البرهان في ذكرى الاستقلال: أبواب المصالحة مشرعة

تصاعد القتال بين الجيش و«الدعم السريع» جنوب كردفان

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان في ذكرى الاستقلال: أبواب المصالحة مشرعة

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس، أن «الأبواب لا تزال مشرعة للمصالحة الوطنية».

وجاء كلام البرهان في خطاب بمناسبة العيد الـ70 لاستقلال السودان، في وقت تتواصل المعارك الضارية بين الجيش والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» وحلفائها في ولاية جنوب كردفان من جهة أخرى.

وقال البرهان، في تسجيل مصور من أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم: «إن النصر قادم... حتماً سنجتمع هنا مرة أخرى نحن السودانيين ونحتفل بطرد التمرد والخونة والمرجفين من بلادنا». وأضاف: «الأبواب لا تزال مشرعة للمصالحة الوطنية، ونرحب بكل من يريد أن ينضم إلى صوت الوطن والحق، وسنعمل جاهدين لنؤسس لدولة الوطن والمواطنة والسلام والعدالة».

وفي المناسبة ذاتها، شدد رئيس وزراء الحكومة الموازية، الموالية لــ«قوات الدعم السريع»، محمد حسن التعايشي، على «أهمية إقامة نظام حكم لامركزي يعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة عبر صياغة عقد اجتماعي جديد وفقاً لدستور مدني ديمقراطي علماني».


مقالات ذات صلة

ترمب لا يربط نهاية الحرب بمصير «هرمز»

شؤون إقليمية دخان ونيران تتصاعد من مستودع ذخائر في أصفهان وسط إيران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)

ترمب لا يربط نهاية الحرب بمصير «هرمز»

رسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب معادلة جديدة للحرب مع إيران، بقوله إن «مسار إنهائها لا يرتبط بحسم ملف مضيق هرمز فوراً»، رغم تمسكه بمطلب إعادة فتحه أمام الملاحة

«الشرق الأوسط» ( عواصم)
الخليج ناقلة النفط الخام الكويتية العملاقة «السالمي» تعرضت لاعتداء إيراني أمس (مؤسسة النفط الكويتية - رويترز)

تمسك خليجي بالمشاركة في أي اتفاق أمني

أكدت وزارة الخارجية القطرية، أمس، الموقف الخليجي الموحد الهادف إلى إنهاء حالة التصعيد، مشيرة إلى توافق خليجي بشأن ضرورة مشاركة الدول الخليجية طرفاً أساسياً في

إبراهيم أبو زايد ( الرياض)
الاقتصاد الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)

مسؤول أممي يُقدر خسائر الحرب بـ194 مليار دولار

حذَّر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري، من أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط قد يكبد المنطقة العربية

بيسان الشيخ (لندن)
المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)

إسرائيل ترسم معالم «المنطقة العازلة» جنوب لبنان

ترسم إسرائيل معالم «المنطقة العازلة» في جنوب لبنان، في ظل تصعيد ميداني متدرّج وتوسّع نحو البقاع الغربي، بما يعكس تحوّلاً في مسار العمليات. وفي هذا السياق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الصحافية المختطفة في العراق شيلي كيتلسون (من أرشيف كيتلسون)

اختطاف صحافية أميركية في بغداد

اختطف مسلحون مجهولون، مساء أمس، الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون وسط بغداد.

«الشرق الأوسط» ( بغداد)

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
TT

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)

يرسخ ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا حضوره بوصفه من أبرز العقد الأمنية التي تثقل المشهد الداخلي، ليس فقط لكون البلاد وجهة لاستقرار مقاتلين سوريين ومن جنسيات أخرى، بل أيضاً لأنها ممر عبور وقاعدة عمليات تمتد تداعياتها إلى بؤر نزاع إقليمية، لا سيما في السودان.

ولطالما أشارت تقارير دولية متكررة، أبرزها وأحدثها مسودة تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة حول ترسخ هذا الدور، وهو ما يعكس تشابك الساحة الليبية مع محيطها الإقليمي. كما يعد الخبراء ليبيا محوراً نشطاً في حركة المقاتلين الأجانب، ليصبح هذا الواقع جزءاً من منظومة صراع أوسع تتقاطع فيها خطوط الإمداد والتحالفات العسكرية العابرة للحدود.

