«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

وسط شكاوى متواصلة من شح السيولة في البنوك وضعف الرواتب

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
TT

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)

حضّ رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأجهزة المختلفة في العاصمة طرابلس على العمل لمواجهة غلاء أسعار السلع الغذائية، من بينها مراقبة السوق، ودعم المواطنين لا سيما مع اقتراب شهر رمضان.

وكان الدبيبة قد عقد اجتماعاً موسعاً بحضور وزير الاقتصاد والتجارة محمد الحويج، مساء الخميس، لمتابعة المستوى العام للأسعار في السوق الليبية، وانعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين، في ظل شكاوى متواصلة من شحّ السيولة في البنوك وضعف الرواتب. كما أعلنت الحكومة اتخاذ إجراءات عدة لمواجهة موجة الغلاء، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، من بينها إعداد «قائمة سوداء» للتجار المتورطين بالمضاربة في الأسعار.

جانب من اجتماع موسع لحكومة الدبيبة لمتابعة السوق المحلية (حكومة «الوحدة»)

وتشهد ليبيا موجة غلاء ملحوظة في ظل ازدياد أسعار السلع الغذائية والدوائية، بنسبة متفاوتة تقارب 25 في المائة، وتغوّل السوق الموازية للدولار، وتراجع سعر صرف الدينار أمام العملة الصعبة، مما يعمّق معاناة الليبيين، ويحدّ من قدراتهم الشرائية.

ووجّه الدبيبة بتكثيف الجولات الميدانية داخل الأسواق، وتعزيز التنسيق بين وزارة الاقتصاد وجهاز الحرس البلدي والجهات ذات العلاقة، لمتابعة مسار السلع من المنافذ وحتى نقاط البيع، وضمان التزام التجار بالأسعار المعتمدة.

وتطرق الاجتماع إلى بحث «قيمة الاعتمادات البنكية المفتوحة» لتوريد السلع الأساسية، ومدى انعكاسها على توافر السلع في الأسواق وضمان استقرار أسعارها، إلى جانب مناقشة التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد والتوزيع، وسبل معالجتها بما يحافظ على التوازن في السوق المحلية.

وخلال اللقاء شدّد الدبيبة على اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، وعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن، أو تمس استقرار السوق، مؤكداً أن ضبط الأسعار وحماية المستهلك تمثّل أولوية قصوى للحكومة.

مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (تصوير: جمال جوهر)

وجاء الاجتماع الموسع، الذي ضم عدداً من المسؤولين من الحكومة، بعد شكاوى عديدة من ارتفاع أسعار الدواجن والبيض والتونة، بالإضافة إلى الحليب، الذي ارتفع سعر اللتر منه من 6 دنانير إلى 7.5 دينار.

وللغرض ذاته، عقد الحويج اجتماعاً موسعاً، بحضور رئيس جهاز الحرس البلدي، ووكيل وزارة العمل والتأهيل، ومديري غرف التجارة والصناعة والزراعة، لمناقشة تنظيم السوق المحلية، وضبط الأسعار وضمان توافر السلع الأساسية للمواطنين. وناقش الاجتماع أوضاع العمالة الوافدة وتأثيرها على أنشطة الجُملة والتجزئة. كما شدد على قرار الوزارة بشأن حظر مزاولة الأنشطة التجارية على غير الليبيين، والتنسيق مع وزارة العمل وجهاز الحرس البلدي لمتابعة الأسعار وسلوكيات التجار.

وبشأن «القائمة السوداء» للتجار المتورطين في المضاربة، وجّه الحويج باتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم بالتنسيق مع الجهات المختصة ومصرف ليبيا المركزي، وأكد ضرورة المتابعة اليومية لضبط الأسعار، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، «مع التركيز على دعم المواطن، وتخفيف الأعباء المعيشية في ظل تدهور قيمة الدينار وارتفاع الأسعار في السوق الموازية»، داعياً إلى عقد اجتماع مع التجار لاستعراض المخزونات، وتقديرات الإنتاج والموازنة الاستيرادية للسلع الأساسية.

