مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين

بين وعود البرهان بدولة المواطنة ومشروع التعايشي لـ«تأسيس جديد»

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
TT

مخاوف الانقسام تتصاعد في السودان مع ترسيخ واقع حكومتين

قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)
قائدا الجيش عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» يتنازعان السلطة بعد سنوات من التفاهم (أ.ف.ب)

مع مطلع عام 2026، وبينما يحتفل السودانيون – نظرياً – بمرور سبعين عاماً على الاستقلال، تبدو «فكرة الدولة» نفسها موضوعة أمام اختبار وجودي قاسٍ. فالحرب التي طالت لم تكتفِ بتدمير البنية المادية، بل أنتجت واقعاً سياسياً جديداً يقوم على سلطتين متنازعتين على الشرعية والأرض، وتغذية مستمرة لتعبئة حربية وخطاب كراهية، يقوضان أي قابلية مجتمعية للعودة إلى صيغة وطن واحد جامع.

في خطاب الاستقلال، سعى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى استعادة مفردات «الوطن والمواطنة»، وفتح نافذة للحديث عن «المصالحة الوطنية»، لكنه في الوقت ذاته شدد على مواصلة القتال حتى تحقيق النصر. وعلى الضفة الأخرى، قدم رئيس وزراء الحكومة الموازية في نيالا، محمد الحسن التعايشي، رؤية تقوم على «تأسيس الدولة من جديد»، عبر عقد اجتماعي جديد، ونظام حكم لا مركزي، وجيش واحد.

رئيس وزراء حكومة «تأسيس» الموازية محمد حسن التعايشي (صفحة مكتبه على «فيسبوك»)

وبين هذين الخطابين، اللذين يبدوان ظاهرياً حريصين على وحدة السودان، يبرز ملف مقلق يتمثل في احتمال أن تقود الحرب إلى انقسام بحكم الأمر الواقع، يتطور لاحقاً إلى تفكيك شامل، لا سيما في ظل الذاكرة الجمعية التي ما تزال تحتفظ بتجربة انفصال جنوب السودان.

معسكران متنافسان

فعلى الأرض، أعلن التحالف الذي تقوده «الدعم السريع» تشكيل حكومة في مناطق سيطرته، وعين لها مجلساً رئاسياً يترأسه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، إلى جانب رئيس وزراء هو محمد الحسن التعايشي. في المقابل، يسعى المعسكر المرتبط بالجيش إلى ترسيخ وجوده في بورتسودان بوصفه «السلطة المعترف بها دولياً». وبهذا، تنتقل الأزمة من مجرد صراع عسكري على العاصمة أو مفاصل الدولة، إلى منافسة مباشرة على تمثيل الدولة نفسها.

نائب رئيس حزب المؤتمر السودان، والقيادي بتحالف "صمود" خالد عمر يوسف (صفحته على فيسبوك)

في مواجهة هذه المخاوف، حذر القيادي البارز في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود»، خالد عمر يوسف، من تقديم سردية «الخيار العسكري» بعدّها ضمانة للوحدة الوطنية، وعدّ توصيف الحرب بأنها وسيلة لحماية السيادة «إحدى أكبر الأكاذيب المتداولة». وتوقع يوسف، في حديث بثه عبر منصته، أن تكون النتيجة العملية لاستمرار الحرب هي «تآكل الدولة، وتعدد مراكز القرار، وترسيخ إدارتين متوازيتين»، مشدداً على أن كل يوم قتال إضافي يعمق ويعزز وضعية الانقسام.

ويرى أن جذور الأزمة تكمن في «تعدد الجيوش، ووجود قوتين عسكريتين متوازيتين»، مؤكداً أن معالجة هذا الوضع لا تتم عبر شعارات من قبيل «حل هذا الجيش أو ذاك»، بل من خلال اتفاق سياسي تفاوضي يضع آليات واضحة للدمج والتوحيد، أو عبر حسم عسكري بالقوة، وهو خيار يراه غير مرجح. ويجزم يوسف بأن الرهان على الحسم العسكري «لن يصنع جيشاً واحداً»، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من التشظي، خاصة في ظل انتشار السلاح، وتكاثر الجماعات المسلحة، وتعقد مسارات السيطرة والنفوذ.