ويتزامن ذلك مع عجز مستمر عن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في جنيف عام 2020، الذي نصّ على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة بحلول يناير (كانون الثاني)2021، ما يظهر استمرار الوجود الأجنبي، وتعمقه في موازين القوى الداخلية، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الاتفاق.

* أكثر من 7 آلاف مقاتل سوري

تعزز فئة المقاتلين السوريين وجودها بوصفها عنصراً مؤثراً داخل المشهد الأمني، حيث تنتشر في غرب ليبيا، خصوصاً في العاصمة طرابلس، وفي مواقع عسكرية وأمنية بارزة، بينها معسكر التكبالي ومعسكر صلاح الدين، ومنطقة أبو سليم وقاعدة اليرموك، إضافة إلى مدينة مصراتة، حسب مسودة التقرير الأممي.

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر خلال لقاء مع السفير التركي غوفين بيجيتش في بنغازي الاثنين (إعلام الجيش الوطني)

ولم يحدد الخبراء الأمميون أعداد هؤلاء المرتزقة بدقة، غير أن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» يقدر عددهم في طرابلس سابقاً بأكثر من 7 آلاف، فرّ نحو 3 آلاف منهم، وتحولوا إلى لاجئين في شمال أفريقيا وأوروبا.

ولا يقتصر دور هؤلاء على التمركز في ليبيا حسب مسودة التقرير، بل شاركوا فعلياً في مواجهات مسلحة، من بينها الاشتباكات التي وقعت في مايو (أيار) 2025 إثر مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الكيكلي، كما جرى الدفع بهم مجدداً مع تصاعد التوترات، في إطار اعتماد الفصائل المسلحة على عناصر أجنبية، بوصفها «مضاعفات قوة» جاهزة للتدخل السريع.

وتعود جذور هذا الحضور الأجنبي إلى ذروة الصراع على طرابلس عام 2019، حين دفعت تركيا بمقاتلين سوريين من فصائل معارضة، أبرزها فصيل «السلطان مراد»، بموجب تفاهمات مع حكومة «الوفاق» السابقة، برئاسة فائز السراج، لدعم صد هجوم قوات الجيش الوطني على العاصمة.

ومنذ توقف العمليات العسكرية، لم يطرأ تغيير جوهري على تموضع هذه القوات، لتصبح مع مرور الوقت من الثوابت في المشهد الأمني الليبي.

ولا يتوقف الاعتماد على المقاتلين السوريين على غرب البلاد، بل يمتد أيضاً إلى شرق وجنوب ليبيا الخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، حيث ترصد المعطيات الأممية وجودهم في مواقع استراتيجية، من بينها قاعدة معطن السارة الجوية، التي شهدت تعزيزات لدعم عناصر سبق ارتباطها بشبكات «فاغنر».

رئيس الأركان التركي خلال زيارة سابقة لمركز قيادة العمليات في طرابلس (وزارة الدفاع التركية)

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، أن ملف المرتزقة لا يزال عقدة عالقة ومرشحة للاستمرار، مشيراً إلى أن ليبيا تضم مئات المرتزقة من جنسيات متعددة، من بينها روسيا وتشاد وسوريا، وأن وجودهم ليس طارئاً بل يمتد لسنوات، حيث استقر بعضهم منذ أكثر من خمس سنوات.

ويقول حرشاوي لـ«الشرق الأوسط»: «اللافت ليس ازدياد أعدادهم، بل ثباتها النسبي، ويستبعد مغادرتهم في المدى القريب»، مؤكداً أن خروج المرتزقة لن يحدث ما لم ينتهِ الانقسام الليبي.

* ليبيا نقطة لنقل المقاتلين إلى جبهات بالخارج

رغم هذا التمركز، فإن الأبعاد الإقليمية تفرض نفسها على الملف، إذ توثق المسودة الأممية استخدام الأراضي الليبية نقطة انطلاق لنقل مقاتلين إلى ساحات قتال خارجية.

وتشير المعطيات الأممية إلى أن مقاتلين من كولومبيا عبروا ليبيا في طريقهم إلى «قوات الدعم السريع» في السودان، مستفيدين من تسهيلات لوجيستية في مناطق تحت نفوذ الجيش الوطني، فيما اختصت مدينة الكفرة بمحور رئيسي ضمن هذا المسار، حسب تقديرات خبراء الأمم المتحدة.