من جانبه، شدد جهاز الحرس البلدي على تقديم تقارير أسبوعية حول العمالة والأسعار، فيما أكد وكيل وزارة العمل والتأهيل تقديم جميع التسهيلات لتنظيم سوق العمل، مشيراً إلى استمرار آلية تسجيل العمالة الأجنبية عبر منظومة «وافد»، وهو ما يُسهم في تنظيم السوق المحلية وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

وأعلن الحويج عقد اجتماع خلال هذا الأسبوع مع التجار لاستعراض تقديرات الإنتاج والمتوفرات والمخزونات من مختلف السلع، والعمل على إحالة الموازنة الاستيرادية الاسترشادية الخاصة بتوريد السلع الأساسية.

وفي بعض المناطق الليبية، اشتكى مواطنون من ارتفاع في أسعار طبق البيض إلى 17 و18 ديناراً، كما ارتفع سعر كيلو الدجاج إلى قرابة 18 ديناراً.

الدبيبة وجّه حكومته «بعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن أو تمس استقرار السوق» (أ.ف.ب)

وتحدثت شبكة «ليبيا للتجارة»، التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، عن «اتساع واضح في الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية للعملات الأجنبية بين شهري أغسطس (آب) وديسمبر (كانون الأول) 2025، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الدولار واليورو وبقية العملات الرئيسية في السوق الموازية». وقالت إن هذا التطور «يعكس زيادة الضغوط على الدينار الليبي نتيجة شح النقد الأجنبي، وتأخر الاعتمادات وتوسّع التعامل في سوق الشيكات، بالإضافة إلى عوامل موسمية ومالية، ما يحدّ من فعالية أدوات السياسة النقدية الحالية».


مقالات ذات صلة

«بنغازي» تتحرك لاستعادة صيادين ليبيين محتجزين في تشاد

شمال افريقيا عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد يوم 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)

«بنغازي» تتحرك لاستعادة صيادين ليبيين محتجزين في تشاد

قالت وزارة الخارجية بحكومة شرق ليبيا، إنها تعمل من خلال «لجنة أزمة» على تفعيل القنوات الدبلوماسية مع السلطات التشادية، بهدف استعادة صيادين ليبيين موقوفين لديها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)

نيران اشتباكات «أذرع الدبيبة» تعطّل مصفاة الزاوية النفطية

تسود حالة من الذعر بين مواطني مدينة الزاوية (غرب ليبيا)، إثر اشتباكات مسلحة عنيفة بين تشكيلات بعضها يتبع حكومة «الوحدة» المؤقتة، أوقعت قتلى وجرحى.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

المجالس الاجتماعية في ليبيا... وساطة أهلية أم بديل عن الدولة؟

أعاد تدشين مجلس اجتماعي بطرابلس طرح التساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه المجالس مرشحة للتحول إلى شريك فعلي في رسم مستقبل ليبيا، أم أنها انعكاس لحالة ضعف مؤسسي.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز - أرشيفية)

اشتباكات في الزاوية الليبية... وإعلان الطوارئ في مصفاة النفط بالمدينة

قال مهندسان لوكالة «رويترز» للأنباء، الجمعة، إنه تم إعلان حالة الطوارئ في مصفاة الزاوية الليبية وسط اشتباكات قرب المنشأة.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

إردوغان وتبون ترأسا أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» بين تركيا والجزائر

ترأس الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والجزائري عبد المجيد تبون الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي بمشاركة وزراء من البلدين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)

أثارت جرائم «النصب الإلكتروني» قلق قطاعات مصرفية في مصر، ووجَّهت بنوك عدة تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال وتطور أساليبها، وسط مخاوف عبَّر عنها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» بشأن إحجام بعض العملاء عن استخدام عمليات الدفع الإلكتروني التي تشجِّع عليها الحكومة ضمن خططها لتسريع خطوات التحوُّل الرقمي.

