق مع الشركاء الدوليِّين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز - أرشيفية)

مؤسسة النفط الليبية: قد نضطر لإعلان حالة القوة القاهرة بعد إغلاق حقول

علّقت ليبيا الإنتاج والعمليات في ثلاثة حقول نفطية بعد إغلاق غير قانوني لخط رئيسي، محذرة من إعلان القوة القاهرة إذا استمر التعطيل.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)

قمة مصرية - فلسطينية في القاهرة غداً

السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - فلسطينية في القاهرة غداً

السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

تتجه الأنظار إلى قمة جديدة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفلسطيني محمود عباس، الأربعاء، بشأن ملفات القضية الفلسطينية، في ظل تعثر يواجه اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي دخل حيز التنفيذ منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن القمة تأتي ضمن مسار محاولة لبحث مستقبل قطاع غزة واتفاق وقف إطلاق النار بعد انتخابات إسرائيل المقبلة في أكتوبر المقبل، متوقعين أن تتحرك مصر مع رام الله في إنجاز ملف المصالحة وتهيئة الأمور لتحقيق دفعة للاتفاق بعد الانتخابات.

وبحسب وكالة «الأنباء الفلسطينية» الرسمية، وصل عباس، مساء الثلاثاء، للقاهرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، مساء الثلاثاء، أن السيسي، سيستقبل عباس، الأربعاء، في إطار «التشاور القائم مع مصر إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث من المقرر أن يعقد الرئيسان مباحثات حول العلاقات الثنائية ومستجدات القضايا الإقليمية والدولية».

وأشار القائم بأعمال سفارة فلسطين لدى مصر، السفير ناجي الناجي، أن على جدول أعمال القمة «سبل إنجاح الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر والشركاء الآخرون لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني وإغاثته، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني، وحشد الجهود كافة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، وتجسيد دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية».

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن زيارة الرئيس الفلسطيني للقاهرة تحمل أهمية بشأن مستقبل القضية الفلسطينية وما يمكن التوصل له الآن في إطار الجهود المصرية المستمرة والمتواصلة لتوحيد الصف الوطني الفلسطيني ومناقشة مجمل التطورات في الأراضي المحتلة.

وتهدف المحادثات، بحسب هريدي، إلى الاستماع لرؤية رئيس السلطة الفلسطينية حول كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة، وإعداد الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات والمستجدات عقب الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية المرتقبة في أكتوبر المقبل، والتوصل إلى توافق في الرؤى بشأن كيفية إدارة قطاع غزة، وتحديد دور السلطة الوطنية الفلسطينية واللجنة الوطنية المكلفة بإدارة القطاع.

شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (رويترز)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني أيمن الرقب أن القمة، التي تأتي قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مهمة في إطار بحث مستقبل القضية الفلسطينية، سواء على مستوى ملف المصالحة، والانتخابات، والترتيبات المتعلقة باتفاق غزة.

ويخيم الجمود على مسار الاتفاق، لكن القمة تأتي بعد إشادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بجهود مبعوثيه الخاصين؛ ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن في غزة العام الماضي،

وردّاً على أسئلة الصحافيين على متن طائرة الرئاسة، قال ترمب: «انظروا إلى غزة، على سبيل المثال، انظروا إلى حقيقة أننا استعدنا جميع الرهائن... لا يوجد قتال كبير في غزة الآن... وحركة (حماس) مستعدة للتخلي عن أسلحتها».

ورغم تلك الإشادة الدبلوماسية من ترمب، يتوقع هريدي أن تشهد جهود التهدئة واتفاق غزة حالة من التجمد السياسي والتعثر جراء الموقف الإسرائيلي، حيث يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى منع أي تحرك إيجابي لتنفيذ الخطة على الأرض، مقتصراً على خطوات حدّها الأدنى مراعاةً لعدم إغضاب ترمب.

ورجّح هريدي أن يستمر الجمود الحقيقي في ملف غزة والترتيبات الأمنية والسياسية إلى حين الانتهاء من انتخابات الكنيست الإسرائيلية وتشكيل الحكومة الجديدة.

جانب من محادثات السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» بالعاصمة الروسية في مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

ويرى الرقب أن جمود مسار التهدئة نتيجة تهرب الاحتلال الإسرائيلي من التزاماته، رغم تجاوب «حماس» الواضح مع اتفاق غزة، والدليل إشادة ترمب، مؤكداً أن الكرة باتت في ملعب الإدارة الأميركية، مشيراً إلى أنه باتت هناك قناعة بأن واشنطن ترجئ ضغوطها للوصول إلى حلول جادة انتظاراً لما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية.

وبالتالي، سيكون لقاء السيسي وعباس، بحسب الرقب، محاولة للتفكير في مستقبل ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، وما تتلوه من مشاورات لتشكيل الحكومة.


غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
TT

غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

شكت سيدة ليبية - رمزت لنفسها باسم «فاطمة» - من صعوبات المعيشة، في ظل تخوفها من ارتفاع سعر صرف الدولار، الذي يقارب تخطي حاجز الـ10 دنانير. وقالت هذه السيدة، وهي أرملة وأم لأربعة أبناء، لـ«الشرق الأوسط»، متحفظة على ذكر اسمها، إنها قلّصت استهلاكها من المواد الغذائية بدرجة كبيرة، وباتت تضطر للاقتراض مجدداً لشراء متطلبات باقي الشهر.

حال فاطمة يعكسه مواطنون آخرون، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، من بينهم «سامي» الذي قال إنه يعمل في وظيفتين، حكومية وخاصة، ليغطي نفقاته، مشيراً إلى أنه «لا خيار أمامنا سوى التكيف والاستغناء عن سلع كانت تُعد أساسية».

وأوضح سامي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن كل رب أسرة «بات مجبراً على إجراء حساب شهري معقد للتعايش مع راتب ثابت، مقابل فاتورة معيشية تتضخم، وسط مخاوف من أي طارئ، كعطل جهاز منزلي أو السيارة، في ظل غياب شبكة مواصلات عامة، وحينها قد تلتهم تكلفة الإصلاح ربما نصف ميزانية الشهر».

تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة بسبب قفزة واسعة في سعر الدولار وموجات غلاء (أ.ف.ب)

ورغم تمتع البلاد بثروة نفطية كبيرة، تعد عوائدها المصدر الرئيسي للدخل، لكن ليبيا باتت تعاني مؤخراً من عدد من الأزمات الاقتصادية، أبرزها تراجع الدينار وتصاعد السوق الموازية، حيث يُباع الدولار بنحو 9.5 دينار مقابل سعر رسمي يبلغ 6.33 دينار.

ورصد رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، «زيادة في أسعار السلع الأساسية بين 10 في المائة و15 في المائة، تزامناً مع تصاعد الدولار تدريجياً من 8 دنانير الشهر الماضي إلى سعره الراهن، لاعتماد السوق على الاستيراد».

وقال بوزعكوك لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادات «شملت اللحوم والأرز والزيت والبيض والمياه المعدنية، وغيرها من السلع، مما يثقل كاهل أرباب الأسر، خاصة من العاملين بالقطاع الحكومي الذي يضم أكثر من مليوني مواطن، أغلبهم في درجات وظيفية تتراوح رواتبها بين 1000 و2500 دينار شهرياً»، لافتاً إلى «تزايد أعباء هؤلاء المعيشية بسبب تكبدهم شراء مستلزمات العام الدراسي الجديد، التي قفزت أسعارها تأثراً بالدولار أيضاً».

ويرى بوزعكوك أن «حصر الاستيراد في السلع الضرورية سيسهم في محاربة الاعتمادات الوهمية، حيث يحصل بعض التجار على الدولار بسعر منخفض دون استيراد بضاعة فعلية، بل يبيعونه في السوق السوداء». معتقداً أن «توسع الحكومتين المتنازعتين في الإنفاق، وخاصة بمشاريع الإعمار بعقود ضخمة، وتصاعد مستويات الفساد، وضعف الرقابة والملاحقة القانونية جراء الانقسام، يُضعف أثر أي إجراء رسمي».

وحذر بو زعكوك من أن استمرار «ارتفاع الدولار في ظل توجيه الأسر 70 في المائة من ميزانيتها للطعام والدواء، سيصيب أسواق الملابس والأجهزة بالركود الحاد»، وأشار إلى «ظواهر غير معتادة أفرزها الغلاء، كطلب بعض الأسر المساعدة للعلاج عبر منصات التواصل».

زيادات الأسعار شملت اللحوم والأرز والزيت والبيض والمياه المعدنية ما أثقل كاهل أرباب الأسر (أ.ف.ب)

ووفقاً لأحدث بيان لمصرف ليبيا المركزي، يغطي الفترة من بداية العام الحالي وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي، سجلت الميزانية فائضاً ظاهرياً بالعملة المحلية، بإيرادات بلغت 98.9 مليار دينار مقابل إنفاق قدره 68.6 مليار دينار، التهم باب الرواتب الحصة الكبرى منه بنحو 47 مليار دينار.

بدوره، أرجع أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، صقر الجيباني، «تخوف الشارع من وصول الدولار بالسوق الموازية لحاجز العشرة دنانير إلى تداعياته على أسعار السلع الأساسية، خاصة أن استمرار التضخم أنهك مداخيل الشريحة الأوسع من السكان».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شكك الجيباني في البيانات الرسمية لنسب التضخم وذلك «لعدم مطابقتها للأسعار المرصودة في الأسواق»، معبراً عن تفهمه لتساؤلات كثير من الليبيين حول عدم انعكاس الطفرة النفطية عالمياً على حياتهم، واصفاً الأمر بـ«المفارقة الكبرى».

وفسر الأمر في إطار ما ترصده التقارير الرقابية عن استنزاف ملف المحروقات المدعومة، وتهريبها لنسبة كبيرة من العوائد النفطية بالعملة الأجنبية، كما لفت إلى شكاوى المصرف المركزي من عدم تحويل كامل الإيرادات النفطية إليه، ما يحد من قدرته على الدفاع عن الدينار.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن الحل يكمن في «إنهاء الانقسام وإيجاد حكومة موحدة بميزانية موحدة، تخضع للرقابة، وهو ما قد يُنهي السوق الموازية تدريجياً».

وحذّر من «التداعيات الاجتماعية للتضخم من جراء استمرار تصاعد سعر الدولار»، ومن «تزايد الأسر الواقعة تحت خط الفقر، وتراكم الديون عليهم، وظهور إضرابات في قطاعات حيوية».

على الرغم من تفهمه لمشروعية هذه المطالب «بسبب عدم كفاية المداخيل أمام الأسعار المتصاعدة، ما تسبب في تآكل القدرة الشرائية»، وأشار الجيباني إلى أن «أي زيادة في الرواتب سيلتهمها التضخم طالما بقي أصل المشكلة قائماً».

كما حذّر من تداعيات الوضع برمته على «تزايد التفاوت الطبقي، وهي ظاهرة جديدة في المجتمع الليبي، بين قلة تملك المليارات، وأغلبية تكافح يومياً لتأمين الخبز».


«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)
الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)
TT

«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)
الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)

دعت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجزائر إلى عدم توسيع استخدام عقوبة الإعدام، بعدما تعهّدت السلطات بإنزال هذه العقوبة بحق مفتعلي حرائق الغابات المميتة. وأصدر القضاء الجزائري أحكاماً بالإعدام، بما في ذلك في قضايا مرتبطة بالإرهاب والقتل العمد، دون تنفيذ العقوبة منذ عام 1993.

وقبل شهر، أمر الرئيس عبد المجيد تبون، وزير العدل، بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الأشخاص الذين يشعلون حرائق الغابات.

وجاء القرار بعد أن واجهت الجزائر موجة حرائق مميتة اجتاحت شمال شرقي البلاد، وحصدت أرواح 12 شخصاً، وفق حصيلة رسمية، بينما تحدّث شهود عن عشرات القتلى.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، قالت منظمة العفو الدولية، في بيان: «يجب على السلطات الجزائرية التخلي فوراً عن أي خطط لتوسيع نطاق عقوبة الإعدام، أو استئناف تنفيذ الإعدامات، بعد أكثر من ثلاثة عقود من توقفها».

وأضاف الرئيس تبون أن الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام يجب أن يُنفَّذ فيهم الحكم فور استنفادهم حقّهم في الطعن «ليأخذ المجتمع حقه منهم».

وبدأت الحكومة الجزائرية دراسة مشاريع تعديلات على قانون العقوبات، في وقت سابق من هذا الشهر، حين قال الرئيس إن «خاطفي الأطفال والمنكّلين بهم» سيواجهون أيضاً عقوبة الإعدام.

ودعت منظمة العفو الدولية الجزائر إلى «إقرار وقف رسمي لتنفيذ أحكام الإعدام، كخطوة أولى نحو الإلغاء التام لعقوبة الإعدام».

وشهدت مناطق شمال الجزائر حرائق غابات، بصفة منتظمة، خلال فصل الصيف، غير أن التغيّر المناخي فاقم آثارها من خلال التسبب في موجات جفاف متكررة وحرارة شديدة. ومع ذلك قال الرئيس تبون إن في الحرائق الأخيرة «شيئاً إجرامياً».

شهدت مناطق شمال الجزائر حرائق غابات بصفة منتظمة خلال فصل الصيف (الحماية المدنية)

كما قالت منظمة العفو الدولية إن «مصادر موثوقة أفادت، منذ ذلك الحين، بسقوط عدد أكبر بكثير من الضحايا»، مقارنة بالحصيلة الرسمية في أحدث موجة حرائق، «بما في ذلك أكثر من 70 وفاة في بلدية واحدة».

وقضى أكثر من 30 شخصاً، في يوليو (تموز) 2023، عندما اجتاحت الحرائق آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، فضلاً عن مئات المنازل، في منطقة بجاية ومحيطها.

وفي عام 2023، أصدرت الجزائر أحكاماً بالإعدام على أكثر من 50 شخصاً من منطقة تيزي وزو، بعضهم غيابياً، على خلفية حادثة قتل ناشط، يبلغ 38 عاماً، والتنكيل بجثته، بعدما اتّهمه سكان من المنطقة خطأ بإشعال حرائق غابات.