في هذا السياق يقول حرشاوي: «يعبر الكولومبيون ليبيا إلى السودان لكنهم لا يقيمون فيها، غير أن هذا المرور يطرح معضلة أمنية إقليمية أوسع، إذ يحوّل الأراضي الليبية إلى معبر مفتوح لشبكات نقل المقاتلين الأجانب، مما يغذي تداخل مسارات النزاعات، وتدويرها عبر الإقليم».

ويشير التقرير الأممي إلى أن القوات المسلحة السودانية نفذت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 غارات جوية داخل الأراضي الليبية، استهدفت شحنات لمركبات ومقاتلين أجانب، في محاولة لقطع خطوط الإمداد الداعمة لخصومها.

ورغم تكرار الاتهامات للجيش الوطني الليبي، خلال العامين الماضيين، بتقديم دعم لأطراف في النزاع السوداني، فقد دأبت السلطات في شرق ليبيا على نفي أي ضلوع لها في الحرب الأهلية التي اندلعت في 15 أبريل (نيسان) 2023 بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو.

وسبق أن أكد رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول خالد حفتر، أن «الصراع في السودان شأن داخلي»، وأن مهمتهم تقتصر على تأمين الحدود، دون التدخل في شؤون الدول المجاورة.

في المقابل، أبعد ملف المرتزقة الأجانب في ليبيا فيما يبدو عن أجندة تحركات المجتمع الدولي ودوله المتدخلة في الشأن الليبي، وتحول أحياناً إلى صيغة بروتوكولية دون صدى على الأرض، حسب محللين.

ولا يجد المحلل السياسي حسام الدين العبدلي تفسيراً لتراجع الاهتمام بهذا الملف، سوى بوصفه «انعكاساً لغياب إرادة دولية حقيقية للحل». ويشير إلى أن استمرار وجود المرتزقة ومرورهم عبر ليبيا لا يمكن نسبته فقط إلى قادة البلاد والمتحكمين في المشهد المحلي، مرجحاً وجود «أطراف إقليمية ودولية ضالعة في هذا الملف، ما يعقد الجهود الرامية إلى إخراج هؤلاء المقاتلين».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

وسبق أن وصفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذا الملف في أغسطس (آب) الماضي بأنه «من أهم الجوانب، وأكثرها تحدياً في استعادة الاستقرار والأمن في البلاد»، مؤكدة أن بعثة الأمم المتحدة «تعمل باستمرار على معالجة هذه الظاهرة، رغم تعقيدها».


مقترح تشكيل سلطة ليبية جديدة يثير مخاوف تمديد المرحلة الانتقالية

لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
TT

مقترح تشكيل سلطة ليبية جديدة يثير مخاوف تمديد المرحلة الانتقالية

لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)
لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)

لا تنقطع دعوات الليبيين لطي صفحة المرحلة الانتقالية الممتدة منذ 2011، سواء على المستوى الرسمي والسياسي، أو على الصعيد الشعبي، في ظل تطلع واضح لإنهاء دوامة مؤقتة من الجمود والانقسام السياسي طال أمدها.

غير أن تسريباً منسوباً إلى «الحوار المهيكل»، الذي ترعاه الأمم المتحدة، أعاد إحياء المخاوف من انزلاق جديد نحو تمديد هذه المرحلة، عبر مقترحات تتحدث عن تشكيل سلطة انتقالية جديدة، في مشهد يراه عدد من الليبيين إعادة إنتاج للأزمة أكثر من كونه مدخلاً لحلها.

* تشكيل سلطة جديدة

تقترح المسودة تشكيل سلطة جديدة تشمل رئيساً للدولة ونائباً مع مراعاة التوازن الجغرافي بين برقة وطرابلس وفزان، ويكون الانتخاب بنظام «القائمة الموحدة» عبر حوار أممي، مع الحصول على تزكية 25 في المائة من أعضاء الحوار. على أن تكون مدة الولاية 36 شهراً غير قابلة للتمديد، مع ضمانات مالية محدودة، ورفع الاعتراف الدولي بعد انتهاء المدة.

تيتيه تلقي إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي (أرشيفية - البعثة الأممية)

وفي حين سارع بعض أعضاء «الحوار المهيكل»، من بينهم أسعد زهيو، إلى التأكيد على أن المقترح «مجرد تصور خارج الإطار الرسمي ولا يعبر عن مجريات الحوار»، فإن مجرد تداوله كان كافياً لإثارة قلق ليبي، في ظل حالة إنهاك سياسي وشعبي، نتيجة مسارات انتقالية متعاقبة لم تُحقق الاستقرار، أو تنجح في تنظيم انتخابات حاسمة.