وحذَّر رئيس «اتحاد بنوك مصر» والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، محمد الإتربي، عملاء القطاع المصرفي من تصاعد محاولات النصب الإلكتروني، مؤكداً في الوقت ذاته، أنَّ «أموال المودعين في أمان ما دامت بياناتهم سرية».

وقال الإتربي، في بيان، مساء الجمعة، إنَّ المصرف لن يطلب الإفصاح عن «الرقم السري أو بيانات البطاقات أو رموز التحقق (OTP) عبر الهاتف أو أي وسيلة اتصال»، في إشارة إلى إحدى وسائل الاحتيال على العملاء، مشدِّداً في الوقت ذاته على «ضرورة تجاهل الاتصالات التي تدَّعي تقديم جوائز أو تنتحل صفة جهات رسمية لتحديث البيانات، أو تطلب تحويلات مالية بحجة ضمان استمرار خدمات (إنستاباي) والتطبيقات البنكية».

تحذير رئيس «اتحاد بنوك مصر»، سبقه آخر أطلقه الرئيس التنفيذي لـ«البنك التجاري الدولي» هشام عز العرب، الأسبوع الماضي. ودعا عبر حسابه على «فيسبوك» إلى «الحذر من الصفحات والإعلانات المزيفة»، مطالباً العملاء بالتواصل «الفوري مع البنك عند تلقي طلبات للبيانات الشخصية».

تطور أساليب الاحتيال

وفي رأي خبير أمن المعلومات المصري أحمد طارق، فإنَّ أساليب الاحتيال تتطوَّر بشكل مستمر، وأبرزها الآن في مصر ما يتلقاه المواطنون من اتصالات هاتفية أو رسائل من محتالين يدعّون أنهم يعملون بخدمة عملاء أي من البنوك لطلب بيانات الحسابات المصرفية الخاصة بهم، بما يمكِّنهم من اختراقها.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتصالات تتضمَّن أيضاً إيهام الضحايا بأنَّهم ربحوا جوائز مالية، وطلب بيانات خاصة بالحسابات المصرفية لإيداعها، أو طلب إجراء تحويل على تطبيق (إنستاباي) لأسباب مختلفة، وكذلك عمليات ابتزاز العملاء؛ نتيجة اختراقات حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من الطرق التي تهدف في النهاية إلى «النصب» مع التوسُّع في خدمات التحوُّل الرقمي.

هذه الأنواع المختلفة من أساليب النصب عكستها دراسة دولية أعدَّتها شركة «فيزا» تحت عنوان «ابق آمناً»، ونشرتها وسائل إعلام مصرية منتصف فبراير (شباط) الماضي، تشير إلى أنَّ «91 في المائة من المستهلكين المصريين معرضون للوقوع في فخ الاحتيال الإلكتروني»، نتيجة «مزيج من الثقة الزائدة في المحتوى الرقمي، وسوء تقدير الرسائل غير المتوقعة، وضعف القدرة على التمييز بين المنصات الشرعية وتلك الوهمية».

البنوك المصرية تطمئن عملاءها: «أموال المودعين في أمان» (البنك المركزي المصري)

وبحسب تقارير لوسائل إعلام مصرية، تطرَّقت البيانات الإقليمية الصادرة عن شركة «كاسبرسكي للأمن السيبراني» إلى حجم التحدي الذي يواجه المستخدمين في مصر، حيث أظهر نحو 57 في المائة من المستخدمين أنَّهم تعرَّضوا لمحاولات تصيُّد احتيالي خلال عمليات الدفع الإلكتروني، بينما واجه 54 في المائة منهم مواقع إلكترونية مزيفة صُمِّمت خصيصاً لسرقة البيانات الشخصية أو الاستيلاء على الأموال خلال المعاملات عبر الإنترنت.

ونشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء المصري، منتصف فبراير الماضي، سلسلة فيديوهات تناولت مخاطر تطور عمليات الاحتيال على القطاعات المصرفية بالعالم، مؤكداً أنَّ «تطور الهجمات السيبرانية لم يعد تطوراً سنوياً، بل صار يومياً ولحظياً لاختراق الأنظمة المصرفية والمالية».

وتحدَّث أحمد طارق، عن تطور دولي لشبكات النصب الإلكتروني يبتكر وسائل جديدة للاحتيال، قد تحدث في مصر مستقبلاً، منها «سرقة بصمة الصوت عن طريق مكالمة هاتفية، حيث يتم تحليلها بالذكاء الاصطناعي ونسخ صوت الشخص واستخدامه في الاحتيال»، مؤكداً أنَّ «الأنظمة الإلكترونية للبنوك المصرية آمنة، لكن المشكلة في وعي العملاء والجمهور».

تحذيرات حكومية مستمرة

وحذَّرت وزارة الداخلية المصرية من تطور عمليات الاحتيال الإلكتروني. وقالت في بيان، الأربعاء الماضي، إنَّ هذه العصابات تعتمد على «أساليب احترافية في الخداع، مثل تصميم مواقع وهمية مطابقة للمواقع الرسمية، واستخدام تقنيات حديثة في سرقة البيانات».

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة، أن تصاعد عمليات الاحتيال الإلكتروني يُشكِّل خطراً اقتصادياً متصاعداً. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «على الرغم من أنَّ حالات النصب وسرقة البيانات البنكية لا يمكن اعتبارها ظاهرة، فإنَّها تُشكِّل خطراً كبيراً على القطاع المصرفي وحركة التجارة الإلكترونية، حيث يمكن أن تؤدي إلى فقدان الثقة في البنوك، وإحجام بعض العملاء عن استخدام عمليات الدفع الإلكتروني».

وأوضح أن «وقائع الاحتيال الإلكتروني تتسبب في ارتباك داخل البنوك وتثير تخوفاتها من فقدان العملاء، بالتزامن مع جهود حكومية متواصلة لدفع المواطنين نحو التحوُّل الرقمي».


انتقادات متصاعدة في ليبيا بسبب «تدهور» الأحوال المعيشية

طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
TT

انتقادات متصاعدة في ليبيا بسبب «تدهور» الأحوال المعيشية

طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)
طفل ليبي من ذوي الإعاقة خلال وقفة احتجاجية في طرابلس الأربعاء الماضي (رابطة ضمور العضلات)

تصاعدت في ليبيا موجة انتقادات واسعة للسلطات في غرب البلاد بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، في ظل تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع مؤشرات الفقر، تزامناً مع انتشار مقطع فيديو قصير أثار ضجة لعامل يتحدث بعفوية عن «ظروفه المعيشية القاسية».

يأتي الاستياء العام الذي عبَّر عنه سياسيون ونشطاء من دلالات هذه الواقعة، في مواجهة مفارقة يتزايد فيها الحديث عن الفقر في بلدٍ غني بالنفط، ويعيش منذ سنوات على وقع الانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

مقطع «عامل البناء الفقير»، الذي انتشر على نطاق واسع عبر صفحات التواصل الاجتماعي الليبية، أظهر رجلاً خمسينياً بملامح مرهقة في أثناء تناوله وجبة «الفاصوليا» الشعبية، متحدثاً عن «عدم قدرته على الزواج رغم بلوغه الخمسين من العمر»، بينما كان هناك عامل وافد (أفريقي) يصوره بطريقة أثارت غضباً واسعاً.

ولم يكن تحرك السلطات الأمنية في مدينة صرمان عبر توقيف العامل الأفريقي كافياً لاحتواء موجة الغضب الشعبي، بل تحول في نظر كثيرين إلى إشارة دالة على «حجم التدهور المعيشي والفقر، وغياب العدالة الاجتماعية الذي يعيشه المواطن الليبي»، بحسب تقديرهم.