سلطات ولاية الخرطوم تقوم بتدريب آلاف الجنود في منطقة أم بدة غرب أم درمان لمساعدة القوات المسلحة 15 ديسمبر (أ.ف.ب)

كما حذر من أخطار متعددة تواجه البلاد، من بينها تحول الحرب إلى صراع ذي طابع جهوي، تغذيه الكراهية والفراغ الأمني وتعدد القوى المسلحة، إلى جانب الامتدادات الإقليمية والدولية، وظهور دعوات انفصالية داخل دولة هشة، ما قد ينتج كيانات ضعيفة لا تعرف الاستقرار.

ولا تأتي هذه المخاوف من فراغ؛ إذ ربطت وكالات وتقارير دولية بالفعل بين قيام سلطتين متوازيتين وخطر التشظي، على غرار نماذج دول منقسمة. فقد ذكرت وكالة «رويترز» في 31 يوليو (تموز) الماضي أن وجود حكومتين «يعمّق مسار الانقسام بحكم الأمر الواقع في البلاد».

سيناريوهات التقسيم

أما الصحافية رشا عوض، فتذهب إلى قلب الفكرة، عادّةً أن الحروب الطويلة نادراً ما تفتح الطريق أمام «نصر حاسم»، بقدر ما تفتح الباب أمام «سيناريوهات التقسيم».

وتوضح أن التقسيم الإداري بات واقعاً فعلياً، تسيطر فيه قوى مسلحة على أقاليم كاملة وتديرها بشكل شبه مستقل عن الدولة المركزية، محذرة من أن استمرار الحرب قد يحوّل هذا الواقع إلى تقسيم كامل، قائلة: «إطالة القتال تعني ترسيخ هذا الوضع».

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

وترى عوض أن أي تقسيم محتمل لن يكون سلمياً، بل سيكون «دموياً وغير قابل للاستقرار»، مضيفة: «حتى لو انفصل إقليم، فلن يستقر بذاته، لأن التناقضات الداخلية – كما في حالة دارفور – قد تكون أعمق من تناقضاته مع المركز، ما يجعل الانفصال مدخلاً لتشظٍ داخلي، لا لحل سياسي». وتؤكد عوض لـ«الشرق الأوسط» أن البيئة الإقليمية الحالية تضاعف المخاطر، مشيرة إلى أن الإقليم «يغلي»، وأن اندلاع صراع إقليمي أوسع في ظل استمرار الحرب في السودان قد يحوله إلى ساحة ضمن حرب إقليمية كبيرة، تطيل أمد القتال داخلياً، وتعمق آثاره، وتدفع البلاد نحو التفكك، خاصة مع امتلاك كل طرف عسكري حلفاء إقليميين متنافسين.

وتربط بين الحرب وما تصفه بـ«حالة الانقسام النفسي والاجتماعي المتصاعدة»، الناتجة عن خطاب الكراهية، قائلة: «القتال ضخ جرعات عالية من التحريض تجاه أقاليم ومكونات بعينها»، مضيفة أن غياب مشروع وطني للتعافي والمصالحة والعدالة الانتقالية يعزز منطق «نحن الخير المطلق، وهم الشر المطلق»، ما يجعل قبول السودانيين لبعضهم أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

دولة البحر والنهر

ويتقاطع هذا الانقسام النفسي والاجتماعي مع مظاهر فرز اجتماعي بدأت تظهر في اللغة اليومية بين مؤيدي الطرفين، وتوضح عوض: «الأمر لا يقتصر على ضجيج سياسي، بل يمثل شرطاً نفسياً يمهد لقبول الانقسام كحل، أو على الأقل للتعايش معه بوصفه قدراً». وفي هذا السياق، تتداول بعض منصات التواصل الاجتماعي دعوات صريحة لفصل إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، وسط خطاب كراهية لا يستثني حتى حلفاء الجيش، تجلى في مفردات مهينة مثل «عرب الشتات»، و«أم كعوكات»، و«لا يشبوننا»، وغيرها. كما برزت دعوات لإقامة دولة باسم «البحر والنهر»، تضم وسط السودان وشماله وشرقه، مصحوبة بخطاب يقوم على النقاء والتمييز العرقي، وتداول معلومات عن وجود ما يسمى «قانون الوجوه الغريبة».