ووصف محمد الأسعدي، المتحدث باسم البعثة الأممية، خريطة الطريق التي اقترحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) الماضي، التي دعمها مجلس الأمن، بأنها مبادرة عملية تهدف إلى إنهاء المراحل الانتقالية التي تشهدها البلاد منذ عام 2011، عبر تمهيد الطريق، وتقليص المدى الزمني للوصول إلى انتخابات عامة نزيهة وشفافة، تحظى بإجماع على نتائجها.

يُذكر أن الحوار المهيكل، المزمع استئناف جلساته في أبريل (نيسان) الحالي، هو بند من خريطة تيتيه التي تشمل أيضاً تعديل القوانين الانتخابية، وملء الشواغر في مجلس المفوضية الانتخابية، إلى جانب تشكيل حكومة موحدة.

وأضاف الأسعدي لـ«الشرق الأوسط» أن «الخريطة التي تعمل البعثة على تنفيذها تهدف إلى وضع حد لحالة الجمود والانقسام في ليبيا»، مؤكداً أن أي مقترحات، أو تحركات ضمن المسار الأممي ينبغي أن تصدر بصورة رسمية عن البعثة، وأن أي مبادرات تُطرح خارج هذا الإطار تعبّر فقط عن وجهات نظر الجهات التي تقف وراءها.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في العاصمة طرابلس فبراير الماضي (أرشيفية - البعثة الأممية)

ومع ذلك، يبرز الحديث عن المراحل الانتقالية فجوة بين تطلعات الشارع الليبي نحو إنهاء المرحلة المؤقتة، وبين واقع سياسي لا يزال أسير التوازنات الداخلية والتجاذبات الدولية.

وفي هذا السياق يرى عضو المجلس الأعلى للدولة، أبو القاسم قزيط، أن البلاد «لا تزال بعيدة عن تجاوز المراحل الانتقالية»، مشيراً إلى «تصاعد المخاوف من ترسيخ الفساد، وإعادة إنتاج أنماط حكم سلطوية داخل مؤسسات يفترض أن تكون دائمة في المستقبل».

وقال قزيط في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «شريحة واسعة من الليبيين ترفض انتقال شخصيات مثيرة للجدل، أو موصومة بالفساد، إلى بنية الدولة المستقرة».

في المقابل، تتواصل التحركات الرسمية التي تؤكد التمسك بهدف إنهاء المرحلة الانتقالية، وهو ما تركزت عليه مباحثات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، عبر «خطوات عملية» لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.

كما أعلن مسؤولون محليون وقيادات اجتماعية قبلية في منطقة الجبل الغربي دعمهم للمساعي، الرامية إلى إنهاء المراحل المؤقتة، خلال لقاء مع النائب بالمجلس الرئاسي عبد الله اللافي مؤخراً.

* حالة «سأم عام»

هذا الزخم السياسي لا يخفي، وفق تقديرات بحثية، حالة «سأم عام» من مسارات المرحلة الانتقالية المتعاقبة. ويشير السنوسي بسيكري، مدير «المركز الليبي للبحوث والتنمية»، إلى أن «البلاد تعيش حالة من الإنهاك السياسي، والانقسام الأمني والعسكري، التي انعكست مباشرة على الأوضاع المعيشية، من تضخم ونقص السيولة وتراجع الخدمات».

وقال بسيكري لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأزمات تتفاقم في ظل مستويات مرتفعة من الفساد، لافتاً إلى ما ورد في مسودة تقرير أممي عن تورط شخصيات عسكرية في تهريب النفط، وعادّاً أن التسريبات المرتبطة بالحوار المهيكل تحمل «رسائل سياسية» رغم غياب الإجماع حولها.

القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت خلال إحدى جلسات الحوار المهيكل في طرابلس فبراير الماضي (البعثة الأممية)

كما تحدث بسيكري عن تعثر جهود توحيد الحكومتين في شرق وغرب البلاد، بما في ذلك مساعٍ يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف.

وسبق أن قاد بولس مشاورات بين أطراف سياسية في شرق ليبيا وغربها بعواصم أوروبية هدفت - حسب تقارير - إلى دمج الحكومتين، لكنها لقيت انتقادات سياسية، أبرزها كتلة الوفاق بالمجلس الأعلى للدولة.