انكسار معيشي

خلصت «المنظمة الليبية لحقوق الإنسان»، ومقرها بنغازي، من هذه الواقعة إلى «حجم الانكسار الذي يعيشه المواطن الليبي داخل وطن يُفترض أنه يملك من الثروات ما يكفي لحفظ كرامة شعبه»، بينما رأى الإعلامي خليل الحاسي، عبر حسابه بمنصة «إكس» أن «الليبيين لا يشعرون بأن المؤسسات والموارد ملك لهم».

وذهبت رابطة «مرضى ضمور العضلات» إلى أن الاحتجاجات التي نظمها ذوو الإعاقة للمطالبة بزيادة المعاشات، الأسبوع الماضي، في طرابلس وبنغازي، تندرج في سياق واحد مع ما عكسه مقطع فيديو العامل البسيط، معتبرة أنها «ترجمة مصورة لمعاناة متفاقمة من تدهور الأحوال المعيشية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتفشّي الفساد».

نسبة الفقر 30 في المائة

تفيد آخر أرقام رسمية بأن «نسبة الفقر في ليبيا تبلغ نحو 30 في المائة»، وهي المعطيات التي أشار إليها وزير الاقتصاد في حكومة «الوحدة» الوطنية حينها، محمد الحويج، خلال تصريحات في يناير (كانون الثاني) الماضي، محذراً من أن «الفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنى».

غير أن تقديرات أكاديمية تشير إلى أن «الوضع قد يكون أكثر حدة، خصوصاً في المناطق الريفية».

وسبق أن تحدثت دراسة ميدانية أعدها الباحثان بجامعة مصراتة الهادي لاغا ومحسن نتيفة، العام الماضي، حول قياس الفقر في منطقتي الوشكة (غرب مدينة سرت الساحلية) وأبوقرين (جنوب مصراتة)، أن «نسبة الفقر بلغت أكثر من 90 في المائة بين عينة عشوائية من 342 أسرة».

إجراءات حكومية

وفي مواجهة الانتقادات والأرقام الصادمة، أقرت حكومة «الوحدة» خطة لخفض الأسعار عقب اعتماد الإنفاق التنموي الموحد بين شرق البلاد وغربها؛ ما أسهم في خفض أسعار بعض المواد الغذائية بنحو 17 في المائة، وفق تقديراتها، إلى جانب إجراءات حكومية تهدف إلى زيادة معاشات المتقاعدين، وتعديلات مرتقبة في معاشات ذوي الإعاقة.

غير أن وزير الاقتصاد الأسبق، سلامة الغويل «لا يبدي تفاؤلاً كبيراً بقدرة هذه الإجراءات على معالجة جذور الأزمة»، مستنداً في ذلك إلى أنه لم يلمس خلال توليه الوزارة «إرادة سياسية حقيقية» لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

ويرى الغويل أن الملف الاقتصادي في ليبيا «لا يدار بشكل جيد»؛ ما أدى إلى «خلق الولاءات السياسية، وتغليب الانتماءات الجهوية على حساب المصلحة الوطنية، فضلاً عن إهمال الاستثمار والتنمية الحقيقية»، كما حمّل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011 مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن غياب العدالة الاجتماعية أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة.

وفي ظل انقسام حكومي بين شرق البلاد وغربها، رأى الغويل أن الحكومة المكلفة من البرلمان في بنغازي «لا تتحمل المسؤولية المباشرة عن تردي الأوضاع المعيشية، على أساس أن أدوات إدارة الملف الاقتصادي والمؤسسات السيادية والعلاقات الخارجية ما زالت، وفق قوله، تحت سيطرة حكومة عبد الحميد الدبيبة.

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تنتج فيه ليبيا نحو 1.3 مليون برميل نفط يومياً، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا؛ ما يجعل مشاهد الفقر والعوز أكثر صدمة لدى الرأي العام المحلي.