السودانيون يحلمون بعودة الحياة المدنية، وذكريات الاحتفال بذكرى الثورة في ديسمبر 2018 (أ.ف.ب)

وخلاصة ما يجمع بين تحذيرات خالد عمر يوسف وتحليل رشا عوض، أن الحل لا يكمن في ترديد شعار «الوحدة»، بل في وقف ديناميكيات الانقسام قبل أن تتصلب، وذلك عبر وقف فوري للحرب، ومنع تحول السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية. فما يشهده الناس ويسمعونه اليوم يؤكد أن مخاوف الانقسام لم تعد مجرد توقعات نظرية، بل باتت تنطلق من واقع يتعقد كلما طال أمد الحرب. وفي ظل وجود سلطتين متنازعتين، وسلاح كثيف خارج السيطرة، وتصدع اجتماعي عميق، فإن العودة إلى المشترك الوطني تتطلب انتقالاً عاجلاً من منطق «إدارة الحرب» إلى منطق «إنقاذ الدولة»، حتى يتمكن السودانيون من أن يرددوا من جديد نشيدهم الأثير: «اليوم نرفع راية استقلالنا».


مقالات ذات صلة

هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

العالم العربي أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)

هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

وقع هجوم بمسيّرات، فجر اليوم، على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» وشهود.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم )
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

«الدعم السريع» تسيطر على قيسان

أعلن تحالف «تأسيس» السيطرة على مدينة قيسان الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، وبالقرب من الحدود السودانية - الإثيوبية، بعد معارك مع الجيش.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أنه لم يتلقَّ أي اتصال بشأن ما يتداول عن مبادرة لحوار سياسي وطني.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وفي لقاءات أديس أبابا (إكس)

تحليل إخباري «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان... إلى أين؟

تواجه «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان اختبارات صعبة نتجت عن تعثر اجتماعاتها الأخيرة في أديس أبابا، والتي قاطعتها قوى سياسية أبرزها «صمود».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

أدت الحرب لعجز في مؤسسات إيواء الأطفال فاقدي السند، ونتج عن ذلك ارتفاع معدلات الوفيات بين الصغار، واضطرت السلطات للجوء إلى الأسر البديلة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
TT

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)

لم تكد تمر ساعات على تحذيرات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بمحاسبة الأطراف المتورطة في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية (غرب)، حتى تعرضت محطة كهرباء جنوب المدينة لهجوم جديد في وقت متأخر الثلاثاء.

وهذا التصعيد الذي بدا من منظور مراقبين تجاهلاً لتحذيرات الدبيبة، أثار أيضاً مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية، تمس حياة السكان مباشرة.

بقايا طائرة مسيرة استهدفت محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الثلاثاء (الشركة العامة للكهرباء)

ويأتي الهجوم الأحدث بعد سلسلة اعتداءات طالت خلال الأيام الماضية منشآت نفطية في الزاوية، وسط تقارير محلية وشهادات عن استخدام مجموعات مسلحة طائرات مسيّرة في تنفيذها، ما يضع السلطات في طرابلس أمام اختبار أمني متزايد لمدى قدرتها على احتواء الجماعات المسلحة، الناشطة في المنطقة الغربية.

ووسط استياء شعبي عم مدينة الزاوية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، نشرت الشركة العامة للكهرباء، الأربعاء، صوراً للأضرار التي لحقت بمحطة تحويل جنوب الزاوية، جراء استهدافها ليل الثلاثاء، موضحة أن الهجوم أدى إلى احتراق المحطة بالكامل وخروجها عن الخدمة، ما تسبب في فقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وقالت الشركة إنها اتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لحصر الأضرار وتقييمها، تمهيداً للبدء في إعادة تأهيل المحطة، التي تضم محولين بكامل ملحقاتهما بجهد 11/30 كيلوفولت.

احتراق مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيّرة (أ.ب)

وكانت الشركة قد حذرت، عقب الهجوم، من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، مؤكدة أن فقدان المزيد من محطات التحويل، وخطوط ومكونات نقل الطاقة، قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، تصل إلى إطفاء جزئي أو عام للشبكة.

وأوضحت الشركة أن الظروف الأمنية التي شهدتها الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، فضلاً عن تعطيل برامج الصيانة وتأثر وحدات الإنتاج في محطة كهرباء الزاوية.

وأضافت الشركة أن تدهور الوضع الأمني خلال يونيو (حزيران) الماضي دفع شركة «جي إي» الأميركية إلى سحب فرقها الفنية، وتعليق أعمالها في المحطة، الأمر الذي أدى إلى تأخر استكمال أعمال الصيانة، واستمرار فقدان أكثر من 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، من إجمالي قدرة للمحطة تبلغ نحو 1300 ميغاوات.

جهود رجال الإطفاء لإخماد النيران التي اندلعت بمنشآت نفطية في الزاوية (أ.ب)

وحمّلت الشركة مسؤولية أي تبعات قد تلحق بالشبكة، أو تؤثر في استمرارية التغذية الكهربائية، لاستمرار استهداف منشآتها ومكوناتها، وتعذر تنفيذ أعمال الصيانة والتشغيل في بيئة آمنة.

وجاء الهجوم الجديد فيما تواجه السلطات في طرابلس ضغوطاً متزايدة لاحتواء التوتر الأمني في الزاوية، خصوصاً في ظل علاقات وتفاهمات سابقة مع عدد من التشكيلات المسلحة النافذة في المنطقة الغربية.

وكان الدبيبة ونائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، قد عقدا خلال اليومين الماضيين لقاءات مع قادة مجموعات مسلحة في طرابلس والزاوية، في مساعٍ لخفض التوتر، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وقبل ساعات قليلة من الهجوم، وصف الدبيبة، في بيان عبر منصة «إكس» مساء الثلاثاء، استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة، وتصعيد لن يمر دون رد»، معتبراً أنه عمل منظم تجاوز «خطأ لا يمكن السماح بتجاوزه»، ويمس أمن البلاد واقتصادها ومقدرات الليبيين.

وأوضح الدبيبة أن الجهات المختصة باشرت التحقيقات لتحديد مصدر الطائرات المستخدمة في الهجوم، مشيراً إلى أنه تابع تطورات الحريق الذي اندلع في خزان بالمنطقة الصناعية في الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، ووجّه برفع مستوى الاستجابة مع إعطاء الأولوية لحماية الأرواح ومنع امتداد النيران.

وتكتسب الزاوية، الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، أهمية استراتيجية، إذ تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بإمدادات حقل الشرارة النفطي، الذي تصل طاقته الإنتاجية إلى نحو 300 ألف برميل يومياً. لكنها تشهد في المقابل انتشاراً لفصائل مسلحة متعددة الولاءات، تتنافس على النفوذ ومسارات تهريب الوقود والبشر والهجرة غير النظامية، وفق تقارير أممية.

الدبيبة وصف استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة» (إ.ب.أ)

وفي موازاة التصعيد الأمني، تكثف الأمم المتحدة اتصالاتها لدعم التهدئة في المنطقة الغربية. وأكدت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، دعم البعثة الكامل للجهود الرامية إلى خفض التوتر واستعادة الاستقرار، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ودعم حقوق الإنسان، إلى جانب توفير الدعم السياسي والمؤسسي لتنفيذ الترتيبات الأمنية على امتداد الساحل الغربي.

وجددت تيتيه، خلال لقائها في طرابلس رئيس أركان القوات الموالية لحكومة الوحدة صلاح النمروش ووفداً من مدينة صرمان، ضم النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري، دعم الأمم المتحدة للجهود الرامية إلى إنهاء القتال وضمان سلام وأمن مستدامين.

وأشادت المبعوثة بالاجتماع الذي عقد مؤخراً بين رئيسي الأركان العامة في سرت، معتبرة أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً نحو إعادة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى معالجة أسباب التوتر الأمني في المنطقة الغربية، ومنع تحوله إلى تهديد مباشر للمنشآت الحيوية والسكان.


تركيا تتطلع لدور تنسيقي ضمن جهود توحيد المؤسسات الليبية

المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)
TT

تركيا تتطلع لدور تنسيقي ضمن جهود توحيد المؤسسات الليبية

المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)

أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأربعاء، حرص بلاده على «دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية»، معرباً عن تطلع أنقرة إلى الاضطلاع بدور في تنسيق الجهود الدولية، و«دعم المبادرة الأميركية الرامية إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في ليبيا».

جاء ذلك خلال مباحثات أجراها فيدان في بنغازي مع قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، ونائبه الفريق أول صدام حفتر، إلى جانب رئيس الأركان خالد حفتر، وذلك في اليوم الثاني من زيارة الوزير التركي إلى ليبيا.

وكان فيدان قد بدأ زيارته، الثلاثاء، من طرابلس، حيث التقى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، قبل أن ينتقل إلى بنغازي للقاء عدد من كبار المسؤولين في شرق البلاد.

وتأتي الزيارة في توقيت حساس، تشهد فيه ليبيا تكثيفاً للاتصالات بشأن المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، والرامية إلى الدفع نحو صيغة جديدة لتوحيد السلطة التنفيذية، والمؤسسات المنقسمة في البلاد.

وبحسب ما جرى تداوله عن ملامح المبادرة، فإنها تتضمن إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، مع إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، والإبقاء على الدبيبة رئيساً للحكومة، في إطار صيغة تستهدف جمع مراكز القوى الرئيسية في شرق البلاد وغربها.

وخلال لقائه حفتر، أعرب فيدان عن تقديره لدوره، وفق بيان للقيادة العامة، معتبراً أن زيارته تمثل امتداداً لمسار تطوير العلاقات بين تركيا وليبيا. كما أشار إلى بدء القنصلية التركية في بنغازي أعمالها، بعد تعيين قنصل تركي جديد.

وقدم الوزير التركي تعازيه إلى حفتر في وفاة الفريق فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا، الذي اغتيل، الاثنين، إثر استهداف سيارته بعبوة ناسفة في حي الهواري بمدينة بنغازي.

من جانبه، أكد حفتر «متانة العلاقات بين ليبيا وتركيا وما تشهده من تطور»، مشيراً إلى مساهمة الشركات التركية في مشاريع إعادة الإعمار، وارتفاع مستوى التبادل التجاري بين البلدين.

ووفق بيان القيادة العامة، فقد أكد الجانبان أهمية مواصلة توطيد العلاقات الثنائية وتعزيزها بما يخدم المصالح المشتركة.

وعقب اللقاء، استقبل رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وزير الخارجية التركي في مكتبه بمقر المجلس في بنغازي، بحسب وكالة أنباء «الأناضول».

صدام حفتر مرحباً بفيدان في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)

وتعكس جولة فيدان في شرق ليبيا وغربها انفتاحاً تركياً متزايداً على مختلف مراكز القوة في البلاد، بعدما ارتبط الدور التركي خلال حرب طرابلس عامي 2019 و2020 بصورة وثيقة بحكومة «الوفاق الوطني» السابقة في غرب ليبيا.

وكان ملف توحيد المؤسسات الليبية في صدارة مباحثات فيدان مع الدبيبة في طرابلس، الثلاثاء، فيما شدد المنفي خلال لقائه الوزير التركي على ضرورة أن تسهم مختلف الجهود في توحيد مؤسسات الدولة، وأن تستند أي مبادرات أو تفاهمات إلى احترام مؤسسات الدولة والسيادة الوطنية، و«ملكية الليبيين للعملية السياسية»، وصولاً إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وتؤسس لاستقرار مستدام.

كما بحث فيدان مع تكالة الجهود الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو التوافق والاستقرار، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن المباحثات.


أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
TT

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

فوجئت سمر إسماعيل (اسم مستعار)، وهي مصرية تُقيم في كندا منذ سنوات طويلة، بأن رقمها القومي المصري مُسجَّل عليه عدد من خطوط الهاتف الجوال (الشرائح) التي لا تعلم عنها شيئاً، ما دفعها إلى توكيل المحامي حسن شومان لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتعقّب هذه الأرقام، تجنباً لتورطها في أي مشكلة أو مسؤولية قانونية بسببها.

ويؤكد شومان لـ«الشرق الأوسط» أنه بمجرد حصوله على التوكيل الذي ستُحرره سمر في السفارة المصرية بكندا سيتوجه إلى فرع شركة الجوال لتوقيع إنكار ملكية، ثم يحرر محضراً في قسم الشرطة لحماية موكلته من التورط في أي جريمة من الممكن ارتكابها بهذه الخطوط.

ورغم ما حققته أزمة خطوط الجوال الأخيرة من قلق وارتباك لدى المصريين في الداخل، فقد حققت أضعاف ذلك للمصريين بالخارج، ممن قد يتعرض أحدهم للتوقيف في المطار بسبب حكم في جريمة لا يعلم عنها شيئاً.

ويزيد من صعوبة موقف المغتربين، عجز الكثيرين منهم عن مجرد الاستعلام عن هذه الخطوط، إذ يتطلب أبلكيشن «ماي نترا»، التابع لـ«الجهاز القومي للاتصالات»، رقماً مصرياً، يتم عبره إرسال رقم سري لاستكمال خطوات التسجيل، وهو ما فشل أحمد إبراهيم، الذي يعمل في إحدى دول الخليج، فيه.

ويقول إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إنه تابع ما حدث مع المصري عمرو عمارة بقلق، وحاول الاستعلام وحمّل التطبيق، لكنه لا يملك خطّاً مصرياً، إذ إنه مغترب منذ 10 سنوات وخطه القديم جرى إيقافه.

وعمارة، هو طالب مصري جامعي، حُكم عليه بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة تستخدم خطاً مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدّم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجّلت خطاً باسمه، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل إلى هذه العصابة.

وأضاف إبراهيم، الذي يعمل في المجال الطبي، أنه لم يكن يستطيع أن يأخذ أي رد فعل فوري لو اكتشف تسجيل خطوط باسمه، مضيفاً: «توكيل المحامي يحتاج للذهاب إلى السفارة، ومواعيد عملها تتعارض مع مواعيد عملي».

مصريات في نيويورك (وزارة الخارجية المصرية)

وواجهت السيدة المصرية المقيمة في كندا مشكلة إبراهيم نفسها، ويوضح محاميها شومان، أنه «لم يكن لديها خط مصري يعمل حتى تستعلم من خلاله عن الأرقام المرتبطة برقم هويتها، فلجأت إلى حيلة بإدخال رقم والدتها المصري، وتمكنت في النهاية من التسجيل»، لافتاً إلى أن «هذه المشكلة تواجه كثيراً من المصريين في الخارج، وعلى (الجهاز القومي للاتصالات) الانتباه لها وحلها، بأن يكون التسجيل مقصوراً على الرقم القومي فقط».

ورأى وكيل نقابة المحامين سابقاً، مجدي سخي، أن حالة الإرباك التي يعيشها المصريون في الخارج هي جزء من الأزمة، مضيفاً: «إذا كان مصريو الداخل لا يعلمون الإجراءات التي يجب عليهم اتخاذها تجاه هذه الأزمة، فما بالنا بالخارج»، ناصحاً كل من وجد خطوطاً دون علمه فعليه توكيل محامٍ يتحرك نيابة عنه في الإجراءات.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف الجوالة الأربع إلى النيابة العامة للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)

وتلقى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» أكثر من 4 آلاف شكوى وفق ما أوضحه المتحدث باسم الجهاز محمد إبراهيم، في تصريحات إعلامية.

وبينما يحاول المصريون في الخارج الوصول إلى الأرقام المسجلة بأسمائهم، يتخوف جزء آخر منهم من أن الأزمة الأخيرة سيترتب عليها تحديث للبيانات يستوجب وجود صاحب الخط بنفسه، وهو ما لن يستطيعوا تحقيقه، ما قد يعرض خطوطهم المصرية للوقف رغم ما ترتبط به من حسابات ومعاملات، مطالبين عبر «السوشيال ميديا» بوضع حالاتهم في الحسبان، وإتاحة وسائل للتحقق وتقديم الشكاوى عبر السفارات والقنصليات المصرية بالخارج.