من جهته، يرى المحلل السياسي حازم الرايس أن حالة الاستياء الشعبي «باتت واضحة»، تجاه ما يُنظر إليه بوصفه توجهاً نحو «تدوير الأزمة» بدلاً من حلها، مشيراً إلى أن استمرار الاعتماد على الأجسام السياسية القائمة يضعف الثقة في أي مسار يقود إلى انتخابات، وفق ما قاله لـ«الشرق الأوسط».

ويعتقد الرايس أن إطلاق «الحوار المهيكل» لم يبدد هذه المخاوف، خصوصاً مع التأكيد أن مخرجاته غير ملزمة، ما يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لم تحقق اختراقاً يُذكر في مسار القوانين الانتخابية. كما حذّر من أن التحركات الدولية الموازية، وعلى رأسها تحركات بولس التي قد تدفع نحو «تسويات تلفيقية» تراعي مصالح الفاعلين الخارجيين أكثر من المصلحة الوطنية.

وفي تقييمه لأداء البعثة الأممية، عدّ الرايس أن تعاملها يتسم بـ«التردد والتناقض»، بين الاستمرار في التعاطي مع المؤسسات القائمة، والتلويح بإمكانية تجاوزها، في ظل غياب دعم دولي حاسم داخل مجلس الأمن، مؤكداً أن هذا الجمود «يعزز الانطباع بأن التسوية لا تزال رهينة لتوازنات دولية، أكثر من كونها نتاج إرادة سياسية داخلية حقيقية».

وسبق أن انتقدت المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي فشل مجلسي النواب والدولة في إحراز تقدم بخريطة الطريق الانتخابية، وذهبت إلى إعلان عزمها تشكيل مجموعة مصغرة لمعالجة الخطوتين الأساسيتين في الخريطة مباشرة، وهو ما لم يتحقق على الأرض حتى اللحظة.


حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)
طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

في تطور أثار مخاوف واسعة من ترسيخ واقع الانقسام السياسي والإداري في السودان، أعلنت حكومة «تأسيس» المدعومة من «قوات الدعم السريع»، وتتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، عزمها تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرتها خلال يونيو (حزيران) المقبل، بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة السودانية التي يرعاها الجيش اكتمال ترتيبات انعقاد الامتحانات في الولايات الواقعة تحت سيطرتها.

وجاء الإعلانان المتوازيان في وقت أطلقت فيه شخصيات وطنية وأكاديمية، الأسبوع الماضي، «المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية»، داعية إلى تأجيل الامتحانات التي أعلنتها الحكومتان، والعمل بدلاً من ذلك على تنظيم امتحانات موحدة لجميع الطلاب في أنحاء البلاد كافة.

وحظيت المبادرة بترحيب واسع من القوى المدنية المناهضة للحرب، التي طالبت طرفي النزاع بالاستجابة العاجلة، بما يضمن إجراء امتحانات آمنة وعادلة، بعيداً من الاستقطاب العسكري والسياسي.

وتستهدف المبادرة، بحسب القائمين عليها، حماية مستقبل نحو 280 ألف طالب وطالبة في ولايات دارفور وكردفان ومناطق أخرى تقع تحت سيطرة تحالف «تأسيس»، حُرموا من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية طوال الأعوام الثلاثة الماضية بسبب الحرب.

اتصالات مع طرفي الصراع

وقال منظمو المبادرة إنهم أجروا اتصالات مع قيادات في حكومة «الأمل» برئاسة كامل إدريس، وأعضاء في مجلس السيادة الانتقالي، إلى جانب قيادات في المجلس الرئاسي لحكومة «تأسيس»، سعياً إلى التوصل إلى تفاهم يضمن تمكين الطلاب من أداء الامتحانات في مناطق وجودهم، مع توفير الضمانات الأمنية اللازمة للطلاب والمعلمين والكوادر التربوية قبل الامتحانات وأثناءها وبعدها.

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

وكانت وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية قد أعلنت اكتمال الاستعدادات لجلوس 544 ألف طالب وطالبة داخل البلاد وخارجها لامتحانات الشهادة الثانوية المقررة في 13 أبريل (نيسان) المقبل.

في المقابل، قال وزير التربية والتعليم في حكومة «تأسيس»، كوكو جقدول، إن حكومته ماضية في إجراء الامتحانات خلال يونيو المقبل في المناطق التي تسيطر عليها. وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «نحن جاهزون لإقامة امتحانات الشهادة الثانوية، ونعمل على تسهيل جلوس جميع الطلاب هذا العام، لأن ما يهمنا هو ألا يضيع مستقبلهم». ونفى جقدول علمه بالمبادرة القومية لتوحيد الامتحانات، فيما لم يصدر تعليق رسمي من وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية، بعد تعذر التواصل مع وكيل الوزارة أحمد خليفة. وتعد هذه المرة الأولى التي يعلن فيها عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية داخل إقليم دارفور منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.

مخاوف من ترسيخ التقسيم

يرى مراقبون أن إجراء امتحانات منفصلة في مناطق سيطرة كل طرف قد يفتح الباب أمام تكريس واقع الانقسام، ليس على المستوى السياسي والعسكري فقط، وإنما على مستوى المؤسسات التعليمية والخدمات العامة أيضاً.

وفي هذا السياق، قال عضو لجنة المعلمين سامي الباقر إن تنظيم امتحانات مستقلة في مناطق سيطرة الجيش و«الدعم السريع» يمثل «مدخلاً خطيراً لتقسيم البلاد إدارياً وسياسياً». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «طالبنا مراراً بإبعاد ملف التعليم عن الصراع، وأن تتولى وزارة التربية والتعليم الاتحادية الإشراف على امتحانات الشهادة السودانية في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة طرفي النزاع». واقترح الباقر تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة تضم خبراء تربويين مشهوداً لهم بالكفاءة والنزاهة، تتولى تنسيق الامتحانات والإشراف عليها في كل أنحاء السودان.

أسر سودانية تحتمي بأسوار إحدى المدارس في أم درمان هرباً من الحرب (أ.ب)

ويسيطر الجيش السوداني حالياً على ولايات الوسط والشرق والشمال، بما في ذلك سنار، ومعظم ولاية النيل الأزرق، وأجزاء واسعة من جنوب كردفان، إضافة إلى ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، فضلاً عن أجزاء من ولاية شمال كردفان.

في المقابل، تسيطر «قوات الدعم السريع» على ولايات دارفور الخمس: جنوب وغرب وشرق ووسط وشمال دارفور، إلى جانب أجزاء واسعة من ولايتي شمال وغرب كردفان، فيما تسيطر «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز الحلو، الحليفة لحكومة «تأسيس»، على منطقة كاودا في جنوب كردفان.

وفي محاولة لمعالجة أوضاع الطلاب النازحين من دارفور، قال وزير التربية والتعليم في الولاية الشمالية، التجاني إبراهيم، إن الوزارة الاتحادية خصصت مراكز خاصة لاستقبال طلاب دارفور النازحين وتمكينهم من أداء الامتحانات دون عوائق.

وسبق أن أعلنت وزارة التربية والتعليم الاتحادية اكتمال ترتيبات السكن والإعاشة للطلاب والطالبات القادمين من دارفور إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.

إبعاد التعليم عن الصراع

ويستحضر كثير من التربويين تجربة الحرب السابقة في دارفور بين عامي 2003 و2010، حين كانت امتحانات الشهادة السودانية تُنظم في مناطق يتم التوافق عليها مسبقاً، مع توفير ترتيبات تضمن وصول الطلاب إلى مراكز الامتحانات ثم إعادتهم إلى مناطقهم بأمان.

من جانبه، قال الخبير في فضّ النزاعات عبد الله آدم خاطر إن الطلاب يمثلون الشريحة الأكثر تضرراً من الحرب، بعدما حُرم آلاف منهم من حقهم في التعليم والامتحانات لأكثر من 3 أعوام متتالية.

الحرب ساهمت في ضياع 3 أعوام دراسية في السودان (أ.ف.ب)

وأضاف: «رغم الدعوات الداخلية والدولية المتكررة لإبعاد التعليم والصحة عن دائرة الصراع، فإن طرفي الحرب لم يستجيبا حتى الآن بالشكل المطلوب».

وأشار خاطر إلى أن تجربة التفاهمات التي جرت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشأن تحييد منشآت النفط في منطقة هجليج بغرب كردفان من العمليات العسكرية، يمكن أن تشكل نموذجاً قابلاً للتطبيق في ملف التعليم أيضاً. وقال: «إذا تمكن الطرفان من الاتفاق على حماية منشآت النفط، فمن الممكن، بالتنسيق مع المنظمات الدولية المعنية بالتعليم، التوصل إلى تفاهم يضمن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بصورة موحدة في جميع أنحاء البلاد، بعيداً من خطوط القتال والانقسام السياسي».