انقسام وهشاشة

الخبير الاقتصادي، عمر زرموح قال لـ«الشرق الأوسط» إن الفقر موجود في معظم دول العالم، وحتى في دول غربية وعربية ثرية، «لكن انتشاره في ليبيا ليس مستغرباً» في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وسوء الإدارة، وهشاشة الوضع الأمني.

وشدد زرموح على ضرورة وجود موازنة «متوازنة ومفصلة» ترافقها سياسات مالية ونقدية وتجارية واضحة، مؤكداً أن معالجة الفقر لا تقتصر على زيادة المعاشات التضامنية، بل تتطلب توفير فرص عمل، ورفع مستوى الإنتاجية، وتحسين البيئة الاقتصادية بشكل عام.

وبينما دعت دراسة جامعة مصراتة إلى تبنِّي سياسات تنموية شاملة للمناطق الريفية، وإصلاح السياسات النقدية، وتوسيع برامج الدعم المباشر.

يرى سلامة الغويل أن الحل يبدأ من «تشكيل حكومة موحدة تمتلك رؤية وطنية واضحة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمواطن الليبي».


«بنغازي» تتحرك لاستعادة صيادين ليبيين محتجزين في تشاد

عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد يوم 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)
عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد يوم 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)
TT

«بنغازي» تتحرك لاستعادة صيادين ليبيين محتجزين في تشاد

عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد يوم 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)
عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد يوم 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)

أبدت سلطات بنغازي (شرق البلاد) تحركاً حيال ملف صيادين ليبيين محتجزين في تشاد، بتهمة تورطهم في «أعمال صيد جائر داخل الأراضي التشادية».

وقالت وزارة الخارجية بالحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، مساء الخميس، إنها شكَّلت خلية أزمة مختصة لمتابعة أوضاع هؤلاء الصيادين، مشيرة إلى أنها تسعى للعمل على «ضمان سلامتهم وصون حقوقهم».

عبد الهادي الحويج وزير الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الوزارة)

وأكدت الوزارة أن خلية الأزمة «باشرت مهامها فور صدور قرار تشكيلها؛ حيث تعمل على التنسيق المستمر مع الجهات المختصة في الداخل، إلى جانب تفعيل القنوات الدبلوماسية والرسمية مع السلطات المعنية في تشاد، بما يكفل معالجة الموضوع في إطاره الأخوي والإنساني».

ولم تذكر وزارة الخارجية عدد الصيادين الموقوفين في تشاد، ولكنها شددت على أن «حماية المواطنين الليبيين في الخارج تمثل أولوية قصوى في سياستها». وقالت إنها «لن تدخر جهداً في اتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لضمان سلامة المحتجزين، ومتابعة أوضاعهم القانونية، والعمل على تسوية القضية بالسرعة الممكنة، ووفقاً للأعراف والقوانين الدولية، وبما يحفظ العلاقات الثنائية القائمة بين البلدين».

كما دعت الوزارة المواطنين الليبيين إلى «الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها في الدول الشقيقة والصديقة، وتجنب أي ممارسات قد تعرضهم للمساءلة القانونية».

الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي مستقبلاً صدام حفتر يوم 2 يونيو 2024 (رئاسة أركان القوات الجوية)

وكانت الحكومة قد تحدثت في مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي عن إطلاق «جميع المواطنين الليبيين» المحتجزين في تشاد.

وتسود علاقات طيبة بين تشاد والسلطات في شرق ليبيا وغربها. وسبق أن أجرى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، زيارة إلى تشاد، بصفته مبعوثاً من قائد «القيادة العامة»؛ حيث التقى الرئيس محمد إدريس ديبي.

وأكدت الرئاسة التشادية حينها حرص نجامينا على مواصلة العمل المشترك لمواجهة «التحديات الراهنة»، وفي مقدمتها تأمين الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة.